كانّ 2023: برميل متناقضات ممتع (1-2)
يوميات النسخة السادسة والسبعين من مهرجان كان السينمائي
*تنبيه: في المقالة التالية حديث عن بعض مفاصل حبكات الأفلام المعنية.
قبل أيام، اختتم مهرجان كانّ السينمائي فعاليات دورته الـ76 (16-27 مايو)، والتي شهدت تتويج فيلم «تشريح سقوط» للفرنسية جوستين ترييه، بجائزة السعفة الذهبية. محمد صبحي حضر المهرجان ودوّن يومياته هناك، في كتابة تتوخّى التسجيل والتوثيق أولًا بأول، وفي الوقت ذاته، تحاكي خبرة المهرجان السينمائي، بالتجوّل بين القاعات والعروض والتأمُّل في الأحداث والأفلام، وحتى منح المساحة لبعض الانعكاسات الشخصية. بالمثل، يمكنكم التجوّل بين اليوميات، دون التزام بالترتيب أدناه.
1
قبل المهرجان: أواني ومقالي وسجادة حمراء
من النافل القول إن مهرجان كانّ برميل متناقضات ومفارقات. لا مهرجان آخر، يمنح السينما العالمية المشاركة، مثل هذه المنصّة البارزة، وفي الوقت ذاته يطلق العنان بلا خجل، لإنتاجات الرأسمال العالمي للعرض على شاشاته.
حقيقة أن فيلمًا تسجيليًا بطيء الإيقاع ممتد لثلاث ساعات ونصف عن عمّال مصانع صينيين يشارك في المسابقة الرئيسية، في حين أن أموالاً روسية وسعودية، من بين بلدان أخرى، تنسكب هي الأخرى في استثمارات وفعاليات ويخوت على ساحل الكروازيت؛ يبقى شيئًا أساسيًا في الحمض النووي لمهرجان كانّ.
على مدار الأيام العشرة، يُعرض «مدينة محتلة»، الفيلم الوثائقي الجديد، لستيفن ماكوين، البالغ طوله أكثر من أربع ساعات، حول احتلال أمستردام أثناء العهد النازي، جنبًا إلى جانب الفيلم الخامس من سلسلة إنديانا جونز، وأحدث إنتاجات ستديو بيكسار، «Elemental».
ثم هناك، فيلم الافتتاح الذي جاء من نصيب «جان دو باري»، سادس أفلام المخرجة والممثلة الفرنسية مايوين، وفيه يجسّد الممثل الأمريكي الإشكالي جوني ديب دورًا بارزًا.. يلعب دور الملك الفرنسي لويس الخامس عشر، في مواجهة مايوين بصفتها عشيقته المفضّلة.
هذه الدراما التاريخية المبهرجة، حول العلاقة الفاضحة، التي حافظ عليها آخر ملوك فرنسا لسنوات في ظلال قصر فرساي، هي أول فيلم رئيسي لديب، منذ ذاع صيت اتهامه بالاعتداء الجنسي والعنف المنزلي، بحقّ زوجته السابقة، الممثلة آمبر هيرد، قبل أن يذهب الأمر إلى ساحة المحكمة.
أصبحت القضية حدثًا إعلاميًا ضخمًا، مع دخول جيوش من المعلّقين عبر الإنترنت أدلى كل واحد منهم بدلوه، بخصوص تجريم ديب أو تبرئته، مثلما حول صلابة هيرد أو احتيالها. نظرًا لتسوية الدعوى القضائية -على الرغم من الحجج المعقولة والأدلّة التي ترجّح جُرم ديب في حقّ زوجته السابقة- لم يرَ فريق مهرجان كانّ، أي حساسية في تزويد النجم الساقط، بمنصّة عالمية لتبييض صفحته. في الواقع، يبدو الأمر وكأنه عملية إعادة تأهيل لجوني ديب.
في حفل الافتتاح، يسير ديب على السجادة الحمراء، كوجه إعلاني لخطّ عطور جديد من إنتاج «ديور»، وهي شراكة ستدرج في التاريخ، باعتبارها واحدة من أكثر صفقات العطور الرجالية المربحة على الإطلاق. وفي الوقت نفسه، عرض سوق المهرجان أول فيلم لديب منذ 25 عامًا كمخرج، وهو سيرة ذاتية للرسام الإيطالي أميديو موديلياني، يلعب فيه آل باتشينو دور البطولة.
ألقت إعادة تأهيل ديب، بظلالها على بيانات المهرجان المتفاخرة بوجود سبعة أفلام (من أصل واحد وعشرين) لمخرجات ضمن المسابقة الرسمية، ما يمثّل أكبر حضور نسائي في هذا القسم، على مدى ثمانية عقود هي عُمر المهرجان. بوجود أفلام جديدة لكل من جوستين ترييه، أليتشي رورفاتشر، جيسيكا هاوسنر، كاثرين كورسيني، كاثرين بريليا.. تبدو القائمة مثيرة للإعجاب، لكنها متوقعة إلى حد ما، بالإضافة إلى التونسية كوثر بن هنية، التي ترتقي بحجم مشاركاتها في المهرجان الفرنسي. والشيء الأكثر إثارة للاهتمام في تلك الكوتة النسائية، داخل المسابقة الرسمية، هو تضمين باكورة المخرجة السنغالية الشابّة راماتا تولاي سي.
هل نعتبر هذا خبرًا سارًا -باعتباره تحسّنًا مقارنة بالسنوات السابقة- أم أنه لا يزال خطوة تجريبية وصغيرة في مسار المساواة بين الجنسين؟ في «كانّ»، غالبًا ما يكون كلا الأمرين صحيحًا في الوقت نفسه.
من اللافت أيضًا أن يشارك الرفيق كين لوتش بفيلمه السياسي الاجتماعي الجديد «البلّوط العتيق»، في حين أعلن المهرجان حظرًا صارمًا على المظاهرات النقابية في ساحات المهرجان، وذكّرت شرطة المنطقة التابعة لها مدينة كانّ، في بيانٍ، أن المظاهرات ممنوعة منعًا باتًا في شارع كروازيت -الشارع الساحلي الشهير في المدينة- منذ الهجمات الإرهابية في باريس ونيس في العام 2016.
يُشار إلى أن أكثر من 300 اسم من صنّاع السينما الفرنسية، بما فيهم جولييت بينوش، ولوري كالامي، المعروضة أفلامهما في المهرجان، وقّعوا مؤخرًا خطاب احتجاج مفتوح على إصلاح نظام التقاعد، الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل أسابيع عبر ثغرة دستورية. بالتوازي، أعلن اتحاد النقابات العمالية CGT أنه سينظّم احتجاجات يوم 21 مايو . وقبل ثلاثة أسابيع من المهرجان، هدد اتحاد عمّال الطاقة، بقطع الكهرباء عن المهرجان، كسلاح في نضالهم من أجل خطط أفضل للمعاشات التقاعدية، لكنهم امتنعوا في النهاية عن تنفيذ تهديدهم.

لا يبدو ممكنًا حدوث أو وصول مثل هذه الاحتجاجات إلى درجات قصر المهرجان، على الرغم من حقيقة أن اتحاد النقابات العمالية -كما دوّن المؤرخو - كان من بين المنظمّات المؤسسة للمهرجان، في نهاية الحرب العالمية الثانية.
من المفارقات أيضًا أن روبن أوستلوند، من بين جميع السينمائيين، هو رئيس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية لهذا العام، في حين يعتزم العديد من نادلي المطاعم والفنادق والمقاهي حول شاطئ كروازيت الدخول في إضراب عن العمل؛ لأن خطوتهم التصعيدية يمكن بسهولة تخيُّل وجودها في سيناريو فيلمه الهجائي الأخير «مثلث حزن» الفائز بجائزة السعفة الذهبية هنا في العام الماضي.
يوم الجمعة 19 مايو بين الساعة الواحدة والثالثة ظهرًا، سيقف «العمّال» الذين يخدمون «النخبة الثقافية» هنا في الساحة أمام فندق كارلتون الفاخر ليضربوا حرفيًا القدور والمقالي للمطالبة بأجور أعلى (أو بالأحرى عادلة). مفارقة أخيرة؟ الاحتجاج أمام «كارلتون» مسموح به، لأن فندق كانّ الشهير ملكية خاصة وليس تحت تصرٌّف السلطات الحكومية.
بالطبع، لا ينبغي أن يكون لمهرجان كانّ أي علاقة بهذه المظاهرات. فهو لا يحرس السينما فحسب، بل يحرس النظام القائم كذلك. في السنوات الأخيرة، على الرغم من وجود عدد متزايد من المظاهرات على السجادة الحمراء أمام قصر المهرجان، فقد تركّزت في الغالب على قضايا سياسية في بلدان أخرى، مثل الدفاع عن حقوق الإنسان في إيران، أو إظهار الدعم لأوكرانيا بعد العدوان الروسي. بدلاً من ذلك، تحمل المظاهرات المُعلنة لهذا العام، أجندة محلية، تركّز على عدم المساواة والوضع الاقتصادي الهشّ لقطاعات عريضة من العمّال والموظفين الفرنسيين. مُعطى وملمح يخلقان روابطًا مع جان لوك جودار وفرانسوا تروفو وغيرهما من سينمائيي جيلهما الذين تمكّنوا من إيقاف مهرجان كانّ في العام 1968 تضامنًا مع المظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت حينها في جميع أنحاء فرنسا.
النوستالجيا الحزينة لأيام المتمّردين السينمائيين، من أمثال جودار يعزّرها عرض المهرجان لفيلمه القصير «حروب زائفة»، آخر أعماله، والذي يُعرض للمرة الأولى بعد وفاته في هذه النسخة. ربما يستلهم شخص ما من هذه المصادفة ويتخذ إجراءًا مشابهًا.
2
ركلة بداية مزدوجة
هناك أفلام افتتاحية رسمية، وهناك أفلام افتتاحية فعلية. كلّ من له علاقة بالمهرجانات السينمائية، يعرف أن الفيلم الافتتاحي لأي منها، نادرًا ما يكون على قدر جودة بقية أفلام المهرجان، وأن اختياره دون غيره عائد بالأساس لحسابات وتسويات إنتاجية ودعائية.
قبل أن تمتلئ السجادة الحمراء بنجوم السينما، من أجل العرض الافتتاحي الرسمي لنسخة هذا العام، «جان دو باري»، يقضي التقليد المتبع بعرض نسخة مُرمَّمة من أحد الكلاسيكات السينمائية. هذا العام وقع الاختيار على فيلم «حبّ مجنون» (1969) لجاك ريفيت.

على الورق، هناك العديد من أوجه التشابه بين هذين الفيلمين الافتتاحيين: كلاهما فيلمان فرنسيان عن علاقات حبّ معقّدة وعمّا يمكن تسميته مسرحية العلاقات الرومانسية. ولكن من الناحية العملية، فالتناقض بين العملين كبير وشاسع لدرجة أنهما يبدوان وكأنهما ينتميان إلى كونين مختلفين.
يمكننا البدء بالحديث عن «جان دو باري» والانتهاء منه سريعًا: فيلم متواضع عن العلاقة الفاضحة والمأساوية، بين الملك الفرنسي لويس السادس عشر وعشيقته مدام دو باري. ما كان يمكن أن يكون فيلمًا لافتًا (أو حتى سيكسي) حول كيفية شقّ فتاة من الطبقة العاملة طريقها إلى قصر فرساي، تبيّن أنه عمل مملّ ومبهرج وفارغ. قد تعتقد أن دور جوني ديب كآخر ملوك فرنسا سيوفّر بعض الحيوية، لكن كلا، فلا وجود لأي نوع من الكيمياء بينه وبين عشيقته (مايوين)، فضلًا عن فشل الفيلم في إلحاق نفسه بأي سياق سياسي أو اجتماعي معاصر. كما أن اختيار ديب الذي فقد مصداقيته، يكاد لا يقدّم أي قيمة مضافة، حيث بدا متعبًا ومُللًا في مشاهده. كذلك كان من الملفت عجز الفيلم عن إمداد سرديته بقدر من الدينامية أو الحيوية، في قصّة تتناول مثل هذه العلاقة اللافتة والمثيرة للاهتمام. إنه فيلم، ببساطة، يبرز اللامبالاة (والجهل) اللذين تعاملت بهما مخرجته مع مادة تاريخية ثرية.
عالمٌ مختلف تمامًا، حضر في قاعة ديبوسي، حيث غامر بعض روّاد المهرجان بمشاهدة نسخة مرمّمة من «حبّ مجنون» لأكثر من أربع ساعات. هذه سينما ذات نظام مختلف تمامًا، معقّدة ومتعددة الطبقات، متحدّية وجدلية، بسيطة ومؤثرة. النسخة المستعادة الرائعة -وهي ثمرة عملية إحيائية مطوَّلة تضمّنت جمع المواد من مجموعة متنوعة من المصادر لإعادة إنشاء الأصل، الذي فُقد في حريق- تُظهر مدى راهنية هذا العمل وطزاجته، حتى بعد أكثر من 50 عامًا من ظهوره.
هنا لدينا قصة حبّ مثل الدوَّامة، تغذّيها مشاعر بارانويا وغيرة وحسد، تجذبك إلى هوة واسعة وعميقة. الأداء التمثيلي لبول أوجييه، وجان بيير كالفون، يجعل الفيلم أكثر إثارة للمشاعر. بدون عناء، تتحوّل لغة جسد الثنائي بين مراوغة وعدوانية وهيام في المشهد نفسه. الاحتضان الكامل لمسرحية الحبّ ومشاغله ينتج سينما نقية. في هذا، يعدّ ريفيت -أحد أكثر أسماء الموجة الفرنسية الجديدة تحديًا ولكن في النهاية أكثرهم مكافأة لجمهوره- أستاذًا ورئيس قسم.
ولع ريفيت بالسينما متعددة الطبقات حاضر في صميم «حبّ مجنون»، الفيلم الذي سيدشّن انتقاله إلى أسلوبٍ يميزه لبقية حياته المهنية. في الفيلم، يعمل المخرج المسرحي سباستيان (كالفون) على اقتباس مسرحي معاصر لتراجيديا جين راسين الشعرية «أندروماك»، وبسبب مضاعفات تحدث أثناء البروفات، يستبعد زوجته الممثلة كلير (أوجييه) من المسرحية. وبينما يلهي نفسه منشغلًا باختراع رؤية (معيبة ومحدودة) لعمل راسين، يجد نفسه في دوامة من الانحدار.
تنعكس ازدواجية هذين العاشقين الفاشلين، في لقطات مصوّرة بكاميرا 16 ملم تخصّ مخرجًا ينجز فيلمًا تسجيليًا، عن ما وراء كواليس البروفات ويستجوب الممثلين المسرحيين أمام الكاميرا حول العملية الإبداعية المتعثرة. ثم هناك فيلم آخر مصوّر بكاميرا 35 ملم، ذلك الذي ينجزه ريفيت بنفسه، ونرى فيه البروفات وما يحدث خارج المسرح.
وفي حين أن البروفات على أرضية المسرح البيضاء، تخلق عالمًا مصغرًا يُمنح فيه سباستيان حرية كاملة، لكن حتى ضمن هذا الملاذ الفني يخفق في تثمير أدواته، مثلما تضطرب علاقته بزوجته. كمخرج فاشل، يشبه إلهًا بلا دفّة، يروح ضحية افتقاره إلى الرؤية والحيوية. أثناء مناقشة تأويله للمسرحية، يحاول عبثًا تقويض نظريات رولان بارت، الذي أعلن في كتاباته النقدية موت المؤلف-الإله.
بالنسبة لريفيت، تصوير تلك العملية المسرحية، يمثّل صورة مرآوية للواقع السينمائي لكلير وسباستيان، اللذين يتجّهان في حياتهما الخاصة صوب تدمير الآخر وتدمير أنفسهما. «حبّ مجنون» فيلم تصادمي حول الفشل، تقدِّم فيه الأدائية المسرحية (على خشبة المسرح كما في أدوار الحبّ) هروبًا مؤقتًا، لكن لا يمكنها إعفاء أي شخص من الإدراك القاتم بأننا كبشر يُساء فهمنا ومتروكين لوحدتنا.
الاشتباكات المتكررة بين الأشكال الفنية، والتنسيقات الفيلمية، والشخصيات، والخطوط الزمنية؛ تستوي في الأخير تجربة سينمائية زاخرة وصادمة تتمكّن في الأثناء من التقاط المزاج/المناخ المتغيّر لفرنسا في أواخر الستينيات. باريس الصاخبة في الفيلم، تملأ العين وتهجم على بقية الحواس، مدينة خانقة لا تنتج سوى الضوضاء والفوضى. لذا، من المنطقي أن يتراجع بطلانا التراجيديان كلٌ إلى مربّعه المختار المسموم، وهناك يجرّان بعضهما بعضًا إلى الهاوية.
هذا فيلم يعيش على إرباك وإقلاق متفرّجه، وبعد أربع ساعات من تلمّس الأخير طرف أي يقين محتمل في الظلام، يلفظه الفيلم إلى عالم اليوم الساحق (بنقاشاته وجدالاته وترنداته) بلكمة أخيرة في معدته. يصعب تخيّل فيلم افتتاحي أفضل من هذا.
3
ما نراه وما لا نراه
عندما نتحدّث عن الأفلام، غالبًا ما نتحدث عمّا يُعرض على الشاشة، وما نراه عندما ننظر إليها. لكن ما لا نراه لا يقلّ أهمية.
أحد أهم الأشياء التي تحدّد ما نراه وما لا نراه، ومن ثمّ ما نركّز عليه أثناء المشاهدة، هو أبعاد الفيلم، نسبة العرض إلى الارتفاع aspect ratio. يمكن أن تكون النسبة متماثلة تقريبًا، فيصبح الإطار مُربَّعًا، وحينها غالبًا (وليس دائمًا) يكون الهدف إبراز ضيق واقع ومحيط الشخصيات الرئيسية، ويمكن أن تتغيّر النسبة فيصير الإطار واسعًا يملأ الشاشة، والذي، على العكس من سابقه، يوفّر رؤية أوسع حيث يمكن للعينين أن تسرح في البيئة التي تجولها وتعيش فيها الشخصيات الرئيسية.
«مجد الحبّ» Ama Gloria، الفيلم الافتتاحي للقسم الموازي «أسبوع النقّاد»، مصوَّر بأبعاد إطارية جديدة (بين 4: 3 و1.85: 1)، أو كما تفضّل مخرجته ماري أماشوكيلي تسميتها بـ«تنسيق بيدور» Format Pedro، على اسم المونتيرة سوزانا بيدرو، التي ابتكرت النسبة، في غرفة المونتاج أثناء العمل على الفيلم. هي نسبة عرض إلى ارتفاع مربّعة نسبيًا، تستخدمها أماشوكيلي للفت الانتباه إلى وجوه شخصيتيها الرئيسيتين: كليو البالغة من العمر ست سنوات ومربّيتها الشابّة جلوريا.

تدور أحداث الفيلم حول العلاقة المعقّدة بين الاثنتين: تركت جلوريا طفليها في موطنها الرأس الأخضر، لرعاية كليو الفرنسية التي بلا أمّ، مقابل رسوم بالطبع. جلوريا بمثابة أمّ كليو، وكليو مثل ابنة لجلوريا. في الوقت نفسه، تعرف كلتاهما أن ما يربطهما ليس علاقة عائلية حقيقية. يتجلّى هذا الفهم الضمني للعلاقة المتبادلة عندما تعود جلوريا فجأة، بسبب الظروف، إلى الرأس الأخضر، تاركة كليو وراءها في فرنسا.
في ذلك الصيف، تزورها كليو في موطنها من أجل وداعٍ طويل وأخير، وتلتقي بطفليها اللذين تركتهما جلوريا عندما كانت صغيرة بحثًا عن تأمين مستقبلهما. تخلق أماشوكيلي مرآة بين كليو وأصغر أطفال جلوريا، الذي بالكاد يعرف والدته ويكتم مشاعر غيرة واستياء تجاه كليو. هو أكبر من كليو بقليل، ورغمًا عنه، يجب عليه أحيانًا الاعتناء بها في زيارتها الصيفية الطويلة. بالمثل، تشعر كليو بنفس مشاعر الغيرة والاستياء. يتفاقم الأمر عندما تصبح ابنة جلوريا الكبرى (المراهقة) أمًّا قبل الأوان، وتنشغل جلوريا بدورها الجديد كجدّة.
أبعد من بورنوجرافيا الفقر والتعالي العنصري الممكن تخيّلهما في سيناريو مشابه (نادين لبكي وكفر ناحومها ليس ببعيدين عنّا)؛ تُحيل ماري أماشوكيلي فيلمها بيانًا مشغولًا ورقيقًا حول التعلّق، متسلّحة بأداء كاريزمي رائع من بطلتها الصغيرة، المتصارعة مع مسائل حياتية تفوق قدرتها على الفهم. يستكشف الفيلم مشاعر الغيرة لدى الأطفال دون إخفاء الحواف القاتمة لهذه المشاعر، ولكن أيضًا دون إغفال براءة الأطفال. كلا الطفلان يتخيّلان موت الآخر: يتساءل الطفل بصوت عالٍ ماذا سيحدث إذا ترك كليو على الطريق، فيما تتمنّى كليو موت المولود الجديد.
يتيح «تنسيق بيدرو» فهم مشاعرهما المعقّدة: تركّز أماشوكيلي على وجوه الطفلين في خضم معاناتهما من تغيّر العلاقات الأسرية. غالبًا ما تكون البيئة المحيطة غير مرئية (وهذا، بالمناسبة، ما تفعله أماشوكيلي، كما أخبرتني في مقابلة، لضمان ألأ ترَمْنِس الرأس الأخضر أو تضفي عليها طابعًا إكزوتيكيًا). يفرض الإطار المختار للشاشة والتركيز على وجوه الشخصيات الرئيسية، نظرة تعاطفية: لا ينصبّ تركيزنا على ما يحدث، بل على محاولات الأطفال المحمومة لفهم ما يحدث.
«وحش»، فيلم الياباني هيروكازو كوريدا (الحائز على السعفة الذهبية قبل أربع سنوات بفيلمه «سارقو المتاجر»)، والمشارك في المسابقة الرسمية؛ يلعب أيضًا بما نراه وما لا نراه، وبالمثل يفعل هذا في قصّة تدور بالأساس حول براءة الأطفال. لكن كوريدا يستخدم نسبة عرض إلى ارتفاع أوسع لتوضيح وجهة نظره. تدور أحداث الفيلم في مدرسة إعدادية وحولها، ويتعامل مع السلوك الغريب لأحد طلّابها، ميناتو، بطله الصغير الباحث عن مكانٍ آمن في عالم موحش لا يفهمه.

«وحش» قصةّ معقدّة مشيّدة بعناية وتستخدم منظورًا محدودًا لقول شيء حول نسبية الحقيقة والتوجّهات الجنسية. بقدرٍ أكبر من الرقّة والموهبة، يقوم كوريدا هنا بما فعله سابقًا ريدلي سكوت في فيلمه «المبارزة الأخيرة» (2021): يقدّم ثلاث وجهات نظر مختلفة حول حدثٍ واحد، بادئًا بمنظورين واضحين ثم يختتم بمنظور يكشف الحقيقة كاملة ويبعثر كل الأوراق والإدراكات السابقة. يدفع الفيلم طوال مدته السابقة نحو ما يشبه لحظة كشفية مفاجئة، عندما يتهاوى كل ما نعتقد معرفته، رغم أن هذا سيعتمد على مدى معرفة المتفرّج بثيمات الفيلم (وخاصة استعارة الوحش الأساسية في مبناه).
وكعادة أغلب الأعمال الأدبية المعتمدة على هذه الاستراتيجية السردية، يسهل جدًا وصف هذه اللحظة بأنها رخيصة -في الواقع، يمكن سحب الصفة على بنية الفيلم بأكمله، المفضية إلى إضلال وإرباك المتفرّج عمدًا- لولا حقيقة أنه، حين معاودة الفيلم من جديد، يتجلّى وضوحه وصراحته طوال الوقت. بهذا المعنى، يصبح إيضاح وإجلاء تلك اللحظة إياها، على الأقل في رأيي، هو الغرض الأساسي للفيلم: كأنه يخبرنا أن حاجتنا لتأكيد حقيقته الواضحة، ليس سوى تأكيد على عدم رؤيتنا له أصلاً.
وهكذا يكشف «وحش» عن المنظور المحدود للمتفرّج، من خلال إظهار الكثير في نصفه الأول ثم التوقّف عن مدّه بالمعلومات الموثوقة. تمامًا مثلما توصّلت الأم والمدرّس -أول منظورين للفيلم- على الفور إلى تفسيرات أخرى لشرح السلوك الغريب للشخصية الرئيسية؛ يذهب المتفرّج بدوره للبحث عن تفسيرات لسلوك الشخصية، متناسيًا في الأثناء ذلك التفسير الواضح أمامه منذ البداية.
لكن إطار الشاشة الواسع، مع التركيز على البيئة التي تجد الشخصيات نفسها فيها، يسلّطان الضوء أيضًا على نقطة أثارها كوريدا في النصف الثاني من فيلمه، والتي عبّر عنها مدير المدرسة، من أن هناك في الحياة ما هو أكثر مما يخبرك به الناس. أن السعادة يمكن للجميع بلوغها. أن استبعاد مجموعة معيّنة من إمكانية السعادة ليس إلا سوء فهم كبير لماهية السعادة. بالأساس، في النصف الثاني من الفيلم، يوسّع كوريدا منظور شخصيته، وبالتالي منظور (بعض) مشاهديه. يتأكّد هذا في نهاية الفيلم، عندما يعدو ميناتو بسعادة عبر حقل أخضر.
وبالتالي، يقدّم كوريدا وأماشوكيلي مقاربة تعاطفية نادرة مع أبطالهما الصغار. يفعلان هذا ليس عبر تصوير عوالمهم العاطفية كفضاءات منزوعة التعقيد أو تامّة النقاء، بل من خلال استكشاف تعقيد حياتهم الداخلية وتظهيرها. في كلا الفيلمين، يبدأ هذا المسعى من حجم الإطار ونسبة العرض إلى الارتفاع.
4
أنا فيلم/ وأنا أفهمك تمامًا
هناك لحظة فاتنة وفادحة في نهاية فيلم جوناثان جلايزر الجديد، «منطقة الاهتمام» The Zone of Interest، المنافس في المسابقة الرسمية للمهرجان. الفيلم مقتبس من رواية تاريخية تحمل الاسم نفسه للبريطاني الراحل مؤخرًا مارتن آميس، وتدور حول الحياة المثالية لأسرة هوس التي تعيش بجوار معسكر أوشفيتس للاعتقال والإبادة.

نحن في العام 1940، الأبّ رودولف هو قائد المعسكر ومسؤول عن مكننة المحرقة والتأكّد من فعاليتها. فيما زوجته، هيدويج، أنشأت حديقة جميلة بجوار أسوار المعسكر سيء السمعة، ويُغرم بها ضابط نازي. تُروى القصة بلسان ثلاثة رواة: الضابط النازي المغرم؛ وقائد المعسكر؛ وأحد السجناء اليهود.
أهوال أوشفيتس تبقى بعيدة عن الشاشة، إلا إنها تتخلّل الفيلم من جميع الجوانب: أحمر الشفاه الرابض في جيب معطفٍ مُصادَر تاقت له هيدويج؛ رماد الضحايا اليهود المغدورين يطفو في البحيرة التي اعتادت الأسرة السباحة فيها؛ نباح كلاب وطلقات رصاص وصرخات بشرية يمكن سماعها باستمرار، لكن الأسرة تتجاهلها بعناد.
في نهاية الفيلم، يسير رودولف على درجات سلّم مبنى نازي. الدرج مظلم تقريبًا. يمشي، كعادة العسكر، بخطى سريعة. وفجأة يتوقّف، ويبدأ في التقيّؤ. ثم يعاود المشي وكأن شيئًا لم يحدث، ويبدأ في التقهقر مرة أخرى، ثم ينظر إلى الكاميرا. بالضبط في تلك اللحظة، تحتلّ الشاشة صورٌ معاصرة لأوشفيتس، بعدما صار متحفًا تذكاريًا.
يكسر جلايزر الجدار الرابع هنا، الجدار غير المرئي بين الجمهور والفيلم. لحظة رائعة في نهاية فيلم يماثله روعة.
عادة ما يُستخدم كسر الجدار الرابع لفضح وهم أو تعطيل إيهام فيلم ما (أو مسرحية، فالمصطلح أصوله قادمة من المسرح بالأساس). يؤشّر للمتفرّج إلى بنية الفيلم نفسه، وبالتالي يكسر ذلك التواطؤ والإيهام الضروريين لإيمان المتفرّجين بما يرونه. لكن في «منطقة الاهتمام»، هذه اللحظة ليس لها تأثير إبعادي. لا يُظهر جلايزر زيف فيلمه أو اصطناعه، بل يؤكّد واقعه. لا تنتقص اللحظة من المشاعر المخيفة التي يثيرها باقي الفيلم، بل بالأحرى تضخّمها.
«بنات ألفة»، أحد فيلمين وثائقيين متنافسين في المسابقة الرئيسية للمهرجان، يستخدم أيضًا تقنيات كسر الجدار الرابع. في اللقطة الافتتاحية للفيلم، على سبيل المثال، يمكن رؤية لوح الكلاكيت قبل حديث المخرجة كوثر بن هنية عن استراتيجيتها لإنجاز الفيلم. مرة أخرى، هذه اللحظات لا تنتقص من الانغماس في القصة، بل تُظهر أن «بنات ألفة» في جوهره بناء مصطنع ومرتَّب، لكن العلم بهذا البناء تحديدًا هو ما يقود إلى تصديق المعروض على الشاشة والتورّط معه.

الفيلم مسكون بشبح فتاتين غائبتين، هما الابنتين الكبيرتين لألفة، وهي امرأة تونسية غير محظوظة في الحياة كما في الحبّ. تركها زوجها النذل دون سندٍ أو رعاية، فيما فرّت ابنتاها للالتحاق بـ«داعش» والجهاد في سبيل ما هاجرتا إليه في سوريا. تُعيد بن هنية خلق/تمثيل اللحظات التي سبقت اختفاء البنتين. لديها ألفة وابنتاها المتبقيتان، وثلاثتهن يضطلعن بأداء أدوارهن الحقيقية في هذه المَشاهد. بالإضافة إليهن، استعانت بممثلتين محترفتين لتجسيد البنتين الغائبتين، وهند صبري لتجسيد دور ألفة في فيلم روائي متداخل مع الفيلم الوثائقي الذي نشاهده، وممثل واحد للعب دور ثلاثة رجال مختلفين في حياة النساء الخمس.
مرة أخرى، لا يُقصد باستخدام الممثلين والتأكيد على تمثيل/أدائية غير الممثلين تقويض أو مواراة أصالة القصّة. التمثيل في هذا الفيلم ليس مزيّفًا ولا يتعارض مع الحقيقة. تُظهر بن هنية كيف أن إعادة تمثيل الأحداث المفصلية والتكوينية في حياة ألفة وبناتها يخلق إحساسًا بالواقعية. لا تُنسى تلك اللحظة التي تدرك فيها ألفة - التي أدّت إساءة معاملتها لبناتها إلى فرار إثنتين منهن - أنها تتحمل مسؤولية ما حدث. تقول للكاميرا: «أنا مثل قطّة خشيت فقدان قططها الصغيرة، فأكلتهم».
هناك أيضًا مثل هذه اللحظة، في فيلم «عن أعشاب جافّة» للتركي نوري بيلجي جيلان، عندما يدرك المشاهد بنائية الفيلم. قرب نهايته، تخرج الشخصية الرئيسية فجأة من الكادر. يمشي إلى الحمّام (الخاصّ بموقع تصوير الفيلم على ما يبدو) ثم يُلقي بنظرته نحو الكاميرا. ثم يستمرّ الفيلم وكأن شيئًا لم يحدث.

على عكس الفيلمين المذكورين أعلاه، تُخرج هذه اللحظة المتفرّجَ من تجربة الفيلم لفترة. في العرض الذي حضرته للفيلم، استجاب أحد المتفرّجين على التغيُّر المفاجئ بضحكة عالية. لكن في النهاية، تؤكد هذه اللحظة أيضًا على وجهة نظر الفيلم، وبالتالي فلا معنى تقريبًا لتقويض الفيلم بالسخرية منه.
يركّز السرد على مدرّس رسم في الأربعينيات من عمره يُدعى سيميت، وهو رجلٌ أناني كما يُوصف، عدمىٌ وغامض، يستخدم قناعًا لطيفًا للتلاعب بطلّابه الصغار. سيميت ابن مدينة، ولكنه يضطر إلى التدريس الإلزامي لمدة عام (مثل سنة التكليف في كليتي الطبّ والصيدلة عندنا) في قرية ريفية ذات أغلبية كردية في مرتفعات شرق الأناضول، وهناك يعيش مع زميله كِنان، الأقل منه إحباطًا. كلاهما يواجه مزاعم تحرّش من تلميذتين في المدرسة، لكن هذا مجرد تفصيل يؤدّي إلى تفاقم انزعاج الأول. زميلتهما الأخرى، نوراي، مدرّسة اللغة الإنجليزية، الملتزمة سياسيًا والموهوبة في الرسم، المكلومة لفقدان ساقها في حادثٍ لم تتعاف أبداً من أثر صدمته؛ ستكمل معهما ما يشبه مثلث حبّ.
لا يصنع جيلان دراما متصاعدة من هذه المادة ولا تلك، ولكنه بدلاً من ذلك يلعب، في حوارات ولقطات مطوّلة ومع المزيد من الأشياء الضمنية غير المعلنة ومتسلحًا بجرأة يندر وجودها في السينما المعاصرة، مع فكرة كيف تُسوّى مثل هذه الصراعات في صمتٍ ورغم ذلك تستمر في إطلاق الدخان.
يدور «عن أعشاب جافّة»، مثل أغلب أعمال جيلان، حول أفكار كبرى كالانحلال الأخلاقي والفراغ الأيديولوجي واليأس الإنساني واليوتوبيا والالتزام. وهكذا، من خلال الإشارة إلى بناء الفيلم والشخصية، يكشف جيلان شيئًا عن سيميت. بمعنى ما، يعمل إظهار كذبة الفيلم كسبيل للتوغّل في العالم الداخلي لشخصيته الرئيسية، لتظهير عمقها النفسي بفضل إيماءة بسيطة وكاشفة.
5
عينٌ سارحة وعين مندهشة
مذهلٌ مدى السرعة التي تمرّ بها الملابس عبر آلات الخياطة في فيلم «شباب (ربيع)» للمخرج الصيني وانج بينج. هناك مثل هذه الوتيرة السريعة التي لا تهدأ في إنتاج المنسوجات الرخيصة حدّ أنك -كمتفرّج- تريد تقريبًا التحقّق مرة أخرى، من أن الصورة لم تُشغَّل بسرعة. لكن للأسف، ما يراه الواحد أمامه حقيقي. بعيدًا من هذه الوتيرة، ينجز السينمائي التسجيلي العتيد سينما بطيئة عن صناعة الأزياء السريعة في الصين، وهذا المزيج تحديدًا هو ما يجعل «شباب (ربيع)» فيلمًا رائعًا ولافتًا: تأمُّل متمهّل وصبور في عمل مرهق ومتعجّل.

يشتهر وانج بينج بأفلامه التسجيلية الأنثروبولوجية والرصدية. تنحو معظم أفلامه صوب فحص فني-سوسيولوجي للتناقض والانحلال الاقتصاديين في قلعة الرأسمالية الشيوعية، كما يترجمه استغلال العمّال وتهميش المواطنين في الصين المعاصرة. أفضل مثال على هذا النهج هو أشهر أعماله (Tie Xi Qu: West of the Tracks» (2002»، ملحمة مدتها تسع ساعات حول تراجع النشاط الصناعي في إحدى المدن الصناعية شمال شرق الصين. قضى بينج عامين بين 1999 و2001 لتصوير التدهور البطيء في منطقة تاي شي الصناعية، التي كانت ذات يوم مثالًا حيويًا للاقتصاد الاشتراكي الصيني. لكن مع صعود سياسات السوق الحرّة، والتحرك نحو صناعات أخرى، بدأت مصانع تاي شي في الإغلاق ومعها الكثير من البنية التحتية القائمة على العمال والمنشآت الاجتماعية في المنطقة.
في جديده «شباب (ربيع)»، الجزء الأول من سلسلة فيلمية محتملة من أربع أجزاء حول الشباب الصيني، قضى المخرج قرابة خمس سنوات في مقاطعة عمّالية، أقصى شرق الصين، سمحت الإصلاحات الاقتصادية في السبعينيات بتحوّلها من قرية فقيرة إلى أن تصبح مركزًا مزدهرًا لإنتاج ملابس الأطفال. صوّر بينج حوالي ثلاثة آلاف ساعة من المواد، في مركز صناعة النسيج الصيني هذا، حيث تنتِج حوالي عشرين ألف ورشة خياطة ملابسَ أطفال رخيصة موجّهة للسوق الصيني.
لدينا جميعًا صورة عن هذه الصناعة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الرأسمالية الغربية، مثلما ارتداء أطفال العالم الثالث ملابس قطنية رخيصة، أصبحت ممكنة أيضًا بفضل العمالة الرخيصة التي نراها هنا. «شباب (ربيع)» لا يتعارض مع تلك الصورة بل يكملها ويمنحها عمقً وملمسًا ووجهًا. وهذه هي استثنائية وانج بينج، الذي يبدو أنه سُمح له بالتصوير دون عوائق تقريبًا في ورش الخياطة المكتظة، وأماكن النوم المشتركة للعمّال الموسميين، حيث يهاجر حوالي 300 ألف منهم سنويًا من القرى الريفية المحيطة، إلى المقاطعة للعمل لمدة 15 ساعة في اليوم لعدة أشهر، قبل أن يعودوا إلى قُراهم.
عمل مستمر رتيب، لحظات من الملل الشديد، مفاوضات مرهقة مع المديرين حول المدفوعات.. يُظهر الفيلم عمليًا كل جانب من جوانب هذه العملية. ونظرًا لمدته الطويلة نسبيًا -رغم أنه عملٌ قصير وفقًا لمعايير وانج بينج- لا يصبح أبدًا سردًا صريحًا ضد الاستغلال، أو كتيبًا سياسيًا جلّ أفكاره مبنية على نقاط نقاش مبتذلة. «شباب (ربيع)» منتبه لموضوعاته وكريمٌ معها. هناك مساحة للحياة تتسرّب إلى هيكل الفيلم. ومع الحياة تأتي التناقضات والمفارقات. تفاعلات مرحة وإيماءات محبّة ولحظات حميمة أخرى، تكسر رتابة سير وطريقة العمل وتحوّل تركيز الفيلم. تصير آلات الخياطة بطلًا ثانويًا. أو، على الأغلب، تصبح وسيلة لقضاء الوقت مع كل هؤلاء الأفراد الفريدين الذين يشغّلونها. التأثير، أو بالأحرى الاستثناء المميز لعمل وانج الرصدي والتسجيلي، هو شعورك (كمتفرّج) بأنه يعيش معهم. ليس فقط وانج بينج، ولكنك أيضًا (كمتفرج) ستعيش وتقضي هذا الوقت مع كل هؤلاء الأشخاص.
طيّب، لماذا كل هذا الوقت الطويل مع فيلم وانج بينج؟ لأنه جدير بالذكر أن مهرجان كانّ أدرج العديد من الأفلام الطويلة في برامجه هذا العام، وفيلمٌ طويل في مهرجان بارز مثل هذا، يعدّ استثمارًا كبيرًا. كان بإمكاني مشاهدة فيلمين آخرين، وإجراء العديد من المقابلات أو كتابة مقال، في الوقت الذي قضيته مع «شباب (ربيع)». لكن هذه هي النقطة بالضبط: السينما طويلة المدة -والمدى- لا ينبغي أن تكون شيئًا تريد قياسه. إلزام نفسك بالسينما الطويلة، يشبه الدخول في عقد اجتماعي مع صانع الفيلم. قد تصرف وقتًا ثمينًا، لكن من المحتمل أن تحصل على الكثير في المقابل. وهكذا تصبح السينما البطيئة سينما اهتمام وانتباه. اهتمام صانعي الفيلم بمواضيعهم، وانتباه المتفرّج للعمل الجاري على الشاشة
هذا، بالمناسبة، لا يعني أن الأفلام الطويلة تتطلَّب تركيزًا مستمرًا ومحضًا من الجمهور. خذ، مثلًا، «مدينة محتلة»، أول فيلم تسجيلي للبريطاني ستيف ماكوين، والذي كتبت له السيناريو زوجته بيانكا ستيجر، استنادًا إلى كتابها الذي يحمل الاسم نفسه. يبلغ طول هذا الفيلم أيضًا أربع ساعات، وهو أيضًا طول ضروري. وهذا بالتأكيد لا يعني أن الساعات الأربع «هتعدّى هوا». أو أنك لن تشعر بطوله. أو أن أفكارك لن تسرح خارج ما يحدث على الشاشة. لكن هذا الطول والفرهدة يناسبان قائمة الأحداث التي يبغي الفيلم تناولها والخوض فيها ومقابلتها ببعضها البعض.

يأخذ «مدينة محتلة» من فترة الاحتلال النازي لأمستردام (المدينة التي اتخذها ماكوين مقامًا له في السنوات الأخيرة) متكئًا لسرديته، وعبر ساعاته الأربع يتنقّل بين أماكن أمستردامية، وأحداث وقعت فيها أثناء اضطهاد اليهود في الحرب العالمية الثانية. وفي فقرات طويلة، يرافقها تعليق صوتي، نستمع إلى قصص وإخباريات عن ضحايا النازية، أحدها في كل مرّة.
يذكر اسمًا تلو الآخر، غالبًا مع مكان وعمر الوفاة؛ يتبادر إلى الذهن موقع تلو الآخر.. سكن، مؤسسة، حديقة، شارع. «مدينة محتلة» عبارة عن تعداد طويل، يُتلى بنفس النبرة الواضحة والهادئة في التعليق الصوتي للمصورة الفوتوغرافية ميلاني هيامز. تعداد يردّد أسماء نُصب المحرقة الذي يفتتح الفيلم: صفوف طويلة من الأسماء للاعتراف بفردية وخصوصية الأشخاص الذين تعرّضوا للاضطهاد كمجموعة. مثل هذا النصب التذكاري، أو مثل تلك البلوكّات التجريدية، التي يرينا الفيلم أربعة منها في أمستردام، يُراد لـ«مدينة محتلة» أن يصبح هو الآخر نصبًا تذكاريًا، ولكن في شكل فيلم. مع كلّ الجلال والملل والطقوس المتكررة اللازمة ليتناسب مع ما يُراد له أن يكون.
ومثل هذه الأجواء مثالية ليخلق المتفرّج انعكاساته ويتفكّر مليًا. يسرح الواحد بدماغه، في ثنايا تلك التكرارات، وعبرها تحديدًا، يظهر التاريخ بأكمله ببطء من القصص الفردية؛ على عكس التأريخات التي تقتصر على الخطوط العريضة، وتأتي فيها الحكاية الفردية مجرد هوامش وزينة توضيحية.
يأتي التركيز في موجات. لذا فالدخول والخروج من الفيلم هو أكثر ما يميّز السينما الطويلة.
في «عن أعشاب جافّة»، أول فيلم لنوري بيلجي جيلان منذ خمس سنوات، يرتقي بهذه العملية إلى مستوى فنّي تأستذ فيه. الفيلم أقل تدقيقًا من أعمال جيلان السابقة، بحكايته الموزّعة بين اهتمامات ومشاغل متنوعة، وبالتالي يصعب قليلاً التعامل معه ككلّ متوحّد، ولكن على مستوى المشهدية والتكوين، يعدّ من بين أفضل أفلام التركي على الإطلاق. بفيلمه «سبات شتوي» (2014)، الحائز على السعفة الذهبية، و«ذات مرة في الأناضول» (2011)، أثبت جيلان نفسه سيدًا لأفلام أدبية كبرى ينعكس فيها المشهد التركي الشاسع على الحالة النفسية المعقدة للشخصيات.
في بعض الأحيان، يتفوّق «عن أعشاب جافّة» على الفيلمين الرائعين بمشاهدٍ منوّمة تسمح له بابتلاع مُشاهده. جيلان خبير في كتابة حوارات مطوّلة ومتشعّبة، لكن الأهم أن تلعب دورها التشييدي بنجاح. يمكن لمحادثة ليلية بين شخصيتين أن تحيلك بندولًا يروح ويجيء مع حركة الكلمات الحادة وتبادل النظرات النافذة. مُعلَّقة على شفاه الشخصيات، تبدو حدود الزمان والمكان ضبابية. هل استمر مشهد الحوار خمس دقائق أم نصف ساعة؟!
يصبح تصوٌّر الوقت نسبيًا في فيلمٍ مثل هذا. ومن هنا يكتسب «عن أعشاب جافّة»، إيقاعه المتموّج، ليستوي سينما متسكّعة وجوّالة مثل الحاضرة هنا، والممكن مشابهتها بتجربة المرء لركوب لعبة السفينة الدوَّارة. فقط إذا استسلمت لطول الفيلم يمكنك مواكبة هذه الحركات الذاتية وإدراك بعض كشوفاته. مرونة الوقت وقابليته للتطويع هي جوهر السينما نفسها. الأفلام الأكثر مكافأة حتى الآن في هذه النسخة من مهرجان كانّ، تنحتُ سينما تذكارية يقوم فيها الوقت بدور لبنة البناء الرئيسية.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن