كانّ 2023: برميل متناقضات ممتع (2-2)
يوميات النسخة السادسة والسبعين من مهرجان كان السينمائي
قبل أيام، اختتم مهرجان كانّ السينمائي فعاليات دورته الـ76 (16-27 مايو)، التي شهدت تتويج فيلم «تشريح سقوط» للفرنسية جوستين ترييه بجائزة السعفة الذهبية. زميلنا محمد صبحي حضر المهرجان ودوّن يومياته هناك في كتابة تتوخّى التسجيل والتوثيق أولاً بأول، وفي الوقت ذاته، تحاكي خبرة المهرجان السينمائي، بالتجوّل بين القاعات والعروض والتأمُّل في الأحداث والأفلام، وحتى منح المساحة لبعض الانعكاسات الشخصية. بالمثل، يمكنكم التجوّل بين اليوميات، دون التزام بالترتيب أدناه.
6
متعمَّد و/أو عَرَضي
يبدأ «تشريح سقوط» لجوستين ترييه بالصوت فقط. يسأل صوتٌ نسائي «ماذا تريدين أن تعرفي؟» صوت نسائي آخر يجيب بسؤال آخر. بعبارة أخرى، نحن نستمع إلى محادثة.

ثم، أخيرًا، تظهر صورٌ. لكن ليس من هذه المحادثة، على الرغم من أننا في ما يبدو لم نبارح المكان نفسه الذي تجري فيه. صبي أعمى يتمشّي مع كلبه في شاليه أنيق يتوسّط جبال الألب الفرنسية. عندها فقط نتمكّن من رؤية المحادثة، والتي تستمر في الوقت نفسه بالتزامن مع تداخلها مع موسيقى صاخبة تأتي من الطابق العلوي. تؤشر هذه الافتتاحية على النهج المتبع في ما يلي: الكلمات والواقع لا يتطابقان بالضرورة في «تشريح سقوط».
نعرف أن المحادثة تدور بين الروائية الألمانية الناجحة ساندرا (ساندرا هولر) وطالبة دكتوراه من تلميذاتها. تتحدثان عن عمل ساندرا، وتحديدًا حول ظهور الطالبة في إحدى روايات ساندرا. تقول ساندرا إن هذا ليس حقيقيًا. تصرّ تلميذتها: «مع ذلك، كان عليك مقابلتي قبل أن تكتبي روايتك عنّي». وهكذا، يخبرنا الفيلم أن الخيال يبدأ دائمًا من الواقع.
السقوط الوارد في العنوان يعني سقوطًا حرفيًا: يسقط صامويل، زوج ساندرا، من نافذة العليّة التي يقوم بتجديدها أثناء المحادثة إياها. أم أنه، يا ترى، دُفع دفعًا؟ فريق الطب الشرعي غير متأكد من الإجابة. وفي ما يتعلّق بسبب الوفاة، أفاد تقرير تشريح الجثة أن الوفاة «متعمَّدة و/أو عَرَضية».
هذه الـ«و/أو» هي كلّ ما يدور حوله الفيلم. تبني ترييه دراما نفسية وقصّة مشدودة يبقى فيها كلا الخيارين -القتل المتعمّد أو الحادث العرَضَي- ممكنًا. يتبيّن أيضًا أن السقوط في العنوان يحمل ملمحًا رمزيًا أيضًا، وذلك بفضل ساندرا، المشتبه بها في وفاة زوجها، ويجب أن تدافع عن نفسها في المحكمة في النصف الثاني من الفيلم. في دراما المحكمة هذه (التي تذكّر بفيلم «سانت أومير» لأليس ديوب)، نرى كيف يمكن تفسير الحقائق بطريقتين وكيف أن الحقيقة مرتبطة بأي قصّة يمكن تصديقها أكثر من ارتباطها بما حدث بالفعل.
«تشريح سقوط» واحد من الأفلام التي انقسم الجمهور والنقاد بشأنها، فبينما اعتبره البعض جديرًا بالسعفة الذهبية أو على الأقل جائزة أفضل سيناريو، رأى فيه البعض الآخر تذكيرًا بالمسلسلات التلفزيونية عالية الجودة. واتفق الطرفان تقريبًا على الإشادة بأداء الممثلة ساندرا هولر (هذا هو ثاني فيلم لها يُعرض ضمن المسابقة الرسمية) مع توقّع حصولها على جائزة التمثيل في حفل الختام.
لكن ما يهمّني الإشارة إليه هنا هو ما يردّده الفيلم من أصداء لتجربة إحدى الصديقات في المهرجان. ليس في ما يتعلّق بأحداثه بالطبع -فلا أحد هنا يشتبه في ارتكاب صديقتي لجريمة قتل- وإنما بشأن ذلك الانفصال بين الواقع والكلمات، بين ما يحدث وما يقوله الناس عنه، وبشأن دور الأحاديث والسرديات الشخصية في تكوين انطباع أو فكرة ما عن المهرجان.
مثلًا، في ما يخصّ معاملة النساء في المهرجان وحوله، «تشريح سقوط» واحد من سبعة أفلام لمخرجات تشارك في المسابقة الرئيسية. عددُ حطّم رقمًا قياسيًا تحقّق في مسابقة العام الماضي (خمسة أفلام). وعليه، يبدو أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، بحسب مدير المهرجان، تييري فريمو، الذي صرّح في مقابلة مع مجلة «الفيلم الفرنسي/ Le Film Français» بأن «هذه نتيجة لتقدّم حقيقي مستمر في الحدوث»، مشدّدًا على أهمية النظرة الأنثوية في البرنامج بقوله: «الشيء الرئيسي هو أن وجود [المزيد من النساء في المسابقة] يجلب قصصًا ومقاربات وشخصيات جديدة».
هذه النظرة الأنثوية حاضرة بالفعل في كانّ. مثلًا، في «كيف تمارس الجنس»، تصوّر البريطانية مولي مانينج ووكر ثقافة الاغتصاب بطريقة تعاطفية، في حكايتها حول ثلاث مراهقات إنجليزيات يعتزمن فقدان عذريتهن في عطلة صيفية على جزيرة كريت أثناء حفلة ماجنة. كذلك، يتعامل عدد متزايد من الأفلام المبرمجة في أقسام المهرجان المختلفة مع مسألة التمييز على أساس الجنس.
مجموعة مختارة: «وداعًا جوليا»، أول فيلم سوداني يشارك في تاريخ المهرجان، يستكشف صداقة معقدة بين امرأتين من شمال وجنوب السودان ويلقي باللوم صراحةً على النظام الأبوي في تعقيد حياتهما ومشاعرهما. «إن شاء الله ولد» للأردني أمجد الرشيد يحكي قصّة امرأة تناضل من أجل حقوقها في الميراث بعد وفاة زوجها. يتناول «بانل وأداما» للسنغالية راماتا تولاي سي المعايير المزدوجة في التعامل بين الرجال والنساء في السنغال. يتعامل «فايربراند» (كريم عينوز) مع نقص المعرفة التاريخية حول النساء ويصحّح هذا النقص من خلال تقديمه بورتريهًا نقديًا للملك هنري الثامن في علاقته بأقوى زوجاته، كاثرين بارّ. «بنات ألفة» (كوثر بن هنية) يتساءل عن إمكانية حرية الاختيار للمرأة في تونس. ورغم تواضع مستوى أغلب هذه الأفلام، إلا أن اجتماعها معًا يقول شيئًا عن التزام ما من المهرجان تجاه إبراز قضايا وحقوق النساء.

في الوقت ذاته، يُفتتح المهرجان بفيلمٍ يبشّر بإحياء أيقونة مناهضة للنسوية، والحديث هنا عن جوني ديب. وتزامن هذا مع اتهام الممثلة الفرنسية آديل آنيل المهرجانَ بأنه مستعد لفعل أي شيء للدفاع عن نجومه المغتصبين، في إشارة إلى كل من المخرج رومان بولانسكي، والممثل جيرارد ديبارديو، ودومينيك بوتونات، رئيس المجلس الوطني للسينما؛ الذين تلاحقهم اتهامات مختلفة بالتحرّش والاغتصاب وسوء المعاملة.
في المؤتمر الصحفي لفيلم «مايو - ديسمبر» للمخرج تود هاينز، شجبت بطلته ناتالي بورتمان تناقض المهرجان قائلة: «حتى هنا [...] من المتوقع أن نتصرّف بشكل مختلف عن الرجال. التوقعات مختلفة طوال الوقت. وهذا يؤثر على طريقة تصرّفك»، مشيرة من بين أمور أخرى، إلى «الدريس كود» (غير المكتوب) للسجادة الحمراء.

حديث بورتمان واتهام آنيل والتناقض الكانّي الفجّ في التساهل مع البعض والتضييق على آخرين، كان مثار نقاش مطوّل بيني وبين ناقدة هولندية شابّة زاملتها في السكن أثناء فترة انعقاد المهرجان، وأفضى في الأخير إلى الحديث عن تجربتها الشخصية في المهرجان. بحسب كلامها، فتجربتها في المهرجان تختلف كثيرًا عن تجربة زملائها الذكور، أو على الأقل أولئك الذين تشاركهم في الشقة. ووفقًا لكلامها أيضًا، فهذا ينطبق على الوضع في هولندا كذلك، لكن ما لفت انتباهها هنا في «كانّ» اصطباغ المسألة بطبقة إضافية مُربكة. فهي تشاهد أفلامًا عن اضطهاد المرأة، وعندما تخرج من صالة السينما تجد نفسها في مهرجانٍ يُظهر من نواحٍ، كبيرة وصغيرة، التضييق نفسه.
أيًا يكن، وبدون الخوض في الأمثلة التي أوردتها، وبغض النظر عن الرأي المبدئي لمواطن عالم ثالثي مثل العبد لله في طبيعة المشاكل التي تواجهها الزميلة الهولندية في المهرجان الفرنسي؛ فالشاهد في الموضوع أن هذه السلوكيات المزعجة بحقّها من جانب أفراد المهرجان، سواء كانت متعمّدة و/أو عَرَضية، لا يهمّها كثيرًا التحقّق بشأنها. المهم أنها مزعجة وتعكّر تجربتها.
هذا اللقاء وما أثمره من نقاشات ربما كان هو أيضًا متعمّدًا و/أو عَرَضيًا. المؤكّد أن الحديث الصريح بين غريبين تقاطع مسارهما في لحظة معيّنة يكشف للمرء جانبًا حياتيًا يوميًا قد لا يعيره انتباهًا لو لم يكتشفه بضمير المُخاطَب. والأهمّ أن يدرك المرء امتيازاته، سواء كان ذكرًا مصريًا أسمر يملك ما يكفي من وقت وجهد وبالٍ طويل للذهاب إلى مهرجان سينمائي كبير للمرة الأولى في حياته، أو شابّة هولندية بيضاء لديها ما تستحق أن تحسدها عليه بنات جنسها في نصف العالم تقريبًا.
والحقيقة، أنه حين معاودتي التفكير في انزعاج الزميلة الهولندية، أبعد من آرائي المسبقة واُطُري الهوياتية، وباتباع آلية تعلّمتها من السينما بوضع نفسي مكان الآخر ومحاولة رؤية الأمر من منظوره؛ أتفهّم نسبيًا وجهة نظرها كامرأة أوروبية تُقابل ببعض التصرّفات المزعجة (والمتكررة) فقط لأنها امرأة. وأتفهّمها أيضًا على نحو أوضح، حين أطالع من حولي ملصق المهرجان الذي تحتله هذا العام صورة لكاثرين دونوف، دونوف التي وقّعت في عام 1971 بيانًا داعمًا لحقّ النساء في الإجهاض، قبل أن تعود بعدها بـ40 عامًا لتدافع عن المتحرّشين بالنساء.
والحال أنه كما في «تشريح سقوط»، هناك فجوة كبيرة بين الكلمات والواقع في «كانّ».
7
مصنع أفلام جودار السرّي
لم تكن العلاقة بين جان لوك جودار ومهرجان كانّ أفضل العلاقات. فقبل أن يصير الأول ذلك السينمائي الأسطوري الذي سيصبحه بعد عقود، كان عضوًا مشاغبًا في جماعة «الموجة الجديدة»، وبالطبع تعارضت فلسفته السينمائية الراديكالية بشكل مباشر مع ما أسماه وجماعته بـ«سينما الآباء/ cinema du papa» التي تعهّدها المهرجان بالرعاية والحفاوة. لم تُعرض أفلام جودار المبكرة، مثل «حتى آخر نَفَس» (1960) و«المرأة هي المرأة» (1961) و«لتعيش حياتها»، في مهرجان بلده، بل عُرضت (وفازت بجوائز) في «برلين» أو «فينيسيا».

أدّى التزام جودار الماركسي الماوي المتزايد -القوة الفكرية الدافعة وراء طلقته السينمائية «الصينية» (1967)- إلى زيادة توتُّر علاقته المتعثرة بالفعل مع أهم مهرجان سينمائي في العالم، ما أفضى إلى مواجهة مشهودة في عام 1968. بينما استمرّ العمّال والطلاب في جميع أنحاء فرنسا في الإضراب والتظاهر، كانت الأمور على حالها المعتاد في «كانّ»، معقل البرجوازية الوديع. احتج جودار جنبًا إلى جانب رفيقه فرانسوا تروفو أمام جمهور غاضب من الزملاء وغيرهم من المتخصصين في صناعة الأفلام: «نحن نتحدث عن التضامن مع الطلاب والعاملين، وأنتم تتحدثون عن حركة الكاميرا واللقطات المقرّبة أيها الأوغاد!» بعد فترة وجيزة من هذه اللحظة الأيقونية في تاريخ السينما، أُعلن رسميًا انتهاء نسخة مهرجان كانّ لعام 1968 قبل موعدها المحدد.
لم تستقر الأمور تمامًا مرة أخرى بين المخرج المعارض ومهرجان كان. ذات مرة، عندما سُئل جودار في مقابلة عن سبب ندرة اختيار أفلامه لمسابقة المهرجان الرئيسية وعدم دعوته قطّ للمشاركة في لجنة التحكيم، أجاب بلا مبالاة: «لا أريد أن أكون جزءًا من العائلة». هنا يضع جودار أصبعه في موضعٍ مؤلم، لأن الروابط العائلية لمهرجان كانّ يسهل رؤيتها وإدراك متانتها، إلى الآن.
«العائلة» التي يقصدها جودار يشير بها إلى هؤلاء السينمائيين الذين قد لا يكون خبر مشاركة فيلمهم الجديد في مسابقات «كانّ» مفاجئًا؛ «السبسكرايبرز» القدامى مثل كين لوتش وهيروكازو كوريدا وناني موريتّي ونوري بيلجي جيلان. قدامى المحاربين في «كانّ» المتوائمين مع شروط المهرجان، ويلعبون وفقًا للقواعد ويصنعون أفلامًا ستُشاهد بكل سرور هنا: «آرتهاوس سينما» كما يقول الكتاب، ويفضّل أن تكون مطعّمة ببعض الأموال الفرنسية والإيماءات الكبرى لقضايا ومسائل. أحدث مثال على ذلك رئيس لجنة التحكيم لهذا العام، روبن أوستلوند، الفائز مرتين بجائزة السعفة الذهبية، بفيلمين فنّيين وجماهيريين في الوقت ذاته، ببنى سردية أليفة رغم ما يفترض بهما إحداثه من تخريب.
أوستلوند يثير إعجاب القائمين على «كانّ»، أو على الأقل هذا ما يخبرنا به تاريخ مشاركاته في المهرجان. عادة ما يقوم أفراد «العائلة» بتقديم أضعف الأفلام في المسابقة، الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعًا حول سبب استمرار دعوتهم. هل هم موجودون هنا بسبب جودة أفلامهم أم لارتباطهم الوثيق بالمهرجان؟ هذا العام، مثلًا، فيلم «نادي الصفر» للمخرجة النمساوية جيسيكا هاوسنر، المخيب للآمال والمتواضع، أفضل مثال على فيلمٍ لا يستحق مكانًا في المسابقة الرسمية، ولكنه رغم ذلك يتواجد فيها. لماذا؟ لأن هاوسنر تنتمي إلى عائلة «كانّ».
في الفيلم تتواجد من جديد بصمة هاوسنر (وهي سينمائية جيدة بالمناسبة) -إطارات مائلة تؤكد على انحراف العالم، تمثيل اصطناعي من قبل الممثلين، أصوات مجروشة في الموسيقى التصويرية- لكن الأهمّ أن المحتوى نفسه مفقود. وبالتالي، فالسردية الهجائية منزوعة الدسم للفيلم حول الحقائق البديلة وأنماط الحياة الغذائية المتطرّفة، تشير قبل أي شيء إلى ميل «كانّ» نحو برمجة أليفة نابعة ربما من إحساس بالواجب والالتزام تجاه أفراد العائلة الكانّية. الأمر ذاته ينطبق -بدرجة أقل- على فيلم «العودة للديار» للفرنسية كاثرين كورسيني، كما فيلم «بنات ألفة» لكوثر بن هنية.
بالعودة إلى جودار، فمنذ وفاته المفاجئة في سبتمبر الماضي، لم يستطع «كانّ» التهرّب من تكريم المشاغب اللدود. يوم الحادي والعشرين من مايو الماضي، عُرضت نسخة غير منتهية مدتها 20 دقيقة من فيلم جودار الأخير «حروب زائفة/ Phony Wars» (العنوان الكامل: فيلمٌ إعلاني لفيلمٍ لن يوَجد أبدًا: حروبٌ زائفة).

قبله، عُرض الفيلم الوثائقي «جودار بواسطة جودار»، المُنشئ بالكامل من مقابلات أرشيفية مع جودار وأشخاص عملوا معه. على الرغم من تنسيقه التقليدي، كافأ الفيلم الوثائقي جمهوره لاشتماله على مواد تلك المقابلات الذهبية التي قدّمها المخرج في حياته. كل مقابلة مع هذا السينمائي الرؤيوي المتمرّد مشحونة بتوتّر وانفعال وتفتيح سكِك. حين يُسأل عمّا إذا كان يعتبر الإخراج مهنة، يتنهّد جودار ويقول: «نحن نخطو بقدمنا الخطأ هنا».
ربما أكثر الأفكار إثارة للاهتمام في الفيلم الوثائقي عندما يقول جودار إنه لا يصنع أفلامًا، بل سينما. وهذا يشمل فيلمه الأخير غير المكتمل، «حروب زائفة»، والذي يبدو كنسخة أكثر هدوءًا من آخر أعماله المكتملة «كتاب الصورة» (2018).
هذا أيضًا فيلم مونتاج فكري، قوامه قصاصات كتب وصور منسية ومهملة وقطوف أفكار تكوّن كولاجًا يمثّل منهجية جودار كباحث في جوهر السينما. عملٌ خشن ووعر، بصورٍ بالكاد تتحرك، وكأنه استجابة تطبيقية لتلك اللحظة في «جودار بواسطة جودار» التي يعلن فيها جودار بانفعال أن التلفزيون يتعيّن عليه ألا يبثّ سوى الصور الفوتوغرافية. ورغم ذلك، فهذه سينما، لأنها مليئة بتأملات في مادّية الصورة، والمعنى الخفي لعبارة ما، والسرّ وراء مفردة ما. هنا يمكنك الحصول على لمحة مباشرة للهيكل العظمي للغة جودار السينمائية، في حدّها الأدنى، ورغم هذا لا تزال مليئة بالحيوية والإلحاح.
في «جودار بواسطة جودار»، يصف الناقد الفرنسي المؤثّر سيرج داني، جودار، بأنه «مصنع أفلام سرّي». للأسف، في الوقت الحالي، لا يقدّر الناس سينما جودار المتأخرة بما فيه الكفاية، ولكن وراء الكواليس تشقّ أفكار جودار طريقها إلى وعي أجيال جديدة من سينمائيين يستلهمون بطريقة ما من نظرياته السينمائية الجامحة. هذا بالضبط ما يمكن الإحساس به في«حروب زائفة»: غير مكتمل، ولا يمكن سبره فورًا، وبالطبع يحتاج إلى أكثر من مشاهدة لهضمه، ولكنه، لاحقًا، سيصبح مستودع مرئي سخي لأفكار ستظهر في عملٍ جديد. نتمنى أن يأتي هذا العمل من قبل مبدعين راديكاليين جدد يجرؤون على اقتحام الكوخ المقدس في «كانّ» وتحدّي «العائلة»، بطموحٍ وفضول وابتكار.
8
أين ذهبت أوكرانيا؟
«حتى لا ننسى أبدًا»، عبارة غربية معيارية نسمعها عند تخليد ذكرى الحروب وضحاياها. تُنطق بنبرة جليلة بينما يجتمع الحاضرين بزيّ مناسب ورؤوس محنية عند نصبٍ تذكاري مع أكاليل زهور وورود ودقيقة صمت. وهو ما سيحدث بلا شك في الوقت المناسب لضحايا الحرب في أوكرانيا، عندما تنتهي أخيرًا، ويُسترَد القتلى وتُبنى النصب التذكارية.
لكن أي شخص يسير في الكروازيت هذا العام قد يعتقد أن الحرب في أوكرانيا انتهت بالفعل.
في العام الماضي، كان لأوكرانيا حضور مهيمن في المهرجان. مع أفلام مثل «رؤية الفراشة» لمكسيم ناكونتشكي، و«التاريخ الطبيعي للدمار» لسيرجي لوزنيتسا، و«بامفير» لدميترو سوكوليتكي-سوبشوك، وبالطبع «ماريوبوليس 2» لمانتاس كفيدارافيسيوس، كذلك أيضًا بحضور النشطاء والشعارات على السجادة الحمراء، والمناقشات حول وجود وغياب الممّولين والصحفيين الروس، والحضور الدرامي عبر فيديو كول للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في ليلة الافتتاح، حيث أعاد تذكير جمهور المهرجان بأن «من الضروري أن لا تصمت السينما». ثم صفّق الجمهور مطوّلّا.
نحن الآن بعد عام. والشعور السائد (على الرغم من القصيدة الأوكرانية التي قرأتها كاثرين دونوف في ليلة الافتتاح) كأن المهرجان لا يعرف أن حربًا تدور في شرق أوروبا.
كلّ المهرجان؟ بالطبع لا. فلا يزال أحد مكونات المهرجان الصغيرة محتفظًا بقدر من الشجاعة: قسم «آسيد/ ACID»، وهو برنامج جانبي مستقل في مهرجان كانّ منذ عام 1993، تقوم على تنظيمه «الجمعية الفرنسية لتوزيع السينما المستقلة». قسمٌ صغير ليس فقط لحداثته النسبية (البرامج الجانبية الأخرى مثل «أسبوع النقّاد» و«أسبوعي السينمائيين». موجودان منذ 1962 و1969، على الترتيب)، بل أنه يأتي في ذيل المكانة بين الأقسام الثلاثة. منذ بضع سنوات فقط صار المهرجان يذكر الأفلام المختارة للقسم في برنامجه، فيما يتجاهل معظم الصحفيين والنقّاد القسم كأنه عضو منبوذ في المهرجان الراقي. هنا، يمكن مشاهدة الفيلم الوحيد عن أوكرانيا: «في الرؤية الخلفية» للمخرج والسائق البولندي، ماتشك هاميلا.

في فبراير الماضي، بالتزامن مع مرور عام على بدء الحرب الأوكرانية، ذكرت مجلة «فارايتي» أنه بالرغم من أن صناعة السينما الأوكرانية الرسمية متوقفة فعليًا، فقد قُدّمت بالفعل العديد من الأفلام الأوكرانية إلى المهرجانات الكبرى. وبالتالي لا يعني ذلك نقصًا في الإنتاجات والأعمال الأوكرانية، على الرغم من أنه من الواضح أنه لا مجال لشيء يمكن قوله حول الجودة. قبل عرض فيلم «في المرآة الخلفية»، أعلن «آسيد» أيضًا أنه شاهد عدة أفلام عن الحرب في أوكرانيا، واُعتبرتْ جميعها غير مناسبة للعرض؛ دون الخوض في تفاصيل حول الأسباب. لكن مع «في الرؤية الخلفية»، كان واضحًا على الفور للمبرمجين أن «هذه سينما».
وهذا صحيح. ففي الفيلم مفهوم أساسي قوي: مخرج الفيلم ماتشك هاميلا كان سائقًا لسيارة/شاحنة تُستخدم لنقل الأوكرانيين الفارّين من شرق البلاد، في الأيام الأولى للغزو الروسي لأوكرانيا. أحيانًا داخليًا، على سبيل المثال إلى كييف، وأحيانًا على طول الطريق إلى الحدود البولندية. كان هاميلا يقوم بذلك منذ فترة، كعامل إغاثة متطوّع، قبل أن تبرز فكرة صنع فيلم تسجيلي عنه. لذا فالعمل التسجيلي البسيط والفعّال يبدو وكأن شخصًا ما قد صعد للتو إلى مقعد السائق حاملاً كاميرا ليصوّر الركّاب (المتغيّرين باستمرار). وهو ما كان عليه الأمر بالفعل.
كيف تصوِّر الحرب؟ وبشكل أكثر تحديدًا، كيف يمكنك تصوير حرب يفترض أن جزءًا كبيرًا من جمهورك قد أُرهق بالفعل من متابعتها؟ فورمات التاكسي أو سيارة الأجرة، الذي يتبعه الفيلم بشكل أساسي، كان اختيارًا ذكيًا: فهو مألوف وشخصي وودود. حقيقة أن هاميلا كان يقود سيارته بالفعل قبل قراره تشغيل كاميرته يحميه من أي اتهام بإساءة معاملة الفارّين بسبب مشروعه الفيلمي. أخبرني صانع الفيلم بعد العرض أن الأمر تطلّب بروتوكولًا صارمًا، لطمأنة الركّاب من أن المشاركة في الفيلم التسجيلي لن تكون شرطًا لإقلالهم. وفي المقابل، لم يكن من الضروري ملء الاستمارات المعتادة، التي يعطى الأشخاص المصوَّرون بموجبها الإذن باستخدام اللقطات؛ إلا بعد انتهاء الرحلة، وبعضهم لم يفعل أصلًا.
يقول هاميلا: «شعر الناس بحاجة هائلة لمشاركة قصتهم، ليس فقط معي، ولكن مع العالم بأسره، من خلال هذا الفيلم التسجيلي». وهكذا يمسك أحد الأطفال بقصاصة ورقية مدوّن فيها أسماء وأرقام هواتف، يعرضها بفخر على الكاميرا، ويعيد فتحها وإغلاقها مثل جوهرة. أمّ بديلة حامل، لم تعد عيادتها موجودة، إلا أنها تخطط بالفعل للفرار من أجل طفلين بديلين آخرين، لتمويل شراء سيارة وإصلاح منزلها المهجور. سيدة كونغولية أصيبت بثلاث رصاصات في جسدها، فأقلّها هاميلا بنفسه إلى المستشفى (لأن لا سيارة إسعاف موجودة) محاولاً قدر الإمكان السير برفق على الطريق الوعرة المؤدية إلى بولندا. الطفل الذي لم يتفوّه بكلمة واحدة منذ القصف الروسي ولكن الآن في السيارة يقنعه طفلٌ آخر بتقليد أصوات الحيوانات معًا. ثم هناك تلك السيدة العجوز التي تغالب دموعها حين تتحدث عن بقرتها (واسمها جميلة)، والتي كان عليهم تركها وراءهم.
وكل هذا بينما تكون الطريق سالكة اليوم، وفي اليوم التالي في أيدي الروس، بعد قصف المنازل والجسور والدبابات. ثم في إحدى الليالي، وعلى ضوء المصابيح الأمامية، يظهر أمامهم فجأة أربعة ألغام صغيرة على الطريق. يستدير هاميلا، باحثًا عن طريق مختصر. «في الرؤية الخلفية» فيلم جماعي وصورة جماعية تشمل تجارب فارّين جمعتهم الصدفة والحرب وهدف واحد مشترك: إيجاد ملاذ آمن. في السيارة، ملجئهم المؤقت، تختفي اختلافاتهم في الجنس والعمر ولون البشرة والأصل والهوية. بشرٌ محاصرون في الزمان والمكان، يواجهون حالة من عدم اليقين هنا والآن، يختارون التخلي عن أغلى ما لديهم أثناء صعودهم مباشرة إلى سيارة متربة تحمل لوحات أجنبية. تقطع السيارة عشرات الآلاف من الكيلومترات وتقوم بوظائف مختلفة: غرفة انتظار، مستشفى، مأوى، غرفة أسرار واعترافات.
واحدة من اللاجئين العديدين في المقعد الخلفي لسيارة لهاميلا، امرأة فرّت من ماريوبول المحاصرة، حضرتْ عرض الفيلم في «كانّ». بعيونٍ دامعة، خاطبت الجمهور بعد مشاهدته: «ترك الفيلم انطباعًا كبيرًا في نفسي. هربتُ من ماريوبول وانتهى بي الأمر هنا في فرنسا. لكن الكثير من الناس ظلّوا هناك، والعديد من الضحايا. بالنسبة لي من المهم جدًا إعلام الناس أن الحرب مستمرة». يُكمل المخرج: «الستالينية ليست سوى وجه آخر للفاشية. وأخانا الأكبر سيبقى متعطشًا للمزيد. إذا تمّ الاستيلاء على أوكرانيا، ستتبعها دول أخرى».
«في الرؤية الخلفية» فيلمٌ مرير، خصوصًا حين مشاهدته في سياقٍ يصدّر انطباعًا بأن الأوروبيين يفضّلون ترك الحرب وراءهم. الفيلم ليس النداء الوحيد للحثّ على استمرار الاهتمام بهذا الصراع المستمر. قد يكون الضجر من الحرب مفهومًا لجمهور لا يعيش بنفسه احتلالًا وعدوانًا، ولكنه ليس خيارًا للأوكرانيين. وضجر بقية العالم من الحرب يمكن أن يقتلهم حرفيًا. لذلك، عليهم أن يبتكروا شيئًا لإثارة الانتباه ومن ثمّ الأمل أن يوفّر جهدهم أكسجينًا جديدًا لشعلة المشاركة والتعاطف، لتحفيز الحوار المستمر والوعي. وهذا ما تفعله الكاميرات. أو كما حذّر المخرج بعد عرض الفيلم: «يجب أن تظل منتبهًا دائمًا».
«في الرؤية الخلفية» يفعل ذلك من خلال تقديم معاناة الأوكرانيين في فورمات ليّن وسهل الهضم. المدوّنة الأوكرانية الشهيرة إيلونا شرنوباي فعلت ذلك عبر تلطيخ نفسها بدماء مزيفة على السجادة الحمراء في«كانّ». كانت فرصة قصيرة لالتقاط الصور قبل أن يبعدها رجال الأمن، لكنها كافية لتنتشر الصور على الإنترنت. حقيقة أن شرنوباي شابّة جميلة بقوام عارضة أزياء، لافتة وجذّابة، وارتدت فستانًا مثيرًا باللونين الأصفر والأزرق تدفّق عليه الدمّ.. ربما كانت ضرورية للانتشار. هذا هو منطق التجارة. أعوج، لكن هذا هو الحال، وقد تصرّفت وفقًا له، وهكذا نجح الأمر.
وهكذا يواصل الأوكرانيون أنفسهم تذكير الأوروبيين بالحرب في قارتّهم المشتركة. لئلا ينسوا.
9
سوء فهم محرج
قبل حوالي شهر من بدء مهرجان كانّ، تهلّ على روّاده بشائر المتعة الأولية بالمؤتمر الصحفي الذي تٌعلن فيه أفلام الاختيارات الرسمية («المسابقة الرئيسية» + «نظرة ما»). في إعلان النسخة الأخيرة، استحضر المدير الفني للمهرجان تييري فريمو من قبعته أسماء مارتن سكورسيزي وناني موريتّي وآكي كوريسماكي ونوري بيلجي جيلان وجوناثان جلايزر وكين لوتش وجوستين ترييه، ليعلن بدء الابتهاج الكبير والتوقعات بدورة حافلة.
بالنسبة للإسباني العجوز فيكتور إريثه، لا بد أن 13 أبريل كان يومًا مليئًا بمشاعر مختلطة. ففيلمه «اغمض عينيك»، وهو عمل حزين وجميل حول كاتب/مخرج سينمائي مسنّ يبحث عن الممثل المفقود الذي لعب دور البطولة في فيلمه الأول، عاد به من جديد إلى دائرة المهرجانات لأول مرة منذ ثلاثين عامًا. لكن ما أثار دهشته كثيرًا، أن اختياره لم يأت ضمن المسابقة الرئيسية في «كانّ».

حين عُرض الفيلم بعدها في المهرجان، كان ثّمة شيء خاطئ يمكن استشعاره عندما صعد تييري فريمو المسرح ليقدّم الفيلم معلنًا أن إريثه لن يحضر العرض العالمي الأول لفيلمه. بعد يومٍ واحد، نشر المخرج الإسباني بيانًا في صحيفة «إل باييس» الإسبانية، أوضح فيه أن قراره بعدم القدوم للمهرجان والتغيّب عن حضور العرض الأول لفيلمه جاء لإظهار استيائه من الطريقة التي تعامل بها المهرجان مع فيلمه الجديد. كشف السينمائي، الذي حفر اسمه عميقًا بما لا يتجاوز 3 أفلام، كيف، أنه بعد قبول المهرجان لفيلمه، توقّف التواصل معه ولم يكن لديه أي فكرة عن وضع فيلمه في قسم «عروض أولى»، الأقل برستيجًا ومكانة.
أكّد إريثه أنه لا يبغي مطلقًا المطالبة بمكانٍ في المسابقة الرسمية. لكن في عمر الـ83، كان من الممكن أن يُضمّ فيلمه الجديد لمسابقات مهرجانات أخرى مثل «لوكارنو» أو «فينيسيا». وحتى من دون الذهاب بعيدًا، تمت دعوة «أغمض عينيك»، على سبيل المثال، ليكون الفيلم الافتتاحي لمسابقة «أسبوعي السينمائيين» المستقلة في «كانّ»، ولكن بسبب سوء التواصل مع إدارة المهرجان، كان لدى إريثه انطباع بأن فيلمه سيدخل المسابقة الرسمية، وبالتالي لم يبد اهتمامًا بخيارات أخرى في أقسام/مسابقات المهرجان الأخرى.
سوء فهم يكشف ما يمكن أن يحدث وراء الكواليس في عملية اختيار الأفلام المشاركة في «كانّ». المفاوضات حول الفيلم الذي سينتهي به المطاف في المسابقة الرئيسية والمسابقة الثانية «نظرة ما» والبرامج الموازية الأخرى، طويلة ومعقدة. غالبًا ما يتسابق المخرجون والمنتجون مع الوقت لإنهاء أعمالهم في الوقت المحدد. يمكن لإضافات اللحظة الأخيرة من قبل صانعي الأفلام المهمّين تغيير الاختيارات جذريًا حتى لحظة الإعلان في أبريل.
بالطبع، اختيارات مهرجان بحجم «كانّ» تعتبر ثمرة التقاء معقّد للظروف. جزئيًا، الأمر معني دائمًا بجودة الفيلم، كما بتوقيت إرساله، مثلما بمحسوبية «العائلة»، كما أوضحنا سلفًا. لذلك هناك دائمًا أفلام خارج المسابقة الرسمية تستحق بالفعل فرصة للمنافسة على السعفة الذهبية، وهناك عناوين دون المستوى المطلوب يبدو وجودها في المسابقة الرئيسية للمهرجان مثيرًا لتساؤلات ليست بريئة في أغلبها.
شخصيًا، أعتقد أن «أغمض عينيك» مكانه المناسب في المسابقة الرسمية. لذا يبدو قرار «كانّ» بوضع الفيلم في ذلك المكان الأشبه ببرنامج للمّ الشمل، مُهينًا. ليس الأمر وكأن ما حدث لإريثه وفيلمه استثناءً، فهناك العديد من الحالات المماثلة كلّ عام (رغم أن إريثه بالطبع ليس مجرد مخرج آخر)، لكن الحقيقة أنه لدى رؤية مستوى بعض الأفلام المختارة هذا العام للسعفة الذهبية، يمكن تفهُّم غضب المخرج الإيبيري. حتى بالنسبة لشخص مثلي، لا يرى في «أغمض عينيك» تحفة فنية وإنما فيلم جيد جدًا، من الصعب بلع حقيقة أن الفيلم الذي يعود به إريثه بعد 31 عامًا إلى السينما لا يشارك في المسابقة الرئيسية. الأمر لا يتعلّق باسم المخرج أو تقدير عودته للساحة فحسب، بل يمتلك فيلمه الجديد ما يتوجّب الوقوف عنده ويبرّر وجوده في أهمّ أقسام المهرجان.
صحيح أن منظور الحنين إلى ثقافة السينما في الماضي (أحد العناصر الأساسية للفيلم) يبدو منطقة مألوفة جدًا، لكن ما يفعله إريثه هنا أقرب إلى سينما تعيد اكتشاف نفسها. قصيدة مشغولة عن السينما، تتحاور فيها ثلاث ذاكرات: تاريخ إسبانيا، وقرن من الفن السينمائي، وإرث الأفلام الثلاثة السابقة للمخرج. خاتمة مستحقة لمسيرته السينمائية القصيرة والخالدة.
ثم أنه، حقًا، ماذا يعني قسم «عروض أولى في كانّ» المُنشئ قبل عامين؟ هذا الاسم وحده يبدو فارغًا، في مهرجانٍ يُعرض كل فيلم تقريبًا من أفلامه المشاركة للمرة الأولى عالميًا. جرى التقليد بأن تُعرض أفلام ضمن البرنامج الرئيسي/الاختيارات الرسمية، تحت مسمّى «عروض خاصة» أو «خارج المسابقة»، وبالتالي يبدو هذا القسم الجديد في الغالب مثل تسمية أخرى لمزيد من الشيء نفسه. في كل الأحوال، يحيل الأمر إلى الشيء ذاته: عرض عالمي أول خارج المسابقة.
حين البحث في تلك الأقسام غير التنافسية، تتعثر، على سبيل المثال، في الفيلم التسجيلي الضخم لستيف ماكوين «مدينة محتلة» والعمل الجديد الممتاز لكليبر ميندونزا فيلهو وأمات إسكالانتي وليساندرو ألونسو، من بين آخرين. وكلها لم تكن في مكانها الصحيح خارج المنافسة الرئيسية. إذا سُمح لي لعب دور مدير المهرجان، لاستبدلت الأفلام السابقة بعناوين منافسة أضعف مثل «ذباب أسود» لجين ستيفان سوفير، و«نادي الصفر» لجيسيكا، و«بنات ألفة» لكوثر بن هنية.
والحال كذلك، ربما كان يمكن للمسابقة أن تحتوي المزيد من العناوين من أمريكا الجنوبية وشرق آسيا، والمزيد من الأفلام التسجيلية والوثائقية، والمزيد من الأفلام التي تجرؤ على أن تكون أصغر وأكثر غرابة وتجريبية. بهذا المعنى، فهذه النسخة من المهرجان تأتي كما كانت دائمًا: يُشتكى منها، ويُستمتع بها أيضًا.
10
نظرة للخلف/للأمام
إذا كانت هناك صورة أيقونية واحدة في «كانّ»، فهي الدرج المبطن بالسجادة الحمراء لقصر المهرجانات. هذه الدرجات الـ24، التي يصعدها صانعو الأفلام والمشاهير والصحفيون نحو صالة العرض والمخلّدة بدورها في رسوم متحركة قصيرة تُعرض قبل كل فيلم، تجسّد روح مهرجان سينمائي يعرف جيدًا كيف يبني على ماضيه ويستثمر في شعبيته.
وعلى الرغم من أن السلالم وسيلة للارتفاع، للمضي قدمًا، إلا أنها تستخدم هنا أيضًا للنظر إلى الوراء. خلال نسخة العام الماضي، حملت درجات السلّم في الافتتاحية التحريكية أسماء سينمائيين مشهورين، معظمهم رجال من جيل أقدم من صانعي الأفلام. لكن ميل النسخة الأخيرة إلى تمجيد الماضي ملحوظ أكثر من أي وقت مضى.
تحضر السينما الأمريكية السائدة بفيلمٍ يذكّرها بماضيها التجاري السعيد، «إنديانا جونز ونداء القدر»، الجزء الخامس من سلسلة «إنديانا جونز» حيث يشهد المهرجان عرضه العالمي الأول، والذي أعاد هاريسون فورد (80 عامًا) للعب دور المغامر. وافتتح المهرجان نسخته، كما أسلفنا، بـ«جان دو باري»، نظرة غير نقدية إلى حدّ كبير (ورتيبة للغاية) على قصة حبّ بين امرأة من أصول متواضعة والملك الفرنسي لويس الخامس عشر.
الميل النوستالجي واضح أيضًا في فيلم «شغف دودان بوفان» للفرنسي من أصل فيتنامي تران أن هونج، المشارك في المسابقة، وهو دراما حبّ تربط بين الطعام والجنس. انقسمت الآراء في شقّتنا حول هذا الفيلم الحسّي والشاعري، فبينما اعتبره بعضنا إباحية طعامية جميلة food porn، وجده البعض الآخر مبتذلاً وعاديًا، فيما لا يزال بعضٌ ثالث يعتقد أنه كلاهما. ولكن بعيدًا عن سؤال عمّا إذا كانت المشاهد البطيئة التي يُحضّر فيها الطعام الفرنسي النموذجي (تسوية اللحم، الشواء بالزبدة، رسم الحساء) مجرد كيتش أم لا، فمن المهمّ التوقف قليلاً للتفكير في ما يمجّده الفيلم هنا تحديدًا بصوره/لوحاته المشمسة الناعمة في أجواء ريفية ارستقراطية وديعة وحسّية.

تدور أحداث الفيلم في ثمانينيات القرن التاسع عشر. يعيش الذوّاقة دودان بوفان (بينوا ماجيميل) في منزلٍ ريفي ضخم في الريف الفرنسي مع طبّاخته المقيمة أوجيني (جوليين بينوش). وهما في حالة حب، لكن أوجيني ترفض الزواج. لا يوضّح الفيلم دوافعها أبدًا؛ ربما لأنها تعاني من مرض غامض.
يحظى الماضي بتبجيلٍ كامل في «شغف دودان بوفان»، فيداوم الفيلم على الاقتباس من مفكّرين وشعراء قدامى في حوارات غير طبيعية. علاقات القوة المحافظة -الخادم والسيّد، والزوج والزوجة- تصوَّر وتقدَّم هنا دون تمحيص، بل وحتى بشيء من الحنين. كلمة «لا» النافية المدوية الخارجة من صدر امرأة تستحيل هنا سببًا للإصرار والإلحاح الذكوري. المرأة نفسها تٌقارن بالفاكهة. الطهاة المقيمون في المنزل يجب أن يكونوا من النساء حصرًا، والمعاملة الرهيبة لهؤلاء النساء تصوَّر على أنها طبيعية، كشيء لا يجب التفكير فيه أكثر من اللازم. ثم هناك مجموعة من الأرستقراطيين يأتون إلى المطبخ بعد إنهاء عشائهم ليسألوا المرأة التي أعدّت الطعام لماذا لم تأكل معهم على مائدتهم. ترفض المرأة دعوتهم بصدق تام لأنها تحبّ الطبخ لهم كثيرًا. لا تحتاج إلى التحدث إليهم، كما تقول، لأنها تتواصل بالفعل من خلال أطباقها!
بالمقارنة مع هذه الكمكمة المحافظة، يأتي فيلم آليتشي رورفاتشر، «الوهم»، كنسمة من الهواء النقي. هذا الفيلم، المشارك أيضًا في المسابقة الرسمية، يشككّ على وجه التحديد في علاقتنا بالماضي. تعدّ رورفاتشر واحدة من أكثر صانعي الأفلام خصوصية وذكاءً في عصرنا. أفلامها قصصٌ معقّدة تتكشف على طبقتين في وقتٍ واحد. هناك تلك الطبقة الفلكلورية الرومانسية المفضية إلى نبرة غامضة مميّزة تصبغ عملها بشيء من المغناطيسية والسحر. وهناك الطبقة السياسية التي تزوّد فيلمها مرة أخرى بإلحاح وراهنية. في هذه الحالة، ينتج عن هذه الطبقات سرد بطيء يستخدم عناصر منشّطة في اللحظات الحاسمة لخلق وتيرة نابضة. مثلًا، هناك جوقة يونانية، تقدّم للمتفرّج تحديثًا في شكل أغنية، وتدفع السرد فجأة إلى الأمام. وهناك مشهد تخاطب فيه النساءُ المتفرّجَ عن الذكورة في إيطاليا، وينتقد الأحداث السابقة فيما يربطها بالعالم خارج الفيلم.
«الوهم» سينما صافية، رغم أن وصف الفيلم بالكلمات يسلبه من تعقيده. ومع ذلك، لنحاول: في أبسط مستوياته، يدور الفيلم حول لصّي قبور ينهبان كنوز الحضارة الأترورية. آرثر (جوش أوكونور)، رجل إنجليزي في إيطاليا، له علاقة لا يمكن تفسيرها بعالم الموتى. صديقته، التي تأتي على هيئة أريادني الميثيولوجيا الإغريقية، ماتت قبل فترة. يسرق آرثر المقابر ليجد بوّابة للعالم السفلي للعثور على حبيبته مرة أخرى. في الأثناء، يساعد عصابة من لصوص القبور يعيدون بيع الكنوز التي يجدونها. آرثر نفسه غير مهتم بالأرباح. يعيش في كوخ متواضع بجوار القصر الكبير لوالدة صديقته الراحلة. في هذا القصر، بالمناسبة، تعيش خادمة إيطالية، توبّخها سيّدتها وتخفي طفليها تحت سريرها لتجنّب فقدان وظيفتها.

يدور الفيلم حول التملّك والبحث والنظر. حول ما نراه، وبالأخصّ حول ما لا نراه: مملكة الموتى، أطفال إيطاليا المخفيين، الكنوز المخبّأة في القبور، وبمعنى أوسع، العناصر السحرية لسينما رورفاتشر. (بسؤالها عن سبب اهتمامها بالأشياء غير المرئية في العالم، أجابت ضاحكة: «يعتقد بعض الناس أن القمر مسطّح، لكن له ظهر أيضًا»).
تُلقي رورفاتشر عينًا انتقادية على سرقة المقابر الأثرية، ليس لأن عصابة اللصوص تسرق الإمبراطورية الإيطالية أو تراث البلد، كما تعلن الشرطة بغضب، ولكن لأنهم يكشفون للعالم شيئًا مُنع من رؤيته. وهكذا تسائل فكرة أن كل شيء صنعه الإنسان يجب رؤيته، مثلما تنتقد النظام الرأسمالي الذي يحوّل القطع الأثرية المصنوعة من أجل الحياة الآخرة إلى وسائل للتربُّح والمتاجرة.
هي نفسها، بالطبع، تستخدم عناصر كلاسيكية في قصّتها، مثل الإشارة السالفة إلى أسطورة أريادني. لذلك يمكن للمرء أن يتّهمها بممارسة الحنين ذاته إلى الماضي. كما يمكن نعت الخيط الناظم لعملها بالكليشيه، وهو شيء اعترفت به بنفسها في محادثتنا. ولكن العبرة هنا تكمن في طريقة الاستعانة بما نسمّيه التراث الإنساني وتوظيفه.
في مقابلة سابقة معها أجريتها قبل أربع سنوات، وردًّا على سؤال بخصوص شعور النوستالجيا المتناثر في فيلمها السابق «لازارو السعيد»؛ قالت رورفاتشر: «الماضي غامض، وليس بالضرورة جميلًا. كانت هناك أيضًا أشياء جيدة، وهذه طبيعة الأشياء عمومًا. عادة ما يتحدث المرء عن الماضي كـ«وهم عظيم» مخادع ووغد كبير. أعتقد أن هناك طريقة مُلطّفة يتعامل بها الناس مع الماضي في ميزان حياتهم: جميع الأدوار توزَّع بوضوح بأثر رجعي».
في فيلمها الجديد، حضور أريادني في قصّة عن المِلكية والحيازة، لا يصبح حنينًا أعمى للماضي بل بالأحرى نقدًا للذكورة وسلطتها وتمثيلاتها. وهكذا تستخدم رورفاتشر، تلك السينمائية المدهشة، الماضي، والتاريخ الثقافي للعصور القديمة الكلاسيكية، لا لتمصمص شفاهها تحسّرًا على «الزمن الجميل» ولا لتعيش في مياه البطيخ، بل بالأحرى لتتطلّع إلى الأمام.
أرواح ضائعة
يفضّل بعض المخرجين إنشاء عوالم أفلامهم بدلًا من التصوير في العالم الحقيقي. الفنلندي آكي كوريسماكي واحد منهم. تدور أعماله بشكل أساسي حول حياة الطبقة العاملة والطبقات الاجتماعية الدنيا، لكنه يُخرج أبطاله أولًا من المجتمع الحقيقي ثم يضعهم على مسرحٍ يبدو مصطنعًا من خلال تأثيرات اغترابية. هناك، تتحرك شخصياته عبر الفيلم تقريبًا مثل الزومبي، حاضرين غائبين، ينظرون إلى الكاميرا بلا تعبير، نادرًا ما يتكلّمون، وإذا حدث، ففي جملٍ مقتضبة على فترات.
في فيلمه الـ20، «أوراق متساقطة»، المعروض ضمن المسابقة الرسمية، يواجهنا كوريسماكي بحكاية بسيطة ومعطيات محدودة وإنسانية غامرة. بطلاه هما آنسا (ألما بويستي) وهولابّا (يوسي فاتانين)؛ تعمل الأولى في سوبر ماركت، والثاني في موقع بناء. تعيش آنسا بمفردها، ولدى هولابّا سرير في حاوية يتخذها مسكنًا. تأخذ آنسا الطعام المقبلة صلاحيته على الانتهاء إلى المنزل، ويشرب هولابّا أثناء العمل. ذات ليلة، التقى الاثنان في حانة كاريوكي. قصة روحين ضائعتين تجد كل منهما الأخرى بطريقة ما. في هذه العملية، يتكرّر الكثير من أعمال كوريسماكي السابقة، بما في ذلك مشاهد العمل والحانة والسينما.

آنسا، على وجه الخصوص، تذكّرنا بشخصية إيريس في «فتاة مصنع الكبريت» (1990)، الفيلم الأخير في ثلاثية أنجزها المخرج عن الطبقة العاملة. هنا أيضًا يأكل الناس في صمت أثناء الاستماع إلى الأخبار. المختلف في «أوراق متساقطة» أن الأخبار الواردة من الراديو تدور حول حرب أوكرانيا. كما هو الحال مع مايكل هانيكه، غالبًا ما تكون الأخبار جزءًا من المشاهد في أفلام كوريسماكي، ما يعزّز عزلة الشخصيات واغترابهم.
المخرجة النمساوية جيسيكا هاوسنر تبني أيضًا خلفية غريبة من عالم آخر لفيلمها الناطق بالإنجليزية «نادي الصفر»، المنافس بدوره في المسابقة الرسمية. أبطالها، الذين يشبهون الزومبي أيضًا، ينظرون بشكل هزلي إلى الكاميرا ويتحرّكون في إيقاع الحركة البطيئة، وهم من الأثرياء على عكس أبطال فيلم كوريسماكي.
لذلك، بينما في عالم الفنلندي، يعاني العمّال من البطالة وإدمان الكحول ومحدودية الفرص، تُقدَم في «نادي الصفر» دورة تغذية جديدة للأطفال الأثرياء في مدرسة النخبة الناطقة باللغة الإنجليزية حيث سيتعلّمون طرق «الأكل الواعي» Mindful eating. لدى المشاركين دوافع مختلفة لحضور الدورة: البعض يريد إنقاص الوزن، والبعض الآخر يريد إنقاذ الكوكب. ترحّب المُعلّمة الجديدة ميس نوفاك (ميا فاشيكوفسكا) بكل الأسباب أولاً. تبدأ توصّياتها الغذائية بالإعلان عن شايها المصنوع منزليًا، ثم «خضروات أكثر، سكر أقّل»، وتنتهي بشعار «تناولٌ أبطأ، أكلٌ أقلّ». يبدو الجميع سعداء: الأطفال والآباء ومدير المدرسة. ولكن سرعان ما تبيّن أن دورة الأكل الواعي غير المؤذية والتي تبدو صحّية وجميلة لم تكن إلا طائفة راديكالية، كتلك العديدة المنكوبة بها أمريكا في تاريخها القصير والغريب. بعد فترة، تطلب المعلّمة من الأطفال التوقّف عن الأكل نهائياً، وبالتالي إماتة أنفسهم.
يبدأ الفيلم بتنبيه المتفرجين عن احتوائه مشاهد تشمل اضطرابات أكل. الطريقة التي تحاول بها هاوسنر في فيلمها تقديم محاكاة ساخرة لعادات الأغنياء، وخاصة على أساس ثيمة الأكل، لها بعض أوجه الشبه مع الفيلم الفائز العام الماضي، «مثلث حزن» (تحديداً مشهد التقيؤ)، الذي يترأسّ مخرجه روبن أوستلوند لجنة تحكيم مسابقة هذا العام. رغم ضعف مستواه، لا تخرج صور ومَشاهد «نادي الصفر» من دماغ المرء بسهولة، حيث يحصل التلاميذ على شريحة بطاطس يتيمة على طبقهم لممارسة الأكل الواعي؛ حتى يلتقي المرء بفيلم آخر من المسابقة لا يُفعل فيه أي شيء سوى الأكل أو الطهي. في «شغف دودان بوفان»، المستند إلى سيرة الذوّاقة الشهير وطبّاخته الجميلة، تُصرف أول 30 دقيقة من الفيلم في مشاهد إعداد الطعام.
الأكل من القمامة، أو التفنّن في إعداده، أو عدم تناول أي شيء على الإطلاق.. في ما يتعلّق بالأكل، غطّت مسابقة هذا العام كامل الطيف تقريبًا.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن