«أوبر» وشركاؤها.. البدايات السعيدة لا تدوم كثيرًا
كومة من الأوراق والملفات على جانبى المكتب، تُطل من بينها رأس الفنان حسين صدقي، ناظرًا في ساعته وهو يشرب آخر رشفة في كوب الشاي، يعقبها استدعاء عاجل من المدير الذي يوبخه بشدة على تأخير الشغل، ويقرر له خصم ثلاثة أيام أمام العميل. المشهد من فيلم «السبع بنات» عام 1961.
من مشهد مماثل في أحد مكاتب المجلس المحلي بواحد من مراكز محافظة الشرقية، هرب أحمد علي، 34 سنة، دبلوم تجارة، إلى القاهرة بحثًا عن نمط وبيئة عمل جديدين ومختلفين، يوفر دخلًا يكفيه شر الاستدانة نهاية كل شهر، ويكون فيها مديرًا لنفسه: يقرر عدد ساعات العمل وأيام الراحة. وجد علي ضالته المنشودة في العمل كشريك لشركة أوبر.
«خلصت الدراسة في دبلوم تجارة وعمري 19 عامًا، بعدها اشتغلت في كذا شغلانة، في محل موبايلات، عامل مع مقاول، وكذا حاجة تانية باليومية. ولما بقى عندي 22 سنة، أهلي قرروا يجوزوني. علشان أتجوز لازم أشتغل شغل مستقر بمرتب ثابت وبعد محاولات كتيرة ووسائط، اشتغلت بعقد مؤقت في المجلس المحلي بمرتب 950 جنيه، وكانت مهمتي تسجيل الصادر والوارد من أي مستند يدخل أو يخرج من المجلس. مهمة مفيهاش أي تغيير ولا تبشر بأي ترقية، وجابتلي حالة نفسية صبرت عليها سنين. وبعدين لما شفت إعلانات أوبر في التليفزيون قلت أجرب ونزلت القاهرة 2016 وسبت أسرتي في الشرقية».
بدأت شركة أوبر العمل في مصر عام 2014 مع 12 سائقًا فقط، وجذب نمط العمل المرن في الشركة عددًا كبيرًا من الشباب من شرائح اجتماعية وتعليمية مختلفة، ليصل عدد السائقين في 2020 نحو 200 ألف سائق. ولكن، ومع هذا الإقبال، بدأت تظهر إشكاليات العمل الحر مع أوبر.
بدايات سعيدة
بمجرد دخول الفتاة للسيارة، وبالنظر للسائق تكتشف أنه لاعب كرة القدم المشهور حازم إمام وهو هنا «كابتن أوبر». تصرخ فرحًا من مقابلتها للاعبها المفضل وتدير معه حوارًا طوال الرحلة التي بدا فيها الطرفان سعداء. المشهد لأحد إعلانات الحملة الإعلانية التي أطلقتها أوبر لتحفيز الشباب على الانضمام للعمل معها كشركاء، وهو ما حدث بالفعل مع علي، حاله كحال غيره.
«جيت على السمعة والرزق اللي من وراها» يروي علي. «سبت الشرقية ونزلت أشتغل مع أوبر سنة 2016، وفعلًا اشتغلت مع الشركة عن طريق مكتب وكيل لأوبر. وقتها مكنش عندي عربية، وأجرت واحدة بـ 150 جنيه/ الوردية (ثماني ساعات). وبالرغم من التزامي بسداد 150 جنيه إيجار السيارة اليومي، إلى جانب 50 جنيه أسبوعيًا لمكتب الوكيل، بالإضافة إلى 20% من قيمة الرحلات لأوبر نفسها، إلا إني كنت بأكسب كويس جدًا، فنقلت أسرتي للعيش في القاهرة، وبدأت أحوش عشان أشتري عربية ملك، وفعلًا اشتريت واحدة بالقسط».
الدخل الوفير الذي حققه علي من أوبر كان سببه الأساسي نظام الحوافز الذي اعتمدته الشركة لشركائها السائقين. كانت الحوافز عاملًا أساسيًا في زيادة شركاء أوبر من السائقين، بحسب بلال عزت، أحد سائقي أوبر السابقين، الذي أوضح اعتماد الشركة نظام الحافز الأسبوعي وحافز أوقات الذروة، حيث أقرت الشركة مبلغ 400 جنيه أسبوعيًا للسائق الذي تزيد عدد رحلاته على 20 رحلة أسبوعيًا، ونظام مثيل للسيارات التي تعمل في أوقات الذروة، بالإضافة إلى نظم مختلفة للتأمين الصحي وأخرى ضد مخاطر الحوادث للسيارات في أوقات الرحلات فقط في السنوات ما بين 2014 و 2018.
بخلاف العائد المادي، ترصد دراسة للباحثة وأستاذة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، نجلاء رزق، بعنوان «لمحة عن الاقتصاد التشاركي: تحليل لشركاء (أوبر) السائقين في مصر» صادرة عام 2017، أسبابًا أخرى للرضا عن العمل في أوبر. أجرت الدراسة استبيانًا على عينة من سائقي أوبر، رأى معظمهم أن العمل مع أوبر يوفر شكلًا من العمل الحر أكثر استقرارًا مقارنة بالقطاع غير الرسمي. يضاف إلى ذلك «مرونة العمل» حيث يكون السائقون مدراء أنفسهم، ولديهم حرية تحديد ساعات العمل، وفي الوقت نفسه يعملون لدى شركة عالمية حسنة السمعة. كما يعتبر تحسين المهارات أحد الأسباب التي صنعت جاذبية نموذج العمل مع أوبر - بحسب الدراسة- التي رصدت ردود السائقين عن فرص تحسين المهارات الاجتماعية والتفاعل مع منصة تكنولوجية من خلال العمل مع أوبر.
نهايات حزينة
يقول علي «منذ منتصف 2019 رفعت الشركة حصتها من قيمة الرحلات من 20% لـ 26% كما بدأت في تخفيض قيمة الحوافز بشكل تدريجي حتى تم إلغاؤها تماما منذ 8 أشهر. كما اقتصرت في تأمينها الصحي الجزئي على الـtop driver، الذين يعملون عدد رحلات متفوق عن أقرانهم». كما أن استجابتها للمشاركة في تأمين المخاطر حال حدوث أي حادثة أثناء الرحلات أصبحت متذبذبة، بحسب إسلام إبراهيم*، سائق لدى أوبر.
تواصل «مدى مصر» مع أوبر لتوضيح المشهد الحالي لوضع الشركة وشركائها بالسوق، وقد جاءت الردود على استفسارات «مدى مصر» عبر البريد الإلكتروني على لسان أحمد خليل، مدير عام الشركة بمصر. يقول خليل في رسالته: «لقد أوقفنا مؤقتًا نظام مكافآت البونص، ولكننا سنعمل باستمرار على ابتكار حلول جديدة لدعم السائقين، والتي تتضمن محاولة زيادة معدلات طلب الخدمة، وذلك لمساندتهم والمساهمة في الحفاظ على دخلهم، خاصة في ظل هذه الأوقات العصيبة، ولدينا أيضًا أنظمة أوبر برو، وهو نظام مكافآت لمنح مزايا مختلفة وخصومات للسائقين».
مصدر سابق بشركة كريم الإماراتية، التي استخوذت عليها أوبر في مارس 2019، قال مشترطًا عدم ذكر اسمه «ما يحدث الآن في أوبر و كريم حركة تصحيح»، موضحًا أن وضع السوق حاليًا مختلف تمامًا عن السنوات الأولى لبدايته، حين شهدت البداية عددًا قليلًا من السيارات التي لديها رغبة في دخول النشاط، وعددًا قليلًا من العملاء، ولذا كان على الشركات جذب شركاء وعملاء أكثر، وهو ما تم من خلال اعتماد نموذج عمل يعتمد على الحوافز المالية للشركاء وتسيير رحلات مخفضة ومجانية للعملاء دون استهداف معدلات ربح. يُطلق على هذا النموذج بلغة السوق نظام الحرق، والذي يتم فيه بيع الخدمة بأقل من سعرها كنوع من الدعايا. يؤكد المصدر أن هذا النموذج نجح بالفعل في زيادة الشركاء والعملاء أيضًا، ولكنه تسبب في خسائر للشركة محليًا ودوليًا. تلك الخسائر هي التي دفعت الشركة لتقليص وإلغاء نظام الحوافز المالية للسائقين، وكذلك عروض الرحلات للعملاء في محاولة منها لتصحيح أوضاعها المالية.
ظاهرة أخرى من انخفاض رضا السائقين تتمثل في الإيقافات العشوائية.
«أوبر عيشتنا في حلم صحينا منه على كابوس. الدخل قل جدًا بعد إلغاء الشركة للحوافز. صبرت وقلت فترة وهتعدي، لكن يوصل الأمر إلى أن أصحى الصبح على رسالة من الشركة 'لقد تم وقف حسابكم' فده هو الكابوس اللي ما حسبتش حسابه» يقول علي، مستكملًا مراحل رحلته مع أوبر. راسل الشركة بشكل متواصل لمعرفة سبب غلق الحساب، وبعد أسبوع تقريبا جاء الرد برسالة جافة: «ورد لنا شكاوى من العملاء بأن أقدامهم ليست في وضع مريح بسبب كرسي السائق». فشلت كل مراسلاته بعد هذه الرسالة لاستعادة الحساب، وصار في الشارع مديونًا للبنك بأقساط قرض السيارة التي اشتراها، ومحاصرًا بالتزامات أسرته المادية. يضيف علي أنه اكتشف أن حالته ليست حالة فردية.
«أنا بس مش فاهم ده حصل ليه، و ليه أوبر اتغيرت كده معانا إحنا اللي كانت بتسمينا شركاء» يقول علي.
كان قرار رئيس مجلس الوزراء بشأن اللائحة التنفيذية لقواعد وإجراءات تطبيق قانون النقل التشاركي قد ألزم الشركات العاملة في المجال بحسن اختيار سائقيها، خلقيًا ومهنيًا، وأن يكونوا مدربين، على أن يعاد تدريبهم حال وجود أكثر من ثلاث شكاوى ضدهم خلال شهر واحد، وحال تكرار الشكاوى تُتخذ إجراءات إلغاء كارت التشغيل الخاص بهم ضمن المنظومة.
من ناحيته، يبرر خليل الإيقافات العشوائية قائلا: «كان هذا بسبب حدوث عطل تقني بسيط تعرض له بعض السائقين وتعمل الشركة على حله، فنحن نقدِّر جميع السائقين، ونعمل على دعم جميع المستخدمين لتوفير تجربة سلسة ومريحة عند استخدام تطبيق أوبر».
عن إنهاء الخدمة المفاجئة للكثير من السائقين، يقول مسؤول «كريم» السابق إنه لم تعد هناك منافسة في السوق بعد استحواذ «أوبر» علي «كريم» وبالتالي صارت أوبر غير مضطرة لقبول بعض التجاوزات القديمة من سائقيها، بل إن تحكمها في السوق يمكنها وبقوة من التحكم أيضًا في كفاءة وجودة سلوكيات العاملين معها، وبالتالي صار لديها فرصة أوسع لاختيار الأفضل من بين الموجودين من السائقين.
عمرو عدلي، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية، يرى أن نموذج العمل الذي طرحته أوبر بدأ بداية مبشرة ومتفائلة في مصر، لأنه خلق سوقًا لم يكن موجودًا من قبل برؤوس أموال ضئيلة، كما أنه استوعب عددًا كبيرًا من العاطلين عن العمل، فقد خلق حالة فريدة، لأنه جمع ما بين التقدم التكنولوجي والقطاعات التقليدية والمهارات الضعيفة، لأن «السواقة من أقل المهن احتياجًا للمهارات» وفقًا لعدلي. ولكن «التفاؤل جاء مبكرًا بهذا النموذج» يقول عدلي، موضحًا أن الشكل المالي لنموذج أوبر كشف عن عدم احتمال النموذج ككل للمنافسة، لأن هوامش ربحه صغيرة جدًا، وبالتالي وجود أكثر من منافس يخلق أزمة مالية، وهو ما حدث تحديدا مع أوبر، التي دفعها بعض المنافسين للخروج من السوق، مثلما حدث في الصين، واضطرت إلى تعويض ذلك بالاستحواذ على أسواق كاملة، كما حدث في مصر، وهو ما أدى للضغط على الشركاء.
يُلمح عزت إلى أنه جارٍ حاليًا تجميع عدد من المتضررين من إنهاء التعاون بشكل تعسفي من قبل أوبر لمقاضاة الشركة.
وبخصوص مدى رجاحة فكرة المقاضاة من عدمها من قبل السائقين للشركة، وخاصة في ظل عدم وجود أي تعاقدات بين السائقين والشركة، يقول ياسر سعد، المحامي لدى التعاونية للوعي العمالي، إن قانون العمل يعتبر أي مهمة تتم بين العامل والمؤسسة أو الشركة علاقة عمل بشهادة الشهود، حتى بدون تعاقد، وتستلزم التعويض طالما تم التسريح من المهمة قبل الانتهاء منها. يجعل ذلك العلاقة بين أوبر والسائقين علاقة عمل لا يجيز القانون إنهاءها إلا باللجوء إلى مكتب العمل والمحكمة العمالية، وبدون اللجوء لهاتين الجهتين يعتبر إنهاء العلاقة تعسفيًا ويستحق العامل التعويض عليه.
كان مركز الأرض قد نشر بيانًا استنكر فيه ممارسات وقف الحسابات بشكل عشوائي و مفاجئ من قبل أوبر.
من ناحيته، يرى كرم صابر، مدير مركز الأرض، أن علاقة العمل مع أوبر وشركات النقل التشاركي بشكل عام، هي علاقة إذعان وليست علاقة عمل، لأن الشركة هي من تملي شروطها على الراغبين في الالتحاق بالعمل معها، وما على السائق إلا أن يضغط على اختيار «موافق» في بروتوكول العمل عبر التطبيق.
ولكن، يعود سعد ليذكّر بواقعة إلزام المحكمة الأمريكية العليا في سان فرانسيسكو أوبر بتحرير عقود عمل للسائقين، واعتبار العلاقة القائمة بين الطرفين علاقة عمل تستوجب التعويض حال إنهاء الخدمة، وهذا الحكم صدر على خلفية شكاوى متعددة من سائقين أنهت أوبر خدمتهم.
مسؤول «كريم» السابق يقول إنه هذا الحكم ليس له دلالة في سياق مصر، موضحًا أن الأسواق الناشئة مثل مصر لا يصلح فيها تطبيق حكم محكمة سان فرانسيسكو بتوظيف السائقين لديها، نظرًا لأن معدلات البطالة في هذه الأسواق أعلى بكثير من خارجها.
يرى عدلي أنه يمكن لشركات من هذا النوع تحقيق عوائد مهولة في فترات قصيرة، وفي فترات قصيرة أيضًا تنهار أو تتأزم، وهذه أحد سمات اقتصاد الخدمات، والذي تُخلق فيه القيمة وتُعدم في فترات قصيرة. «يجعل ذلك علاقات العمل بها مساحة واسعة من التطاير والتوتر، وبالتالي لا يوجد مُتسع لوجود علاقات دائمة على غرار العلاقات التي نشأت في اقتصادات التصنيع على سبيل المثال» يقول عدلي.
* اسم مستعار
تقارير ذات صلة
عمال «المنصات» في قانون العمل الجديد.. مكاسب مفخخة
أنهت "القوى العاملة" بمجلس النواب مناقشة مشروع قانون العمل دون تعديلات على مواد "العمل الجديد"
ارتفاع وفيات اﻷطباء إلى 35 | «المطار» يكتفي بـ«قياس حرارة» وإقرار عزل منزلي للقادمين من الخارج
تخصيص 7 مستشفيات تعليمية لمصابي «كورونا».. وقريبًا مستشفى ميداني في عين شمس
الجمعة 12 يوليو: عن طريق الصرف الصحي وسداد الديون.. موازنة الصحة تتوافق مع الدستور
نفى مصدر بالحكومة استحداث وزارة للسعادة قريبًا.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن