تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
في حُب ميدان الجامع

في حُب ميدان الجامع

#80 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: بيسان كساب 5 دقيقة قراءة

#جو عام 

عُدنا بعد توقف ويك إنديين، ونخصص ديتوكس #80 للتسوق، لكنه تسوق مختلف حيث تطوف بنا بيسان كساب في «ميدان الجامع» قبلة سُكان مصر الجديدة كل ويك إند لشراء كل شيء، كاشفةً عن أسباب محبتها لهذا المكان حيث تكون الأولوية للمشي على الأقدام وليس لحركة المرور، ولنقرأ عن هذا الحُب. 

#دليل

لا يمكن تحديد ذكرى بعينها تربطني بميدان الجامع، فحياتي الأسرية تتخللها على الدوام إجابات من قبيل «مِن ميدان الجامع» ردًا على أسئلة «جبتيها منين؟»، وهي أسئلة وإجابات تدور حول كل شيء تقريبًا. أما الذكرى الأبعد فهي خيوط التريكو الزاهية التي كانت أمي تنسج منها كنزات مُبهرة، والكانافاه الذي كانت تحوكه بشغف نادر، ويرجح كذلك أن تكون جدتي التي كانت تنسج الكروشيه بمهارة قد اعتادت جلب مستلزماته من ميدان الجامع. «أُمال يعني هتجيبها منين؟» تجيبني أمي ببساطة، مُشيرة إلى مُسلمة بديهية: من أين يمكن للمرء أن يتحصل على احتياجاته إلا من ميدان الجامع؟

شارع هارون الرشيد

هُنا يمكنك ممارسة الحياة في هليوبوليس أو بعبارة أخرى يمكنك ممارسة «الحق في المدينة» في ميدان الجامع؛ أرصفة واسعة تذكرك بحقك الطبيعي في المشي، تجد موطئًا لقدميك، ويكون لهما الأولوية في المجال العام على حساب حركة السيارات التي كانت هدفًا لخطة تشييد كوبري لتسيير المرور في شارع صلاح الدين القريب من الميدان، ويجاور هذا الكوبري كنيسة البازيليك، لكن الله سلم وأُلغيت هذه الخطة.. لذا امش بكسل في ميدان الجامع، فأنت لست ضيفًا ثقيلًا على المجال العام، هنا على الأقل. بل لن تجهد مهما حملت من مشتريات، وذلك لأن التسوق هُنا لا يستدعي التعب، بل التجول الكسول الرائق الواثق، ولن تربكك إلا سيارتك، لكن انساها الآن، فالأولوية هُنا للمشي وليس للسيارات وكباريها.

هُنا أمارس عادات العائلة، ويمكنني فتح حوارات لا نهائية مع أفرادها حول نصائحهم في البحث عن أي شيء أحتاجه - وغالبًا لا أحتاجه. في واقع الأمر، لا أتصور أن ما يقودني إلى ميدان الجامع الحاجة لشراء هذا الشىء أو غيره، وإنما هي الحاجة للمكان نفسه، للتشبث بهليوبوليس المُهددة، والأسى غير المبرر على ما فات، أُعيد اكتشافه في أيام الجُمع بالذات، كما عدتُ من قبل للطواف حول الميريلاند. 

الصورة: بيسان كساب

تذكر أن ميدان الجامع موجود قبل أن تعرف «ايكيا» بعقود، لكن الأول هو نموذج لتسوق مُشمس وأفقي لا تحتاج فيه لاستقلال سلم كهربائي أو مصعد، وتسوقك سوف يتضمن مشتريات من الخضراوات والفواكه الطازجة واللحوم والطيور والأسماك. وستجد هُنا سلعًا تشجع على التجول اللانهائي، أغلبها مرتبط بالراحة المنزلية، بدءًا من اكسسوارات الحمامات والمطابخ ومقابض أبواب الشقق والدواليب ووحدات الإضاءة والبراويز والمرايا، وكل تلك التفاصيل الدقيقة المُرتبطة بالمطابخ والستائر التي يصعب حصرها والسلال الأنيقة من الخوص متعددة الاستخدامات، وصولًا إلى خيوط المكرمية، فضلًا عن محلات الخردوات حيث يمكنك أن تجد كل شيء تقريبًا، وللمفارقة فـ«كل شيء» هو اسم أشهر محل للخردوات في ميدان الجامع. 

الجامع وميدانه قديمًا كما يظهران في كتاب «ذكريات مصر الجديدة» الصادر في 2005

سمّي الميدان بهذا الاسم نسبة لأقدم جامع بالحي المُشيد في 1911، والذي يُعرف الآن بجمال الدين الأفغاني. وقد أفلت الميدان من قبضة «التطوير» حتى الآن، فيبدو كمنطقة مُحررة بين منطقتين فرضت عليهما إرادة «التطوير»؛ شارع الأهرام الذي اتسع للغاية بعد إزالة خط النزهة في مترو مصر الجديدة منه -الذي كان يومًا ما وسيلة مواصلات مثالية تربطني بجامعة عين شمس، وشارع أبو بكر الصديق الذي نُزعت منه مئات الأشجار ورشق في قلبه كوبري تسبب في حوادث دهس المُشاة، لأن المنطقة ببساطة لم تعد ترحب أصلًا بفعل المشي بعكس ميدان الجامع.  

 

caption
تصوير: كتاب «ذكريات مصر الجديدة»

                                  

كما تمثّل هذه المنطقة المُحررة جيبًا ذا طابع شعبي في قلب الحي الراقي، لا فقط بسبب طبيعته كسوق دائم وإنما بسبب خلفيتها التاريخية كمنطقة كانت تضمّ مساكن عمال شركة مصر الجديدة في أوائل القرن العشرين، كما يروي كتاب «ذكريات مصر الجديدة» (2005، السفارة الفرنسية بالقاهرة). يخبرنا فتحي درويش، وهو سباك وُلد في 1920 بشارع هارون الرشيد وهو الشارع الرئيسي في ميدان الجامع أو «عزبة المسلمين» كما أُطلق عليها سابقًا، بأنه عمل كثيرًا «في مواقع بناء مصر الجديدة ... سواء في الفيلات الأنيقة أو في عمارات العزبة.. كانت العزبة حيًا شعبيًا غالبيته من المسلمين، شُيّد في الأصل لعمال (شركة واحات هليوبوليس) وقد كان جزءًا منه مُحاطًا بسور. وهناك بالحي، مجموعة منازل يُطلق عليها البلوك كان يسكنها بصفة خاصة عمال أجانب بلجيكيين وإيطاليين كانوا أكثر يسرًا من الآخرين». 

كما يروي درويش أن الإيجارات لم تكن تتجاوز «الخمسة وسبعين قرشًا، كان هناك دورتان للمياه إحداهما للرجال والثانية للنساء تستخدمهما عشر شقق، وكان السكان فقراء وقليلي التعليم ويعيشون في اختلاط كبير، ومع ذلك كان التآزر عظيمًا، فكنّا نعرف بعضنا بعضًا، وكانت الأم التي تحمم ابنها تحمم معه أيضًا أبناء الجيران، وكان الجميع يجتمعون لتناول الوجبات حول مائدة قصيرة في فناء المنزل».  

لكن تلك الحياة الوادعة عصفت بها الحرب العالمية الثانية حين «أُعلن أن الإيطاليين هم رعايا في حالة حرب ضد بريطانيا» بحسب رواية راوٍ آخر في «ذكريات مصر الجديدة» وهو شفيق شمّاس. وقت هذه الحرب، كان يعيش عدد كبير من الإيطاليين في تلك المنطقة، «أحببنا هذه الجالية التي ضمّت ما بين مائة إلى مائة وخمسين عائلة أقمنا معهم علاقات وطيدة ... ولكن عند إعلان الحرب، رأينا معسكرًا للاعتقال -كما كنّا نطلق عليه- يُشيد في أرض فضاء في مواجهة [كنيسة] البازيليك، وهو عبارة عن أكواخ خشبية مُخصصة لاستقبال الطابور الخامس لمصر الجديدة» بحسب شماس الذي يروي كيف عمل أمهر المعتقلين في خدمة الضباط الإنجليز الذين كانوا قائمين على حراسة المعسكر والذين كانوا يقطنون في شارع بيروت، و«كنّا نراهم [الإيطاليين] وهم يعبرون شارع البارون بخطى سريعة دون توجيه أي كلمة لمَن يتعرفون عليه لتفادي أي مشكلة».

لكن الميدان بصورته الواردة في «ذكريات مصر الجديدة» تغيّرت في 1956 حين عرضت الشركة الحي بأكمله للبيع، مما جذب سكانًا جُددًا، قرروا هدم السور، بمساعدة الشرطة، كما يقول درويش في الكتاب. لكن لا تزال البلوكات باقية، فلو رفعت نظرك قليلًا عن مشترياتك المُحتملة سوف ترى تلك البلوكات بصورتها الأفقية المميزة. 

#وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن