تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
في غياب صنع الله إبراهيم.. سيرة الحياة ومسيرة الكتابة

في غياب صنع الله إبراهيم.. سيرة الحياة ومسيرة الكتابة

كتابة: محمود الورداني 7 دقيقة قراءة
صنع الله إبراهيم

الآن وبعد رحيل صنع الله إبراهيم (88 عامًا)، في أعقاب صراع قصير مع المرض، يمكن تأمل تجربته الشخصية من جانب، وتجربته ككاتب أنجز الكثير من جانب آخر، وربما كان هو أحد القلائل الذين اندمجت وامتزجت حياتهم الشخصية بتجربة الكتابة، وما كتبه من أعمال يعد جزءًا أصيلًا من الدور والموقف الذي اتخذه، من أبسط الاختيارات والانحيازات وصولًا لأكثرها تعقيدًا. وربما كان وصف المثقف العضوي الذي صكّه المناضل الإيطالي أنطونيو جرامشي يصدق أكثر ما يصدق على صنع الله.

واللافت للنظر فيما يتعلق بالمشهد الأخير لرحيله ردود الفعل التي رافقت ذلك الرحيل، فقد حظى بما يليق به من جانب الجميع، وجرى الانتباه والالتفات للحدث بقوة ونشرت العديد من المقالات والدراسات والتغطيات والتقارير الصحفية عشية وبعد رحيله على نحو غير معتاد، ليس فقط بالنسبة لعشرات الكتاب، ولكن بالنسبة لكاتب عاش رافضًا للمؤسسة الرسمية وحريصًا على الابتعاد عنها وعدم الاستفادة من عطاياها، والمثير للدهشة أن الكثير من  المتنفذين والرسميين أسهموا في هذا التكريم والتقدير.

رحل عنا بعد 88 عامًا حافلة، أنتج خلالها 14 عملًا روائيًا وثلاث ترجمات إلى جانب قصصه الأربع العلمية المكتوبة للفتيان، وربما كان من الكتاب القلائل الذين مارسوا حريتهم إلى أقصى حد وعاشوا مخلصين لقناعاتهم. سيرة صنع الله ملهمة وناصعة بلا أي تشنج أو عصبية.

وفي سطور قليلة، يمكن إيجاز سيرته وفقا لما كتبه هو على النحو التالي: ارتبط الشاب الصغير بالسياسة وانضم للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (منظمة سرية يسارية تأسست عام 1947 وحلّت نفسها عام 1964)، وتعددت مرات القبض عليه  بسبب نشاطه السياسي وهو في عامه الأول بكلية الحقوق، ثم أمضى سنوات الاعتقال الخمس في معسكر المحاريق بالواحات بين عامي 1959 و1964، ضمن ما يقرب من ألف شيوعي من أعضاء التنظيمات الشيوعية الذين كان بعضهم يعتبرون أنفسهم في حلف مع نظام جمال عبد الناصر، ومع ذلك تعرضوا لأبشع تعذيب واعتقال في معسكر ناء وفي قلب الصحراء الغربية على مبعدة ما يقرب من 900 كيلومتر من القاهرة. وعندما خرج لم يجد مكانًا يؤويه إلا بصعوبة، وأمضى أشهر مراقبة كان متعينًا عليه خلالها أن ينتظر العسكري الذي يمرّ عليه في أي وقت ليلًا ليوقّع له على دفتر خاص. تقّلب بعد ذلك في أعمال صحفية قليلة وغير منتظمة، لكن الأهم أنه كتب واحدة من أهم الأعمال الروائية العربية الحديثة وهي «تلك الرائحة»، التي قدّمها يوسف إدريس واستقبلت بما يليق بها من متابعات نقدية واحتفال. وتعرضت الرواية لحذف صفحات منها بيد الرقابة، ثم تمت مصادرتها بالرغم من ذلك بعد صدورها، ولم يُسمح بطباعتها كاملة إلا بعد مرور سنوات وسنوات.

وبعد خروجه من المعتقل دون أن يُكمل تعليمه في كلية الحقوق، تلقى خطابا رسميًا يفيد إلحاقه بوظيفة كاتب أول بشركة أبو زعبل، ولما كان يكره اسم أبو زعبل ويحمل خبرة مرعبة بخصوصه، حيث تعرض لتعذيب بشع في معتقل يحمل الاسم نفسه، وشاهد عملية تعذيب الكاتب والسياسي شهدي عطية الشافعي الذي كان مقيّدا معه، حتى لفظ الأخير أنفاسه بالفعل، لما كان ذلك، فقد آثر أن يتجاهل الأمر بكامله -على حد قوله- للقيام بأهم مغامرة في حياته وهي التفرغ للكتابة.

وخلال السنوات التالية أمكن له الحصول على منحة لدراسة السينما في الاتحاد السوفييتي السابق، كما درس لغتين هما الإنجليزية والألمانية وأتقنهما بل وترجم عنهما. بعد عودته عمل لفترة قصيرة محررًا في دار الثقافة الجديدة، وما لبث أن غادرها وتفرّغ تمامًا للكتابة وحدها، وكانت هي مورد الرزق الوحيد له. وأظن أن تجربته في ذلك الخصوص من أهم التجارب، ومن النادر أن يعيش كاتب، خصوصًا إذا كان كاتبًا معارضًا وغير مرحّب به من جانب النظام ومتنفذيه، خصوصًا أن الدولة كانت تملك حرفيًا كل أدوات النشر ونوافذه، من النادر وربما من المستحيل أن يعيش كاتب معتمدًا فقط على الكتابة، لكن صنع الله فعلها، واختار التقشف والاستغناء، وأمضى أغلب سنوات عمره يسكن في الطابق السادس من بناية ليس بها مصعد، ولم يغادرها إلا قبل سنوات قليلة من رحيله عندما بلغ سنًا لا يمكّنه من صعود السلم.  

من جانب آخر، قدّم صنع الله بسيرته الشخصية نموذجًا ومثالًا للكاتب المنتمي لصفوف اليسار، ليس فقط من خلال أعماله الروائية ومضمونها، بل أيضًا من خلال المواقف العملية، وأبرز مثال على ذلك رفضه لجائزة مؤتمر الرواية 2003 التي كانت تتضمن مبلغًا ضخمًا في ذلك الوقت كان في أمس الحاجة له، إلى جانب الشهرة والنفوذ الأدبي والمعنوي الضخم أيضًا، واختار بدلًا من ذلك إلقائه خطابًا يحمل إدانة وتنديدًا بموقف النظام الرسمي من القضايا المختلفة المطروحة، واعتبر أن الحكومة لا تملك مصداقية منحه تلك الجائزة.

من جانب ثالث أود التأكيد على أن صنع الله نجح بالرغم من تلك الظروف المحاصرة في أن يفرض نفسه  ككاتب من خلال أعماله فقط، فلم يكن مسموحًا له بالكتابة في الصحف وأدوات النشر الرسمية، وأصدر كافة أعماله في دور نشر خاصة سواء في مصر أو خارجها، باستثناء رواية «شرف» التي صدرت في سلسلة روايات الهلال المصرية بعد نشرها منجمة في جريدة «أخبار الأدب» (في سابقة لم تتكرر فقد كان واحدًا من بين قائمة غير مكتوبة وممنوعة من النشر أو التواجد). كما نجح أيضًا في أن يفرض أعماله على الحركة النقدية العربية وليس المصرية وحدها، دون أن يمتلك شبكة علاقات عامة ودون أن يكون جزءًا من شبكة المصالح المتبادلة. لم يستطع أحد تجاهله أو اعتباره رقمًا مهملًا، على الرغم من أن مواقفه كانت معلنة سواء في كتبه أو في حياته الشخصية. ومن اقتربوا منه يعلمون جيدًا أنه عاش مستغنيًا ومتقشفًا وزاهدًا في المال والنفوذ والشهرة، وكان يعتبر الكتابة امتدادًا لمواقفه واختياراته الإيديولوجية.

أود أن أشير أيضًا إلى ما يمكن اعتباره «تيمة» رئيسية ظهرت في كل أعماله تقريبًا، وهي متلازمة القهر والسجن منذ روايته الأولى «تلك الرائحة»، فالبطل يروي جانبًا من تجربة السجن، وحتى لو لم يروها تصريحًا فهي حاضرة وماثلة من خلال العسكري، الذي يمر عليه كل ليلة ليوقع له على دفتر المراقبة، ومفهوم بالطبع من خلال إشارات ذكية وليست زاعقة أن البطل يعاني من قهر النظام السياسي. 

وفي «نجمة أغسطس» التي تدور أغلب أحداثها في أسوان أثناء بناء السد العالي، يشعر القارئ بوجود وتغلغل أجهزة الأمن السرية في تفاصيل عديدة، بل بشعر أيضًا بثقل وغباء تلك الأجهزة المسلطة على الروس الذين كانوا يعملون آنذاك في بناء السد العالي.. وهنا أيضًا السجن والقهر حاضرين دون إقحام أو افتعال.

caption

وفي روايته «شرف» السجن أيضا ماثل بقوة، والرواية بكاملها تدور داخل سجن جنائي، وفي «وردة» انفرد صنع الله وحده بتناول تجربة انتفاضة ظفار في أوائل سبعينيات القرن المنصرم، وهي انتفاضة يسارية رفعت شعارات ماركسية، لكنها سُحقت بأقصى درجات العنف من جانب سلطات عُمان بالتحالف مع إيران الشاه ومساعدة مؤثرة من جانب عدد من أجهزة المخابرات الغربية. ولولا «وردة» صنع الله إبراهيم  وتوثيقها -الفني طبعًا- لتلك التجربة النادرة، وهي محاولة القيام بثورة تحمل شعارات شيوعية وسط سكان الجبل والصحراء، لولا وردة لفاتننا لحظة تاريخية لم تتكرر، لاسيما أن أعداء تلك التجربة نجحوا إلى حد بعيد في محو تاريخها وإهالة التراب عليها.

caption

وهكذا فإن الهمَ السياسي والاجتماعي ليس حاضرًا فقط في أعمال الكاتب، بل هو الموضوع الأساسي. ومع ذلك لم يكن كاتبًا مباشرًا عالي الصوت، ولم يرفع شعارات زاعقة فارغة من المضمون، وتميز بروح ساخرة سخرية قاسية مُرّة كانت جزءًا من شخصيته الحقيقية وحياته في الواقع. وفي روايته «اللجنة» على سبيل المثال يبدو جليًا  فيها ذلك الملمح القاسي والفظ في سخريته، فهناك «لجنة» ما غامضة وغير معروفة لكنها تملك سلطات واسعة وتستطيع إلقاء القبض على الناس وحبسهم أو فرض العقوبات التي تراها، وهي هنا تستدعي البطل وتحبسه ولا توجه له أي اتهام واضح. اللجنة إذن سلطة أو محكمة أو سجن أو معسكر اعتقال (صحيح أن هناك تأثرًا واضحًا بأعمال فرانتس كافكا، لكن كافكا آثّر في عشرات الكتاب بوصفه صاحب رؤية واتجاه ووجهة نظر، وليس بوصفه كاتبًا يقلّده الآخرون).

caption

أما رواية «ذات» فقد تجسد فيها بأوضح ما يمكن ملمح التوثيق الذي اشتهر به الكاتب في أغلب أعماله بدرجات متفاوتة. وإذا كان قد استعان بتقنية التوثيق هنا وهناك، إلا أنه في «ذات» اعتمد عليها تمامًا. الرواية تحكي سيرة فتاة صغيرة من بنات الطبقة الوسطى المدينية، وهي الطبقة الوحيدة التي عرفها وكتب عنها، ويصحبها الكاتب في رحلة الحياة حتى الشيخوخة، ومن خلالها يرصد خروج الملايين للعمل في الخليج في ظل الانفتاح الاقتصادي الذي دمّر حياة الناس، وما أحاط بكل ذلك من تعقيدات وانقلابات. في ذلك السياق اختار الكاتب أن يكتب النص الروائي ويجاوره مباشرة وبموازاته نصًا توثيقيًا يعتمد على مانشيتات وعناوين الصحف الصادرة في الفترة التاريخية التي يكتب فيها نصه الروائي.

نجحت مغامرة صنع الله ومنحنا كل ذلك الفيض من الأعمال الروائية التي ستبقى طويلًا..  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن