تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
في أوراق د. محمد أبو الغار: شهادة على لحظات ما قبل الانهيار

في أوراق د. محمد أبو الغار: شهادة على لحظات ما قبل الانهيار

الحلقة التاسعة من برنامج قراءة «شهود عيان»

كتابة: محمود الورداني 13 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.

راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضًا أهم الأحداث.

راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى. 

في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الثانية مذكرات هدى شعراوي، وفي الثالثة «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، و«مذكرات عريان يوسف سعد» أقدم سجين سياسي في الرابعة. أما في الخامسة والسادسة تناولت مذكرات خالد محيي الدين، ثم مذكرات رفعت السعيد في السابعة. وفي الثامنة، كتاب نادية كامل «المولودة»، عن مذكرات والدتها نايلة كامل. وهنا اخترتُ مذكرات محمد أبو الغار «على هامش الرحلة» التي تكشف عن جوانب أخرى ولم تكن محل اهتمام غيرها من المذكرات التي تناولت الفترة نفسها.

caption

  لم ينتم د. محمد أبو الغار يومًا لحزب سياسي علني، أو منظمة سرية يمينية، أو يسارية، كما ظل حريصًا على ألا يتقلد منصبًا رسميًا. صحيح أنه صاحب إنجازات كبرى وعالمية، في مجال تخصصه العلمي (أطفال الأنابيب) لكنه لم يتطلع يومًا لهذا المنصب أو ذاك، وظل بعيدًا، واختار أن يبقى في الظل، ورفض بكل هدوء أي محاولة لاجتذابه هنا أو هناك، على الرغم من خوضه عددًا من المعارك المهنية من أجل استقلال الجامعة مثلا.

من هنا تحديدًا، تكتسب أوراقه أهمية خاصة. هي أوراق شاهد عيان، يتحدث فيها عن تجربته الخاصة بكل صدق ووضوح. شاهد عيان لم يتأثر أو يرتبط بأي انتماء سياسي.. كان مجرد واحدٍ من الناس. ابن أسرة متوسطة بعيدة عن الضجيج والصراع والتكالب والخطف، لديها قناعاتها وقيمها، التي تتعلق بالشرف والضمير والانحياز للعدل، بلا أي تشنج أو زعيق.

  أعتمد هنا في قراءة مذكراته على الطبعة الأولى، من كتابه «على هامش الرحلة»- هيئة الكتاب- 2003، وقدّم هذه الطبعة الروائي الراحل الطيب صالح. 

  على الرغم من أصوله الريفية (شبين الكوم - منوفية) إلا أنه إبن مدينة بجدارة، وبالتحديد القاهرة، بل ووسط القاهرة تقريبًا، حيث أمضى سنوات عمره بين باب اللوق،، وجاردن سيتي وقصر العيني، وكان أقصى مكان ابتعد إليه الدقي. وفي الوقت نفسه، ولأسباب علمية، سافر إلى أغلب دول العالم في القارات المختلفة، ودرس في أكثر من جامعة، للحصول على أعلى الشهادات من جامعات العالم المرموقة، في التخصص الذي اختاره، وأسس بموجبه واحدًا من أهم المراكز الطبية في الشرق الأوسط، وهو المركز المصري لأطفال الأنابيب.

شهادة الفقر

  تكاد عائلة أبو الغار، أن تنفرد باهتمامها، في ذلك الوقت المبكر، أي أربعينيات القرن الماضي، بحرصها على تعليم أولادها وبناتها. جده لأبيه من المشتغلين بتجارة القطن في شبين الكوم، وجده لأمه عمل وكيلًا لشركة ماركوني الإيطالية للاتصالات اللاسلكية بالسويس، وكانت السويس آنذاك ميناءً، تلتقي فيه مختلف الجنسيات، وتتميز بالانفتاح على الدنيا.

ويؤكد أبو الغار، الذي ولد عام 1940، على اهتمام العائلتين بتعليم الأبناء والبنات، في وقت لم يكن التعليم منتشرًا، فقد تعلموا جميعًا، وتخرج والده في كلية التجارة، وترقى في سلك العمل المحاسبي، حتى تولى رئاسة بنك التسليف. وشأنه شأن أبناء المدن، تلقى أبو الغار، تعليمه في عدد من المدارس القاهرية. يستعيد أيامه وذكرياته في قاهرة منتصف القرن الماضي، من بينها مثلًا مدارس ذلك الزمان الابتدائية، حيث كان كل تلميذ يحصل على وجبتين غذائيتين، إحداهما وجبة ساخنة باللحم! ولا يزيد عدد التلاميذ في كل فصل عن خمسة وثلاثين تلميذا، ومهمة المدرسة هي التعليم وتقوم بمهمتها خير قيام. صحيح أنها كانت بمصروفات تُسدد على قسطين كل عام، لكنها كانت مؤسسات تعليمية حقيقية.

  من جانب آخر، كان من بين المستندات المطلوبة من التلاميذ الفقراء، «شهادة فقر» رسمية، يمكن بموجبها إعفاؤهم من المصروفات، وكانوا يتعرضون للإحراج بسبب ذلك، بالنداء عليهم في طابور الصباح. ومع ذلك فقد كانت هناك جمعيات وأشكال لاحصر لها، من النشاط الرياضي والفني والثقافي.

  أما يوم 23 يوليو عام 1952  فقد كان عمره لايتجاوز الثانية عشرة، وهو يتذكره جيدًا، ويتذكر التأييد الشعبي الكاسح للانقلاب، ثم يتوقف قليلًا عند فترة دراسته الثانوية في واحدة من أعرق المدارس، هي مدرسة الإبراهيمية الثانوية. وفيها بدأ إدراكه ووعيه لما يدور، وشعر بالتوتر السياسي بين الطلبة المؤيدين لـ«الإخوان المسلمين»، والطلبة الذين انضموا لـ«هيئة التحرير»، وهي أول تنظيم سياسي شكّله الضباط، وكان يرفع شعار الاتحاد والنظام والعمل، وكان الطلاب الذين بادروا بـ«ركوبه» يتخاطفون أي فتات أو خدمات مجانية، وهم بالطبع من شكّلوا القوام الأساسي، لتنظيمات نظام يوليو التالية، مثل «الاتحاد القومي» و«الاتحاد الاشتراكي»، وصولا للحزب الوطني الذي ترأّسه السادات في سبعينيات القرن الماضي، «وهم الذين» قادوا حركة الفساد الضخمة داخل نظام الحكم المصري بعد اعتلائهم مختلف المناصب»، حسبما ذكر.

في خلية إخوانية

  تعرض أبو الغار، آنذاك لمحاولة لضمه لإحدى خلايا «الإخوان المسلمين» بمدرسة الإبراهيمية. وفي الاجتماع الثاني والأخير انفضّت الخلية، وأبلغهم مسؤولها بتوقف الاجتماعات بسبب أحداث عام 1954 العاصفة، واندلاع المظاهرات بسبب تباطؤ الضباط في تسليم السلطة والعودة للثكنات (ويمكن الرجوع للحلقة التي تناولتُ فيها مذكرات خالد محيي الدين «الآن أتكلم»، حيث أورد كافة التفاصيل الخاصة باضطرابات عام 1954).

على أي حال، انتهت أحداث عام 1954 بالقبض على الآلاف من «الإخوان المسلمين»، بعد التخلص من الأحزاب القديمة، واعتقال الشيوعيين، وبقيت «هيئة التحرير» وحدها في الساحة، وهو وضع بالغ التردي، أسهم وأسس لفساد سياسي استمر طويلًا، بتفريغ الحياة السياسية من السياسة. ومنذ تأسيس «هيئة التحرير» ثم ما تبعها من تنظيمات السلطة، انضم إليها كل من أصبحوا بعد ذلك مسؤولين متنفذين، كالعمداء، والوزراء، والمعتلين للمناصب الكبرى كافة.

  كتب أبو الغار: «انقسم جيلنا إلى قسمين، أكبرهما التكنوقراط التي تعلمت واستفادت من المدارس والجامعات والفرص والبعثات، التي أتاحتها الثورة لعامة الشعب، ومعظم هؤلاء نسوا تماما قضية الوطن والمستقبل والتفكير في مصر، ولم يجذبهم أي تيار، فلاهم انجذبوا للفكر اليساري الذي سيطر في تلك الفترة، ولا كانوا من دعاة اليمين وحرية الاقتصاد، ولم يهتموا أبدا بحرية الرأي والفكر، ويضيف: «هكذا كبر جيل كامل تربى في أحضان الثورة، بل هو جيل الثورة الحقيقي في انقطاع تام عن الفكر والمعرفة والتاريخ الذي سمعه وقرأه من وجهة نظر أحادية. وهذا هو الجيل المتربع الآن -الكتاب صدرت طبعته الأولى عام 2003- على قمة الهرم في السلطة».

  أود هنا أن أضيف، أن ماذكره وانتبه إليه أبو الغار، هو بالتحديد خطيئة نظام يوليو وأحد أهم أسباب انهياره، وخصوصا بعد كارثة يونيو 1967. وفي الوقت الذي كان النظام يقوم فيه بإجراءات وتغييرات حاسمة، لصالح الطبقات الشعبية، مثل التأميمات وبناء اقتصاد وطني وإجراءات أخرى عديدة، استهدفت تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، كان حريصًا أيضًا على تفريغ الحياة السياسية، وتجريم الاختلاف، لتخريج أجيال فاسدة، أو على الأقل حريصة على تجنب السياسة، إلا السياسة التي يرتضيها نظام يوليو من خلال التنظيم السياسي الوحيد.

 موسى صبري شنودة

  على سبيل المثال، كانت أول انتخابات برلمانية بعد استيلاء الضباط الأحرار على السلطة مهزلة، وبسبب سكن أسرته في «باب اللوق»، أي في دائرة قسم قصر النيل، ذهب للفُرجة على ما يجري، بعد أن وصله منشور انتخابي، يفيد أن المرشح - كان الصحفي موسى صبري- سيعقد مؤتمرًا انتخابيًا في مقهى مجاور لبيته. بعد وصول صبري للمقهى، وقبل أن ينطق بحرف واحد ليتحدث عن برنامجه الانتخابي «اعتلى شخص آخر تنم ملامحه عن البلطجة ترابيزة، ووقف يزأر بصوت جهوري عال: السيد موسى صبري شنودة هذا خائن للوطن، وأنا أعني السيد موسى صبري شنودة، وأخذ يكرر ويعيد كلمة شنودة وكأنها شتيمة». لم يكن صبري معارضًا أو حتى مستقلًا، وكل مافي الأمر أن منافسه، كان مجدي حسنين أحد ضباط الصف الثاني في الضباط الأحرار. وبعد أيام نشرت الصحف أسماء المرشحين الذين وافقت الحكومة على نزولهم الانتخابات، ولم يكن من بينهم موسى صبري، ففاز مجدي حسنين بالتزكية.

  يواصل أيضًا شهادته عندما التحق بكلية طب قصر العيني عام 1956، وكان عدد المقبولين في الدفعة لا يكاد يتجاوز مائتي طالب، من بينهم اثنتان وأربعون فتاة لا ترتدي منهن واحدة حجابًا، ومن بين الدفعة طالبين من اليونانيين المصريين، ومجموعة من ذوي الأصول الشامية، وآخرين من اليمن وعدن وليبيا والأردن.

  ويؤكد أبو الغار، على المستوى الراقي للتعليم وانتظامه وتوافر الأجهزة المختلفة، كما يشير إلى الحدث الأبرز في عامه الأول في كلية الطب، وهو  عدوان 1956، الذي أسفر عن انتصار سياسي-لا عسكري- وأصبح عبد الناصر: «أسطورة كبرى تعيش في قلوب المصريين والعرب كافة». كما يشير أيضًا إلى أنه كان معلومًا للجميع، أن أعدادًا هائلة من «الإخوان المسلمين» يعذبون في المعتقلات، وكذلك من الماركسيين، وهنا يذكر أن «اعتقال وتعذيب اليسار المصري مرّ بهدوء شديد، فلم يسمع عنه معظم الناس في ذلك الوقت إلا بالطبع مجموعة المثقفين والكُتاب»، ويضيف: «وحين فتح جمال عبد الناصر معتقلاته الشهيرة ليضع الجميع فيها نسى أنه يضع الشعب كله في معتقل كبير حدوده مصر، وإذا اعتُقل الشعب كله يكون قد فَقَد نفسه وفقد فكره وقدرته على الإبداع والتفكير».

  من جانب آخر، شهدت تلك الفترة أيضًا، خروج أعداد كبيرة من الأوربيين المتمصرين و اليهود المصريين. أما التنظيم السياسي الوحيد آنذاك «الاتحاد القومي»، فقد كان تنظيما هلاميًا ليس له شخصية أو هدف، غير أن تدّعي الحكومة أن هناك تنظيمًا سياسيًا واحدًا يجمع قوى الشعب، وبالطبع لم يكن هناك أي وجود حقيقي له داخل الجامعة».

  عندما فاته قطار التنظيمات

ظلّ أبو الغار بعيدًا عن الانخراط في السياسة، وبالطبع لا يمكن اعتبار الاجتماع اليتيم، الذي حضره في إحدى خلايا «الإخوان» في المدرسة الثانوية انخراطًا في السياسة، أما ما حال دونه ودون دخوله التنظيمات الماركسية، فهو ظروفه الشخصية وسنه، حيث لم يكن له معارف أو أقرباء ينتمون لليسار، هذا على الرغم من أنه يعتقد أن «الكثير من الأفكار التي يحملها هذا الفكر (الماركسي) أفكار رائعة لخدمة الإنسانية، وأن الكثير ممن قادوا اليسار المصري كانوا على كثير من النقاء والوطنية والمثالية».

كذلك لا يعرف، لماذا لم تتم دعوته للالتحاق بمنظمة الشباب الاشتراكي الحكومية في ذروة نشاطها، إلا أن ما أثار دهشته ما علمه بعد انهيار التنظيم السياسي الوحيد -الاتحاد الاشتراكي- في أوائل السبعينيات، أنه كان هناك تنظيم سري للاتحاد الاشتراكي، يُدعى التنظيم الطليعي، وعرف أسماء زملائه الذين انضموا إليه، وكانوا مثالًا للانتهازية والخطف لأي مصلحة!

ويعتبر صاحب الشهادة، أن كارثة 67 هي الحد الفاصل والحاسم في تاريخ نظام جمال عبد الناصر. وكانت المظاهرات ضد نظامه قد بدأت بالفعل قبل رحيله، وبعد تولي السادات، ازداد نشاط الحركة الشبابية اليسارية، وأصبحت مصدر قلق  للنظام. وهنا تفتق ذهن السادات عن فكرة، ظنّ أنها باهرة، لكنها أودت بحياته بعد ذلك. الفكرة هي تشجيع الحركة الإسلامية الجديدة، والإفراج عن الإخوان المسلمين والسماح لهم بالحركة والنشاط، للقضاء على حركة اليسار، خصوصا في الجامعات، وقبل أن يمر عقد واحد على تجربته، قامت الجماعة الإسلامية باغتياله، خلال العرض العسكري في ذكرى نصر أكتوبر عام 1981 .

  ويضيف، أن السادات لم يكن وحده في ذلك الصدد، فالغرب أيضًا شجّع الحركة الإسلامية، وبعض دول الخليج وخصوصًا السعودية، وكبار الأغنياء والهيئات الإسلامية الأهلية المختلفة، وأمدّوها بالأموال والمساعدات، حتى يمكنها محاربة اليسار.

  شهد أبو الغار، كيف سيطرت الجماعة الإسلامية، على الطلاب في الجامعة. فبعد خوضهم معركة الاستيلاء على الاتحادات الطلابية، قدّموا الكثير من الخدمات للطلاب، مثل طباعة المذكرات الجامعية، وتنظيم مجموعات للتقوية، وفي الوقت نفسه قضوا على النشاط الجامعي الخاص بالموسيقي، وحاولوا القضاء على النشاط الرياضي للطالبات، وكذلك عزل الطلبة عن الطالبات في المدرجات، بل وإيقاف المحاضرات، لرفع الأذان في المدرجات.

قبل الهزيمة

  ويخصص أبو الغار جانبًا لا بأس به من سيرته، ليوضح بدايات التدهور في كليات الطب، والتوسع العشوائي في أعداد الطلاب، وافتتاح جامعات جديدة، تفتقر لأي استعداد حقيقي، وتدهور النظام التعليمي، والانهيار الأكاديمي للجامعة المصرية، التي تُركت قيادتها للسياسيين المنافقين، وأصبح العمداء بالتعيين، وفيما يتعلق بكلية الطب تحديدًا انهار البحث العلمي تمامًا.

  كذلك يحتفظ بذكريات كاشفة عن الفترة التي أعقبت تخرجه عام 1962، وعمله كطبيب امتياز، في مستشفى الحوض المرصود للأمراض الجلدية والتناسلية، بالسيدة زينب، ومستشفى أحمد ماهر في شارع بورسعيد، كما عمل فترة في الوحدة الريفية بإحدى قرى المنوفية، وتعد شهادته عن عمله في تلك الأماكن المتنوعة وثائق اجتماعية، تكشف إلى أي مدى بلغ الإهمال والتسيب والفوضى، في مهنة من المفروض أن تكون مهنة إنسانية، قبل كل شيء.

 عمل أبو الغار،  طبيبًا مقيمًا بقسم أمراض النساء، في مستشفى قصر العيني خلال عامي 1964 – 1966 بسبب تفوقه في امتحان البكالوريوس، وحصل على دبلوم أمراض النساء والتوليد، ودبلوم الجراحة العامة، وسجّل للدكتوراه. كما تعرّف على كريستينا، وهي فتاة سويدية، جمع بينهما شغفهما بالأدب والتاريخ وتبادل الكتب، إلى أن انتهى أمرهما بالزواج.

كان أبو الغار أيضًا، شاهدًا على هزيمة 1967، وتنحي جمال عبد الناصر، ورأى بنفسه كيف بدأت مظاهرات رفض التنحي. كانت هناك بعض السيارات التي انطلقت من لجان الاتحاد الاشتراكي، لكن الأخيرة كانت أصلًا عاجزة ولا تملك التأثير أو الحشد، لذلك فهو يرى أنها كانت عفوية تمامًا، المقصود بها -من جانب الملايين- إبقاء عبد الناصر، وتحميله المسئولية، ورفض الهزيمة. كما تم «شحن» عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب، في سيارات توجهت إلى قصر القبة، للتوقيع في دفتر التشريفات، بعد مؤتمر خطب فيه رفعت المحجوب أحد كبار المسئولين في الاتحاد الاشتراكي، وأخبرهم فيه أن قادة الجيش كانوا جاهزين لدحر العدو، إذا جاء من الشرق، لكنه جاء من الغرب، فوقعت الهزيمة!

كان حجم الهزيمة كارثيًا، وبدأ التخطيط في الهروب الاختياري، سواء لأوروبا والولايات المتحدة أو البلاد العربية، من جانب مجموعة ضخمة من التكنوقراط، الذين تم الإنفاق على تعليمهم وتدريبهم من المال العام. أما هو فحاول مواجهة ذلك الكابوس بانخراطه في قراءات متنوعة وخصوصًا في التاريخ، وكان يقرأ يوميا نحو عشر ساعات.

وفي عام 1968، سافر مع زوجته للسويد لتلِد هناك، وكان قد بدأ في تجهيز إجراءات الهجرة للولايات المتحدة، وفي غضون ذلك ، كان قد قرر أن يتوجه من السويد، للعمل في انجلترا، حتى تنتهي الإجراءات. لكنه تراجع عن الفكرة وتوقف عن مواصلة إجراءات الهجرة، وعاد إلى مصر مصطحبًا زوجته وطفلتهما. لا يعنيه هنا أن يتشدق باختياره لرفض الهجرة، بعد أن قطع شوطًا لا بأس به في إجراءاتها، ولا ينسب لنفسه دور الضحية، التي اختارت أن تخدم الشعب أو ما إلى ذلك. كل مافي الأمر أنه اتخذ قراره فجأة، بعد أن عاش قليلًا خارج بلاده.

شهادة أبو الغار، فيما يتعلّق بالسنوات التالية، بعد عودته ثم حصوله على الدكتوراه بالغة الأهمية. فقد رصد بدقة الجو النفسي والتغيرات السريعة المتلاحقة، بعد الهزيمة، حيث بدأ الانقلاب القيمي، وسيادة ثقافة أخرى، حتى نصر 1973، لكن السادات نفسه، الذي انتصر في الحرب، قاد البلاد إلى هزيمة مخيفة، ليس فقط بانتقاله إلى التبعية المباشرة لأمريكا، بل أيضا بصلحه المنفرد وبلا شروط مع إسرائيل، وتحالفه بالتوازي مع الحركات الإسلامية.

المحطة الأخيرة

أما المحطة الأخيرة في رحلته الطويلة، فجرت أحداثها بدءً من عام 1979 حيث بدأ أبحاثه العلمية في مجال أطفال الأنابيب، وهو تخصص كان جديدًا، بل ولم يكن أحد قد اقترب منه في مصر، وبمساعدة اثنين من زملائه قاموا في مارس 1986 بتأسيس أول مركز طبي، وحصلوا على فتوى من شيخ الأزهر، كما وافقت الكنيسة المصرية على ذلك.

وفي يوليو 1987، وبعد خمسة عشر شهرًا، من افتتاح المركز ولدت هبة الله أول طفلة أنابيب في مصر، واجتذب هذا التخصص العلمي أنظار كثير من الأطباء، ليس في مصر وحدها، بل في سائر البلاد العربية. وفي تسعينيات القرن الماضي تأسست جمعية الشرق الأوسط للخصوبة، وترأسها أبو الغار لعامين، وأصدرت الجمعية مجلة علمية لنشر الأبحاث، وحسبما كتب فإن الجمعية هي الثالثة عالميًا، بعد الأمريكية والأوربية.

وفي النهاية، أتُيح للرجل أن يستريح قليلًا من هذا المجهود المتواصل، لكنه لم يتوقف، فقد بدأ مرحلة جديدة من حياته، حيث أصدر عددًا من الكتب التاريخية التي نالت تقديرا من كثير من القراء.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن