كارما الضفادع
أليف ووحشي #3
#جو عام
في ثالث حلقات «أليف ووحشي» يحكي يوسف داوود، عن حكاية من طفولته عن ضفادع وادعة تقاطع مسارها مع مغامرات الطفولة الوحشية، لينسجم هذا التقاطع مع «أليف ووحشي»، السلسلة التي يعدّها ويحررها ياسر عبد اللطيف ومي المغربي، وتعمل على علاقة الإنسان بذاته، وتسير مع كُتّابها في رحلتهم لاكتشاف حيوانهم الداخلي. تنسجم هذه السلسلة التي تغوص في نفوس البشر، مع «جيوب المدينة» التي تتجول في المكان بحثًا عن أوكار وخبايا المدينة. ابقوا معنا ولا تتركوا حبلي السلسلتين.
#أليف ووحشي
اسأل أي طفل لماذا تمطر السماء؟ سيجيبك بأشياء مثل: ليكبر الزرع، أو لتشرب الحيوانات. إن سألته عن سبب موت جده، سيجيبك ليُفرغ مكانًا في المنزل للحفيد الجديد، كلها أسباب غائية، هكذا يفكر الأطفال عادةً، وهكذا كان يفكر خالد صديقي. كنا أطفالًا عندما سألته لماذا تُحب قتل الضفادع وتشريحها؟ أجاب ببراءة حقيقية وغير مفتعلة: لأن الأمر مُسلٍ!
الكتابة بعين طفل حيلة يمكن وصفها بالدناءة أحيانًا، لأنها تكون طعنات دامية غير جارحة. طعنات بريئة، طفولية. حتى ولو كانت صورًا مريضة وممزقة.
اشتريت قطًا مؤخرًا، لكنه صار مزعجًا، إذ بدأ يتهمني بالوحشية. أجلس لأكتب، فينظر لي بسخرية من أقصى الغرفة. يرمي بعينه ناحيتي ليقرأ ما أكتب، ثم يتهمني بالوحشية. الأمر غير محتمل. كنت حريصًا على أن أكون أي شيء غير أن أكون وحشًا، أعامله برفق حقيقي. رأيت أن أي إشارة منه بعدم الرضا عني ستجعل كل شيء يختل، وأعود لأجلس خائفًا في انتظار الكارما التي ستقتص مني.
كنا في أولى إعدادي تقريبًا حين طلبت منّا مدرسة المكتبة أن يكتب المهتمون منا قصة ليشاركوا في مسابقة بين المدارس. كتبت وكتب هو بالطبع. كانت قصته تحكي عن بحار في أول أيام عمله، وبعدما تسلم كل المهام من الرجل الذي سيأخذ مكانه، رحل الرجل بسرعة وكأنه يهرب. كان من المقرر أن يظل في عرض البحر لخمسة أيام. حل المركب ودخل البحر. في اليوم الثاني بدأت تهاجمه كوابيس تحتوي على كل ما كان يخافه في طفولته وظن أنه نسيه. ثم أصبحت الكوابيس هواجس يقظة، يراها نهارًا وتهاجمه دون قوة منه ليلًا.
كانت كوابيسه تنويعات على مشهد واحد تكرر كثيرًا في طفولته. مشهد جدته وهي تملأ بيتهم الريفي بمصائد الفئران، لتعود وتجمعها وقد امتلأت. ثم تضع برميلًا وسط البيت ممتلئًا بالماء. وتغرقهم فيه تباعًا. كان يقف ويشاهدها خائفًا، وكانت تنظر له بين فأر وآخر وعلى وجهها سيمات رضا كأنها بوذا. المهم أن هذه كانت كوابيس البحار على المركب في عرض البحر، ولم يكن يملك أمامها شيئًا. في اليوم الرابع وقد كان على وشك الجنون التام، توصل إلى أن الحل في أن يغرق فئرانًا لينهي هذا الكابوس ولا يعود يخاف من رؤية فئران تموت، ولا رؤية جدته مستمتعة بخوفه. إلا أنه لا فئران في البحر. وليس أمامه من الحيوانات سوى السمك. ماذا يفعل؟ سيغرق الأسماك. يصطادها، ثم يمسك واحدة واحدة بيده محاولًا إغراقها. لا تغرق. يصيبه الجنون بحلول اليوم الخامس.
مشهد النهاية في القصة، يكون لمركب تعود وحدها للميناء، محملة بالفئران تأكل جسدًا لم يتعرفوا عليه أبدًا. تنتهي القصة هنا.
المعلمة البلهاء لم ترَ في هذه القصة أي دلائل توحي بأن هذا الطفل بحاجة لمراجعة مُختص، لم تتكلم مع الأهل مثلًا. كان تعليقها الوحيد أنها قصة كئيبة جدًا. وأنه: ليه كده بس يا حبيبي الكآبة دي كلها؟ إلا أنها أعجبتها وجعلتها تأخذ المركز الثالث. كانت قصتي في المركز الثاني.
أحبت المعلمة قصتي جدًا ولم تصفها بالكئيبة، لأنها كانت عن أطفال يلعبون في حديقة ويستمتعون بالخضرة. لم تنتبه أنني جعلت الأطفال يهرسون الفراشات بأقدامهم. نفس الفراشات التي كانوا يلعبون معها، ويركضون خلفها قبل قليل.
أنا أيضًا أحببت قصته حينها، لأني كنت أفهم من أين أتى خياله المشوه هذا. كان يحكي لي عن أحلام تطارده دومًا، كلها مملوئة بحيوانات نصف ميتة. مع الوقت صرت مهووسًا بأحلامه أكثر منه، أسأله دومًا عن الجديد منها، وعن آخر ما لم يقدر على قتله من الحيوانات. أسهر الليل أفكر فيها، وأعيد حكيها لنفسي مرارًا.
هو أكثر شجاعة مني، أو يمكن القول إنه رمى عن كاهله حجر الذنب، الذي يمنعني أنا أن أطلق يداي لفعل ما أريد دون التفكير بالآخر. طالما كانت تلك هي ثنائيتنا، هو النسخة التي تفعل ما تريد، بينما أنا أرسم خططًا أكتفي بمجرد رسمها. حتى إنه اختار موته.
كان خالد طفلًا ذكيًا وحزينًا. قد يكون الطفل الوحيد الذي تراه بهالات سوداء تحت عينه. وجهه جميل، لكن يصلح لموظف أربعيني. لم يكن ينام إلا سرقة من الكوابيس.
مَن يدخل غرفة خالد سيشم رائحة فئران ميتة. هي رائحة ضفادع ميتة للدقة، لكن لا تقلقوا لأن للاثنين نفس الرائحة بالضبط. أحاول فقط تقريب الأمر لتتابعوا معي.
في البداية سألته عن تلك الرائحة، فقال إنها رائحة الفئران التي تُحرق في أحلامه، يجد الغرفة معبأة بها كل يوم حين يصحو. إلا أنه مع الوقت اعترف لي بسره الصغير: «أنا باخد ضفادع من الجنينة اللي ورا وبشرّحها!» قالها بسعادة ومتعة. احتجت بعض الوقت لأفهم أن الأمر يُسعده فعلًا، وأنه لا يشعر بأي ذنب تجاهه. اصطحبني عدة مرات لأرافقه في عملياته تلك. يصطاد ضفدعًا، ويأخذه لغرفته، ثم يشرّح كل جزء فيه. كل مرة بنفس المتعة. اكتفيت بالمشاهدة، وفي كل مرة كنت أرى ذلك قاسيًا، وغير طبيعي، لكنه ممتع، لن أنكر أنني انتشيت كثيرًا في أثناء مشاهدتي فقط للعظام وهي تنسلخ عن اللحم، تخيلوا المتعة التي يحصل عليها هو عندما يسلخها بيده.
بعد سنوات سيموت خالد في حادث سيارة. كان يقود باحترافية وطيش شديد، طيش انتحاري. أذكر أنني في مرة قلت له وقد كنا في ثانوي وبدأ اهتمامي بعلم النفس يزداد، إن الأشخاص أمثاله يمكن وصفهم بأنهم مصابين بـ«الحنين إلى ما قبل الولادة» أي أنهم يودون العودة لعدم ما قبل أن يُوجدوا. ضحك وقال: أعرف!
هكذا الأمر دائمًا، أغرق أنا في النظرية، بينما هو يلمس النار ليتأكد أنها ستحرقه. عرفني أكثر مني، لم يقل لي سره سوى لأنه لمس في نفس النزعة التدميرية عنده. أقل جرأة من أن أفعل مثله، وأكثر حماسًا من أن أخبر أحدًا بما نفعل.
الحادث جعله أشلاءً موزعة. بكت أمه كثيرًا عليه. طوال العزاء كنت أشم رائحة الفئران الميتة.
لا أرى الأمور مترابطة، أظن أنه كان سيموت هكذا سواء استمتع بتشريح الضفادع وهو صغير أو لا. إلا أن الكارما تغلبني أحيانًا وتسيطر على عقلي، وأفكر ماذا لو نصنع مصائرنا؟ ماذا لو كانت الأقدار تكتب لحظة بأخرى؟ وأن قدره كُتب فقط لحظة وضع المشرط في جسم أول ضفدع؟ لم يكن ليغير شيئًا.
أفكر أيضًا في كيف ستكون نهايتي أنا؟ لم أمنعه ولم أشعر بالقرف تمامًا لأكون صادقًا.
أسأل، هل سأصير أخرس يومًا؟ ربما.
إلا أنني اشتريت قطًا، وقطي صار يتهمني بالوحشية كما قلت. وها أنا في أول عشريناتي، أحكي لكم ما ألمَّ بخالد، وأظنني قد غلبت الكارما بعدما صار القط أكثر تفهمًا وتوقف عن نعتي بالوحش. بدأت التدخين بشراهة فقط لأمد يد العون للقدر إن كان ينوي أن يسلب مني صوتي، لا أحتاجه للضرورة بصراحة. وإحدى الهوايات التي يمكنني الإفصاح عنها الآن هي التدخين ونفخ الدخان في وجه القط وفي وجه الكارما.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن