تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
 في شهادة تأخرت 80 عامًا (1-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة

 في شهادة تأخرت 80 عامًا (1-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة

حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»

كتابة: محمود الورداني 13 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة. وهنا يضيف محمود الورداني حلقات جديدة إلى برنامج القراءة الذي اقترحه علينا، «شهود عيان»، والذي يختار فيه سيرًا ذاتية لكتاب شهدوا على الأحوال السياسية والاجتماعية لمصر في القرنين الماضي والحالي. يمكنكم قراءة حلقاته السابقة هنا، والمقدمة كاملة هنا

caption

ليس مفهومًا أبدًا لماذا تأخرت ترجمة هذا الكتاب (مذكرات توماس راسل حكمدار القاهرة/ 1902-1946) كل تلك العقود. لماذا غاب عن الباحثين، ومن أشاروا إليه أو اعتمدوا عليه، قرأوا طبعته الإنجليزية الصادرة عام 1949، ولم يخطر على بال أحدهم الدعوة لترجمته، على الرغم من استفادتهم القصوى منه، في أبحاثهم، بسبب انفراده بالتأريخ لفترة مفصلية، ليس في تاريخ البوليس المصري وحده، بل في تاريخ مصر أيضًا في أعقاب الاحتلال. إذا كان السبب أنه يحمل أفكارًا استعمارية (والعياذ بالله!) فقد ترجمت عشرات الكتب التي تحمل أفكارًا مختلفة، ومن الواجب ترجمة الكتب ذات الآراء والرؤى المخالفة، لذلك أميل إلى أن الغفلة هي السبب الوحيد.

وترجع أهمية ذلك الكتاب -الوثيقة- لأسباب عديدة. صاحبه هو توماس راسل. إنجليزي، ولد عام 1879 وتخرج في جامعة كمبردج، ثم التحق بالخدمة في وزارة الداخلية المصرية عام 1903 حتى عام 1946 بعد أن تولى منصب حكمدار بوليس مصر -أي القاهرة- وحصل على الباشوية عام 1918، ثم أصدر كتابه بعد تقاعده وإقامته في إنجلترا.

وحسبما يشير مصطفى عبيد مترجم الكتاب، كان العثور على إحدى النسخ في غاية الصعوبة، وكانت النسخة الوحيدة التي توصل إليها باللغة الفرنسية ومحفوظة في مكتبة وزارة الداخلية، مما دعاه لتحرير إعلان لشراء النسخة الإنجليزية عبر متجر «أمازون»، ووفَق بالنهاية في الحصول على الكتاب، لكنه اضطر للسفر إلى الولايات المتحدة للحصول على نسخته، وعكف على ترجمته ليٌنشر أخيرًا عن دار الرواق وتُطبع منه عدة طبعات في غضون عامين.

أود في البداية أن أشير إلى أن الفترة التي يتناولها راسل كان مسموحًا فيها لجنسيات مختلفة مثل الإنجليز والإيطاليين واليونانيين بالعمل في «الداخلية». عمل بعضهم «كونستبلات» أي أقل رتبة من الضباط، والبعض الآخر عملوا ضباطًا، وتولوا مناصبًا رئيسية مهمة، ووصل الكثيرون منهم إلى أرفع المناصب، بل أن فلبيدس بك، غير المصري، هو الذي أسس البوليس السياسي، وفقًا للمتهم الأول في قضية التآمر على قتل الجناب الخديو عام 1912، محمود طاهر العربي، حسبما ذكر في كتابيه «12 عامًا في السجون»، وقد أصدرت دار المحروسة طبعة جديدة منه عام 2019، و«هذا المجتمع الظالم»، الذي صدر بعد الكتاب الأول بـ27 عامًا، وفيهما كل التفاصيل المتعلقة بما سُمّي آنذاك «مؤامرة شبرا»، حيث تم القبض على المتهمين صغار السن، الذين كانوا أقلعوا تمامًا عن الفكرة الصبيانية التي تتسم بالبلاهة، ولعب فلبيدس بك من خلال عملائه الذين دسهم، دورًا في دفعهم للتورط لمجرد إيجاد قضية تبرر الأموال الهائلة التي كان يختلسها، وبسبب جشعه وغفلته أيضًا قبض عليه متلبسًا في قضية رشوة، وما لبث أن حُكم عليه بخمس سنوات والتقى بالمتهمين الأبرياء، الذين كان السبب بسجنهم وضياع مستقبلهم داخل السجن.

على أي حال، من المؤكد أن الاحتلال البريطاني كان له اليد الطولى في تأسيس وإدارة المؤسسة الأمنية الحديثة، ويذكر راسل أنه «اختير بعد تخرجه من جامعة كامبردج»، حسب تعبيره للعمل في مصر عام 1902 وتم تدريبه في إدارة خفر السواحل، ومقرها في قلعة المكس في الإسكندرية، ويؤكد أنها كانت فترة مفيدة وإن كانت شاقة. ومنها انتقل للخدمة في قسم اللبان في الإسكندرية، الذي كان يضم بيوت الدعارة المرخصة، وفي الفترة من 1903 إلى 1911، كان نائبًا مفتشًا ثم مفتشًا في المحافظات، ومن 1911 حتى 1913 كان مساعدًا لحكمدار الإسكندرية ثم حكمدارًا للقاهرة.

أفكاره وأفكار الاحتلال

يُفصح راسل عن أفكاره منذ الصفحات الأولى، وينقل عن اللورد كرومر أكثر المعتمدين البريطانيين رجعية وجلافة، وكان الحاكم بأمره في سنوات الاحتلال الأولى، ينقل أن الاحتلال نجح منذ عام 1904 في «إعادة الانتعاش المالي لمصر وفي تحقيق إنجازات هندسية كانت ضرورية لرفاهية البلد». الرجل إذن مستعمر تقليدي لا يرى في الاحتلال إلا كل خير وبركة، ولا يلفت نظره إلا نظام الامتيازات الأجنبية، وبموجبها لا تطبق القوانين على الأجانب، بل ولم يكن مسموحًا بالقبض على أي منهم إلا بحضور قنصله، وهو ما عطّله وأعاق عمله كثيرًا.

توماس راسل

وقبل أن يتناول تفاصيل عمله كضابط بوليس، يخصص فصلًا كاملًا للفلاحين، وعنوانه بالغ الوضوح «الفلاحون». ويؤكد أن أكثر الجرائم انتشارًا هي القتل وفق الإحصاء الذي يورده خلال الفترة من 1940 إلى 1944، فيما الثأر هو الدافع الأول للجريمة. ومن الأمور الكوميدية أن يطالب راسل بـ«نوع من التعليم وتحسين الحياة الاجتماعية للفلاحين حتى يمكن القضاء على فرديتهم»، ولا يفوته أن يشير إلى تدني مستوى صحة الفلاح بسبب إصابة 85% من الذكور بالبلهارسيا والإنكلستوما، خصوصًا بعد الانتقال إلى نظام الري الدائم في الصعيد، بسبب مشروعات الري والسدود الجديدة، وينتهي إلى القول: «حتى يتم تحرير الفلاحين من تلك الأمراض، فإنهم سيظلون في وضعهم الحالي من الخمول ورغبتهم الضئيلة وعدم القدرة على التغير أو التحسن». ويضيف أن «محو أسباب الخمول سيجعل الفلاح عنصرًا مهمًا في حياة بلده أكثر بكثير من مجرد حارث للتربة. لقد تعلم الفلاح مؤخرًا كثيرًا من الأمور، وإذا استطاع محو فرديته واتحد مع إخوته بهدف واحد سيكون له دور عظيم جدًا في المستقبل».

وأظن أن ما كتبه راسل لايستحق عناء الرد عليه، وآراؤه تعد استعمارية كلاسيكية، وقد ظل عرابو وممثلو الاحتلال يرددونها منذ عام 1882، كما أنها ظلت جزءًا رئيسًا من المنظومة الفكرية التي حكمت بمقتضاها الامبراطوريتان الكبريان الإنجليزية والفرنسية العالم طوال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.

  أيام المفتش

وتتوالى بعد ذلك الفصول التي يسرد من خلالها الوقائع المحددة التي شارك في صنعها كمفتش للبوليس، أو كان شاهدًا عليها على هذا النحو أو ذاك. يؤكد راسل أنه خدم في جميع نقاط الشرطة من أسوان إلى الإسكندرية، ويعتبر نفسه الوحيد الذي حقق رقمًا قياسيًا في ذلك الخصوص، لم يحققه إنجليزي أو مصري في خدمة الحكومة المصرية.

لايغيب عنه حياة الريف القاسية الخشنة والفوارق الهائلة بين ملاك الأراضي والفلاحين. الفلاح جزء من التربة على حد تعبيره، يغادر مع ماشيته إلى الحقل في الشروق ولا يعود إلا في الغروب. على رأس كل قرية العمدة ممثل الحكومة، يليه شيخ البلد، والمسؤول عن تحصيل الضرائب، والحلاق ممثل وزارة الصحة، والمراكبي في القرى الواقعة على النيل. أما أهم ابتكار يشير إليه بإعجاب فهو تأسيس فئة حملة الجمال السودانيين للتعامل مع جرائم سرقة الماشية والسطو المسلح عام 1906 وهي الجرائم الأكثر انتشارًا.
كذلك يشير إلى أن قوة الشرطة في كل مركز تختلف طبقا لمساحته، فلو كانت مساحته كبيرة يضم عشرة فرسان وعشرة آخرين من المترجلين، يعملون متطوعين لمدة خمس سنوات، ويُختارون ممن أنهوا الخدمة العسكرية في الجيش، وغالبًا يكونون أميين ويتقاضون ثلاثة جنيهات شهريًا.

ويضيف أن عمل الشرطة لم يكن مقصورًا على منع الجريمة أو توقعها فقط، بل أيضًا المساعدة وتوجيه أعمال إدارات الحكومة الأخرى، وخصوصًا في الظروف الصعبة، مثل أوقات فيضان النيل أو أثناء تفشي الأوبئة، سواء تلك التي تصيب الإنسان أو الماشية، أو في حال انتشار دودة القطن، أو في الصحراء لتنظيم قوات تكافح الجراد وقتله في المهد.

وعلى سبيل المثال أضطر لأن يمضي 36 يومًا في رحلة على ظهر جمل في الواحات الغربية عام 1906 مع المفتش العام للألغام أثناء العمل الاستطلاعي لشركة الواحات الغربية، وخدم في الوجه البحري والقبلي، وأمضى بعض فصول الشتاء حول بحيرات المنزلة والبرلس، وتمتع في رحلاته بصيد الغزلان والأرانب البرية والطيور المتوحشة، وبالطبع لا يذكر مطلقًا ما فعله زملاؤه من الضباط الإنجليز في دنشواي ممن كانوا يتسلّون بصيد الحمام وقتل الفلاحين. ليس هناك أي ذكر لمحكمة دنشواي ووقائعها، التي جرت في تلك الأثناء، لكنه كان حريصًا على أن يسجّل زيارته للتل الكبير حيث كانت المعركة الكبرى بين جيش الاحتلال وقوات أحمد عرابي عام 1882، ويرى آثار العجلات الحربية وبقايا البنادق على الرمال.

من جانب آخر، يخصص فصلًا للفترة التي خدم خلالها في الصحراء، ويشير إلى أن العمدة الذي تعيّنه الحكومة بلا راتب كان يحتل أعلى منصب بين القبائل العربية، وهي قبائل تمتد فروعها وتنتشر ليس في الصحراء الشرقية فقط، بل لها أصول في فلسطين وشبه الجزيرة العربية، ويسود فيها القانون البدوي وحده. أما الجرائم الأكثر انتشارًا فهي سرقة الماشية والحصول على فدية قبل إعادتها. واستعان راسل بقصاصي الأثر الذين يتم جلبهم من قبيلة البشارية، وهم أفضل قصاصي الأثر وأكثرهم مهارة.

راسل باشا الصياد

من بين ما يذكره بالفخر تأسيسه عام 1907 لفرقة الهجانة السودانية، وعمله معها في الشريط الضيق على جانبي النيل في الوجه القبلي على أطراف الصحراء. ومرة أخرى يورد غزواته هنا وهناك لاستتباب الأمن وضبط الأسلحة المهّربة. لكن ما لا يغفل عنه مطلقًا هو حكاياته ومغامراته، التي لا تنتهي في الصيد، إحدى أكثر الهوايات قربًا إليه، ولم يكف عن انتهاز الفرص للقيام بها، في رحلات تستمر أيامًا في أراض بكر لم تتعرض بعد لعدوان الإنسان، وكان يصطحب معه بعض البشارية أو البدو كخبراء وأدلاء.

الصحراء -كما يؤكد راسل- لعبت دورًا مهمًا في حياته خلال سنوات خدمته الطويلة، ومن الغريب أنه هوى أيضًا صيد الثعابين، وعندما تعرّف على «موسى» أشهر حاو للأفاعي في الأقصر، اصطحبه معه في زيارة للقاهرة، وأمضى معه أسبوعًا يصطادان الثعابين في أحراش القاهرة. كذلك تعرّف على الحاج احمد أحد أهم مروضي الأفاعي في القاهرة، وعلى مدى سنوات طويلة، رافقه بسيارته إلى أماكن يحرص على أن يختارها هو ليتعلم منه أسرار ترويض الأفاعي.

والمعلومات التي يوردها فيما يتعلق بالصيد وترويض الأفاعي بالغة الدقة، مثل أنواع الثعابين المصرية التي يبلغ عددها 27 نوعًا وأماكن وجودها وكيفية استدراجها. أكثر من ذلك، تتبع حياة بعض المشايخ والرفاعية المشتغلين بالمهنة، وتوغل في الطرق المختلفة التي يتعين على المريدين السير فيها لتلقي الأسرار من المشايخ .

يخصص أيضًا فصلًا مهمًا عن الإسكندرية، التي عمل بها كنائب للحكمدار عام 1911، وكان الحكمدار وعدد آخر من مرؤوسيه المباشرين إنجليز أيضًا، فقد انفرد الضباط الإنجليز وحدهم بالمناصب الرئيسة. وخلال العامين اللذين خدم فيهما في المدينة الكوزموبوليتنانية عاش أحداثًا يسجلها بدقة، مثل موكب المحمل وهو في الطريق إلى الميناء لإرساله إلى مكة، وبعض الاضطرابات التي وصلت إلى حد إطلاق النار بين الأحياء المختلفة، بسبب تمتع الأوروبيين في أحيائهم بالامتيازات الأجنبية، وبموجب تلك الامتيازات لا تستطيع الشرطة الاقتراب من حاملها الأجنبي إلا في وجود قنصله .

وفي عام 1913 نُقل إلى القاهرة نائبا لحكمدار القاهرة تحت رئاسة هارفي باشا، الذي حارب كملازم أول في معارك التل الكبير عام 1882، التي أفضت إلى احتلال عسكري استمر أكثر من 70 عامًا. هنا التقى بأهم شخصية، ويذكر بالتفاصيل ما جرى بينه وبين من يدير مكتب البوليس السياسي الذي كان حريصًا على عدم ذكر اسمه واكتفى بالقول «شخص شامي» كانت علاقته قوية بهارفي باشا.

من المثير للدهشة أن يكون هذا الشخص قادرًا على ارتكاب كل جرائم الفساد والرشوة، التي يذكرها راسل في ظل الإدارة الحازمة والمنضبطة لهارفي باشا التي يطنب في ذكرها بل ويتغنى بها، غير أن مدير المكتب السياسي كان خبيرًا لا يشق له غبار في الإفلات من القبض عليه، وفي إدارة مكتب البوليس السياسي بكل ما يمثلّ من ثقل ونفوذ، والحصول على إتاوات باهظة من موظفين ومتعاملين مع مؤسسات وهيئات. وبعد مغامرات يسردها راسل بكل دقة أمكن القبض على المرتشي هو وزجته متلبسين، وعوقب بالسجن خمس سنوات، كما عوقبت زوجته بالسجن سنة واحدة.

أود هنا أن أشير إلى التماثل الذي يصل إلى حد التطابق بين حادثة راسل باشا وحادثة أخرى وردت في كتابي محمود حسني العرابي السابق الإشارة إليهما. الحادثتان وقعتا في وقت متقارب في غضون عامي 1912 و1913. وإذا كان راسل باشا يحرص على إخفاء اسمه فإن العرابي يذكر أنه فلبيدس بك، وكلاهما -العرابي وراسل- يذكران جرائم الرشوة والفساد اللذين طالما ارتكبها مدير المكتب السياسي، والقبض عليه متلبسا ومحاكمته هو وزوجته وإدانته بالسجن خمس سنوات وزوجته سنة واحدة.. لذلك أظن أنهما الحادثة نفسها، وكل ما في الأمر أن راسل تجنب ذكر اسم المدير لسبب ما.

وش البركة والوسعة

أما الفصل التالي «مجتمع القاهرة السفلي» فقد كان المرجع الأساسي الذي اعتمد عليه الدكتور عبد الوهاب بكر في كتابيه المهمين. وعموما فإن كتاب راسل باشا في طبعته الإنجليزية مذكور مرارًا وتكرارًا، فضلًا عن تقارير راسل السنوية التي كان حريصًا على كتابتها بكل دقة، وما زالت محفوظة في أرشيف الداخلية. وقد أصدر بكر مرجعين أساسيين في هذا الجانب ولم يتم تجاوزهما بعد، وهما: «مجتمع القاهرة السري» الصادر عن دار العربي عام 2001 و«الجريمة في مصر»، الصادر عن دار الكتب والوثائق ضمن سلسلة مصر النهضة عام 2005 .

في هذا الفصل الذي مضى على كتابته 80 عامًا يصحبنا راسل إلى مجتمع القاهرة السري الذي انقسم إلى مكانين رئيسيين: «وش البركة» و«الوسعة». تاريخيًا ترجع أصول الأول للفترة المملوكية. وفي القرن الثامن عشر كانت «وش البركة» هي شارع كلوت بك والمساحة المواجهة لشارع الموسكي، وتشكّل جميعها الحي الأوربي بفنادقه وقناصله. زوار الحي كانوا يأتون من الإسكندرية في مراكب ويهبطون في ميناء بولاق ويسيرون «عبر حقول الفول وحدائق الفاكهة» إلى فنادق الأزبكية. غير أن «وش البركة» أصابها الوهن وفقدت ما كان يميزها من جمال وهدوء، وصارت حي العاهرات الأوربيات.

ويضيف راسل أن «وش البركة» في الفترة التي يتناولها كانت «أكثر صيتًا» من «الوسعة» باعتبارها منطقة دعارة، على الرغم من أنها لم تكن مرخّصة رسميًا، لكن سكانها من النساء الأوربيات الحاصلات على رخصة ممارسة البغاء باستثناء البريطانيات (طبعا!)، وقد حظرت السلطات منحهن تلك الرخصة في مصر.

المكان الثاني هو «الوسعة». حتى عام 1916 حسبما ذكر راسل، كان يحكم الوسعة ملك غير متوج، وهو «نوبي سمين يُدعى إبراهيم الغربي، الذي كان يُرى كل مساء جالسًا واضعًا ساقًا فوق الأخرى على إحدى الدكك الخشبية أمام أحد منازله في شارع عبد الخالق ثروت، وكان يرتدي ملابس نسائية وغطاء شعر، يجلس صامتًا كصَنَمْ أسود، وفي بعض الأحيان يرفع يدًا مثقلة بالمجوهرات لأحد المارة ليقّبلها بإعجاب». ويضيف راسل: «كان لهذا الرجل نفوذ عجيب في هذا البلد. وذلك النفوذ لم يقتصر فقط على عالم البغاء، إنما تعداه إلى عالم السياسة ومجتمع الصفوة. لقد كان شراء النساء وبيعهن كسلعة في القاهرة وباقي المحافظات لا يتم دون إذن هذا الغربي ورأيه».

وفي ذلك العام نفسه كانت القاهرة مزدحمة بآلاف من جنود بريطانيا العظمى في ذروة معارك الحرب العالمية الأولى، وقرر حكمدار القاهرة هارفي باشا اتخاذ إجراءات حاسمة «لتنظيف المناطق المتخمة بالعاهرات والمخنثين»، ممن ينتشرون دون تراخيص رسمية. ومن بين إجراءات هارفي استصدار أمر عسكري بإقامة معسكر إيواء في الحلمية لاحتجاز النساء. وخلال ليلتين تم احتجاز ما يقرب من 100 فتاة. ولاحظ راسل -الذي كان نائبا للحكمدار آنذاك- أن نساء إبراهيم الغربي لسن موجودات. ولما كان يعلم أن هارفي باشا لا يعمل حسابًا لنفوذ وقوة أي شخص حتى لو كان الغربي، بادر في اليوم التالي بسؤال هارفي ببراءة عما إذا كان إبراهيم الغربي مستثنى من الإجراءات، وفوجئ بأن المسؤول الكبير لا يعلم شيئًا عن الغربي ومملكته، واستُفز الرجل وأمر بضبط وإحضار الغربي. وبالفعل جاءوا بالغربي بزيه المعروف: ملابس نسائية بيضاء وأساوره الذهبية تشخلل، وتم إيداعه في معسكر الحلمية بجوار فتياته.

ويواصل راسل أنه كان يعلم أن الغربي يحتفظ في بيته بآلاف الجنيهات والمشغولات الذهبية، فأمر بوضع حارس. ومرّ بالمنطقة بعد يومين ووجد إحدى فتيات الغربي، ويبدو أنه كان من السهل التعرف عليهن. سألها عن الغربي ولماذا لا يجلس في مكانه المعتاد، فأجابته بكل ثقة أنه سافر لبلدته لسبب طارئ، وطلب من الحكومة حراسة ممتلكاته خلال الفترة التي يغيبها.

على أي حال أمضى الغربي عامًا في معسكر الحلمية، وأعيد إلى بلدته. وبعد سنوات قُبض عليه بسبب استمراره في النشاط نفسه، وأدين وصدر ضده حكم بخمس سنوات، ومات أثناء سجنه.

وفي «وش البركة» -كما يضيف راسل- حيث تعمل العاهرات الأوربيات وقواديهن، كانت هناك دائمًا صعوبات ومشاكل بسبب خوف العاهرات من تعرضهن لإيذاء القوادين، الذين دأبوا على التهديد بتشويه وجوههن، فامتنعن عن تقديم الشكاوى ضدهم. والأهم أن بيوت البغاء كان يديرها أوربيون، ويتمتعون بالامتيازات الأجنبية، وكما كتب: «لم نستطع أنا ورجالي الاقتراب من أحد البيوت بسبب التغير الدائم لجنسية القوادة، وذلك لأن الشرطة لم يكن في إمكانها دخول بيت أجنبي بدون إذن وحضور القنصل الخاص بذلك الأجنبي أو من ينوب عنه. وأتذكر أننا عندما وصلنا إلى (أحد البيوت) ومعنا مندوب القنصل الفرنسي للتفتيش على الرخصة لجى القوادة الفرنسية التي تدير البيت، انفتحت شراعة البيت وسمعتُ صوتا أجشًا يقول لنا إن مدام يوفانا باعت البيت إلى مدام جنتيلي الإيطالية، التي من دون قنصلها لا نستطيع دخول البيت».

ويضيف: «في الأسبوع التالي ذهبنا إلى البيت ومعنا مندوب القنصل الإيطالي لنقابل تغييرًا جديدًا في جنسية مديرة البيت. وقمتُ من خلال مأمور القسم في إحدى المرات بسبع محاولات نغيّر فيها مندوبي القناصل حتى نتمكن في النهاية من إنفاذ القانون وهزيمة العاهرات!!». علامات التعجب من عندي.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن