ما فعله «كورونا» بسوق النقل التشاركي.. حكايات ضيق الرزق
«لازم أسيب الشغلانة» يقول صلاح* بحسم حين يُسأل عن خياراته الآن بعدما أصبح يعود إلى زوجته وابنه بعد ساعات طويلة من التجول اليائس بالسيارة، خالي الوفاض تقريبًا، بعد خصم تكلفة الوقود.
يعمل صلاح سائقًا للنقل التشاركي مع شركتي أوبر وكريم معًا. وكان الشاب العشريني يتمكن من تحصيل ما يقرب من ألفي جنيه شهريًا تقريبًا بعد خصم تكاليف العمل حتى بدء ظهور فيروس كورونا المُستجد «كوفيد-19» في مصر.
لكنه الآن بعد تفشي الفيروس، يقضي نصف يومه تقريبًا منتظرًا إشعارات من تطبيقي «أوبر» أو «كريم» على هاتفه المحمول تبشره برحلة، لكن بلا جدوى، وهو ما ينتهي عادة بنفاد الوقود في خزان السيارة، ونفاد الأمل معه.
صلاح لا يملك تلك السيارة أصلًا، بل يستأجرها من ابن عمه مقابل خمسة آلاف جنيه شهريًا، يضطر لتسديدها في كل الأحوال حتى لو لم يتوفّر له عائد كافي من عمله، وهو ما قد يضطره للاقتراض في بعض الأحيان.
تتشابك وتتفرق قصص سائقي «أوبر» و«كريم» حول حيواتهم ومستويات معيشتهم قبل وبعد تفشي وباء «كورونا» وما قد يعنيه هذا التراجع تبعًا لتباين البدائل المتاحة أمام كل منهم، لكن ما يبدو مشتركًا بلا جدال هو التراجع العنيف في دخلهم على النحو الذي قد يضعهم أمام خيارات تتعلق بإمكانية الاستمرار في هذا العمل من عدمه والتخلي بالتالي عن نمط حياتهم الذي استمر لسنوات.
رغم العبء الكبير لتلك الآلاف الخمسة الذي يتعين على صلاح تسديدها شهريًا، إلا أن وضعه كمستأجر للسيارة يمنحه على الأقل خيار التحول السريع من عمله الحالي، في حال توفّر خيار آخر لكسب العيش ويرجح أن يكون هذا الخيار هو العودة للعمل مع والده، مقارنةً بغيره من السائقين الذين تعلقت مصائرهم بأقساط سياراتهم، كما هو حال سامح* وعبدالله*.
عبدالله مثلًا، لن يتمكن من تسديد قسط السيارة الذي يحل موعد استحقاقه خلال أيام. ولن يستفيد من قرار البنك المركزي الذي يلزم البنوك بتأجيل أقساط قروض الأفراد والشركات لمدة ستة أشهر، كما يشمل القروض الاستهلاكية، وهي القروض الشخصية والبطاقات الائتمانية والقروض بغرض شراء سيارات للاستخدام الشخصي، لأن عبدالله -لسوء حظه- كان قد اشترى سيارته عبر نظام التقسيط من معرض للسيارات لا عبر قرض بنكي.
قد يستفيد سامح في المقابل من قرار البنك المركزي، لكنه يواجه وضعًا عائليًا أصعب كونه أبًا لطفلين في مراحل مختلفة من التعليم.
تتجسد الأزمة في تلك الساعات الطويلة التي أصبح عبدالله وصلاح وسامح يقضونها في التجول بسياراتهم انتظارًا لزبائن بلا جدوى، ومع تفاقم أزمة «كورونا» أخذت الساعات تطول شيئًا فشيئًا حتى فرض حظر التجول ما قلص ساعات العمل المتاحة أصلًا. أعلن مصطفى مدبولي رئيس الوزراء في 24 مارس الماضي عن تطبيق حظر التجول في الطرق العامة من الساعة السابعة مساءً حتى السادسة صباحًا، وبدأ تطبيق القرار من اليوم التالي من صدوره.
قضى عبدالله سبع ساعات في التجول انتظارًا لزبون بلا جدوى حتى فقد صبره وعاد خائر القوى لمنزله، بعدما كان يجني 250 جنيهًا يوميًا في المتوسط قبل تفشي الفيروس. أما سامح فقد قرر العودة للمنزل مبكرًا في منتصف اليوم -الواحدة ظهرًا- تقريبًا، بعدما قام برحلة واحدة مقابل ثمان رحلات تمثل متوسط الرحلات في اليوم الواحد قبل تفشي «كورونا»، خشية استهلاك الوقود وإهلاك السيارة دون داعٍ، لكنه يعاود المحاولة يوميًا في كل الأحوال.
على جانب آخر، تسعى الشركتان لتجاوز خسائر تباطؤ الحركة في الفترة الحالية. فتبعًا لمصدر مطلع على سوق النقل التشاركي، تتجه شركة «كريم» -المملوكة حاليًا لـ «أوبر»- للعمل في نقل البضائع عبر آليتين رئيستين: توصيل بضائع أو ممتلكات شخصية من شخص لآخر، والتعاقد مع متاجر كجزء من خدمة التوصيل للمنازل التي تشهد توسعًا كبيرًا حاليًا ضمن إجراءات منع التجمعات.
وقال المصدر الذي اشترط عدم ذكر اسمه: «تسعى الشركة للتعامل مع السائقين المتعاملين بالفعل معها لتقديم الخدمة الجديد، لكن لا يمكن إدراج كل السائقين في هذه الخدمة لأسباب تتعلق بحساسية الأمر كونه يتعلق بمتعلقات أو بضائع قد تكون ثمينة في بعض الأحيان»، مضيفًا لـ «مدى مصر» أن «الشركة استقرت الآن على التعامل مع السائقين -في الخدمة الجديدة- الذين يتمتعون بتقييم ممتاز [ضمن نظام العمل في الشركة الذي يسمح بتقييم الركاب للسائقين] بالذات على صعيد التعاملات المالية. لا أعتقد أن الخطة الجديدة ستحل أزمة السائقين كلهم».
تبدو الأزمة الحالية أشد لو جرت مقارنتها بما كانت تمثّله تلك المهنة من حل ذهبي وسريع لأصحاب القصص الثلاث. يعبّر صلاح عن الإغراء الذي مثّله العمل في النقل التشاركي منذ عدة سنوات بسبب ارتفاع عائداته، قائلًا: «مصر كلها جابت عربيات وبدأت تشتغل».
فمثلا، ترك عبدالله وظيفة إدارية قبل ثلاث سنوات، وهي وظيفة كانت تمنحه أجرًا يبلغ أربعة آلاف جنيه، لأن العمل الجديد بدا له مجزيًا للغاية قياسًا بعمله السابق، فالتحول لسائق تابع لشركة «أوبر»، جعله يجني عادة ما يتراوح بين 7000 و7500 جنيه شهريًا، فيما كلفه ذلك التحول من إداري إلى سائق، شراء سيارة سَدَدَ أقساط ثمنها بالفعل قبل أن يستبدلها لاحقًا بسيارة أحدث، لكن «كورونا» اجتاح حياته فجأة وأصبح عاجزًا الآن عن تسديد قسط السيارة الذي يبلغ 3600 جنيه شهريًا.
بالنسبة لصلاح مثّل تحوله للعمل كسائق لسيارة ضمن نمط النقل التشاركي حلًا سهلًا سمح له بالاستقلال عن العمل مع والده، وهو تاجر خضروات وفاكهة ميسور الحال في سوق الجملة في مدينة السادس من أكتوبر، وذلك بعد خلاف وقع بينهما قبل أكثر من ثلاث سنوات.
وبينما كان التحول للعمل سائقًا لدى شركة «كريم» بالنسبة لسامح، طوق نجاة من البطالة في منتصف العمر، وذلك بعدما اضطر رب عمله السابق لتصفية شركته للاستيراد والتصدير التي كان سامح يعمل فيها مديرًا إداريًا، بسبب أزمة تراجع سعر العملة المحلية في أعقاب تحرير سعر الجنيه.
سمح دخول النقل التشاركي إلى مصر عبر شركتي «أوبر» ثم «كريم» لسوق النقل بانضمام شرائح اجتماعية أعلى نسبيًا إلى سوق النقل كسائقين، قياسًا للوضع السابق، تبعًا لعبدالرحمن حجازي الباحث في شركة «مواصلة القاهرة».
يقول حجازي لـ «مدى مصر» إن النمط التشاركي الجديد سمح مثلًا لقطاعات من خريجي الجامعة أو حتى طلبة الجامعة باستغلال سيارات شخصية أو سيارات الأسرة في توليد دخل شهري من القيام بعدد من الرحلات دون تفرغ كامل بالضرورة.
وتبعًا لدراسة بعنوان «لمحة عن الاقتصاد التشاركي: تحليل لشركاء أوبر من السائقين في مصر»، التي أجرتها عام 2017 نجلاء رزق، أستاذ الاقتصاد والمدير المؤسس لمركز إتاحة المعرفة من أجل التنمية بكلية إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، فقد شكلت نسبة الحاصلين على شهادة جامعية 51.5% من السائقين المتعاونين مع «أوبر» الذين جري عليهم استبيان الدراسة، التي أوضحت أن العمل مع «أوبر» شكل بالنسبة للسائقين فرصة لإدارة الوقت والأرباح المتعلقة به، حسب احتياجاتهم الخاصة. وقد بدا من إجابات السائقين على استبيان تضمنته الدراسة أن السببين الرئيسيين للانضمام للعمل مع «أوبر» هما الحصول على دخل أعلى والعمل مع شركة حسنة السمعة. وجاء بعد ذلك حافز ساعات العمل المرنة والعمل للحساب الشخصي (دون إدارة).
ولكن مع هذا التأثير الإيجابي نسبيًا على سوق العمل، يمكن القول إن الطبيعة الهشة لوظيفة سائق في شركتي النقل التشاركي قد ساهمت في التأثير العنيف لوباء «كورونا» على حياة السائقين.
فالتوسع الكبير للسوق مهد لاحقًا إلى وجود ما يشبه الفقاعة في سوق النقل التشاركي عبر وفرة كبيرة جدًا في السائقين قد تزيد عن حاجة السوق، كما يقول حجازي. «وتقاطع ذلك [التوسع في السوق والفقاعة] مع استحواذ شركة «أوبر» على شركة «كريم» وهو ما أنهى المنافسة بينهما على نصيب كل منهما من سوق النقل التشاركي، وبالتالي تراجعت المزايا الممنوحة للسائقين، خاصة في ظل غياب أي تمثيل أو روابط تجمع السائقين» تبعًا لحجازي.
هذا التراجع في المزايا هو ما يرصده صلاح بالفعل الذي قال إن دخله من عمله تراجع بوضوح حتى من قبل الانهيار الكبير الحالي على إثر انتشار فيروس «كورونا» ثم فرض حظر التجوال، «لأن أوبر وكريم تراجعتا عن منح السائقين الكثير من المزايا تدريجيًا وعلى رأسها العلاوات التي كانت تمنح للسائقين بناءً على عدد وطول الرحلات.. أخذت تلك العلاوات في التراجع شيئًا فشيئًا حتى انعدمت».
ومن الملفت للنظر أيضًا في هذا السياق، أن الضوابط التي وضعها جهاز حماية المنافسة في ديسمبر من العام الماضي مقابل تمرير صفقة استحواذ «أوبر» على «كريم» قد أشارت لأوضاع السائقين بعد الصفقة دون التطرق لمزايا العلاوات تلك التي يقول صلاح إنها كانت تمثل نسبة قد تتراوح بين 25% و30% من متوسط دخله الشهري.
لكن أبرز ما يدعم هذا الوضع الهش لسائقي «أوبر» و«كريم» في مواجهة أزمة الوباء الحالية هو طبيعة علاقة العمل غير الثابتة ولا القائمة على تعاقد بين السائقين وشركتي النقل التشاركي.
وعمومًا، تصر شركة «أوبر» على تعريف نفسها كشركة تكنولوجيا تختص بتوصيل الركاب بالسائقين، لا شركة نقل، لتحرير علاقتها بالسائقين من الضوابط التشريعية التي تحكم علاقة العامل بصاحب العمل.
لكن الشركة واجهت دعاوى قضائية أمام محاكم اﻷوروبية في دعاوى قضائية مختلفة، من ضمنها دعوى قضائية في فرنسا، حيث اعتبرت محكمة فرنسية أن العقد بين «أوبر» والسائق الذي رفع الدعوى عقد عمل تخضع للشروط التي تحددها قوانين العمل المعتادة. كما قضت محكمة بريطانية كذلك بإجبار شركة «أوبر» على منح حد أدنى للأجور للسائقين وحقهم في الحصول على إجازة أسبوعية معتادة.
لكن الأمر لم يسِر على هذا النحو في مصر، إذ قال حجازي إن صدور قانون «تنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات» منتصف عام 2018، والذي نظم عمل النقل التشاركي للمرة الأولى في مصر جاء خاليًا من أي ذكر لعلاقة توظف ثابتة تجمع السائقين بالشركات، وهي علاقة ربما كانت تسمح بدرجة من الحماية للسائقين في الوقت الحالي.
ومع ذلك فقد قالت «أوبر» في رسائل نصية وعبر التطبيق الذي يربطها بالسائقين إنها ملتزمة بتعويضهم ماديًا في حال أصيب أي منهم بعدوى «كورونا» خلال الفترة التي يقضونها في العلاج، حسبما قال عبدالله.
فيما قال المصدر المطلع على سوق النقل التشاركي، إن شركة «كريم» قد تعهدت هي الأخرى بنفس الأمر، «يقوم هذا النمط من التعويض على احتساب متوسط دخل السائق في اليوم، خلال فترة تمتد لستة أشهر ماضية، ومنحه تعويضًا بنفس القيمة لمدة 14 يوما».
فضلا عن ذلك، فقد أرسلت «أوبر» نصائح للسائقين بشأن مكافحة العدوى عبر «تخفيض الحد الأقصى للركاب من أربعة أفراد إلى فردين ومنع جلوس أي من الركاب في المقعد الأمامي المجاور للسائق، وتعقيم السيارة بعد كل رحلة، وإبقاء النوافذ مفتوحة»، حسبما أضاف عبدالله.
من ناحيته، صلاح لم يبد اهتمامًا أصلًا بمراجعة رسائل تعليمات مكافحة العدوى الصادرة عن شركتي أوبر وكريم، قائلًا: «ما الذي يعنيني فيما إن كان يتوجب عليّ شراء كحول مثل [لتعقيم السيارة أولًا بأول]، ما دامت الشركة [الشركتين] لن تدفع لي مقابل أدوات التعقيم ولن تعوضني عن انهيار دخلي بعدما جنت ملايين من وراء السائقين». ومع ذلك، فصلاح يخشى العدوى إلى حد «الرعب» على حد تعبيره، مضيفًا: «أعلم إني قد أعود لابني في نهاية اليوم مُحملًا بالعدوى والموت، لكن على الأقل أعود له أيضًا بالطعام».
*أسماء السائقين مستعارة بناءً على رغباتهم.
تقارير ذات صلة
من نار المدارس الخاصة إلى جحيم الحكومية
لماذا هجر الكثير من أبناء الطبقة الوسطى المدارس الخاصة؟
أزمة سلاسل الإمداد: ماذا يحدث اليوم في سفينة العولمة؟
يعاني قطاع الصناعة في مصر من مشكلات مزمنة في إدارة سلاسل الإمداد والتوريد خاصة مع الأزمة العالمية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن