قصة شيرين عبد الوهاب
شيرين عبد الوهاب تتحدث عن نفسها
«-إيه القوة الخارقة اللي نفسك تبقى فيكي؟
«-إن مفيش حاجة تأثر فيا، مهما سمعت أو اتحطيت في مواقف أفضل زي مانا»
قبل أيام قليلة من انفجار قصة شيرين عبد الوهاب وتعرضها لانتكاسة نفسية وصحية، تمنت المطربة المصرية أن تمتلك قوة خارقة، تجعلها تظل كما هي؛ لا تتأثر بكل شيء تسمعه أو موقف تتعرض له. صدم طموحها البسيط إسعاد يونس، التي كانت تنتظر أن تخبرها برغبتها في الطيران أو التخفي، لترد بذهول «دي قوة خارقة دي؟» وكأنها تخفي السؤال الحقيقي: كيف تضاءلت طموحاتك إلى هذه الدرجة؟
قصة تحول شيرين عبد الوهاب إلى هذه النسخة المأزومة، هي نفسها قصة التحول من حُكم السوشيال ميديا عليها بـ«تخرس بس وتغني» إلى «شيرين صعبانة عليا». قصة كفاح مستمرة ضد الوحش الذي يهددها طوال الوقت: كلام الناس، سواء في مرحلة الإعلام التقليدي القديم وقت ظهورها، وحتى مرحلة سطوة التريند. هذا الكلام هو مجموعة الصور التي يريدون حبسها فيها، والتصنيفات والقوالب التي نجت من العديد منها كصورة المطربة الشعبية، النجمة المعتادة ذات الكلام المحسوب الذي لا يقول شيئًا، ومرورًا بالوصاية من قبل الشركات وعمالقة سوق الغناء.
حتى يمكن تلخيص مسيرة شيرين مع الإعلام والمجتمع الفني بأنها قصة ترويض النمرة. وقد يبدو أنها هزمت في النهاية بعد وصاية الرأي العام عليها وتسيد صورة «الموهبة الطائشة» التي أهدرت موهبتها بنفسها. ولكن في نظرنا هي انتصرت لمجرد استمرارها، طوال تلك الفترة الطويلة من الحروب ومحاولات الترويض والإخضاع.
دفعتنا انتكاستها الأخيرة للرجوع إلى عشرات اللقاءات والحوارات التي أجرتها منذ «آه يا ليل» إلى الوقت الحالي، لنسمع منها هذه المرة كلامها قبل أن «تخرس»، وحكايتها الأصلية بجروحها المتراكمة والصورة الحقيقية التي أرادتها عن نفسها، لنرسم بورتريه عنها من كلامها هي، وليس من كلام الناس.
«فيه كلام ساعات بيطلعنى سابع سما وفيه كلام بيديني بخنجر في قلبي»
رحلة صعود شيرين وجرحها الأول
قصة صعود شيرين عبد الوهاب لها خصوصية شديدة مقارنة بمعظم نجوم جيلها والسابقين عليها، ليس بسبب الصعوبات التي واجهتها لتصل بصوتها إلى الجمهور لأول مرة، وهي قصة معاناة مشتركة مع معظم المطربين، ولكن في الصعوبات والحروب التي واجهتها بعد نجاحها الصاروخي وقت أغنية «آه يا ليل» وفرض موهبتها على الجميع. كانت شيرين تعرف في بداياتها أن طريقة تقديمها للوسط الغنائي ستظل «عقدة» تطاردها لفترات طويلة، خاصة أن هذه اللحظة في مسيرة المطربين بالتحديد هي غالبًا ما تشكل طريقة التعامل معهم في بقية مسيرتهم.

فمثلًا، يُحكى على عمرو دياب أنه كان يتحاشى الجلوس على المقهى حتى لا يضيع بريقه الذي لم يتشكل بعد، ولم يكن يعرفه أحد، وحرص منذ اللحظة الأولى على رسم صورة الشاب الرياضي المهندم ابن الطبقة المتوسطة، حتى قبل أن يستقر على الشكل الغنائي الذي سيلازمه بعدها في بقية حياته، ورسم هذه الصورة بالنسبة لمطربة في الوسط الفني أكثر صعوبة؛ لأنها تحتاج إلى أكثر من فكرة الابتعاد عن المقهى. ولم تكن في فترة ظهور شيرين أي مرجع يمكن أن تقلده أو تسير على خطاه في تكوين صورتها الأولى في الوسط الفني قبل وصولها إلى الجمهور.
فمنافستها الأولى في هذه الفترة أنغام، هي ابنة الموسيقار محمد علي سليمان وعمها عماد عبد الحليم، وقُدمت بوصفها الطفلة المعجزة، قبل أن تصبح سيدة للغناء في وقت قصير، وتستند إلى دعم خليجي كبير حتى الوقت الحالي، ونفس الحال بالنسبة لأصالة، القادمة من سوريا، ويُنتج لها زوجها في ذلك الوقت، أيمن الذهبي، أعمالها الفنية، قبل أن تكمل المسيرة مع طارق العريان. وآمال ماهر التي حظيت برعاية مؤسسة الرئاسة، وعمار الشريعي في نفس الوقت، وأخيرًا لن تصبح شيرين مثل سميرة سعيد ولطيفة التونسية، فهي الفتاة الفقيرة القادمة من منطقة «القلعة» ولا تملك سوى موهبة جبارة.
كانت المراهقة شيرين عبد الوهاب في هذه المرحلة في التسعينيات، محملة بأحلام وردية حول طريقة صعودها وتكوين نجوميتها على غرار فيروز الصغيرة ونجمات أفلام الأبيض والأسود، خاصة أنها المكون الرئيسي لثقافتها الفنية والغنائية «تعلمت الغنا من أفلام الأبيض وأسود وشرايط أبويا، دخلت المعهد وطبعًا مقعدتش فيه كتير، وعرفت إن الغنا ليه قواعد». كان كافيًا بالنسبة إليها أن تعرف أن للغناء قواعد حتى تنطلق في مسيرتها، واعتبرت نفسها مزيجًا من كل ما كانت تشربه من ليلى مراد وفايزة أحمد ونجاة ووردة «أنا نتاج كل دول».
كيف تصورت شيرين طريقة تقديمها للجمهور؟
رأت شيرين عبد الوهاب نفسها بالتحديد في المطربين الذين لم ينالوا حظهم الكافي من الشهرة. «فيه ناس يمكن مخدوش حظهم من الشهرة أمثال حورية حسن وسعد عبد الوهاب، لكن الناس دي أنا اتعلمت منها، سابوا تاريخ وتأثرت بيهم». واصطدمت في مرحلة تقديم موهبتها بأرض الواقع خارج عالم أفلام الأبيض والأسود، وعرفت معنى الطبقية أو تصنيفها الفني بناءً على طبقتها الشعبية، وكانت الصدمة الأولى التي حاربت كثيرًا لمحو آثارها، وسببًا في قلة حظوظها الفنية والحياتية إلى الوقت الحالي.
«كنت ساكن في المهندسين، جابوا لي واحدة زغنطوطة كده في المكتب، غنت لي ساعتها عيون القلب، قبل آه يا ليل، محدش عارفها خالص. عملت شوية حرف كده وحليات تحس إنها شعبية شوية، خلصت الغنا قلت لها إنتِ صوتك جميل قوي وإحساسك عالي قوي، بس إنتِ في الشعبي هتبقي صاروخ.. قالت لي شعبي؟ عيطت قدام البيت.. عيطت عياط». هكذا يحكي هاني مهنا بفخر عن سماعه صوت شيرين في فترة صعودها، ولكنه يكشف بحسن نية نظرة السوق الغنائي لشيرين كفتاة شعبية لا يسمح لها سوى بالغناء الشعبي.
بكت شيرين بحرقة بسبب شعورها بالإهانة، كما يصف مهنا، الذي حاول تبرير تصرفه أنه كان يقصد أن الغناء الشعبي ليس عيبًا، وأنه كان السبب في شهرتها بعد ذلك في «آه يا ليل». لم يفهم مهنا وأمثاله وقتها طريقة غناء شيرين لأغنيته «عيون القلب»، ولم يتحمس لتقديمها. ومثل بقية من تعاملوا مع صوتها، كانوا أقل من طموحاتها وأحلامها الفنية وطاقتها في الغناء، بمن فيهم نصر محروس، والدها الروحي ومنتج أعمالها الأولى، والذي استقبلها بعد عدة صدمات لها من هذا النوع.
شيرين النسخة الشعبية
تعاقدت شيرين عبد الوهاب مع شركتين قبل «فري ميوزك» لنصر محروس، ولكن تعرضت للتجميد في الشركتين، وذهبت مستسلمة لرؤية محروس، الذي كانت فلسفته تجاهها «شيرين public عاملها شغل بتاع كل حد، الناس بتفهم شعبي يعني بلدي، الشعبي ده بتاع القصر والحارة، عشان كده قالوا عليه شعبي بتاع كل حد، فشيرين اتعملت كده». ربما لم تكن شيرين تمانع في غناء أغاني شعبي، ولكن كانت عقدتها الأساسية تصنيفها هي «مطربة شعبية» أو سيدة شعبية، ولم تكن راضية تمامًا عن الصورة التي قدمت بها لأول مرة.

كانت تلك المرة الأولى التي تعاني فيها شيرين من حالة «انفصام فني». تحقق نجاحًا مدويًا وخارقًا بأغنيتها «آه يا ليل»، محققة ثورة غنائية وإنتاجية في تلك المرحلة، وفي الوقت نفسه لا تشعر بالرضا من هذه التقديمة، التي لا تعبر عن حقيقتها والصورة التي رسمتها في خيالها، «أنا من الفنانات اللي لما دخلت أول حاجة ما عملتش أي عمليات تجميل، ولا اتصرف عليا ولا اتجاب لي كوافيرات وماكييرات من بره، ولا اهتموا بلبسي اللي هما يلبسوني أحدث حاجة. بالتالي ما اتصرفش عليا شخصيًا، ولكن اتصرف على الشغل، والمنتج الشاطر بيعرف يعمل ألبوم وما بيدفعش فيه كتير. فأنا كنت بالنسبة له مجازفة في ثمن الأغاني بس».
قُدمت شيرين في صور الدعاية والكليبات الأولى لها على أنها الفتاة الشعبية «الشقية» ذات المظهر الرجالي، ترتدي بدلة وكاجوال وشعرها قصير دون اهتمام واضح بالتفاصيل الأنثوية بها. عزز محروس هذه الصورة عنها من خلال كليب «جرح تاني»، والذي كان بداية التوتر في علاقته بشيرين عبد الوهاب.

كانت شرين ترى أنه يتم حصرها في إطار شكلي وفني محدود، ودخلت في صراع من أجل فرض رؤيتها الفنية والبعد عن الشعبي، «كان نفسي أصور بتوحشني وعلى بالي وأغاني كتير قوي اتحرمت من تصويرها»، ورغبت في أن ترى نفسها بعين أخرى غير محروس، المعروف عنه ديكتاتوريته الفنية، واقتصاده في الإنتاج بتكفله وأسرته بمعظم مراحل صنع الأغاني والكليبات، «شيرين زعلت وقت جرح تاني إن مطلعها بتعيط ونيرفها كده. جت بعدها بتقولي أحمد زكي كلمني وبهدلني عشان قلت في الصحافة إن الكليب مش عاجبني وطالعة بعيط وبخبط. وقال لها ده جديد وده الصح».
نجحت نظرية محروس في جعل صوت شيرين في كل مكان في مصر والوطن العربي، ولكنها فشلت في جعلها هي نفسها نجمة مرموقة، وحكمت عليها هذه الصورة أن تظهر في السينما لأول مرة في فيلم «ميدو مشاكل» (2003) مع أحمد حلمي، في صورة أكثر شعبية وأقل أنثوية، في دور فتاة «مسترجلة» تحب بطل الفيلم الذي لا يهتم بها ويسخر منها طوال الوقت .تبرأت شيرين من الفيلم وانتقدته بشدة بعد سنوات من عرضه، «أنا دخلت بطموح خرجت بلا طموح، داخلة الفيلم ناجحة جدًا وشيرين بقى وآه يا ليل، بصيت لقيت إن ده ما بيتعمليش أنا خالص، ده مجرد اسم بيستغلوا الاسم بس. شفت أفلام اتعملت لمطربين فعلًا اتعملت ليهم.. الحكاية لازم يبقى فيها ست».

مرحلة «تامر وشيرين» وجرح نصر محروس
على عكس الشائع عنها، أنها لا تقدّر قيمة موهبتها، شيرين عبد الوهاب هي أكثر الناس إيمانًا بموهبتها وقيمتها الفنية، وأكثرهم أيضًا إيمانًا بضرورة وجود إدارة منفصلة لموهبتها، لذلك تخلصت من نصر محروس سريعًا، والتخلص من هذه المرحلة برمتها، مرحلة كانت ترى فيها أنها ستظل عبارة عن «تامر وشيرين» أو «شيرين آه يا ليل» وليست «شيرين عبد الوهاب» .كان ذلك جزءًا آخر من صراعها، ارتباط اسمها بأغنية أو بمطرب آخر مثل تامر حسني، اضطرت أن تتقاسم معه النجومية ومساحة الغناء في الكاسيت، بل مع مطربين آخرين في «كوكتيلات فري ميوزك».
ظُلمت شيرين بارتباط اسمها مع تامر حسني، الذي لم يستطع تحقيق نجاح يوازي «آه يا ليل» في نفس الكاسيت، ولكنه حصل على النصيب الأكبر من الدعاية الشخصية والاهتمام الإعلامي بصورته، على عكسها تمامًا، وبنى صعوده بشكل تدريجي من خلال رسم صورة الشاب الرومانسي الوسيم خفيف الظل، الذي يلتف المعجبون حوله لدرجة تقطيع أنفسهم وإصابتهم بالإغماء، صاحب ذلك تواجد قوي في السينما لتعزيز هذه الصورة عن نجم الجيل المحبوب.

إيمان شيرين القوي بقيمتها الفنية جعلها تدخل أول معركة كبيرة وفاصلة في مسيرتها الفنية بالتخلص من محروس، وطي تلك المرحلة برمتها. وصلت المعركة وقتها إلى قرار من نقابة الموسيقيين بمنعها من الغناء لحين تسوية أمورها معه، ولن يكون قرار المنع الأخير في حياتها. اضطرت شيرين أن تدفع له مبلغًا ضخمًا مقابل حريتها، وسعيًا للحصول على التقدير المناسب لها «كنت عايزة أخلص، مش مقدرنى ومش عارف قيمتي. أنا كان في دماغي هدف، واللي عايز يعمل حاجة هيعمل أي حاجة عشان ينفذها، كنت عايزة أثبت لنفسي اني أقدر أنجح».
جرح «روتانا»
بعدها وقعت شيرين في كيان أكثر سلطوية من محروس، الذي كان على الأقل لديه نظرة فنية، ولو كانت ضيقة، وتعاقدت مع «روتانا» في ذروة نجوميتها ونشاطها الفني، ولكنها وجدت عكس ما كانت تتوقعه «روتانا استقبلوني استقبال مرح، بس بعدها بقيت زيي زي غيري..كنت منتظرة حاجة أكبر من اللي عملوها». لم تستسلم شيرين أمام سطوة الشركة الخليجية التي لم يكن أحد يقدر على مواجهتها أو إغضابها في تلك الفترة، وهي معركة أخرى، ولكن خارج الحدود، «الشركة دي أنا فهمت اللعبة أن الفن الخليجي يبقى نمرة 1، والفن اللبناني يبقى 2، والفن المصري يبقي 3، دي خطتهم وناس واضحين.. وأنا مفضلتش أكون في شركة أكون فيها نمرة 3».
اعتبرت شيرين نصر محروس أفضل كثيرًا من روتانا، التي أرادت تجميدها بهدف إضعاف الأصوات المصرية، وحظيت بفرص دعاية أقل لأعمالها الفنية، ولكن هذه المرحلة كانت فرصة لها في إعادة تشكيل صورتها الذهنية، سواء في اختياراتها الغنائية باتجاهها إلى الغناء الرومانسي والدراما في ألبومات «بطمنك» و«اسأل عليا» و«حبيت»، وكذلك في صورتها نفسها كسيدة.
رحلة البحث عن التقدير
كان المفتاح في تغير نظرة شيرين عن نفسها في رحلتها الأولى إلى لبنان، ربما كانت المرة الأولى التي ترى فيها تقديرًا لها كسيدة وفنانة بعيدًا عن الاعتبارات الاجتماعية أو التنافسية، كانت المرة الأولى التي تسمع فيها لقب «الست شيرين»، تعترف أن اللقب كان له وقع كبير على نفسها، ومن وقتها أصبحت شيرين «لبنانية الهوى» بالفعل «لبنان بحس بنفسي فيها قوي وبرتاح قوي، شعب جميل وبيدو الواحد قيمته واللبنانيين أصحاب فضل كبير عليا الحقيقة».
لم يكن التقدير الفني الشيء الوحيد الذي تفتقده، بل تقديرها كسيدة «الستات هناك بيعلموكي إزاي تحبي نفسك، ما تتكسفيش من أنوثتك ما تخبيهاش، بشوف الست في لبنان أول ما تتم 16 سنة خلاص بتعمل اللي هي عايزاه، ده كان السبب، رحت لبنان حسيت كده ليه ما أفرحش بنفسي».
ما بين القلعة وبيروت، ونصر محروس وروتانا، كانت شيرين تعيد اكتشاف نفسها وما تريده حقًا، وتشعر بغصة أنها لم تستطع في تلك الفترة أن تقدم كل ما كان بداخلها من طاقة فنية، ورغم النجاح الكبير، إلا أنه في نظرها لم يكن متناسبًا مع حجم طاقتها وأحلامها، كانت ترى أنها تستطيع غناء كل الألوان وطرح أكثر من ألبوم في العام، وليس ألبوم كل عامين «في الوقت اللي كنت فيه مع نصر كنت بكامل طاقتي وما كنتش متجوزة ومخلفة. أنا ضاع من حياتي سنين كتير كان ممكن أعمل فيها شغل.. دلوقتي أنا تقلت على الشغل شوية».

جزء من شعور شيرين بهذه الغصة هي أنها تؤمن منذ بدايتها بنظرية «كل إنسان له وقته وأنا عارفة إن ليا وقت فلازم استغل الوقت ده عشان هيجي وقت عليا هكسل وهبقى عايزة أربي عيال». وكأنها كانت تتوقع ما سيحدث معها مستقبلًا، وعادت بعدها بسنوات طويلة -في ظهورها الأخير- لترى أنها كانت تتمنى أن تعيش الحياة التي شكلت السيدة فيروز، محاطة بأسرة موسيقية ترعاها وتهتم بها وتظل صورتها لامعة طوال الوقت. «نفسي أعيش الحياة اللي عايشاها الست فيروز، أعيش وسط ولادي يكبروا ويخلوا بالهم مني ويكونوا فنانين وهما اللي يشغلوني هما اللي بيعملوا لي مزيكتي وهما اللي بيسجلولي.. أحظى بالاهتمام ده».
فقدت شيرين الأمل بعد ما يقارب 20 عامًا من مسيرتها في العثور على جهة إنتاجية تقدر موهبتها وطموحاتها، وتوصلت إلى أن الأمل في تأسيس كيانها الخاص «أنا كمان عندي شركتي وعندي فكري وعندي منهجي، وشايفة بعد العمر ده من حياتي ما ينفعش أبقى ملك لغيري». وصلت شيرين لهذه الخطوة بعد رحلة تخبط إنتاجية كان نابع من إيمانها بـ«التخصص والاقتصاد»، وأن دورها أن تتفرغ للغناء فقط لأنها «مش ضروري أكون مطربة وعالمة ذرة».
ولا تنفي جملتها اطلاعها الواسع على التجارب الإنتاجية الناجحة في الخارج، خاصة في بدايتها حين كانت مولعة بفكرة صنع النجوم، وتنبهت وقتها مبكرًا لتجربة كوريا الجنوبية في دعم الفنانين لكي ينشروا الثقافة الكورية في العالم، قبل صعود فرق البوب الكوري مثل BTS بسنوات طويلة، وكانت تتمنى تجربة مثلها. «إحنا ما عندناش الإدارات اللي تخلي الفنان قد الدولة، ما عندناش إن إحنا نبني الفنان يبقى قد البلد أو صورة البلد. البلد ما بتشتغلش على الفنانين، صانع النجم ده مش بس يعمله أغاني حلوة، يديله قوة يقوي له شخصيته، يحسسه إنه ذو قيمة ويسمعك.. دي اسمها صناعة نجم مش إن أعمله حاجة وأرجع أعايره بيها.. الفنان بيطلع عينه ويتبهدل».
وضعت الحياة الإنتاجية المرتبكة لشيرين عبد الوهاب مسيرتها الفنية تحت الاختبار طوال الوقت، فإما القبول بالوصاية أو انتظار الفشل، لأنه حكم عليها أنها لا تعرف إدارة موهبتها أو تحقيق نجاح دون عقل مدبر، أو بمعنى أدق دون متحكم بها. أثّر ذلك في شيرين التي كانت تشعر أنها دائمًا مهددة، «دايما كنت في امتحان.. دايمًا بسمع اللي هو هتعمل إيه يعني؟ هتعمل أحسن من اللي عملته؟»
يا أهلًا بالمعارك
تمرد شيرين عبد الوهاب لم يكن على التصنيف الفني وشركات الإنتاج فقط، ولكن كان على شكل العلاقات داخل الوسط الفني أيضًا، كانت ترى أن هناك محاولات دائمة لاستغلالها أو «ترويضها»، بداية من المنتجين إلى الصحافة والإعلام ومتعهدى الحفلات والجهات الرسمية أيضًا، ووصل بها الحال إلى الاستعانة بخبراء مكياج من لبنان بسبب تعرضها لمقالب من مصريين، فالمنتجين المنافسين كانوا يعملون بطريقة «بينتجوا لأصوات ويقولوا لهم أنا هخليكي تقعدي شيرين في البيت»، وكان الإعلام يتعامل معها بطريقة «فيه ناس معاديني من البداية وفيه ناس معاديني من النص كده».
أما متعهدو الحفلات، فكانت شيرين ترفض طريقة التفاوض معهم ولا تتنازل عن شروطها ولا تعتمد على حفلات الزفاف، لذلك تعرضت للمقاطعة في مصر، «أنا كنت غايظاهم في الحتة دي، أنا ما بعتمدش الصراحة على الشغل في مصر عشان بشتغل بره مصر أكتر بكتير». واتهمت شيرين الدولة عدة مرات بالتخاذل في دعم المطربين «المفروض الدولة تحكم الحقوق دي، إحنا لو مفيش حاجة بتتضرب هنبقى أغنى ناس».

كان نتيجة عدم خضوع شيرين و«فردانيتها» في السوق، بدء حملات كسر شوكتها بتصنيفات أخرى شخصية بعد فشل تصنيف «المطربة الشعبية». وجدت شيرين أن النيل منها لن يكون في التشكيك في فنها، «طبعًا اللي بيكتب إن صوتها مش حلو أو إنها مش بنت بلد محدش هيصدقه»، فكانت البداية في التشكيك في وطنيتها واتهامها بـ«نكران الجميل» وإيقافها عن الغناء، وقت فترة تولي إيمان البحر درويش لرئاسة نقابة الموسيقيين، بعد رفض شيرين المشاركة في حفلات النقابة لصالح «معاشات النقابة» في 2012.
كانت هذه المرة الثالثة التي تتعرض فيها لقرار الإيقاف عن الغناء، بعد المرة الأولى في عام 2004 بسبب أزمتها مع محروس، ولكن الأزمة امتدت إلى اتهام شيرين لحسن أبو السعود، نقيب الموسيقيين وقتها، برغبته في الحصول على أموال منها لصالحه، والمرة الثانية من أبو السعود نفسه في 2006، وتمردت وقتها على قرار إيقافها بالاستمرار في الغناء بتصاريح من جهاز الرقابة، وصعدت الخلافات بإعلانها أنها ستترشح بنفسها على مقعد نقيب الموسيقيين!
تسببت حروب شيرين المتكررة مع الجهات الرسمية والمنتجين في تعزيز صورة «صاحبة الأزمات»، والمطربة التي تهمل فنها وتتفرغ للخناقات، وربما كان المنطقي وقتها أن شيرين تريد التفرغ لفنها من الأزمات. صاحب ذلك تمرد شيرين أيضًا على صورة الفنان المعروفة في الإعلام، بسبب نقدها اللاذع والساخر لكل الأطراف، لا تتردد في رد الهجوم عليها بمنطق «ولاد البلد والدم الحامي»، لا تعرف الإجابات المعلبة أو السيطرة على النكات النابعة من ذهنها الحاضر والمشبع بالثقافة الشعبية وأفلام الأبيض والأسود، حتى لو كانت على نفسها أو قناعاتها كإجابتها بضحك على سؤال من طوني خليفة حول إهدائها أغنية للرئيس السيسي «عنده داء السيطرة ولا ايه؟»
2017 وبداية مرحلة «فقدان الأهلية»
أفلتت شيرين عبد الوهاب من هذه النكتة، ربما لوجود هدنة مع المتربصين بها في تلك الفترة، وهو ما يفسر وقوعها في أزمات أكثر قسوة لأسباب أكثر «تفاهة»، مثل أزمة أغنية «ماشربتش من نيلها»، التي سخرت منها شيرين بجملة «هايجيلك بلهارسيا» على المسرح، في 2017، العام الذي كان بداية نهاية شيرين عبد الوهاب «المتمردة» والقوية، فمنذ ذلك التاريخ تحول تصنيف شيرين عبد الوهاب وصورتها إلى «السيدة فاقدة الأهلية» التي تحتاج إلى من يعلمها كيف تتحدث وكيف تشرف صورة مصر، وتحتاج من يثقفها ويحميها من زلات لسانها.

بدأت الحملات الإعلامية ضد شيرين عبد الوهاب مغلفة بالنصائح المحبة لها، والتي تهدف إلى مصلحتها وحماية صوتها فقط، ولكن على أرض الواقع كانت بداية لحملة فرض الوصاية على شيرين نفسها وتحويلها إلى «ست مجنونة» تحتاج إلى من يتولى أمرها، وصلت الأزمة إلى صدور قرار رابع بإيقاف شيرين عبد الوهاب عن الغناء، هذه المرة من هاني شاكر، وامتدت إلى مواجهتها حكم بالحبس قبل برائتها، ووسط ذلك فيضان من الحملات الهجومية والبيانات الرسمية من وزارات الصحة والري وشؤون البيئة، وغيرها.
«شيرين لو تخرس وتغني بس»، هي الجملة الشائعة عن حال شيرين عبد الوهاب منذ عام 2017، بالفعل خرست شيرين في الغناء والكلام معًا، ولم تعد هي شيرين السابقة، كان واضحًا أنها فقدت الثقة في نفسها تمامًا من سلسلة الاعتذارات التي أطلقتها عن كل شيء فعلته ولم تفعله، ونجحت الحملات في خسارتها لخفة ظلها وإفيهاتها الحاضرة، ثاني أسلحتها بعد صوتها، كانت تعرف قبلها أنها مقبلة على هذه المرحلة، «في الأول كانوا بيتهموني بالجنان، وإني دي بتقول أي حاجة ومايتعملش عليها كونترول.. وبساطتي دي غيرت فنانين كتير.. الواحد بيعرف يعمل كل حاجة بس أنا اخترت أكون قريبة من الناس ابقى دايما لامسة الأرض برجلي».
فقدت شيرين بسبب هذه الأزمات التواصل مع الجمهور على السوشيال ميديا، التي اعتزلتها منذ 2019 انسحابًا من أجواء التشكيك في وطنيتها والتصيد لها، على خلفية رغبتها في التبرع للبنان التي جعلتها متهمة بالتنكر لمصر، وتحولت حساباتها على مواقع التواصل بعد ذلك إلى برقيات رسمية، على النقيض من شخصيتها الحقيقية، خوفًا من أي كلمة قد تفجر أزمة أخرى في مكان ما.
فقدان شيرين الثقة لم يكن في نفسها فقط، ولكن في المحيطين بها أيضًا، فياسر خليل، الذي أتت به كمستشار فني ومدير أعمالها، اتهمته أنه هو مصدر تسريب فيديو البلهارسيا وإشعال الأزمة، وكذلك فقدت الثقة في زملائها أنفسهم قبل «أزمة البلهارسيا»، وأجرت بروفة أولى على صورة «الست المجنونة» في بداية 2017 وقت أزمة سخريتها من عمرو دياب في حفل زفاف عمرو يوسف وكندة علوش، وكان المتهم وقتها في تسريب الفيديو أحد النجوم الحاضرين بالحفل، لكن سخرية شيرين من عمرو دياب كانت مقصودة لاسترداد حق قديم لها منه «ابتدى يقول تعليقات مش كويسة على حاجات ليا فزعلت منه.. كان بيقول في العلن بس محدش صوره زيي ونزله الفيديو. لما جيت عملت أغنية على بالي وصورتها وأنا قاعدة على كرسي اتريق، وقال حاجة ما أقدرش أقولها على الهوا دلوقتي فزعلت. فحاجة تانية فحاجة تانية فأنا بحوش بقى، ففي اليوم ده حسيت إني عايزة أخد حقي دلوقتي».
تعليقات عمرو دياب في الكواليس على شيرين عبد الوهاب، تعطي فكرة عن الطريقة التي ينظر بها الوسط الغنائي لشيرين، والطريقة التي تستدعيها دائمًا للدفاع عن نفسها بالرجوع إلى أصلها كبنت بلد من القلعة لا تترك حقها، لم تخرج تعليقات عمرو دياب إلى العلن، ولكن خرجت تعليقات أخرى من أصدقاء وزملاء له في وقت سابق للأزمة في 2017، تعاير شيرين بماضيها، مثل حديث الملحن عمرو مصطفى عنها «افتكري ريحة رجلك لما كنت عند الشاعر بهاء الدين محمد ونصر محروس، واتحايلوا عليا علشان أسمع صوتك، وبعد كده قالولي ممكن توصلها بس في طريقك لعباس العقاد».
محاولات شيرين عبد الوهاب للهروب من الطبقية في الوسط الفني جعلها تهرب إلى عالمها القديم والخيالي قبل الشهرة، في العمل الدرامي الوحيد لها «طريقي»، التجربة التي عوضت بها صورة «ميدو مشاكل»، استدعت شيرين في المسلسل كل الصور التي تتخيلها عن نفسها كمطربة صاعدة تتعرض للاستغلال وتتشبه بسعاد حسني وتغني لوردة وترتدي فساتين الزمن الجميل، حتى في ردها على إساءة عمرو مصطفى كانت وصلة حنين لهذا الزمن «دايما الفنان الحقيقي بيشوف نفسه إنسان بسيط ومش كبير.. والناس اللي لا شيء بيشوفوا نفسهم كبار. تخيل عمرك شفت حديث لبليغ حمدي مثلًا بيقول زمان جابوا لي فايزة أحمد واتحايلوا عليا عشان تغني قدامي؟»

حنين شيرين لهذه المرحلة نابع أيضًا من شعورها الحالي بعدم التقدير الكافي لموهبتها الفنية. «أنا لو كنت عايشة في الوقت ده كنت هبقى واخدة حقي، لإن زمان كانوا بيفهموا يعني إيه أنتيك ويعني إيه قطعة ليها تمن.. يعني لو كان سمعني بليغ حمدي كان هينبسط.. لو سمعني عبد الوهاب هيفرح بيا.. كنت هفرض رأيي على أي حد بيفهم وأي حد موهوب في حتته».
توليفة شيرين عبد الوهاب الفنية
ساهم العالم القديم في تكوين شكل وروح شيرين عبد الوهاب فنيًا، ووسط كل هذه الأزمات والحروب لم يفقد صوت شيرين بريقه، بل ازداد نضجًا وتميزًا وأصبحت علامة مميزة للصوت المصري، بتوليفة شكلتها بسلاسة من العديد من المدارس الغنائية الأخرى. وفيروز ساهمت بالفعل في تشكيل جزء من أسلوب شيرين عبد الوهاب الغنائي، عبرت أكثر من مرة أنها تريد أن تصبح «فيروز ستايل»، وتعلمت منها «أغني مظبوط سادة.. بتعرب في حاجات معينة تعقدك بس مش طول الوقت»، وكان من طموحاتها أن يدير صوتها ابنها زياد رحباني وتتخيل أنه «الوحيد اللي هيغيرنى ويقلب حياتي»، ولكن شيرين كونت أيضًا أسلوبها الغنائي الفريد من مجموعة أخرى من الفنانين، وفي مقدمتهم سميرة سعيد، التي غيرت فكرتها عن الغناء في مرحلة مبكرة من حياتها الفنية.

تأثرت شيرين عبد الوهاب بصورة السيدة القوية لدى سميرة سعيد، استلهمت فرع من مدرسة سميرة سعيد في عدة أغاني في بداياتها مثل «بص بقى» و«صبري قليل» و«إيه إيه»، ولكن شيرين فهمت الدرس الأكبر من سميرة سعيد بدلًا من النظرة الضيقة السابقة. «أثّرت فيا تأثير كبير فنيا.. تعلمت منها ان الغناء مهواش عضلات قد ما هو الواحد يمثل الشخصية، اتعلمت منها ازاي أعمل ألبوم فيه 12 أغنية كلهم مختلفين.. معروف عني اني بغني آه ياليل ومش عارف ايه، لما جاتلي أغنية على بالي لقيت نفسي لازم أغنيها بشكل مختلف ده اللي اتعلمت منها.. وبرضه أغنية أنا كلي ملكك».
نجحت شيرين بعد درس سميرة سعيد في تقديم أغاني درامية وأغاني للأفلام والمسلسلات مثل «كتير بنعشق» و«مشاعر» وغيرها، وتؤمن شيرين بنظرية أن المطرب لا يختلف عن الممثل «المطرب ده ممثل قدام المايك، والله عرف يمثل الدور صح بينجح وبيثبت للناس فعلًا انه عاش التجربة دي.. فيه مطربين ما بيلونوش اللحن والكلام مفيش روح»، وأكملت شيرين مدرستها من عبد الحليم حافظ «خدت منه بساطته إني أغني بس مقولش عرب كتير.. خدت من شادية الأنوثة»، أما أدائها الحي تعلمته من وردة «علمتني إزاي أتفاعل مع الجمهور وأتفاعل مع الأغنية والحرف والجملة اللحنية.. وردة من أحسن من يمثل الأغنية على الاستيدج».
كان سهلًا على شيرين أن تصنع هذه التوليفة الفنية لموهبتها الفطرية وثقافتها الغنائية، ولكن المهمة الصعبة بالنسبة لها في صنع كيان إنتاجي يدعمها، نصر محروس أقل من طموحاتها الإنتاجية، وروتانا ترى شيرين مجرد رقم في الشركة، وتواجه في الوقت نفسه صعوبات بالسوق الغنائي، ما بين منافسة وتضييق من معظم الاتجاهات، وغياب شركات الإنتاج، وكان جزءًا من حربها على صورة المطربة الشعبية وعلى نصر محروس يرجع لأسباب تسويقية أيضًا لحرمانها من التواجد في مناطق أخرى تحتكرها مطربات أخريات مثل أغاني الأفلام والتترات.
لذلك استغل عدد من المنافسين هذه الصورة لتحجيم شيرين عبد الوهاب مثل تصنيف أنغام لها بـ«مطربة شعبية»، وكانت شيرين حادة في التعامل مع من يحاول تحجيمها واعتبرت التصنيف خبيث النوايا لأن «المطرب الشعبي محدود يعني بيغني بس اللون الشعبي، يعني عدوية لو جه غنى بتوحشني مش هتصدقه. أنا أعتقد قدمت ألوان كتير ما ينفعش حد يحددني في لون واحد.. مش عايزة حد يحددني عشان بغني كل الألوان».
بعد سنوات من حديثها السابق ورحلة متنوعة من الأغاني، راجعت شيرين قصة تحولها وتمردها على التصنيف «أول ظهوري كنت محتاجة حاجة انفرد بيها، ابتديت بالشعبي الشيك شوية، ابتديت الشياكة في الغنا وألون في طريقة غنايا من النسخة الشعبية من أول أغنية كتير بنعشق وعلى بالي ومشاعر. هنا ابتديت أحس ان صوتي بيتلون على الحالة اللي بغنيها، أنا رفضت أكون مصنفة في لون معين، وكنت متمردة إن نفسي أنجح في كل الألوان والحمدلله كنت محظوظة».
نفسية شيرين عبد الوهاب
تأثر بريق صوت شيرين في السنوات الأخيرة مع تزايد الأزمات القاسية، وتصاعدها الدرامي منذ 2017، أعطت شيرين أكثر من مرة إنذارات عن هشاشتها النفسية وتأثرها الكبير بالكلام عنها، ربما هي لم تكن تعلم وقتها تشخيص هذه الحالية، التي كانت ترجح أنها بسبب كونها فنانة ذات إحساس عالٍ فقط، مثل أزمتها النفسية التي دفعتها إلى قبول المشاركة في برنامج «ذا فويس» لرغبتها في الانشغال عن ما تمر به، وأزمتها التالية في 2016 التي أعلنت بسببها الاعتزال لفترة قصيرة. «بعد مسلسل طريقي كنت بشوف نفسي عفريتة في المراية وعياط باستمرار وما بصحاش من النوم تقريبًا وبهرب من النوم.. كإني مستاهلش اللي وصلتله».

تحدثت شيرين لأول مرة بشكل محدد عن أزمتها النفسية العام الماضي، بعد بداية أزمتها مع زوجها السابق، حسام حبيب، وحلق شعرها بالكامل، وقالت إنها تعاني من الوسواس القهري «أنا محتاجة احتواء الناس ليا إنهم يقدروا إني نازلة أشتغل باللي أنا فيه ده.. أنا مش مريضة نفسية، أنا بتعالج إني لما خلفت بناتي بقيت أتخيل إن بناتي ممكن يتأذوا من أقرب الناس ليا».
يفسر البعض أن سبب وصول شيرين عبد الوهاب إلى أزمتها الحالية يرجع إلى علاقة سامة مع حسام حبيب. ولكن في رواية أخرى قد تكون زيجتها الأخيرة هي نتاج لكل ما مرت به خاصة منذ 2017 ورحلة فقدان الثقة بنفسها، بجانب وفاة والدها عام 2018، وتزوجت حبيب في تلك الفترة المأزومة «في يوم اتخانقت معاه كان بيقولي المفروض تعملي كده ومش المفروض تعملي كده، قلت له أنا زهقت محدش بقى يقولي أعمل إيه وما أعملش إيه، سيبوني في حالى أنا تعبانة وما حدش يعرف أنا بتعب قد إيه وأنا مضغوطة نفسيًا قد إيه. لقيته بقى حد مسك إيدي وقال لي أنا آسف، وفجأة شفته حبيبي، ما أعرفش ليه».
جروح عائلية
تأثير الجانب العائلي في مسيرة شيرين عبد الوهاب وتكوينها، لم يظهر على السطح في معظم فترات مسيرتها، رغم مرورها بتجارب زواج غير موفقة عديدة، وتتحفظ شيرين عبد الوهاب في الحديث باستفاضة عن عائلتها أو كيف كانت حياتها قبل الفن، تعطي دائمًا صورة عامة عنها: «أنا من أسرة أقل من المتوسطة مش فقر بس كنت بحس ان نفسي أكبر عشان أريحهم.. كنا بناكل أحسن أكل وبنلبس كويس.. بس ما كناش يعني بنصيف ولا بنسافر نعمل شوبينج في باريس، وأنا صغيرة مكنتش بلعب بالعرايس. كنت بلعب في الشارع وبالطوب والزلط».
كشفت شيرين وجه آخر عن نشأتها مرة واحدة فقط أثناء مسلسل «طريقي» بعد ربط قصة العمل بقصة حياتها: «القهر اللي كنت فيه من أهلي، لإنهم ما كانوش مستوعبين أنا في يوم من الأيام هبقى عاملة إزاي. أنا كنت صبورة وعارفة إن فيه حاجة كبيرة جاية، إيه هي الحاجة دي؟ مش عارفة. عشان كده ما كنتش مستعجلة زي أهلي على الشهرة والوجود في التلفزيون والبرامج، وكانوا دايمًا لما يعاتبوني أقول لهم بس اصبروا.. ده كلامي دايمًا لوالدتي ولأبويا».
كان لديها هاجس طوال مسيرتها من عدم وجود أسرة لها، ففي بداياتها كانت تشعر بالرعب من المستقبل: «في أيام بتيجي عليا بموت من الرعب.. نفسي يبقى عندي بيت ويبقى عندي أطفال، خايفة الفن يسرق مني حياتي.. فيه أيام بتيجي عليا بقول يا ريتني ما كنت نجمة ويا ريتني كنت ست عادية متزوجة وبربي أطفال». ولكن كانت دائمًا تنحاز لموهبتها أمام التحكمات الزوجية، وانفصلت عن أحد أزواجها بسبب تأثيره على عملها، واتخذت قرارات جريئة في زيجتها الأولى بالإجهاض رغم هوسها بالإنجاب خوفًا على مستقبلها، وبعد زيجتين اعترفت شيرين: «ما كنتش عايزة أفشل»، وبأن هدفها: «أتجوز راجل أعيش معاه وأموت معاه وأسمع كلامه عن رضا. أكثر حاجة بتخوفني من المستقبل لما أكبر ملاقيش حد يحن عليا زي ما أنا كنت بعمل مع والدي الله يرحمه». وكررت حديثها ومخاوفها بعد فشل زيجتها مع حسام حبيب «دي وكسة سودا أنا موكوسة على عيني، لحد إمتى بقى أنا عمري راح، كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي.. فضلت جنبه وفضلت أدافع إن الحب ده ينجح لإني ما بحبش أخسر ما بحبش أتهزم».
عادت شيرين عبد الوهاب بروح جديدة قبل أيام من انفجار أزمتها بشكل مفاجئ، أطلقت أغاني جديدة وأحيت حفلات، ولكن كانت شبه مستسلمة للوصاية عليها، اعترفت أنها سلمت أمرها تمامًا لعدد من المحيطين بها وعلى رأسهم الموزع طارق مدكور، لدرجة أنها تسمح له باختيار طعامها وما ستشاهده في التلفزيون، وما تقرأه من كتب، ولا يتردد مدكور في توجيه تعليمات لها على الهواء «بس هي تسمع الكلام بس».
ويبدو أن الوصاية لن تفارقها حتى بعد خروجها من الأزمة الحالية، والتي أبرزت أشكال جديدة من الوصاية أبعد من فكرة «تخرس وتغني بس» إلى «العلاج الإلزامي» من أسرتها، وتدخل معظم أفراد الوسط الفني في حكايتها بنصائح وتوصيات تصل إلى أوامر «قومي وغني وارجعي لجمهورك»، وتسابق الموسيقيون للحديث عن لحظات اكتشافهم جميعًا لموهبتها ودعمهم لها في بداياتها، واستديوهات تحليلية في الإعلام لتفاصيلها جعلت عمرو أديب يوجه رجاء علني لمنتجها الأول نصر محروس: «يا أستاذ نصر إنت راجل جدع وشيرين اليومين دول محتاجة راجل جدع».
«أنا أحمد زكي المطربين.. أحمد زكي كان عظيم في أدائه بس مكانش شايف نفسه عظيم.. نفسي الجمهور يعتبرنا بني آدمين.. بلاش يعلقوا لنا المشانق ويكونوا أرحم شوية».
تقارير ذات صلة
ريما خشيش: «يا من إذا» تحدٍ ومقاومة ورحلة شخصية
تجربة جديدة لريما خشيش في عالم الموشحات
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
ألبوم ياسمين حمدان الجديد.. إلى الحلوين الخسرانين
قراءة في ألبوم «بنسى وبتذكر»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن