قانون العمل الجديد.. ولادة متعسرة برعاية «الحوار الاجتماعي»
بعد عشر سنوات من تدشين مسار إعداد قانون جديد للعمل، أعلنت الحكومة أخيرًا عن انتهائها من صياغة مشروع القانون، بعد إدخال عدة تعديلات عليه، كان آخرها ما نتج عن نقاشات المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي، الذي يرأسه وزير العمل.
بدأ المسار الطويل لمشروع القانون عام 2014، واستغرقت صياغته نحو ثلاث سنوات، حتى صدر عن الحكومة عام 2017، ثم أُحيل إلى مجلس النواب، حيث ناقشته لجنة القوى العاملة، ومنها إلى الجلسة العامة للتصويت في نفس العام، بعدما أدخلت عليه تعديلات عبر دمجه مع مشروع قانون آخر كان قد تقدم به النائب السابق، خالد عبد العزيز شعبان، حسبما قال لـ«مدى مصر»، موضحًا أن مناقشة مشروع القانون في الجلسة العامة توقفت نتيجة ضغوط رجال الأعمال، خاصة بعدما كانت لجنة القوى العاملة قد مررته ضد رغبتهم وبموافقة ممثلي الحكومة نفسها.
وبحسب عضو بمجلس إدارة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، «عاد مشروع القانون وأحيل إلى مجلس الشيوخ، في الدورة البرلمانية اللاحقة، بعد تعديلات الدستور التي أنشأت هذا المجلس، وبالفعل مرره الشيوخ عام 2022، وأُحيل إلى النواب مجددًا، ومررته لجنة القوى العاملة، لكن الرئيس السيسي استبق مناقشته في الجلسة العامة العام الماضي، وطلب إحالته إلى المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي، وهي الدعوة التي عاد وكررها في مايو الماضي»، مضيفًا: «كان السبب وراء عرقلة القانون طوال تلك الفترة هو رفض رجال الأعمال، وهو ما عبروا عنه صراحة حتى خارج المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي في جلسات استضافتها وزارة العمل، بسبب القيود على فصل العمال، وإصرارهم على إلغاء أي وجود للعقود غير محددة المدة، وألا يتضمن القانون أي قاعدة للعلاوة الدورية على أن يترك تحديدها للمجلس القومي للأجور».
في يناير 2023، سحبت الحكومة مشروع القانون من مجلس النواب «لحين إجراء تعديلات على صياغة بعض المواد»، بهدف «تحقيق التوازن بين حقوق أصحاب العمل والموظفين، وكسب رضا جميع الأطراف وتحقيق المصلحة العامة قدر الإمكان»، حسبما قال وزير شؤون المجالس النيابية السابق، علاء الدين فؤاد. وفي يناير الماضي، بدأت لجنة من وزارة العمل بحث ومناقشة الملاحظات والمقترحات الواردة على مشروع القانون، من العمال والمنظمات الممثلة لأصحاب الأعمال ومجلس الشيوخ، ووضعت خطة زمنية لمناقشة بنوده، تمهيدًا لعرضها على المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي في دورة انعقاده القادمة.
ورغم أن قرار إنشاء «الأعلى للحوار الاجتماعي» ينص على وجوب اجتماعه «كل ثلاثة أشهر على الأقل أو كلما دعت الحاجة إلى ذلك»، فإنه لم يبدأ في مناقشة مشروع القانون إلا في مايو الماضي، بعد أيام قليلة من توجيه رئيس الجمهورية بذلك.
مسؤول بارز في وزارة العمل يتصل عمله مباشرة بمسار النقاش في المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي حول مشروع القانون، قال لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إن الوزارة أحالت مخرجات الحوار إلى مجلس الوزراء لاعتمادها، لأن هذا الحوار ومخرجاته يعبران عما وافقت عليه وزارة العمل لا الحكومة كلها ويحتاج إلى موافقة الحكومة عليه، مشيرًا إلى أن إعلان الحكومة قبل أيام الموافقة على قانون العمل هو في واقع الأمر إعلان عن الموافقة على التعديلات الإضافية التي تصل البرلمان خلال أيام.
في هذا التقرير، تحدثنا مع عدد من المصادر لاستطلاع طبيعة التعديلات التي أسفرت عنها مناقشات ممثلي العمال وأصحاب العمل والحكومة بشأن الملاحظات التي أبدوها على مشروع القانون قبل عودته إلى البرلمان.
***
قال المصدر الحكومي لـ«مدى مصر» إن مقترحات المجلس شملت عددًا من المكاسب لصالح العمال، من ضمنها الاعتراف بأنماط العمل الجديدة، كالعمل في المنصات (مثل التطبيقات الإلكترونية العاملة في مجال التوصيل) كعلاقة عمل مأجور حتى دون توافر عقود عبر أي وسيلة لإثبات علاقة العمل تلك، بشرط أن تشمل تلك العلاقة ما يمكن أن يعتبر طرفًا وسيطًا كمقاول للتشغيل. كما تشمل التعديلات منع تحرير عقود محددة المدة بالنسبة للأعمال التي لا تتصف بطبيعتها بكونها مؤقتة، حسبما يقول المصدر، مضيفًا: «التعديلات تسمح كذلك بمنح مكافأة قدرها شهر عن كل سنة إذا أنهى صاحب العمل العقد بعدما كان قد جُدد لأكثر من مرة».
في المقابل، تمنح التعديلات، بحسب المصدر، أصحاب العمل نصًا لصالحهم يتعلق بتخفيض مساهماتهم في صندوق التدريب عبر تعديل نظام هذه المساهمة لتُحتسب بناءً على نسبة من الأجور التأمينية لا بناءً على صافي الأرباح، كما هو الحال في مشروع القانون.
ويؤكد المصدر أن تلك التعديلات تمثل ما توافق عليه ممثلو أصحاب العمل والعمال خلال النقاشات. لكن، مصدرين أحدهما من ممثلي العمال والآخر من أصحاب العمل، قالا لـ«مدى مصر» إن كل طرف أرسل لوزارة العمل -مع نهاية الحوار- قائمة بطلباته، ولم يطلع أي منهما على التعديلات كما خرجت من الوزارة إلى مجلس الوزراء.
الحق في الإضراب.. قيود جديدة
زاد مشروع القانون بوضوح من القيود المفروضة على الإضراب عن العمل. فقد احتفظ المشروع بنص القانون الحالي (12 لسنة 2003)، الذي يشترط إخطار كل من صاحب العمل والجهة الإدارية المختصة قبل التاريخ المحدد للإضراب بعشرة أيام على الأقل بكتاب مسجل موصى عليه بعلم الوصول، على أن يتضمن الإخطار الأسباب الدافعة للإضراب وتاريخ بدايته ونهايته. كما احتفظ المشروع بالحظر الذي يشمله القانون الحالي على الدعوة إلى الإضراب أو إعلانه بقصد تعديل اتفاقية عمل جماعية خلال مدة سريانها، وأضاف حظرًا جديدًا خلال «جميع مراحل وإجراءات الوساطة والتحكيم» التي قد تستمر شهورًا.
احتفظ مشروع القانون الجديد أيضًا بالنص الذي «يحظر الإضراب أو الدعوة إليه في المنشآت الاستراتيجية أو الحيوية التي يترتب على توقف العمل فيها الإخلال بالأمن القومي أو بالخدمات الأساسية التي تقدمها للمواطنين، على أن يصدر قرار من رئيس مجلس الوزراء بتحديد هذه المنشآت».
وكان قرار رئيس الوزراء الأسبق، عاطف عبيد (1185 لسنة 2003) قد حدد المنشآت الحيوية والاستراتيجية التي لا يجوز الإضراب عن العمل فيها وتشمل: «منشآت الأمن القومي والإنتاج الحربي، المستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات، المخابز، وسائل النقل الجماعي للركاب (النقل البري والبحري والجوي)، وسائل نقل البضائع، منشآت الدفاع المدني، منشآت مياه الشرب والكهرباء والغاز والصرف الصحي، منشآت الاتصالات، منشآت الموانئ والمنائر والمطارات، والعاملين في المؤسسات التعليمية».
وزاد مشروع القانون حظرًا جديدًا فضفاضًا على الإعلان أو الدعوة للإضراب في «الظروف الاستثنائية»، دون توضيح لماهية هذه الظروف.
وزير العمل الأسبق، أحمد حسن البرعي، الذي ترأس لجنة صياغة قانون 12 لسنة 2003، يرى أن هذا النص، إذا استقرت الصورة النهائية للقانون على العمل به، قد يستخدم لتقييد شامل لممارسة الحق في الإضراب، حسبما قال لـ«مدى مصر».
كما أضاف مشروع القانون نصًا آخر يمثل قيدًا إضافيًا على الاعتراف بالحق في الإضراب عن طريق ربطه بـ«استنفاد طرق التسوية الودية للمنازعات المنصوص عليها في هذا القانون»، وهي عملية قد تستغرق وقتًا طويلًا نسبيًا.
تشمل طرق التسوية الودية تلك، بحسب مشروع القانون، المفاوضة الجماعية والتوفيق والوساطة والتحكيم. والتوفيق مرحلة تأتي بعد انقضاء شهر من بدء المفاوضة الجماعية دون الوصول لاتفاق، إذ يجوز وقتها للطرفين أو أحدهما اللجوء إلى الجهة الإدارية المختصة لبدء إجراءات التوفيق في النزاع خلال خمسة أيام من تقديم الطلب إليها، بحيث ينتهي التوفيق بالوصول لاتفاقية عمل جماعية. وفي حال عدم الوصول إلى تسوية للنزاع خلال 21 يومًا من تاريخ بدء التوفيق، يجوز للطرفين اللجوء إلى الجهة الإدارية لإحالة النزاع إلى مركز الوساطة والتحكيم، وهو مركز يتبع وزير العمل.
من ناحية أخرى، عدّل مشروع القانون من شرط موافقة النقابة العامة على إعلان الإضراب بثلثي عدد أعضائها على الأقل، كما هو في القانون الحالي، ليصبح «إعلانه وتنظيمه من خلال المنظمة النقابية العمالية المعنية، أو المفوض العمالي».
والمفوض العمالي، وفقًا لمشروع القانون، هو أحد العاملين بالمنشأة، يتفق العاملون بها على تفويضه بموجب سند رسمي لتمثيلهم أمام صاحب العمل في حالة عدم وجود منظمة نقابية عمالية بها.
أحد ممثلي العمال في المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي، قال لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إن المجموعة الممثلة للعمال في المجلس رفعت في مذكرة باسمها موجهة إلى لجنة الصياغة في وزارة العمل -وهي لجنة تضم خبراء قانونيين وممثلين لمجلس الدولة ومسؤولين حكوميين- تعديلات على النصوص المرتبطة بالإضراب على نحو يضع معايير لقائمة القطاعات التي يحظر فيها الإضراب، بالإضافة إلى وضع تعريف للأوضاع الاستثنائية التي نص عليها القانون الجديد، والتي يُحظر خلالها الإضراب. كما طالبوا بـ«إلغاء النص على ضرورة الإخطار المسبق بموعد انتهاء الإضراب»، حسبما يقول المصدر، موضحًا: «هذا النص بعيد عن المنطق بكل تأكيد، لأن العمال لا يمكنهم العلم المسبق بموعد انتهاء الإضراب لأنه مرتبط باستجابة الطرف الآخر [صاحب العمل] لمطالبهم، كما أن علم الطرف الآخر بموعد انتهاء الإضراب مسبقًا يعني تباطؤه في الاستجابة لمطالب العمال، انتظارًا لانتهاء الإضراب وتلاشي الضغط الذي يمثله هذا الإضراب».
من جانبه، قال المسؤول الحكومي إن «التعديلات التي أحالتها وزارة العمل إلى رئاسة الوزراء عدّلت تعريف الإضراب، تبعًا لمعايير العمل الدولية، كما أدخلت تعديلًا على أحكامه»، دون أن يفسر طبيعة تلك التعديلات.
خلاف حول إجازة الوضع
سمح مشروع القانون بإجازة وضع أربعة أشهر، بشرط أن تكون العاملة قد أمضت ستة أشهر على الأقل في الخدمة، وبحد أقصى ثلاث مرات طوال فترة خدمتها. وهو تعديل على قانون العمل الحالي الذي يعطي العاملة التي أمضت عشرة أشهر على الأقل «في خدمة صاحب العمل» إجازة وضع ثلاثة أشهر، بحد أقصى مرتان طوال مدة خدمتها.
وينص المشروع الجديد على أن «يخصم من الأجر الذي يلتزم به صاحب العمل، ما يلتزم بأدائه نظام التأمين الاجتماعي من تعويض عن الأجر [في حالة الوضع] وفقًا لحكم المادة رقم 77 من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات».
يسمح هذا النص بإعفاء صاحب العمل من 75% من أجر العاملة خلال إجازة الوضع، كما يقول مدير المنتدى المصري لعلاقات العمل، حسن البربري، موضحًا: «قانون التأمينات الاجتماعية الحالي في النص المشار إليه يمنح العاملات، خلال إجازة الوضع، 75% من قيمة الأجر بناءً على المستندات التي تقدم إلى مكتب العمل الذي تتبعه العاملة، والتي تثبت موعد الوضع، وهو ما يُمول من صندوق التأمينات. ويأتي هذا النص في قانون العمل ليخصم من الأجر المستحق على صاحب العمل هذا الجانب من الأجر الذي تتقاضاه العاملة من هيئة التأمينات».
وأضاف بربري: «[عمليًا] لا يمكن للعاملة في الوقت الراهن الاستفادة من تعويض التأمينات 75% من الأجر، كونها تحصل على كامل أجرها من صاحب العمل خلال إجازة الوضع، ولا يمكنها الجمع بين أجرها الكامل من صاحب العمل والتعويض عن الأجر من صندوق التأمينات الاجتماعية، لأن الأوراق التي يجب التقدم بها إلى مكتب العمل للحصول على هذا التعويض تحتاج اصلًا إلى توقيع من إدارة الموارد البشرية في جهة العمل».
ومع ذلك، فقد اعترض أصحاب العمل بشدة على هذا النص في «الحوار الاجتماعي»، بحسب ممثل أصحاب العمل في المجلس، لأنه «من غير المنطقي أصلًا أن تدعو الدولة إلى تخفيض الزيادة السكانية، ثم يسعى المشرع في المقابل إلى تشجيع الزيادة السكانية بزيادة عدد مرات الحصول على إجازة وضع»، يقول الممثل، مضيفًا أن «هذا النص في واقع الأمر يضر بالتمكين الاقتصادي للمرأة، لأن ما سيحدث عمليًا هو إحجام القطاع الخاص عن تشغيل النساء». لكن ممثلي العمال في المجلس «أصروا على هذا النص»، بحسب أحدهم.
عقود العمل تغضب رجال الأعمال
ينص قانون العمل الحالي على أنه «إذا انقضت مدة عقد العمل محدد المدة واستمر طرفاه في تنفيذه، اعتُبر ذلك منهما تجديدًا للعقد لمدة غير محددة».
وفي حين يحتفظ مشروع القانون الجديد بمضمون هذا النص، فإنه أضاف نصوصًا أخرى تكشف ميلًا نحو ضمان استقرار علاقة العمل، كونه ينص على أن يُعتبر عقد العمل غير محدد المدة منذ إبرامه في حالة إذا كان: غير مكتوب أو إذا لم ينص العقد على مدته أو إذا كان مبرمًا لمدة محددة واتفق الطرفان على تجديده لمدد تزيد في مجموعها على أربع سنوات.
العقد غير المكتوب، كما يوضحه البرلماني السابق، خالد عبد العزيز شعبان، يمثل علاقة العمل التي اضطر فيها العامل إلى ممارسة عمله دون عقد مكتوب، لكنه استطاع إثبات علاقة العمل لاحقًا.
أثار هذا النص انتقادات أصحاب العمل في مناقشات «الأعلى للحوار الاجتماعي»، حسبما قال أحد ممثليهم في المجلس لـ«مدى مصر»، مضيفًا: «هذا النص لا يلتفت إلى أي ظروف اقتصادية محتملة قد تواجهها المنشأة وتؤدي بها إلى الحاجة للاستغناء عن العامل، فضلًا عن حرمان صاحب العمل من الاستغناء عن عامل قد يكون من وجهة نظره غير كفءٍ»، مضيفًا: «القانون نفسه يعترف بحق صاحب العمل عند الضرورة في الإغلاق الجزئي أو الكلي، وهو ما يعني أنه يعترف بالظروف الاقتصادية المفاجئة للمنشآت، ما يعني أن ثمة تناقض واضح [في فلسفة القانون] بين النص على تحول العقد المحدد المدة إلى عقد دائم بمضي أربع سنوات من ناحية، والحق في الإغلاق الجزئي أو الكلي في ظل ظروف معينة من ناحية أخرى»، لافتًا إلى أن «الحكومة نفسها أصبحت تعتمد في التعاقد مع العاملين على العقود المؤقتة».
من ناحية أخرى، وفي سياق متصل أيضًا بالأمان الوظيفي، يمنح مشروع القانون المحاكم العمالية وحدها حق فصل العمال كإجراء جزائي، مع السماح لصاحب العمل باتخاذ باقي إجراءات الجزاءات التأديبية.
أصحاب العمل يربحون معركة العلاوة
في المقابل، يبدو أن رجال الأعمال قد حصلوا على مكسب مهم لصالحهم في المشروع الجديد، وهو تعديل نظام العلاوة الدورية من النظام الحالي القائم على نسبة من الأجر الأساسي إلى نظام جديد قائم على نسبة من الأجر التأميني، بحسب أحد ممثلي العمال في المجلس القومي للأجور، تحدث إلى «مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه.
تنص المادة 12 من مشروع القانون على أن «يستحق العاملون الخاضعون للقانون علاوة سنوية دورية لا تقل عن 3% من أجر الاشتراك التأميني.. وذلك في ضوء القواعد المنظمة لهذه العلاوة، والتي يصدرها المجلس القومي للأجور». فيما ينص قانون العمل الحالي في المادة الثالثة منه على أن «يستحق العاملون… علاوة سنوية دورية في تاريخ استحقاقها لا تقل عن 7% من الأجر الأساسي… وذلك حتى يُصدر المجلس القومي للأجور القرارات المنظمة لهذه العلاوة».
اللافت للنظر أن مضمون المادة 12 من مشروع القانون بدأ تطبيقه بالفعل عام 2021، بعد 18 عامًا من حساب العلاوة 7% من الأجر الأساسي كما ينص قانون 2003. إذ استند المجلس القومي للأجور إلى ما سمحت به المادة الثالثة في القانون من حق «القومي للأجور» في إصدار قرارات منظمة للعلاوة، واستخدم هذا الحق في اجتماعه في يوليو 2021 ليقرر رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص إلى 2400 جنيه، مع تعديل نظام حساب العلاوة لتصبح 3% من أجر الاشتراك التأميني.
و«الحجة التي تبنتها الحكومة [في 2021] هي أن 3% من الأجر التأميني تمثل -في المتوسط- ما يتجاوز قيمة 7% من الأجر الأساسي»، حسبما قال ممثل العمال في المجلس القومي للأجور.
ويعتبر قانون التأمينات الحالي أن الأجر الأساسي أحد عناصر الأجر التأميني أو ما يسميه القانون بأجر الاشتراك، وهو ما يعني -نظريًا على الأقل- أن الأجر التأميني يتخطى الأجر الأساسي.
ومع ذلك، اعترض ممثلو العمال على هذا التحول، بحسب عضو «القومي للأجور»، موضحًا أن هذا التغيير «تسبب عمليًا في تخفيض الزيادات السنوية بشكل كبير في حالات كثيرة»، لأن «الأجر الأساسي [عمليًا] هو عنصر لا يتوافر في حالات كثيرة بالقطاع الخاص، بمعنى أن الكثير من أنماط الأجور في القطاع الخاص معتمدة على نظم أبسط من الأجور في الشركات الحكومية التي تشمل أجرًا أساسيًا يختلف عن الأجر الشامل، ولهذا كانت الكثير من شركات القطاع الخاص تعتمد، ربما كنوع من التيسير، على رفع الأجور بنسبة 7% من الأجر الشامل أو الأجر التأميني، في الوقت الذي نجد فيه الكثير من تلك الشركات لا تؤمن على الأفراد إلا عند الحد الأدنى المتاح للتأمين. هذه الحالات طبعًا شهدت انخفاضًا كبيرًا في نمو أجورها السنوية».
يتفق البربري، وهو أيضًا مستشار مالي لعدد من النقابات المستقلة بحكم تخصصه كمحاسب، مع هذا الرأي: «لا توجد علاقة واضحة بنسب مئوية تربط بين الأجر الأساسي والأجر التأميني في القطاع الخاص، حتى لو بدا نظريًا أن الأول جزء من الثاني، فما يحدث عمليًا أن العرف في القطاع الخاص استقر بشكل عام على أن يتساوى الأجر التأميني مع الأجر الأساسي، لأن الأمر يعد أكثر توافقًا مع عقود القطاع الخاص التي لا تشمل تفاصيل الأجر ولا تكشف إلا عن الأجر الشامل، الذي يربطه بالأجر التأميني علاقة واضحة، إذ يمثل الحد الأدنى التأميني المقبول 70% من الأجر الشامل».
يرى البرعي أن القطاع الخاص «يميل عمليًا لعدم إثبات جوانب كبيرة من الأجر الشامل ضمن الأجر التأميني، وهو ما يعني أن الاستناد إلى الأجر التأميني كمعيار للعلاوة الدورية لا يبدو أمرًا عادلًا بالنسبة للعاملين»، مضيفًا أن «الجانب الآخر من الصورة هو نسبة الزيادة السنوية نفسها [3%] والتي تعد بعيدة تمامًا عن مجاراة مستويات التضخم، وينبغي هنا ألا ننسى أن قانون العمل الحالي صدر في ظل مستويات مختلفة تمامًا [أقل] من التضخم».
الحكومة والعمال في «القومي للأجور»
عدّل مشروع القانون من تشكيل «القومي للأجور» ليكرس من الطابع الحكومي للطرف المعين من السلطة التنفيذية. فبينما ينص القانون الحالي على أن يتشكل المجلس برئاسة وزير التخطيط وثلاثة أطراف: طرف تعينه الحكومة، وثانٍ يمثل أصحاب العمل يختارونه بأنفسهم، وثالث يمثل العمال يختارونه بأنفسهم، على أن يمثل الطرف الأول بعدد من الأعضاء يساوي إجمالي عدد الطرفين الآخرين، احتفظ مشروع القانون الجديد بنفس التشكيل الثلاثي هذا، لكن مع تعديل طبيعة الطرف المعين من الحكومة، ليجعل أعضاءه جميعًا من مسؤولي السلطة التنفيذية أو التابعين لها حصرًا.
حدد قانون العمل الحالي ماهية الطرف الأول كـ«أعضاء بحكم وظائفهم أو خبراتهم»، ما سمح بأن يضم هذا الطرف، بالإضافة إلى مسؤولي السلطة التنفيذية، عددًا من الخبراء المستقلين، كما هو الحال في التشكيل الحالي للمجلس الذي يضم 12 عضوًا تعينهم الحكومة، بينهم أربعة خبراء: أستاذ الاقتصاد المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حنان حسين، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية، منى عبد السلام، خبير اقتصادي، منى عبد الحميد، الرئيس السابق للجنة التشريعية بوزارة العمل، عبد الحميد قطب .
أما مشروع القانون الجديد فقد حصر عضوية الطرف الأول في عشرة من الوزراء والمسؤولين الحكوميين هم وزراء: العمل، التضامن الاجتماعي، المالية، التجارة والصناعة، قطاع الأعمال العام، التموين والتجارة الداخلية، إلى جانب: رئيس المجلس القومي للمرأة، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.
وبينما حدد المشروع بوضوح طرف رجال الأعمال في التشكيل المقترح بخمسة أعضاء يتم اختيارهم من منظمات الأعمال الأعلى تمثيلًا، جاء تحديد ممثلي العمال الخمسة مربكًا بالنص على أن يختارهم «التنظيم النقابي المعني».
كان مجلس الشيوخ أضاف عبارة «التنظيم النقابي المعني» على نص المشروع المقدم إليه من الحكومة، والذي كان يحدد الجهة المنوط بها اختيار ممثلي العمال في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، كما هو الحال في القانون الحالي.
رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، عبد المنعم الجمل، وهو عضو في المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي أيضًا، قال لـ«مدى مصر» إن «الحوار الاجتماعي» ناقش معنى لفظ «المعني» في هذه العبارة، وأوضحت الحكومة أن المقصود به عمومًا التنظيم النقابي الأكثر تمثيلًا، مضيفًا: «وبناءً على ذلك، فالوضع كما هو لأن الاتحاد العام لعمال مصر هو الأكثر تمثيلًا، خاصة أنه الاتحاد النقابي الوحيد، وواقع الأمر أن إزالة اسم الاتحاد العام لعمال مصر من بعض نصوص القانون وتبني لفظ التنظيم أو الاتحاد النقابي المعني يعود إلى الالتزامات المتعلقة بقانون النقابات [العمالية 213 لسنة 2017]».
في المقابل، ترى نقيبة الإسكندرية في النقابة المستقلة للضرائب العقارية، رشا الجبالي، أن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر ما زال هو الاتحاد النقابي الوحيد من الناحية القانونية، لأن المجال ليس مفتوحًا أمام تكوين اتحادات أخرى بسبب القيود التي تفرضها وزارة العمل من الناحية العملية على تشكيل النقابات العامة وتوفيق أوضاع النقابات القائمة منها، مضيفة: «بالنسبة للنقابة المستقلة للضرائب العقارية مثلًا ما زال توفيق أوضاعنا صعبًا بسبب مزاعم ازدواجية العضوية لبعض الأعضاء، بحسب مسؤولين في وزارة العمل يرون أن بعض المنتمين لـ[الضرائب المستقلة] ما زالوا أعضاءً في الاتحاد العام، دون أفق لإمكانية إثبات العكس، فضلًا عن صعوبة الوصول للحد الأدنى من عدد الأعضاء عمومًا في الاتحادات، والذي ينص قانون النقابات ألا يقل عن 200 ألف عضو».
***
حتى الآن، لم تصل التعديلات الحكومية المقترحة إلى لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، في حين أن اللجنة انتهت بالفعل من نقاش وتمرير 60 مادة من مشروع القانون دون إدراج التعديلات، على أن تدرج لاحقًا، حسبما قال لـ«مدى مصر»، وكيل اللجنة، إيهاب منصور. فيما توقع عضو اللجنة، النائب أحمد عاشور، أن تنتهي مناقشة المشروع مع نهاية ديسمبر، على أن يعرض على الجلسة العامة للمجلس بداية العام المقبل.
تقارير ذات صلة
صحفيو «البوابة» يناشدون السيسي: هناك من يظن نفسه فوق القانون
مجلس نقابة الصحفيين انتهى بعد اجتماع طارئ أمس إلى شطب عبد الرحيم علي من عضوية النقابة
حد أدنى للأجور مع إيقاف التنفيذ
إسكات مطالب العمال بالقبضة الأمنية وتقاعس «العمل» عن إنفاذ قرار الحد الأدنى للأجور
عمال «المنصات» في قانون العمل الجديد.. مكاسب مفخخة
أنهت "القوى العاملة" بمجلس النواب مناقشة مشروع قانون العمل دون تعديلات على مواد "العمل الجديد"
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن