كلنا نكتبه.. لكن ملّكَتُه صعبة
هذا النص ضمن العدد 12# من «مُنتهى الأدب»
تنقذ كتابة اليوميات الكاتب من لعنته الأبدية -الإلهام-. فالغرض السريع من تدوينها لا يكفي لإثارة الخيال، تبدو كأنها لا تُسبر الطبقات ولا تغلفها، كتابة تعمل بقوة دفع الحاضر، محفوفة بمخاطر أن تضعف عبقرية الكاتب، أو تكشف غموضه.. أو نظرته العادية للحياة.
إنها جنس أدبي غير مشوّه البنية، ذو شق صغير في بنيته رغم سيولة شكله. لا يشبه المذكرات في سعيها للخلود، ولا السير الذاتية التي تحجز مسبقًا مقعدًا في الصفوف الأولى هناك.
هذا، طبعًا، في حالتها المثلى: حين تُكتب بعد مرور يوم -أو نصف يوم- على التجربة، وحين تؤرخ كالنوتة، حتى لو لم تُدون فيها الساعة والتاريخ.
كجذع شجرة يبحر وحده في نهر، تعترضه أحيانًا صخور صغيرة، خروقات غير متوقعة في استمرارية السرد.
تتجه اليوميات إلى قارئ وحيد مستقبلي: الكاتب نفسه، في صورته الكارتونية: يرتدي زي رواد الفضاء، موصولًا بأنابيب، يعمل ضد الجاذبية في مدينة من مدن المستقبل.
وحين تُنشر وتصبح على المشاع، تظل قراءتها فعلًا منتجًا، وربما منقذًا.
هل تستمد هذه الصفة من يوميات الناس العادية؟
من خُلق أولًا: البيضة أم الفرخة؟
مَن لُعن أولًا؟
وهل تخون هذه الفكرة حين تُنزع عنها سريتها؟
عادة تُكتب اليوميات بشعورين متضاربين:
أنها أقل الأشياء نفعًا في هذا العالم، وفي الوقت ذاته، جولة شبه مجانية في مستنقع، لا يختلف كثيرًا عن الذي خطط الكاتب بنفسه للغرق فيه.
وربما لا توجد عبارة أصدق لوصف الكاتب الألماني هانز فالادا من «غني بكل مصائبه».
فروحه، التي تشبه بنطالًا مرقعًا بخيوط من الألم والخدر، أُعيد اكتشافها أخيرًا بعد عقود من التجهيل، رُفعت من أرض الخزانة، وخُصصت لها شماعة محترمة بين البدلات اللامعة. كأن غرزها المفتوحة هي أناقتها الوحيدة الممكنة.
في «تقرير موضوعي عن سعادة مدمن المورفين»، الذي كُتب في أواخر حياة فالادا، وهذا ليس اسمه الحقيقي، ولم يُنشر إلا بعد وفاته، يدوّن في فصوله الأولى يوميات تتبع معاناته في الحصول على الجرعة بشكل غير قانوني.
يصف الحيل التي تدفعه إلى ذلك، والنعيم اللحظي الذي يناله من سريان المورفين في جسده.
ثم، بقرار واعٍ، يزج بنفسه في السجن، بديلًا عن هواجس المصحة التي تلاحقه، أملًا في العلاج.
بغتة، تتحول الكتابة الوثابة والمكثفة عن الإدمان إلى سردية عن أحوال زملائه المساجين.
هنا، تبدأ اليوميات في تعريجة: تضخ جرعة زائدة من التفاصيل، كأنها تُصاب بالدوار من امتلاء لا يحتمل، امتلاء لا يُطاق إلا داخل جنس أدبي أسمه: اليوميات. أو ربما في وعاء سري لا يُرفع منه سائله إلا لمَن كتب.

يوميات أخرى لكنها ليست ألمانية، ولا تتصل بإدمان، بل بالعمل السياسي. لا ترغب في أن تكون في العالم الذي رسمه صنع الله إبراهيم حول تجربة سجنه، فمجرد قراءتها يثير خيالًا مضادًا، كدرع نفسي ضد عنفها وقسوتها. لكنها مفيدة، فكل الخطوط الكبرى في كتابة صنع الله تشكلت من شذرات تلك اليوميات. لا أعرف يوميات أكثر غموضًا وتشفيرًا، وغير أدبية رغم صدورها ككتاب، مثل «يوميات الواحات». فبحسب رواية الكاتب نفسه، كتبت أصلًا لتسلية شيخوخته، لولا أنه أفرج عنها عام 2005.
قراءة هذا الكتاب تتطلب جهدًا خاصًا في الربط، تشغيلًا دائمًا للذهن، ووصلًا بين نقاط مبعثرة، واستدعاءً لشخصيات وعلاقات وقطع زمنية تتكشف ببطء، كل ذلك مع تشكل تدريجي لشعور الكاتب وفكره. فإذا ثابرت، يتجسد كاتبه فيك، وتعايشه، وإن مررت عليه بروح نزيل لا بروح الكاتب، فالكتاب لا يزال قادرًا أن يوقفك عاريًا، ويلقي عليك جردلًا من البول والبراز. تكتشف جلدك، وتبحث في أحد أركان المفكرة عن صابون نابلسي. حتى الورق بين يديك -أو سطوع شاشة كيندل- يهيئ أصابعك للإمساك بورق أرز أو بفرة الذي دوّنت عليه هذه اليوميات بين 1962-1964، أو تتخيل حروفًا خُطت بالميكروكروم، ومغلف بكرتون علب الطعام والسجائر في السجن. جنس أدبي مضاد للتمثيل والبطولة. كل كلمة فيه بثمن، يساوي حياة الكاتب نفسه.
في إحدى شذراته، يعثر القارئ على الجملة التي تفضح لعنته، حين قال: الفم كالسجن، يحتوي داخله عندما يُغلَق كائناتٍ حية.
كائنات مخيفة وحميمة، تخلقت مع مرور السنوات داخل السجن، في مستنقعات الترنش -مجمع الصرف الصحي خارج الأسوار- ومن تقليبه هو وزملاؤه لصناعة سماد عضوي للخضراوات التي يزرعونها في السجن، ترنش واحد للنزلاء والحراس.
استيقظتُ على صوت العاصفة.
تحركت من السرير إلى الطرقة، وصولًا إلى البلكونة، هناك، حالة من الرضا الهندسي يسببها الروتين الأقدم في حياتي: الطريقة التي أُكيّف بها نومي، بحيث أكون متصلًا -وأنا نائم- بضوء يغمر سقف الحجرة، منعكسًا من أرضية الطرقة، والذي يستمد نوره من مزيج أضواء الشارع، خلف الباب الزجاجي للبلكونة.
لهذا، كان تنقلي خفيفًا ومتصلًا، كما أحب.
لكن هذه المرة، نهضت بين اليقظة والحلم، ورأيت السماء تمطر ثلجًا يعتم الرؤية خلفه.
لا فراغات بين النقط، وإيقاع يوحي بأنه لا ينقطع.
أدركت أنني مستيقظ، لكن شيئًا ما كان يعمل ضد الوقت.
تدفق إليّ الشعور بأن العالم يزول.
الطبيعة تنطبق على نفسها. الجزيئات تتساقط، تتفكك إلى أول عناصرها.
وقت كأنه سائل ثقيل.
لمستٌ الوقت
لا شبكة إنترنت، لا إشارة في شاشة التلفزيون.
لا جدوى من شرب الماء.
امتلأت بهذا الشعور، ومرت الدقائق.
أضبط ساقي علي الأرضية، واتجاه جسمي استعدادًا للحظة الزوال.
اعدلوني ع القِبلة
31 مايو 2025
الساعة الثالثة والربع صباحًا
يظهر مصطفى ذكري- هذا المزيج المستمر من الإمبراطور والطفل- كمَن يكتب مدفوعًا برغبة لا تهدأ لاكتشاف كل شيء، دون أن يندمج في أي سردية أدبية كبرى. (هل يمكنه التورط في كتابة/ ممارسة السياسة؟ هل يعقل أن يشبه كاتب بين يوميات ذكري وصاحب الواحات؟)
في السنوات الأخيرة، اتخذت رحلته الأدبية شكلًا منسحبًا على كتابة اليوميات، حالة شبه فريدة في الأدب العربي المعاصر.
كان من الضروري أن يشير صنع الله إبراهيم إلى أن ما كتبه ليس رسمًا كروكيًا لرواية، بل يوميات.
فمن دون هذه الإشارة، قد تظن في الصفحات الأولى إنك تطالع سجلًا يدونه حارس مُستجد.
على نحو مشابه، فعل مصطفي ذكري الشيء ذاته.
ففي «حطب معدة رأسي»، قد تظنه لأول وهلة كتاب كوابيس متقطعة، أو قصصًا قصيرة مُتصلة، إلى أن يذكرك هو بأنها يوميات.
لكن ذكري لا يدون ما عاشه - بل يعيش عبر ما يدونه.

يكتب نفسه مُتخفيًا في أفلامه المفضلة، ومن خلال ممرات ودهاليز رأس مهشمة، دردشاته العابثة مع أصدقاء متخيلين، وحتى خلف بوستر وضعه رئيس اتحاد الملاك عند مدخل العمارة.
شخصياته تتجول بلا دليل، تبحث عن مصطفى ذكري… دون أن تجد له أثرًا، أو حتى دليلا على تجولها. أما الإطار الزمني، فيتجلى في تنظيم الصمت وتوزيعه داخل فيلم، وفي المجزرة اليومية، التي يسلب بها روحه عبر التدوين.
بحسب يومياته، يذكر ذكري أنه اعتاد في طفولته اختلاق الحجج والمبررات ليتغيب عن المدرسة، كادعاء المرض.
وهي نقطة تلاقٍ خفية بين يومياته -كعزلة أبدية مُختارة- وسجن صنع الله في الواحات، حيث ادعى هو الآخر المرض ليعفى من الانتظار في طابور استعارة ثلاثية نجيب محفوظ.
يتخيل مصطفي عالمًا يعج بالأوبئة والحروب خارج منزله، فلا يبرحه، وينكب على يومياته. كما تخيّل صنع الله في محبسه أنه وصل إلى أسلوب كتابة فريد، وصُدم حين وجد محفوظ يكتبه بمعلمة في الطريق التي دخلت إلى السجن متأخرة أربع حلقات منها مُسلسلة في إحدى الجرائد.
من السهل أن تهدأ روحي الأولي عند موقف ميكروباصات محرم بيه، خصوصًا في ساعة العصاري، من هواياتي هناك: متابعة فرش المزايدات.. شاب إسكندراني «حلنجي» يقف فوق ترابيزة مطبخ، يعرض للبيع: آيباد مسروق لُقطة، مكواة، شواية، عصارة، كسارة بندق، وطقم أطباق روميو وجوليت ناقص قطعة أو اثنتين.
يفتح المزاد عادة على تسعة وتسعين جنيهًا.
أما الهواية فهي تخمين مَن مِن الحضور حول الفرش يتقمص دور الزبون، بينما هو في الحقيقة يتبع صاحب الفرش ويزايد «فشنك».
كونت خبرة طويلة، وأصابت أغلب تخميناتي، وحفظت وجوههم واحدًا واحدًا.
لكن هذه المرة كانت استثنائية.
كل من التفوا حول الفرش يتبعونه: شباب، فتيات، عجائز، وحتى امرأة تهدهد رضيعًا بين ذراعيها.. فرقة كاملة، بتوزيع أدوار، ودراما مرتجلة لكنها مرسومة، مستمرة لساعات، من أجل اصطياد زبون، وصل للتو إلى المدينة.
كل المطلوب منه فقط: أن ينضم فقط إلى الفرش.
معضلة، تقول إنها غير أخلاقية، لكنها صادقة.
16 أبريل 2014
في فيلمها الوثائقي Joan Didion:The Center Will Not Hold، نرى الكاتبة الأمريكية جوان ديديون، عبر لقطات أرشيفية من الستينيات مدموجة مع مقابلات حديثة معها، حيث بدت في الفيلم المنتج في 2017 زهرة ذابلة في الثالثة والثمانين، يبرز أحمر شفاهها تعاريج بشرتها الرقيقة.

يسألها المخرج عن تناولها لثيمة «الثعابين» في كتاباتها، وإن كانت تعبر عن رؤي عقلها الباطن المستمدة من نشأتها. توافق، ثم تستطرد في جملتين تحوله فيهما إلى فريسة سهلة، كما لو أنها هي الثعبان ذاته.
تسأله بهدوء:
- هل لديك ثعابين؟
فيرد بنبرة قاطعة ومترفعة:
- لا، لا أحبها إطلاقًا.
فتتابع، مشيرة بذراعيها المرتعشتين:
- كيف إذن تعيش في الريف؟
- آخذ جرافة وأقتلها بها.
فترد مبتسمة:
- قتل ثعبان.. يشبه امتلاك واحد.
ثم تضحك.
في فترة ما كنت مهووسًا بتصاميم أغلفة جوان ديديون. كنت أتخيل أغلفة كتبي التي لم أؤلفها بعد، مستوحاة من عالمها.
النهارده الصبح شُفت مشهد يختصر المعنى الكبير للحياة، ويمكن كمان لفكرة البعث بعد الموت.
طفلة كانت بتجري ورا صاحبتها بعزم ما فيها. فجأة، البنت التانية وقفت، ولفّت وسألتها: «إنتي بتجري ورايا ليه؟»
الطفلة اللي كانت بتجري، وقفت هي كمان. من غير نهجان، ولا تفكير، ردّت بمنتهى التلقائية، وبصوت يملك الحقيقة المطلقة كالأزميل والمطرقة: «وإنتي مالك».
29 نوفمبر 2023، وكل يوم لأن «اليومي» مش أكتر من مطاردة جهنمية.. مش مطلوب لها تفسير، إلهام خام بمجرد أن تقرأ تسجيلهم لزمنهم فتفهم زمنك.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن