قصة أم قضية؟| حوار مع شيرين وخالد دياب
«تحت الوصاية».. مع مَن وضد مَن؟
بالنسبة لي كشخص شهدت طفولته معارك حول الوصاية، نالتها والدتي في النهاية، أُدرك تمامًا ما تواجهه السيدات من مختلف الطبقات فيما يتعلق بهذا الأمر. لهذا تعاطفت مع شخصية ياسين، الطفل، أثناء مشاهدتي لمسلسل «تحت الوصاية»، لأنني كنت مثله في إحدى مراحل عمري. رحل أبي عنّا وعن والدتي مبكرًا مثلما رحل الريس عادل عنه وعن والدته حنان. لكن الفارق أن أمي كانت من طبقة البورجوازية الصغيرة، تعلمت وحصلت على شهادة عليا، وكانت مهمتها أسهل لأن الجد ميت، لذا كانت المساومات تجري علينا؛ إما لاحتمالية أن تتزوج لسنها الصغير، أو لاحتمالية تبديدها ثروة الطبيب الراحل، وهو ما لم يحدث.
ورغم أن المسلسل أثار فيّ كثير من المشاعر المضطربة، إلا أن أكثر ما طرحته على نفسي، وتحديدًا بعد النهاية، هو سؤال مع من ضد من بالنسبة لقضية الوصاية؟ وسؤال الرسالة في العمل الدرامي ووزنها بالنسبة لفنياته. لذا في هذا الحوار نفكر مع مؤلفي المسلسل، شيرين وخالد دياب، في هذه الأسئلة، بالإضافة لأسئلة أخرى متعلقة ببداية الفكرة، واختيار مهنة الأب غير المعتادة في الدراما، ودمياط كمكان للأحداث، وغيرها من الأسئلة.

هل قصدتما أن تكون عودتكما إلى الدراما بعد غياب خمس سنوات، عبر بوابة فكرة تمس المجتمع، خصوصًا أن مسلسلكما الأخير «طايع» شهد خطًا دراميًا به سلطوية من الأب على ابنته ومنعها من زواج حبيبها. هل «تحت الوصاية» ينتمي إلى «طايع» مثلًا؟
نحن مؤلفا سينما، ننتمي إلى عالمها أكثر من عالم صناعة الدراما، ومعيار تحديد إذا ما كان العمل ينتمي إلى السينما أم الدراما، يتحدد بناءً على الشكل المناسب لعرض ما نريد. هناك أفكار وقضايا نرى أن مغزاها قد يصل إلى المشاهد عبر السينما، لذا نفكر أن صناعتها سينمائيًا هو الأنسب لها وللمشاهد ولنا. وهناك أفكار وقضايا لن يصل مغزاها إلى المشاهد إلا عبر عرضها في شكل درامي. هناك أفكار لا تحتمل أن تطول وهذه نصنع بها فيلمًا سينمائيًا، وهناك أفكار تحتاج إلى مدة زمنية أطول، كي تؤثر على المشاهد، وهذه نرى الأنسب لها عملًا دراميًا.
أما بالنسبة إلى متى نقرر العمل على فكرة بعينها، فهذا يحدث عندما نشعر بأن عندنا حدوتة قد تجذب المشاهد. هناك آلاف القضايا، لكن ليست كل القضايا بها قصص، مثل «تحت الوصاية». في حالة هذا المسلسل تحقق جانبان: القصصي، الذي يجذب المشاهد، أي المتعة. والثاني، يتعلق بأن في القضية رسالة قد تؤثر على المجتمع. وبهذا المعنى، «تحت الوصاية» امتداد لـ«طايع» بالفعل، كلاهما ناقش قضايا اجتماعية، الأخير ناقش قضية الثأر، و«تحت الوصاية» ناقش قانون الوصاية والظلم الذي يطول الأم بالتعامل معها كشخص فاقد الأهلية، ثم الظلم في حق الأطفال من بعدها.
متى بدأت فكرة «تحت الوصاية» وهل تطورت بمرور الوقت؟
منذ مدة بعيدة، نفكر في هذه القضية، وهناك بالفعل أكثر من خمس قضايا تتعلق بحقوق الرجل والمرأة، نفكر في معالجتها دراميًا أيضًا. تطورت الفكرة بمرور الوقت بالتأكيد، لكن بدأنا تنفيذها عندما وجدنا حدوتة تصل بمعنى ما نريد، بطريقة غير مباشرة. لا نحب عرض القضية بشكل مباشر، فالمعالجة الدرامية ليست برنامج توك شو ليعرض قضية فقط.
لماذا اخترتما أن تكون مهنة الأب صياد؟
أصعب ما واجهنا هو اختيار العالم الذي تنتمي إليه الأم، هل تكون تعمل بالبناء، أو ورثت مثلًا ميكروباص؟ وجاءت فكرة أن يكون الأب صياد، لعدة أسباب، منها أن ذلك سيوفر للزوجة معلومات عن الصيد والبحر، قبل امتهانها مهنته، حتى ولو سماعيًا، ما نقصده أنها على الأقل ستكون على علم بأنواع الأسماك، والفرق بينهم.
كما أن جماليات عالم الصيد بصريًا ترجح كفته على عوالم أخرى، لكن بالإضافة إلى البصريات الجمالية التي يخلقها، فهو عالم ملك للرجال فقط، أو يصعب تصور المرأة بداخله، ودخولها إليه إيذانًا بوصمها اجتماعيًا، لذا كان ميلنا إلى ذلك الاختيار. وأفادنا ذلك في البناء الدرامي لتطور شخصية حنان، لأنها كانت تائهة ولا تستطيع الاستقرار في عمل، لذا رجحت هذه الأسباب كفة عالم الصيد، فهي تمنحنا بُعدًا دراميّا في تحول حنان من شخصية تائهة إلى بطلة خارقة تدخل عالم لا يدخله إلا الرجال، وهذا جزء من رسالة العمل، قصدنا منها تمكين المرأة وإشعارها بأنها قادرة على فعل كل شيء مثل الرجال.

لماذا اختيار دمياط بالتحديد كمكان للقصة؟
لم يقع اختيارنا على دمياط أثناء الكتابة، بل كان اختيار المخرج محمد شاكر خضير، بعد عدة رحلات خاضها في الكثير من موانئ مصر، حتى وجد أن أنسب مكان لعرض الفكرة هو «عزبة البرج» فهي من أكبر الأماكن التي تمارَس بها مهنة الصيد في مصر.
كيف تم تجميع تلك المعلومات عن الصيد في دمياط؟
تم تجميع المعلومات من جانبين، جانب الإخراج وهذه كانت مهمة محمد شاكر خضير، عبر اختياره مكانًا يحقق الجمال البصري. وجانب الكتابة، وكانت هذه مهمتنا، ولإنجازها عقدنا عدة جلسات مع رئيس صيادين في «عزبة البرج»، يملك مركبًا يعمل عليها 20 صيادًا، وتخرج إلى الصيد لمدة 20 يومًا. جمعنا تفاصيل كثيرة، ربما أكثر تعقيدًا مما شوهد في العمل، لم نجد داعٍ لعرضها، لأنها ربما تشتت المشاهد، لذا أبقينا على ما يسمح للمتلقي بتصديق ما يُعرض، وما يسهل فهمه.
هناك خطوة أخرى، تخص مرحلة ما بعد الصيد، وجرت عبر جلسات مع تاجر أسماك وشرح لنا طرق البيع، واختصرناها أيضًا حتى لا تسبب إرهاقًا للمشاهد، وحاولنا تبسيط الأمر، لأن مهمتنا عرض عالم الصيد في شكل درامي، وليس بشكل وثائقي. أعتقد أننا أصبحنا مدركين بشكل كبير ما يدور في عالم البحر، ونعتقد أن شاكر خضير يستطيع بسهولة الآن أن بصبح ريس صيادين.

لماذا اخترتما أن تكون بطلة العمل امرأة من الطبقة تحت المتوسطة، دونًا عن طبقات أخرى قد يكون اختيارها أكثر رواجًا الفترة الماضية في الدراما التلفزيونية؟
اختيار الطبقة التي تنتمي إليها البطلة، يرجع إلى التفكير حول أي طبقة ستمس جميع الناس، لذا وقع الاختيار على الطبقة تحت المتوسطة، لأنه ببساطة إذا اخترنا الطبقة الفقيرة، سيجبرنا ذلك على تصوير أُم قد لا تفكر في ذهاب أطفالها إلى المدرسة مثلًا، وإذا اخترنا طبقة عليا بالتأكيد سيختلف شكل العمل بأكمله، وستصبح الأم تصارع الجد من أجل السفر إلى أوروبا مثلًا، وليس من أجل الحصول على أبسط الحقوق كالوصاية وميراث بسيط. ما نقصده تحديدًا أننا أردنا جعل القصة تمس وتؤثر على جميع الناس لذا اخترنا تلك الطبقة.
من وقت بداية بث الحلقات تكتبان أنه يجب تغيير القانون لتصبح الوصاية في حوزة الأم، هل تدافعان عن الأم فقط، وتنسيان مصلحة الأطفال، التي قد لا تكون مع الأم في بعض الأحيان؟ وهل ثنائية مع من ضد من تعبر عن «تحت الوصاية» من وجهة نظركما؟
مطالبتنا بتغيير القانون، وأن تصبح الوصاية في حوزة الأم ليس دفاعًا عنها، بل هدفه الأساسي حماية الأطفال بالأساس، وعرضنا جزءًا مما قصدناه عبر شخصية ياسين، الذي كان حلمه أن يصبح لاعب كرة قدم، وكان جده يرى أن هذا لهو وليس له فائدة، والفائدة من وجهة نظره أن يعمل معه في ورشة الحدادة. ما نقصده أن مثلًا بحصول الجد على وصاية الأطفال، سيحدد ما يحتاجه الأطفال بناءً على رأيه أو إدراكه للعالم، وليس بناءً على ما يحتاجه الأطفال بالفعل. لم يكن هدفنا تصوير العم والجد بأنهما شريران، فقط أردنا تسليط الضوء على أن أكثر من يعرف مصلحة الأطفال هي الأم، لذا هي الأكثر استحقاقًا بالوصاية.
ولا نرى أن العمل أخذ جانب ضد الجد أو العم، فقط أردنا عرض أن بالقانون خللًا، قد يسلب حق ملك الأم. وأعتقد أننا نجحنا في ذلك، من خلال شخصية العم صالح (دياب)، لأن سبب صراعه مع الأم حنان، أنه يراها فاقدة الأهلية، ولن تستطيع الحفاظ على تركة أخيه. فقط أردنا توضيح أن القانون هو الشرير ليس الأشخاص، لذا حاولنا أنسنة شخصيات العمل قدر المستطاع.

هل أنتم مع تنميط أعمال درامية في خانة محددة، خانة النسوية على سبيل المثال في حالة «تحت الوصاية»؟ وهل هذا يضر الصناعة أم يفيدها من وجهة نظركما؟
المشكلات التي تواجه المرأة كثيرة للغاية، لكن لن نستطيع التعبير عنها دائمًا، إلا إذا وجدنا قصة نستطيع من خلالها بناء عالم درامي متكامل. ما يحكمنا هو القصة الشيقة، ليست حقوق المرأة فقط أو حقوق الرجل فقط، نقصد أنه إذا كانت هناك مشكلة تخص الرجل سنحاول عرضها أيضًا ما دام يتوفر جانبا المتعة والرسالة، حتى لو كانت كوميدية، كما قلنا تحكمنا القصة والحدوتة، لا الحقوق.
أما حصر الدراما في جانب واحد، نعتقد أنه مضر للصناعة بكاملها، لأن ببساطة إذا تناولت الدراما أفكار وقضايا تتعلق بالنسوية، أو أي قضية ثانية، حتى لو اختلفت طرق العرض، سيتجنب المشاهد رؤية أي شيء يتعلق بتلك القضية.
لماذا كان اختيار أن تكون شخصية حنان بطلة العمل محجبة، خصوصًا أن الحجاب قد يكون دلالة عند البعض على التزمت والتشدد؟
لا نقصد من الحجاب شيئًا إيجابيًا أو سلبيًا، اختيار أن تكون حنان محجبة جرى بناءً على الطبقة التي تنتمي إليها. قيل عنا قبل حتى قبل معرفة مصير حنان إنها ستكون مقهورة في البداية بسبب الحجاب، ثم عند خلعه ستتحرر، وهذا ما لم نستطع فهمه، وأدهشنا لأنه لم يكن مكتوبًا مطلقًا في السيناريو. واختيار الحجاب تم بالتشارك مع المخرج، وكان هدفنا جميعًا اتساق القصة التي نعرضها، لذا نستطيع القول إن العمل لا يتعلق بالحجاب من بعيد أو من قريب.
ولا نرى أن الدراما تحارب الحجاب، أو أن هناك توجه لذلك، ربما هذه حساسية مفرطة من البعض تجاه قضايا بعينها، تعرضها الدراما، تشعرهم بأن الدراما موجهة، وهذا ليس صحيحًا. لا يوجد أي توجه ضد الحجاب، لا نرى حتى أن هناك نظرية مؤامرة موجودة في الدراما المصرية ضد الحجاب أو أي قضايا أخرى أو هذا ما نشعر به فعلًا. إذا عدنا بالزمن إلى الدراما والسينما ما قبل الألفية ستجد أنها كانت دون حجاب، مقارنة بالدراما والسينما الآن.

لذا لا نشعر بوجود أي من نظريات مؤامرة، ونرى أن الجدل الذي يثار دائمًا فيما يتعلق بالحجاب، سببه الحساسية المفرطة فعلًا، لأنه مثلًا إذا كتبت شخصية محجبة تضع مكياج، وفي سياقها الدرامي هذا طبيعي، ستجد من يقول أن القصد هو تشويه الحجاب، ولو العكس وهي دون أي مكياج، ستجد من يقول إن القصد هو تشويه المحجبات وتصويرهن أنهن غير مهتمات بنظافتهن.
أتمنى أن يكف الناس على النظر إلى صناعة الدراما، عبر نظريات المؤامرة، لأن في عائلاتنا وأصدقائنا محجبات، هل نحاربهم أيضًا؟ لا نعتقد ذلك.
بعيدًا عن اختيار منى زكي كبطلة للمسلسل، شهدنا في «تحت الوصاية» اختيارات لافتة لممثلين مثل علي صبحي ورشدي الشامي وأحمد عبد الحميد، وخالد كمال، وإعطائهم مساحات جيدة أظهرت قدراتهم، التي لم نشهدها في أعمال سابقة، هل تشكلت هذه الاختيارات أثناء الكتابة، أم أنها اختيارات المخرج؟
اختيار فناني العمل بالكامل يرجع إلى المخرج محمد شاكر خضير، ونعتقد أنه نجح في اختيار الممثل المناسب لكل شخصية كتبناها.

هل ما تعانيه الدراما مؤخرًا هو نقص في الكتابة الجيدة، أم عدم فهم للذوق العام، وهل أنتم مقتنعون أن هناك معنى لكلمة الذوق العام؟
لا نعتقد أن هناك معنى لكلمة «الذوق العام»، وفكرة الكتابة للذوق العام، لا تشغلنا مطلقًا، لا نبحث عما هو رائج ونحاول عرضه، وهذه الطريقة لا تناسبنا في الكتابة إطلاقًا. نبحث عن القصة الجيدة، وعما يجذب المشاهد وما يؤثر فيه، ونعتقد أن الصدق وبذل المجهود والكتابة الجيدة. ونعتقد أن «تحت الوصاية» خير مثال لذلك، ولا نتحدث عن المجهود المبذول من جانبنا فقط، بل من جميع طاقم العمل بداية من الموهبة العظيمة منى زكي التي نعدها ثروة قومية، وحولتنا من مؤلفي العمل إلى مشاهدين عاديين، وطبعًا المخرج محمد شاكر خضير الذي أضاف رؤية مختلفة إلى الورق، أو كما يقال بالعامية «دب فيه الروح»، فهو يملك عينًا مختلفة وحساسية بصرية أدهشتنا، ولن ننسى بالتأكيد الملابس والديكور والموسيقى.
تقارير ذات صلة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
«مرحبا دولة»: رحلة البحث عن «الشرطي الموظف» في الدراما
الجانب العبثي من حياة «البوليس»
«الريس بيتفرج».. إعلام ودراما الدولة في انتظار رصاصة الرحمة
ترقب وسيناريوهات غامضة لـ«المتحدة» بعد تصريحات الرئيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن