تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كتابة الأدب وقتله.. عن شوك السنوار وقرنقله 

كتابة الأدب وقتله.. عن شوك السنوار وقرنقله 

كتابة: هدى عمران 8 دقيقة قراءة

في طبعة مُسربة على الإنترنت،  بغلافٍ بدائي، مطبوع عليه صورة يحيى السنوار كروائي، مُحاطًا بورود حُمر وجبال، جعله أشبه بمغني تسعيني راسي، على بوستر شريط كاسيت، يمنحك انطباعًا أوليًا بكيتشية مُحَبَّبة، ومكتوبًا عليه: «الشوك والقرنفل - تأليف الأسير يحيى السنوار..»، وبين قوسين (أبو إبراهيم). هي الرواية المُكتملة الوحيدة لصاحبها، كُتبت وهو يقضي أربع عقوبات بالسجن المؤبد في بئر السبع بصحراء النقب، هُرِبَت مقاطع متفرقة، مثل أغلب كتابات الأسرى ونُشرت كاملةً عام 2004، كان السنوار وقتها في الثانية والأربعين من عمره، منها 14 عامًا قضاها في الأسر.

حقيقةً، قد لا يكون المنتج الأدبي لسياسي مُنضم لحركة مُؤدلجة لها طابع ديني هامًا للأدب ذاته، أو على الأقل لا يُتوقع منه الكثير، لكن تفرض شخصية السنوار نفسه ثقلها، وتدفع إلى رغبة في تلقيّ حياته كلها باعتبارها عمل خيالي غير واقعي، خاصةً بعد مشهد موته الملحمي، الذي أعاد إلى أذهاننا صورة جيفارا مقتولًا على يد الأمريكان. قرأتُ «الشوك القرنفل»، مُنجذبة إلى سيرته الشخصية ولحظة موته المشهودة وسرده المُمتع في الصفحات الأولى، لكن بإدراك لعيوب النص، هنا، والوقوف عليها. امتلَكتْ هذه الرواية سطورًا أولى عارفة بما تريد قوله، بلا ثرثرة مُعتادة من الكثير من الكُتَّاب، « شتاء 1967، المطر يزاحم اللاجئين في منازل المُخيّم» مدخل سرديّ جيد مُطعَّم ببعض الصور المجازية، وراوٍ مميز وعاطفي. لكنه (الكاتب) مالَ بعد ذلك إلى تدمير ما صنعه، بالإغراق في التفاصيل الموجهة لصالح التاريخ السياسي وأدلجته. لكن هذا التدمير لم يُخلِّف نصًا رديئًا بل نصًا ناقصًا أو معيوبًا بلا غضاضة أو رفَّة جِفن. لذلك، كيف يقرأ مهتمٌ بالأدب والشِّعر نصًا ناقصًا لشخصٍ استثنائي؟! بهذه الرغبة الخالصة في الفِهم الصادق للسنوار كإنسان، بعيدًا عن السياسة، رُحت إلى «الشوك والقرنفل»، التي مَنَحَتني بعض الخطوط الهامة لفهمه. أولها مبدأيًا رغبته الدفينة أن يصير روائيًا، وثانيها، إيمانه بالعبث الوجودي، وثالثها خلق شخصيات تشبهه، تتأرجح بين الأضداد، مُتطرفة في اختياراتها، بين الأحلام والواقعية الرثة للوجود، بين الطفولة واللاشيء، بين الأدب وقتله. 

أراد السنوار أن يكتب رواية. قد يكون حلمًا راوده منذ الصغر، وهو يدرس اللغة العربية وآدابها في الجامعة أو حتى قبلها. لم يختَر  كتابة مخطوطات أو مذكرات، بل رَاحَ إلى الأدب، الكتابة الـ autofiction، ليجمع بين السيرة الذاتية والخيال، ليستخدم عناصر من رحلته الشخصية والتاريخ المعاصر وتجربته الذاتية، مع اختلاق بعض الأحداث الصغيرة، ليحكي سيرة حياته التي هي سيرة حياة الراوي، الطفل «أحمد» الذي شهّد الحرب، وكبر في كنف الصراع مع المُحَّتل واختار في النهاية الانتفاضة. هي حكاية توازي حياة الفلسطينيين كما يرشدنا هو نفسه في مقدمة الرواية «هذه ليست قصتي، هذه قصة كل فلسطيني، واستخدمتُ الخيال في هذا العمل ليتحقق له شروط العمل الأدبي…»  

بدأ السنوار نصه بأدبية عالية، وسرد مُحكم، ورغبة مُلّحة في الحكي المتصاعد المُسترسل بلا صراع أدبي، عن كل التفاصيل التي رآها الطفل الراوي، بطريقة تصويرية. هذا السرد الدقيق تكنيك أدبيّ يُستخدم أثناء الحروب والمآسي الجماعية الكبرى، يحاول الإمساك على الذاكرة من الضياع. لذلك يتخطى النص كونه سيرة ذاتية لصاحبها، بل هو نصّ نصنفه ضمن أدبيات الحروب. بالتأكيد تحوي «الشوك والقرنفل» داخلها سيرة أيديولجية مُقنَّعة، بقناع الأدب. تدل على أن فكرة «الأديب» طارئة على السنوار، لكنها جزءٌ منه، كـ «بيرسونا» بديلة وهامشية للمقاوم الحالم المأسور في هذه اللحظة. لتتحول «الشوك والقرنفل» من رغبة كاتبها في تأليف الأدب إلى كونها إرادة راديكالية لسياسي مسجون، وظيفتها المقاومة ضد آلة المُحتل الوحشية وسُلطته، كَمَا رَفْع عصا خشبية في وجه روبوت مُتقدم تكنولوجيًا عنها بمئات السنين، ليخط السنوار على طريقته إرادته الحرة بكل طريقة مُمكنة لديه حتى الموت.

لم يكن هو العربي الوحيد، الذي يكتب أدبًا من داخل السجن، سبقه ولحقه الكثيرون، أغلبهم كانوا في الأصل كُتَّابًا، لكن السنوار (المجاهد)، منحه السجن الدافع أو الوقت لكتابة شوكه وقرنفله. يمِكِن هذه الرواية كانت فكرة استثنائية، في مغامرته، جعلته ينعم في احتمالٍ بديل لحياته، في بُعدٍ آخر، تكون فيه الأرض له، بلا احتلال ولا حروب، ويصبح فيها كاتبًا متأثرًا بنجيب محفوظ وفترته «الرمزية»، أو بلزاك السارد الدقيق لتفاصيل شخصياته الواقعية وتشابكات حياتهم، لا أن يصبح مُحارِبًا. لكن تلك الفكرة الاستثنائية ستخفُت رغمًا عنها وعنه، لأنه في النهاية وُضِعَ في مواجهة حقيقة مروعة؛ أنه يكتب في سِجن الاحتلال، وأنه أسير لمدى الحياة، وأن خياره الوحيد هو المقاومة للنهاية، وهذا الإدراك لتلك الحقيقة قَتَل الأدب لصالح الأيديولوجيا. لكن رغم ذلك القتل الأدبي، فقد منحتنا الرواية صورة مغايرة عن السنوار، أَنْسَنَتهُ، وحولته من محارب؛ مُقَدّس أو كائن بلا كينونة بشرية واضحة إلى طفلٍ رقيقٍ وخيالي، يعيش بين مآسي الحرب والآمال المُطلَقَة.  

يمتد النص زمنيا من عام 1967 - حتى 2000، أي من النكسة إلى انتفاضة الأقصى. خلال ثلاثين فصلًا، يحكي السنوار حياة الطفل أحمد المُهجر هو وعائلته من عسقلان في فلسطين عام 1948، إلى مخيمات الشاطيء في غزة، هذه العائلة مكونة من الجد والأب والعم وعائلتيهما. ننطلق مع راوٍ بعُمر الخمس سنوات، صوتٌ سرديّ رقيق يرصد التفاصيل اليومية لحياته وعائلته وسط الحرب، بعاطفة كبيرة، يصف الطفل فرحته بشراء أمه جزمة حمراء مُستعملة ليذهب بها إلى المدرسة، في عامه الدراسي الأول، يصف لِعبه مع أطفال الجيران، وحفل زفاف خالته، ومذاق الحلاوة في فمه. يعيش بين أحضان أمه وعائلته في المخيم، يذهب مع أخيه ليتسولا «الفستقية» من الجنود المصريين الذين كانوا يتمركزون في القطاع بعد التهجير عام 1948، يعطفون على الطفلين، من هنا يمهد لنا لحظة الحرب بمشهد هادئ، وجهلٍ طفولي بالفظائع القادمة. فتبدأ هذه السنة والرواية باحتلال بقية فلسطين التاريخية، وقتل العم، بينما يختفي الأب، الذي سيعرف لاحقًا باستقراره في مخيم البقعة الأردني وعدم استطاعته الرجوع إلى غزة، واستمراره في المقاومة من هناك وزواجه وتكوينه أسرة أخرى ثم قتله في مواجهات مع الجيش الأردني في أيلول الأسود. تقوم أم البطل أحمد بتربية أولادها وأولاد العم بعد رحيل أمهم. ويحكي الكاتب مدى المعاناة التي تعرضوا لها للصمود والعيش، يتعرض السرد للتاريخ السياسي للبلد بعد النكسة وتبلور الفصائل السياسية المختلفة، فتح وحماس، وتوسع المستوطنات الإسرائيلية، وتعامل بعض الفلسطينين مع الإسرائيليين ودخولهم لحدود 48، يحكي كل تلك الأحداث السياسية من خلال تشابكها مع حكايات أفراد العائلة، الذين يرمزون إلى الشعب الفلسطيني، البطل منهم والخائن. تعج الرواية بالحوارات المباشرة والخطابية، وتُبرز بطلين هما  أخو الراوي محمود أمل العائلة الذي يسافر لمصر لدراسة الهندسة، لكنه يُعتَقل حين يرجع لأرضه بتهمة انضمامه لـ«فتح»، يقضي سنين في السجن  قبل الإفراج عنه، وإبراهيم ابن العم الذي ينضم لـ «المقاومة الإسلامية»، ويصبح أيقونة للراوي الصغير، ويستشهد في نهاية الرواية، لتُحمَل جثته على الأكتاف في مشهد يُعلن اندلاع الانتفاضة.  

تستمر الرواية في السرد المتتابع للحياة، تحكي لنا قصة أفراد العائلة، بلا لحظة ذروة أو صراع كبير، ويتحول الراوي من طفلٍ لشابٍ، (لمجاهد؟)، وهكذا أيضًا يتحوّل السرد من الأدبية إلى الخطابية، حتى يصل إلى الأيديولوجية الكاملة، ليختار الراوي -الذي كبر الآن- طريق المقاومة، والانضمام للحركة الإسلامية على غرار ابن عمه إبراهيم، يختار طريقًا ويرفض آخر. ليصنع لنا السنوار رواية مُخفِقَة، بلا حبكة، بدأت بطموحٍ أدبي كبير، بسردٍ مميز للتفاصيل واستخدام لغة خاصة، وانتهت بخطابية، ضللت الرواية عن طريقها. كان الراوي الطفل  هو جوهر أدبية الكاتب، يسرد شهادته عن الحرب ببراءة وغَفلة عكست صورة موازية للقتل المُحاوط. هذا الراوي المميز، لعب وظيفة مُحكمة في رواية فظائع المُحتَّل بنقاء الطفولة ورغبتها في الحياة بأي طريقة. وأيضًا أبرز تعقيد التجربة الإنسانية في سياق الحياة الفلسطينية المحكوم عليها بالمقاومة المستمرة (كما يراها الكاتب). لكن السنوار يتخلى عن طفله لصالح الراوي المؤدلج المقاوم ضد وحشية طاغية. 

أتصور أن هذا التخلي جاء بعد إدراك السنوار (المجاهد) أن الراوي الطفل يسحبه إلى منطقة من الهشاشة والعاطفية، ترغمه على سردٍ تفصيليّ لكل الأحداث التي رآها، وهي طريقة هذا الطفل للحفاظ على الذاكرة، لأرشفة كل التفاصيل حتى شكل الكوب المصنوع من الخزف لحمايتها من الضياع في أوقات العنف والوحشية. لكن استمرار هذا الراوي الطفل كان يعني الاستسلام لفكرة أدبية محضة ترغب في غور الصدمة وتفكيكها، وإعطاء فرصة للحِداد للظهور، وهو ما لم يرده السنوار، وفضّل عليه خيارًا آخر، حوَّل  راويه إلى رمز يقاوم ضد الاحتلال، من هنا تخلّى السنوار عن وجوده الأدبي، الذي كان ينبئ بكاتب جيد وصوت خاص، لأن إدراكه للواقع الرديء والعبث المحيط في حياة تحكمها سردية إسرائيلية مُلفقة، جعله يحرق صوته، ويدرك أن حبكة روائية قد لا تتسق مع هذه الفوضى. 

التخلي عن الحبكة والتحول في صوت الراوي، وإن أفسد النص الروائي أدبيًا، لكن يليق بشخص السنوار الجموح، حين يصبح كاتبًا سيتوحد مع  أبطاله، ليقفوا معًا على الحدود القصوى للمعاني والأفكار، فيحولهم من أشخاص من لحم ودم إلى رموزٍ وأيقونات. لذلك ودائمًا، هو يوازي بين ضدين، راويين، اسمين  (يحيى وأبو إبراهيم)، الشوك والقرنفل. أيضًا يوازي بين بطلين هما محمود أخوه المنضم لحركة فتح الذي يدرس الهندسة، ويجنح للحلول السياسية، ولا يرى غضاضة في أوسلو ويعارض الأفكار «الإخوانجية»، وإبراهيم ابن عمه الذي يشتغل عامل بناء (حتى يصير رجلًا) ولا يهادن، ولا يؤمن سوى بمجابهة المُحتَّل، و يختار حركة المقاومة الإسلامية، يتعارك البطلان، الأول يتهم الثاني وجماعته باستخدام العنف والبلطات والعُصي والجنازير ضد أعضاء حركة التحرير الفلسطينية تحت أعين الإسرائليين، والثاني يتهم جماعة الأول بالفساد والسير خلف المصالح الشخصية. لكن يجمعهما الكاتب في النهاية في مركب واحد وهو التفافهما حول القضية الفلسطينية، ليحملان معا معنيين عن السنوار نفسه؛ جموح الحلم وراديكالية المقاومة. يصنع من بطليه رمزين، على غرار سرد أستاذه نجيب محفوظ. يُحوِّلهما إلى شخصين  وظيفيين  داخل النص، دورهما سرد تاريخ الاجتماع السياسي للقطاع، وتمثيل القوى السياسية، حتى العائلة هي فلسطين، وابن عمه الآخر حسن الذي يعمل مع الاحتلال رمزا للخيانة، وبطله الراوي أحمد يعبّر عن الشباب والمستقبل الذي يختار النضال. 

رغم ذلك، نرى أبطال السنوار مثله، لم يستطيعوا اختيار مصيرٍ أدبي واضح، ولم يكن لديهم  وسيلة أخرى، فصاروا رموزًا، بلا بطولة تراجيدية، لكن «بطولتهم» كانت بالمعنى النيتشوي. فهم لم ينطلقوا في الحياة بعيبٍ قاتل أدى بهم للهلاك، بل انطلقوا  من نقطة خَلقَهُم في وجودٍ عبثيّ، فتحوا أعينهم على حياة بلا عدالة، وعلى عالم أعمى ينصر القاتل على القتيل. هنا نقطة العبث، التي حرّكت البطل الحالم نحو مصيره، لأنه أدرك أن لا جدوى من العيش في هذه الحياة، انطلق بطل السنوار بشجاعة ليحقق إرادته الحرة بأي طريقة مُمكنة، بغض النظر عن السائد، ليخلق من المعاناة معنى، ناسيًا الأدب. 

عن الكاتب

هدى عمران

هدى عمران، شاعرة وروائية مصرية، تحضّر الماجيستير في العلوم السياسية، مهتمة بالنقد الثقافي والأنثروبولجيا السياسية، تعمل حاليا في التحرير الأدبي.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن