قصة «أوبر» من «التزام السلامة» إلى سكة الندامة
قبل أيامٍ؛ أعلنت شركة أوبر للنقل الذكي رفع أسعار رحلاتها بنسبة 8% دُفعة واحدة، بعد أشهر معدودة من قرار مماثل اتخذته الشركة في مارس الماضي، ورفعت به أسعارها بـ10%. بذلك، تكون «أوبر» رفعت أسعارها بحوالي 18% خلال أقل من ثلاثة أشهر. ورغم استمرار الشركة في كونها إحدى أغلى وسائل النقل في مصر، انخفض مستوى جودة الخدمة التي تقدمها تدريجيًا. وحتى عامل الأمان الذي تفاخرت به الشركة قبل سنوات حين أعلنت دخولها السوق المصري للمرة الأولى، بات مشكوكًا فيه، بحسب ما قاله عدد من مستخدمي الخدمة لـ«مدى مصر»، بعد حوادث عدة، أسفرت إحداها عن مقتل راكبة.
«سواق الأوبر كان عايز يخطفني». كانت هذه هي الكلمات الأخيرة التي وصلت إلى أسرة حبيبة الشماع، 24 سنة، عبر عابر سبيل هرع لنجدتها حين وجدها ملقاة على قارعة الطريق تصارع الموت، قبل نقلها إلى المستشفى، حيث دخلت في غيبوبة كاملة لمدة ثلاثة أسابيع حتى توفيت في 14 مارس الماضي.
لم يكد يمر شهران على وفاة الشماع، حتى ضجت وسائل الإعلام، في مايو الماضي، بحادث مشابه حاول فيه سائق «أوبر» اختطاف فتاة، بحسب تحقيقات الشرطة، والاعتداء عليها جنسيًا تحت تهديد السلاح، لكن الله سلم ونجت نبيلة عوض إلا من بعض الإصابات.
إثر الحادثين، انطلق على وسائل التواصل الاجتماعي سيل من الشهادات -لنساء ورجال- عن تدهور «أوبر»: نزاعات مع السائقين، تحرش جنسي، وسيارات مهترئة بقدر اهتراء إجراءات المحاسبة والرقابة التي تتبعها الشركة ضد المتجاوزين من سائقيها.
تقول ليلى لـ«مدى مصر» إنها حين كانت في السابعة عشر من عمرها، استقلت «أوبر» في رحلة قصيرة إلى الصيدلية مساءً. خلال الرحلة لاحظت أن السائق يتعرق كثيرًا ويتنفس بسرعة، وإحدى يديه ليست على عجلة القيادة طوال الرحلة، ثم اتضح لها أنه كان يمارس الاستمناء. نجحت ليلى في السيطرة على الرعب حتى وصلت إلى وجهتها، حيث اختبأت في الصيدلية وألغت الرحلة، ثم كتبت شكوى على التطبيق لتوضيح الحادثة.
تلقت ليلى ردًا من مركز اتصال في إحدى دول الخليج، وبعد التعبير عن التعاطف، طلب منها تقديم بلاغ ضد السائق في مركز الشرطة. بعد ذلك بوقت قصير، تلقت رسالة على التطبيق تعتذر فيها «أوبر» عن جودة الرحلة، وأكدت لها أنها ستتواصل مع السائق. لم تحرر ليلى بلاغًا، ولم تبلغها الشركة بتطورات شكواها.
مُستخدِمة أخرى لـ«أوبر» قالت لـ«مدى مصر» إنها أيضًا لم تتمكن من معرفة تطورات شكاواها المتكررة من سوء الخدمة بحجة أنها «إجراءات داخلية لا يمكن مشاركتها»، بحسب ما أخبرتها خدمة العملاء.
قصص وشكاوى لا تحصى كشفت أن فجيعة الشماع ومأساة عوض لم تكونا سوى قمة جبل التردي التي وصلت إليها خدمات شركة النقل الذكي، سعيًا وراء تعظيم الأرباح.
ــــ
لم يكن الأمر بهذا السوء منذ البداية. كانت انطلاقة «أوبر» في مصر واعدة، وأولت حملات الإعلان عند بدء الشركة تقديم خدماتها في القاهرة عام 2014 أهمية للالتزام بـ«توفير رحلات آمنة وموثوقة على الطريق»، وضمان «المسؤولية والشفافية في كل رحلة حتى تشعر بالأمان عند ركوب أوبر». كانت هذه العبارات مدعومة بإجراءات تأمينية اتخذتها الشركة لضمان سلامة ركاب التطبيق، بما في ذلك فرض شروط صارمة للموافقة على التعاقد مع السائقين، مثل فحص السجل الجنائي، وفحص السيارات، وإلزام السائقين بحضور ورش عمل حول كيفية القيادة بأمان والتسجيل على تطبيق «أوبر»، وما يحتاجونه للحصول على موافقات لطلباتهم. وفي مكاتبها بمقر الجامعة الأمريكية في القاهرة، كانت «أوبر» تعقد جلسات تعريفية للسائقين الجدد المنضمين للعمل.
حمل التركيز على السلامة في طياته تخوفًا من وقائع التحرش الجنسي المتكررة. «عندما أُطلقت أوبر في مصر، كان مديروها مهتمين بقضايا الجندر وعرضوا التعاون مع 'خريطة التحرش' لضمان سلامة الركاب»، تقول ريم وائل، المديرة التنفيذية السابقة لـ«خريطة التحرش»، وهي مبادرة أهلية غير ربحية تعتمد على الإشراك المجتمعي لتوثيق وقائع التحرش الجنسي عبر خريطة على الإنترنت، وخلق بيئة رافضة للتحرش الجنسي في مصر وتعزيز الوعي المجتمعي والدعم للناجيات.
بحسب مسؤولين وموظفين سابقين في «خريطة التحرش» مطلعين على الشراكة بين الجهتين في الفترة من 2015 إلى 2016، صممت المبادرة المواد التدريبية لجلسات التعريف التي كانت تعقدها الشركة للسائقين. «قدمنا لأوبر تعريفات التحرش الجنسي، وأنواعه وأشكاله»، يقول أحمد حجاب، رئيس وحدة «خريطة التحرش» المسؤولة عن الشراكة مع «أوبر» في ذلك الوقت.

نهج الشركة في تلك السنوات الأولى جعل الأمان ميزتها التسويقية الأبرز. ومع تزايد شعبية التطبيق في مصر بسرعة مثلما حدث في البلدان الأخرى التي عمل فيها التطبيق، صرح مدير تطوير الأعمال والدعاية في الشركة للصحافة بأن قصة نجاح الشركة تعود إلى «الأمان».
ووفقًا لتقرير أعدته «أوبر» بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية عام 2018، كانت النساء في مصر يفضلن تطبيقات نقل الركاب بشكل خاص بسبب «الأمان الإضافي»، وتعد الشفافية في التكلفة عامل جذب آخر، فبينما قد لا تكون خدمة «أوبر» الخيار الأكثر اقتصادية مقارنة بوسائل النقل الأخرى، لكنها توفر للركاب عناء التفاوض على «أجرة» التاكسي حين يمتنع السائقون عن تشغيل العداد.
وأوضح التقرير أن 51% من النساء المشاركات في الاستطلاع في مصر اعتبرن «أوبر» خيارًا أكثر أمانًا مقارنة بـ33% من النساء على مستوى العالم. وأكد العديد من الركاب لـ«مدى مصر» أن «أوبر» أصبحت جزءًا أساسيًا من روتينهم اليومي، حيث أشارت إحدى المستخدمات إلى أنها كانت تستخدم التطبيق لحضور محاضراتها الجامعية بشكل يومي، والآن تعتمد عليه في رحلاتها اليومية إلى العمل.
«الشركة حسبت احتياجات السوق وقتها، ولقت إن فيه ناس معندهاش مشكلة تدفع أكتر علشان تلاقي الأمان والراحة. الطبقة المتوسطة مثلًا كانت زهقت من سواقين التاكسي»، يقول محمد مصطفى، محاسب انضم إلى «أوبر» كسائق منذ أكثر من ثماني سنوات، مضيفًا أن الشركة كانت تهدف لسد هذه الفجوة من خلال توفير «طريقة سهلة وملائمة لحجز رحلات مريحة».
وكما كان الأمان ركيزة «أوبر» لجذب الركاب، كان العمل مقابل عائد مجزٍ كلمة السر في ضمان توفير سائقين في مناطق مختلفة. في البدء «راحت [أوبر] لشركات الليموزين وخدمة رجال الأعمال وإيجار العربيات، اللي كان عندهم سواقين وعربيات بحالة كويسة جدًا بس ممكن ميشتغلوش، خصوصًا إن السياحة كانت مضروبة في الوقت دا. لما أوبر عرضت عليهم الشغل، بقى على الأقل العربيات ممكن تتحرك، فأوبر تاخد فلوس، والسواق يكسب، والعربية تجيب همها»، يقول مصطفى.
كما تعاونت الشركة مع مؤسسات تمويلية لتوفير قروض ميسرة للباحثين عن عمل ليتمكنوا من شراء سيارات والانضمام لـ«أوبر» بدوام كامل، ما يوفر شعورًا بالأمان للسائقين أيضًا. «الشغل [مع أوبر] كان مليان فلوس وقتها. حتى لو فتحت التطبيق ومعملتش هتبقى ضامن دخل يجيلك»، يقول محمود فولفا، سائق انضم إلى «أوبر» في تلك الفترة.
بحسب موقع «أوبر» الإلكتروني في 2016، كانت الشركة توظف أكثر من ألفي سائق شهريًا، وكان أكثر من 40% منهم دون عمل آخر. وفي أقل من عامين، وظفت «أوبر» عشرات الآلاف من السائقين بأكثر من 45 ألف سيارة على الطريق.
ـــ
2016، كانت نقطة فارقة في تفاقم أزمة الاقتصاد المصري، وبداية انحطاط «أوبر». في هذا العام أقرت الحكومة أكبر تعويم للجنيه في سوق الصرف الرسمي منذ عقود، حيث قفز سعر الدولار نحو ثمانية جنيهات إلى 18 جنيهًا.
«الكباتن [سائقو أوبر] في الأول كانوا ممكن يعملوا 5 آلاف جنيه [شهريًا]. وقتها دا كان يعادل حوالي 550 دولار. بس في 2017 مثلًا، حتى لو الكابتن بقى بيعمل 8 آلاف، يعني زاد 3 آلاف بحالهم، دا كان بالدولار 450، يعني أرباحه نزلت 100 دولار تقريبًا في الوقت اللي كان فيه التضخم عالي وكل حاجة أسعارها عليت علينا، من البنزين لقطع الغيار، وحتى احتياجات البيوت»، يقول مصطفى.
اضطر السائقون إلى بذل المزيد من الجهد ليأتي عملهم مع «أوبر» بأي طائل. وفقًا لمصطفى، كان صاحب السيارة يُنهي عمله كموظف، ثم يتحول في النصف الآخر من اليوم إلى سائق «أوبر» يطوف الشوارع بسيارته بحثًا عن رحلات، سعيًا وراء بعض الدخل الإضافي، أو يستأجر سائقًا ليقوم ببعض الرحلات حين يكون هو في ساعات دوامه كموظف. «بس لما الدنيا ضاقت على الناس، الراجل بقى بيأجر العربية طول اليوم حتى لو هيركب هو أوبر وهو رايح الشغل، بس العربية بقت بتشتغل تقريبًا 24 ساعة، بيبدل عليها اتنين كباتن مثلًا. الناس اللي جابت عربيات قسط بقى عليها فلوس مش عارفة تدفعها بشغل كابتن واحد، فبرضو جابت اتنين وتلاتة يشتغلوا على العربية»، يقول مصطفى.
وعلى الجانب الآخر، قامت بعض شركات خدمات الليموزين بزيادة عدد السيارات التي تعمل لحسابها بفضل المكافآت والضمانات المالية التي قدمتها «أوبر». لكن، هذه الشركات واجهت تحديات متزايدة فيما يتعلق بالديون، مما دفعها إلى التصرف سريعًا وتوظيف سائقين جدد برواتب ثابتة أو بنظام حصص في الأرباح، وانضم هؤلاء بسياراتهم إلى «أوبر».
كان من المهم لـ«أوبر» أن تحافظ على توسعها من حيث أعداد السائقين والركاب لتحقق بذلك الهيمنة التامة على السوق. بحسب خالد إسماعيل، مؤسس ورئيس صندوق الاستثمار «KI-Angel»، الذي يعمل على توفير رؤوس أموال للشركات الصغيرة والمتوسطة خاصة عند تأسيسها: «كانت هذه هي قمة ما نسميه مرحلة الحرق»، مشيرًا إلى إنفاق «أوبر» المتزايد للتنافس مع شركات أخرى مثل «Lyft» في الولايات المتحدة أو «كريم» في الشرق الأوسط. «في هذه المرحلة، لا تسعى الشركة لتحقيق الربح، بل تبحث عن أي وسيلة للتوسع لإقناع المستثمرين بمواصلة ضخ الأموال»، يقول إسماعيل.
كانت «أوبر»، التي جذبت انتباه المستثمرين على مستوى العالم، تملك القدرة على استبعاد المنافسين المحليين مثل «إيزي تاكسي» أو «أسطى» بسهولة، «فبينما كانت الشركات الصغيرة تستند على بضعة ملايين من الجنيهات فقط، أنفقت أوبر مليارات الدولارات لضمان الهيمنة»، يضيف إسماعيل.
خلال مرحلة «الحرق» التي مرت بها «أوبر»، تراكمت خسائر الشركة إلى ما يقارب ثمانية مليارات دولار بحلول عام 2018 من نشاطها العالمي. استبدل مجلس إدارة «أوبر» الرئيس التنفيذي السابق لمجموعة إكسبيديا، دارا خسروشاهي، بمؤسس الشركة ومديرها التنفيذي، ترافيس كالانيك، وكلف خسروشاهي بإعادة هيكلة الشركة ودفعها نحو الربحية.
مع خسروشاهي خلف عجلة القيادة، وتحقق الهيمنة، وضعت «أوبر» خطة لخفض التكاليف من خلال إطلاق استراتيجية «نحو الأمام». عدلت الشركة بنيتها الوظيفية في مصر، مما أسفر عن تغيرات في التعاقد مع السائقين. «في الوقت دا في مصر، خفضت أوبر الخصومات للعملاء والمكافآت للكباتن»، يقول مصطفى. وقلصت كذلك تأمين الصحة وتأمينات الحوادث للسائقين، وتم تعليق حسابات العديد منهم، ونتج عن ذلك العديد من الشكاوى بأن إنهاء التعاقدات كان متعمدًا.
وعندما ضربت جائحة كوفيد-19 العالم في 2020، وبدأت الدول فرض حظر تجول، مكث العملاء في منازلهم، مما أدى إلى تراجع مصدر ربح «أوبر» الرئيسي، وأقالت على إثر ذلك 40% من موظفيها في مصر. ومع ذلك، استحوذت «أوبر»، في نفس العام، على منافستها الرئيسية في المنطقة «كريم» مقابل 3.1 مليار دولار.
«في ذلك الوقت، نجحت أوبر في الحصول على الحصة الأكبر من سوق النقل الخاص في مصر وكان بإمكانها أن تفعل ما يحلو لها»، بحسب إسماعيل، مضيفًا: «لم يعد هناك ثلاثة أطباق على الطاولة، كان هناك طبق واحد فقط والجائع سيلتهم أيًا ما يقدم».
بعد أن أصبحت «أوبر» بلا منافس في السوق وبعدد كبير من السائقين، أصبحت الشركة أقل إقدامًا على إجراء نفس مستوى الفحص الأولي كما كانت تفعل في السابق، يقول مصطفى. وفي الوقت نفسه، تحايل الكثير من السائقين على حظر حساباتهم من قبل الشركة.
«لما الشركة عملت حظر [لحسابات السائقين]، الكباتن بقوا في الشارع، فبدأ يظهر ناس وشركات بتقولهم والله أنا ممكن أرجعك تاني بورق مضروب. شوية شوية، مش بس ورق السواق بقى بيتضرب، دا كمان الرخصة بتاعة العربية والفحص بتاعها. فالناس اللي كانت أوبر مبتقبلش عربيتها علشان قديمة أو حالتها وحشة، الشركات دي بقت بتضرب الورق كأن العربية جديدة أو حالتها أحسن. الورق كله كان بيتضرب، حتى فحوص المخدرات»، يقول مصطفى. روجت العشرات من صفحات الفيسبوك لخدمات دعم السائقين المحظورين بفتح حسابات جديدة، أو الحصول على موديل سيارة أقدم مقبول من قبل التطبيق، أو تزوير فحص المخدرات والسجلات الجنائية، مقابل ألف جنيه فقط.
خلال تحقيقات النيابة في واقعة الشماع، قدم محامي الشركة وثائق تُظهر جملة من الشكاوى ضد السائق، تشمل: التحرش الجنسي، والقيادة فوق الحد المسموح، والقيادة تحت تأثير المخدرات، والصياح على الركاب، والإصرار على تحصيل رسوم إضافية للرحلة، بالإضافة إلى وقائع أخرى لتصرفات غير لائقة، ما أدى إلى تعليق حسابه سابقًا، لكنه تمكن من فتح حساب جديد واستئناف العمل دون رقابة.
أكرم، سائق خبير يدير قناة على يوتيوب لمساعدة زملائه في استخدام التطبيق بالطريقة الأمثل، قال لـ«مدى مصر» إن «سواقين كتير جدًا، يمكن بالآلاف، اشتركوا في أوبر، خصوصًا إن من 2016 والاقتصاد بتاعك كل شوية بيقع أكتر، فالناس بتدور على أي سبوبة تجيب قرشين زيادة»، مضيفًا: «مع انتشار أوبر، الشركة بقت بتلعب في النظام بتاعها علشان تضمن إن العملاء يبقوا دايمًا معتمدين عليها».
يوضح أكرم أنه على عكس شركات النقل الخاص الأخرى التي تحدد عمولة ثابتة على الرحلة، تعتمد «أوبر» أسلوبًا مختلفًا. تقوم الشركة بتغيير عمولتها بانتظام، والتي، وفقًا لأكرم، تهدف إلى إرضاء كل من السائقين والركاب. مع ذلك، وعلى الرغم من أن «أوبر» خفضت عمولتها إلى أدنى من منافسيها، لتصل الآن إلى 17.5%، بل وحتى 17% منذ أيام، إلا أن تكلفة الرحلات نفسها مع «أوبر» تظل أعلى مقارنة بالآخرين.
تقوم «أوبر» بذلك عبر ما يُعرف بنموذج «التسعير الديناميكي»، الذي لا يزال غامضا للمستخدمين وأيضًا للمتعاقدين مع «أوبر» من السائقين. يشرح أكرم أن منافسي «أوبر» لديهم تسعيرة واضحة للرحلات، تلتزم بها الشركات في كل رحلاتها، اعتمادًا على متغيرين فقط؛ مدة الرحلة وعدد الكيلومترات التي يقطعها السائق خلالها.
«بعض الشركات أحيانًا بتعمل حساب ساعات الذروة، أو بمعنى أدق، إن عدد السواقين يكون أقل من عدد الطلبات من الزباين، فالأسعار بترتفع مؤقتًا وترجع. أوبر نفسها كان عندها دا زمان، بس دلوقتي، التغيير دا محدش بقى عارف بيحصل على أساس إيه، ومعدش مقتصر على العرض والطلب بس زي قبل كده»، يقول أكرم.
تُطبق نفس السياسة في عدد من القطاعات الأخرى، مثل شركات الطيران والفنادق، التي ترفع أسعار رحلاتها أو الإقامة بها في حالة زيادة الطلب، وتعود لتخفيضها وقت انحسار الطلب. لكن، بالنسبة لـ«أوبر»؛ فتسعيرها الديناميكي يمتد لما وراء العرض والطلب، ويعتبره الكثيرون نظامًا غامضًا للغاية، إذ تختلف تكلفة الرحلة الواحدة من مستخدم لآخر.
«لو أنت واقف مع واحد صاحبك في نفس المكان ورايحين نفس المكان وكل واحد جرّب يشوف تكلفة الرحلة هتطلع مختلفة. أوبر بتكون عارفة كل واحد بيستخدم خدماتها كام مرة، وبتقدر تخمن كل مستخدم ممكن يدفع قد إيه مقابل كل رحلة، وبناء على الحسابات دي بتديلك سعر تبقى عارفة إنك هتوافق عليه، حتى لو كان أغلى من تكلفة الرحلة الحقيقية»، بحسب أكرم.
بسبب سياسة التسعير الجديدة، تتمكن «أوبر» من خلق الاعتمادية على خدمتها، كما يوضح أكرم: «لو العميل دايمًا بيستخدم أوبر، فالشركة عارفة إنه زبون معتمد عليها، كده كده هيطلب حتى لو الرحلة غالية. لكن لو واحد بيستخدم أوبر مرة كل شهر، فأنت [كشركة] بتبقى حاسس أنه ممكن يكون بيستخدم برنامج تاني، فتدي له سعر كويس علشان يستخدم أوبر».
لكن بالنسبة للسائقين، فالسياسة نفسها قد تكون مضرة. يوضح أكرم أن التسعير المتغير لا يحصل منه السائقين على منفعة، بل يخلق حالة من الانزعاج وعدم الرضى عن تكلفة الرحلات وأرباحهم منها.
«لما بيجيلك إشعار برحلة، أوبر بتكتب المسافة والوقت المتوقع وربح السائق. مع الوقت، السواق بيكون عارف الرحلة دي كويسة بالنسبة له أو لا. بس بتيجي أوقات يجيلك إشعار طلب جديد فيه المسافة وصافي ربحك اللي ممكن يكون 50 جنيه مثلًا. بس لما تيجي تنهي الرحلة، تلاقي مطلوب تحصل من العميل 100 جنيه»، يقول أكرم. «نفس المسافة والوقت ممكن تلاقي مطلوب منك تحصل من العميل 51 جنيه، منهم 50 جنيه ربحك».
ما يعنيه ذلك هو غياب الوضوح عن تسعير «أوبر» بالنسبة للسائقين. رسميًا؛ تحصّل الشركة 17% من قيمة الرحلة، إلا أن، في أغلب الوقت، لا تُحصّل الشركة عمولتها ثابتة من كل الرحلات.
«اللي بتعرفه مع الوقت إن الشركة عارفة مثلًا إنك مش بتستخدمها كتير فهتعرض عليك كعميل سعر قليل علشان تاخد الرحلة. السعر دا هتخلي فيه نسبتها 1% بس، وهتسيب ربح السواق زي ما هو. لما تبدأ تستخدم البرنامج كتير، هتبدأ الأسعار تزيد تدريجيًا، والشركة ترفع نسبتها، لحد ما تبقى ممكن أكتر حتى من 17%. الفرق دا بتستخدمه الشركة علشان تدعم بيه مستخدمين تانيين لسه عايزة تجر رجليهم للشركة. أما بالنسبة للسواق، فالشركة بتبقى عاملة حسابها أن مع تقفيل الحساب الأسبوعي بين السواق والشركة، هتكون طلعت منه نسبتها على إجمالي الرحلات اللي عملها. فممكن رحلة يبقى فيها نسبة الشركة 1% وواحدة تانية 50% وتالتة 20%، وفي الآخر بتوّصل الحساب أن نسبتها تكون الـ17% دي»، يشرح أكرم.
ببناء «أوبر» هذه الاعتمادية للركاب، بينما السائقين غير راضين، فإنها بذلك هيأت البيئة المناسبة للتوتر بين الطرفين، وساعد على ذلك قبول المزيد من السائقين بوثائق مزورة، بحسب أكرم.
تقول وائل إن الزيادة المستمرة في عدد السائقين المنضمين إلى التطبيق أصبحت في النهاية جزءًا من تبرير «أوبر» لتراجع تدابيرها ضد التحرش الجنسي، على الرغم من استعداد «خريطة التحرش» لتدريب السائقين، إلا أن الشركة قالت إن الأمر صعب بسبب «الأعداد الكبيرة»، بحسب وائل.
المحصلة أن شعور الكثير من الركاب بالأمان والموثوقية أخذ في التراجع، مع تكرار الشكاوى من سوء الخدمة دون موقف من الشركة. فيما لا يزال آخرون ممن تحدثوا مع «مدى مصر» يستخدمون «أوبر»، معللين ذلك بالتعود والراحة مع التطبيق.
«بالطبع أريد تغيير التطبيق، لكن يبدو الأمر غريبًا بعد ثمانية أعوام من استخدامه. جميع بطاقات الائتمان الخاصة بي مسجلة على أوبر»، تقول ملك، 26 عامًا، مضيفةً أن عدم بحثها عن بدائل هو أمر يستحق التساؤل.
أما ليلى، فتقول إنها لم تكن تعلم عن البدائل من التطبيقات الجديدة المنافسة مثل «إن درايف» أو «ديدي». «شعرت أن أوبر ملائم أكثر»، تقول لـ«مدى مصر».
ـــ
يوم وفاة الشماع أصدرت «أوبر» بيانًا أعربت فيه عن «الحزن الشديد» وقدمت تعازيها للعائلة والأصدقاء «خلال هذه المحنة الصعبة»، دون أن أي ذِكر لما تنتوي فعله لضبط مستوى الأمان في خدمتها. لكنها بعد أسبوع من الوفاة أعلنت عن تفعيل خدمة تسجيل الصوت عبر التطبيق خلال الرحلة كـ«تدابير أمان»، والتي كانت متاحة سابقًا فقط في الإسكندرية.
لكن، يبدو أن اهتراء الخدمة أكبر من أن تعالجه خدمة تسجيل الصوت. هذا ما انبأت عنه واقعة نبيلة عوض، التي اكتفت فيها «أوبر» أيضًا بالإعراب عن «الحزن العميق»، وتعليق حساب السائق.
حاول «مدى مصر» التواصل مع «أوبر» عدة مرات للاستفسار عن خططه المستقبلية لتمتين سياسة الأمان، وضمان عدم تكرار مثل تلك الحوادث، كذلك إذا ما كان لديها رد على شكاوى السائقين بشأن عدم عدالة التسعير الديناميكي، خاصة في ظل توسعها المستمر، لكن الشركة تعاملت مع أسئلتنا كما تتعامل مع شكاوى العملاء والسائقين.
تقارير ذات صلة
«أوبر» وشركاؤها.. البدايات السعيدة لا تدوم كثيرًا
بدأت شركة أوبر في مصر عام 2014 مع 12 سائقًا فقط، وفي 2020 وصل عدد السائقين نحو 200 ألف سائق.
ما فعله «كورونا» بسوق النقل التشاركي.. حكايات ضيق الرزق
«لازم أسيب الشغلانة»
الأحد 29 ديسمبر: حملات تفتيش بشقق في وسط البلد| اعتداء جديد على جمال عيد
بدأت قوات الشرطة المصرية في الأيام الماضية مداهمة بعض الشقق المؤجرة في منطقة وسط البلد،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن