تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فينوس في فصلين

فينوس في فصلين

كتابة: سيديا هارتمان 35 دقيقة قراءة
في هذه المقاطع الأرشيفية، نجد أجزاءً من وثائق لسجلات الأسرى في السفن الأطلسية، ونُسخ من قوائم بها أعداد وشهادات ميلاد وتفاصيل وفيات وغيرها. نجد أيضًا أجزاءً من صور لشُعب مرجانية عرفت عامة بإعاقة الملاحة وبتأخير عملية تحلل الأجسام الغارقة إذا اشتبكت بها. كما أن هناك أجزاءً لصور أصداف بحرية وصور لأيادٍ وأصابع وقفازات. تعتمد الكثير من وسائل الطباعة القديمة على مواجهة نسخة مطبوعة بالفعل بسطح آخر المراد إظهار النسخة الجديدة عليه، ثم الضغط مع إضافة بعض الألوان الطبيعية أو الكيماويات. هذا اللقاء بين السطحين، وهذا المزج بين المواد التي طبعت بها النسخة الأولى والمواد المزودة لإظهار النسخة الثانية، يجسد نطاق التفاصيل وحدود الألوان والظلال المتاح نسخها. أما تحديد ما يتم نقله فعلًا داخل هذا النطاق، وما يتم محوه، وما يتم تحريفه أو تحويله في النسخة الجديدة، فهذا يعتمد على عملية الكبس نفسها واحتكام الضاغط من أبعادها وزواياها. يصبح الأرشيف أكثر رفقًا حينما تتبادل الأيادي الأدوار، لكنه أكثر واقعية حينما تتوالى الأيادي، بقفزاتها التي توحي بالبعد التحليلي، أو بجلدها الطبيعي، في فرض وجودها. تصوير: رنا النمر 2021

الأعمال الفنية المصاحبة للنص من إبداع الفنانة رنا النمر.

تقديم المترجم

«يُقال في غانا إن الغريب مثل ماء ينساب على الأرض بعد عاصفة ممطرة: سرعان ما يجف ولا يترك أثرًا.»

سيديا هارتمان، «افقدي أمكِ: رحلة على درب تجارة العبيد الأطلسية» 

***

سيديا هارتمان (Saidiya Hartman (1960 كاتبة، ومُنظِّرة، وباحثة، وأستاذة في قسم الإنجليزية والأدب المقارن بجامعة كولومبيا. تشمل اهتماماتها الدراسات الإفريقية الأمريكية، الأدب الأمريكي والإفريقي الأمريكي، القانون والأدب، التاريخ، العبودية، ودراسات الجندر والجنسانية والنظرية الكويرية. منهجيًّا وأسلوبيًّا، تشغل أعمالها مساحات بينية، وتتقاطع مع حقول كتابية وفكرية وأكاديمية مختلفة: الكتابة التاريخية الملتزمة بصرامة البحث الأرشيفي ومركزية الوثيقة، والتخييل السردي الذي يقوِّض سلطة الوثيقة ويبرز عنف الأرشيف ويؤكد على الحدود التي لا يمكن للمادة الأرشيفية تجاوزها. 

يتناول أحدث كتبها «حيوات منفلتة، تجارب جميلة: تواريخ حميمة لاضطرابات اجتماعية» Wayward Lives, Beautiful Experiments: Intimate Histories of Social Upheaval (2019) «الخيال الراديكالي والممارسات المنفلتة» للشابات السوداوات في مدينتي فيلادلفيا ونيويورك، في مطلع القرن العشرين، من أجل خلق «حيوات مستقلة وجميلة، كي يهربن من أشكال الرق الجديدة التي كانت في انتظارهن، وكي يعشن كأنهن حُرَّات.» حصل الكتاب على العديد من الجوائز، تشمل جائزة «حلقة نقاد الكتاب الوطني» المرموقة. 

[صدرت الطبعات اللاحقة من الكتاب بعنوان أكثر تفصيلًا: «حيوات منفلتة، تجارب جميلة: تواريخ حميمة لفتيات سوداوات مشاغبات، ونساء مزعجات، وراديكاليات كويير» 

Wayward Lives, Beautiful Experiments: Intimate Histories of Riotous Black Girls, Troublesome Women and Queer Radicals]

في مقال «فينوس في فصلين» (Venus in Two Acts (2008، تعود هارتمان إلى شخصية ذُكِرت على نحو عابر في أحد فصول كتابها «افقدي أمكِ: رحلة على درب تجارة العبيد الأطلسية» Lose Your Mother: A Journey Along the Atlantic Slave Route (2006). تعود هارتمان إليها كي تتأمل في قراراتها هي كباحثة، وكي تطرح تساؤلات جذرية عن حدود البحث الأرشيفي، وكتابة التاريخ، وإمكانية «سرد حيوات التابعـ(ـة)، والمستلبـ(ـة)، والمستعبد(ة)» ممَن تدمرهم ترتيبات السلطة في الواقع التاريخي، وتضفي سجلاتها ووثائقها وخطاباتها، شرعية على ذلك التدمير.

في «افقدي أمكِ» تسرد هارتمان قصة سفرها إلى غانا، وتتبُعها لمسارات المأسورين، من المناطق الداخلية النائية إلى الساحل، حيث كانت السفن تأخذهم، وتنقلهم قسرًا عبر الأطلسي، كي يُباعوا في الأمريكتين. يقتفي بحثها آثار تجارة العبيد الأطلسية من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين، ويتركز على شخصيات بعينها (مستعبدة مراهقة تُقتل على متن سفينة عبيد، أمير يسمح للبرتغاليين ببناء أولى قلاع التجارة الدائمة على سواحل غرب إفريقيا، إلخ) وأماكن محددة (بقايا سوق للعبيد، أطلال بلدة بنى سكانها سورًا من حولها لصد هجمات المغيرين الهادفين إلى أسر أفراد وبيعهم، إلخ). تتأمل كذلك في وضعها هي كغريبة في إفريقيا، ليس في إمكانها ربط نفسها بالقارة القديمة عبر نسب أو ارتباط عائليّ. 

كغريبة إذًا، تقتفي هارتمان أثر غرباء؛ «أكثر تعريفات العبد(ة) عالمية هو أنهـ(ـا) غريبـ(ـة)» وتوجز مشروعها على النحو التالي: 

«لم تكن صلات الدم أو الانتماء سبب وجودي في غانا، فقط مسار الغرباء المدفوعين نحو البحر. لم يكن هناك ناجون من سلالتي أو أقارب بعيدين أتيت بحثًا عنهم، ولم تكن ثمة أماكن، أو أناس، مما قبل العبودية يمكنني أن أتتبع أثرهم. لقد انقطع خيط عائلتي في العقد الثاني من القرن التاسع عشر. 

على خلاف أليكس هيلي Alex Haley ... [مؤلف رواية «الجذور» الشهيرة] سافرتُ إلى غانا بحثًا عن الفائضين على الحاجة وعن المهزومين. لم آت كي أنبهر بعجائب الحضارة الإفريقية، أو أفتخر بالبلاط الملكي للآشانتي، أو أُعجب بالدول العظيمة التي حصدت الأسرى وباعتهم كعبيد. لم أكن أتوق إلى أصول أرستقراطية. بدلًا عن ذلك، سوف ألتمس عامة الناس، المهاجرين كُرهًا وقسرًا، الذين خلقوا ثقافة جديدة في عالم الأمريكتين المُعادي، وشكَّلوا أنفسهم مرة أخرى، صانعين من الاستلاب إمكانية.»

في الفصل المعنون بـ«كتاب الموتى» The Dead Book، تتناول هارتمان مقتل مستعبدة مراهقة مجهولة الاسم، عام 1791، على متن سفينة عبيد تُدعى «ريكفري». كانت تلك السفينة قد أبحرت من بريستول (في إنجلترا) تحت قيادة الكابتن جون كيمبر John Kimber، إلى أولد كالابار (تقع حاليًا في نيجيريا) لتحصل على حمولتها البشرية، ثم توجهت نحو جرينادا في البحر الكاريبي.

أثناء الرحلة، وبسبب ترتيبات النقل والإعاشة بالغة السوء، توفي 19 رجلًا، وامرأتان، إحداهما هي المراهقة التي أثارت انتباه كيمبر منذ بداية الرحلة بامتناعها عن تناول الطعام، (كان عدم تناول الطعام أحد الطرق الشائعة لرفض الإقرار للخاطفين بالسيطرة على الجسد الأسير)، وتعرّضت للضرب عدة مرات بالفعل. بعد نحو ثلاثة أسابيع من مغادرة الساحل الإفريقي، صفّ الضابط الثالث، بأمر من كيمبر، النساء المأسورات كي يرقصن، وحين لاحظ الأخير أن الفتاة نفسها لا تتحرك، أمر بتعليقها من رسغيها، واحد بعد الآخر، ثم من ساقيها، واحدة بعد الأخرى أيضًا، مع جلدها جلدًا شديدًا في كل مرة، وإسقاطها على سطح السفينة. 

بعد سقوطها الأخير، «رفع الكابتن رأسها، صفعها على وجهها، وقال 'شرموطة متجهمة' وحين بدأت في الزحف نحو العنبر في قاع السفينة، سأل الضابط الثالث إن كان عليه أن يساعدها على الهبوط، سبها الكابتن مرة أخرى وقال 'لتجد طريقها بنفسها'» 

ماتت الفتاة بعد ثلاثة أيام، وأُلقيت جثتها في المحيط. 

في العام التالي، 1792، أثارت «لجنة إبطال تجارة الرقيق» القضية «وفي 2 أبريل 1792، خلَّد [مناهض العبودية البارز] وليام ويلبرفورس William Wilberforce الفتاة في خطاب ألقاه أمام مجلس العموم [البريطاني]، وانتبه العالم، على الأقل لعدة أيام.» في أعقاب ذلك، حُوكم كيمبر، وشهد ضده الضابط الثالث وطبيب السفينة، لكنه بُرِّئ في النهاية. فرغم أن «مشاهد العنف هذه تقدِّم» كما يُذكِّر القاضي هيئة المحلفين في بداية المحاكمة «صورة للطبيعة الإنسانية ليست لطيفة تمامًا، [فإنه] من الممكن في كثير من الأحيان أن تكون مبررة، بل وضرورية؛ فبدونها لا وجود ولا دوام لتجارة، أو لملاحة، أو لدفاع عن المملكة.» 

تسرد هارتمان حدث القتل من وجهات نظر متعددة، ومتضاربة، تشمل الكابتن، والضابط الثالث، وطبيب السفينة، و«القديس» الأبيض المناهض للعبودية. 

أثناء المحاكمة، تُذكَر فتاة أخرى بشكل عابر. هذه الفتاة هي فينوس، أو هي فتاة مجهولة الاسم، هي الأخرى، كان البحارة يدعونها بالاسم/ اللقب فينوس. «إنها الفتاة الأخرى الميتة» التي لم يستفض مناهض العبودية في الحديث عنها؛ لقد أراد أن يحرك قلوب الرجال بالتركيز على العفة المُفترضة للفتاة المراهقة، التي عُذِّبت وقُتلت لرفضها التفريط بما لا يسمح الحياء والطبيعة السوية بالتفريط به. لقد كانت في سرديته «الصبية الطاهرة التي ماتت وهي تحاول أن تقي نفسها من عيني الطاغية. لقد سقطت بين يدي بهيم، حينما احتاجت إلى حامٍ.» وجد ويلبرفورس في الفتاة المراهقة، في موتها تحديدًا، فرصة كي يجعل أعضاء مجلس العموم «يحملون ثقل العار» آملًا أن يدفعهم ذلك إلى وضع حد لعبودية تلوث نقاءً بشريًّا مُفترضًا. لقد كان موت الفتاة، بالنسبة له، أكثر أهمية، وأكثر فائدة، من حياتها. 

بدورها، لم تكن فينوس، كما يوحي اسم التدليل، «صبية طاهرة»؛ ولم يكن من الممكن أن تشملها خطة تعتمد على المناشدة الأخلاقية. لهذا، اكتفى ويلبرفورس بإشارة سريعة إليها، وتغاضى عن وجودها، وموتها/ قتلها. وكذلك فعل مع الـ19 مستعبدًا الذين ماتوا هم أيضًا على متن «ريكفري» أثناء الرحلة. 

في «كتاب الموتى»، لم تقل هارتمان سوى أقل القليل عن فينوس «مخفية صمتي أنا وراء صمت ويلبرفورس»؛ لقد أعادت إنتاج وجودها الشبحي في سجلات السفينة، ووثائق المحاكمة، وأرشيفات السلطة، وحوليات التاريخ. عودتها إليها، في المقالة التالية، هي محاولة لاستكشاف أسباب صمتها هي ذاتها عن «الفتاة الأخرى الميتة» إنها محاولة لـ«بيان الطريقة المقيَّد بها عصرنا إلى عصرها»، ولفعل «ما هو أكثر من سرد العنف الذي أودع تلك الآثار في الأرشيف» بحكي «قصة لا تُبهج أو تدغدغ المشاعر، بل تغامر بمقاربة نمط مختلف من الكتابة.»

الأصداف هي الجزء الصلب من أجسام المحار والقواقع. بينما تغلف الأصداف أجساد كائناتها الرخوة، تسند عظام الإنسان الصلبة طبقات الجسد من داخله. عندما تنفق المحار، يتحلل الجزء الرخوي من جسدها خلال أيام في مياه البحر، لكن يبقى الجزء الصدفي لسنوات، حاملًا ميراث الجسد الزائل كأثر من خلال طبعته الزخرفية المميزة والتي تضاهي تميز بصمة الإصبع عند الإنسان.
تصوير: رنا النمر 2021

في هذا التجسُّد، تظهر في أرشيف العبودية كفتاة ميتة يُذكر اسمها في لائحة اتهام ضد قبطان سفينة عبيد لمقتل عبدتين. لكن، كان من الممكن أن نصادفها، على نفس القدر من اليُسر، في حصر الديون بسِجِلّ حسابات سفينة؛ أو في يوميات الملاحظ – «بالأمس اضطجعتُ مع دايدو على الأرض»؛ أو كرفيقة غرام في «قائمة هاريس لسيدات كوفنت جاردن» لديها كيس على درجة من المرونة إلى حد أنه «يتسع لأكبر شيء يمكن لرجلٍ أن يقدمه لها»؛ أو كخليلة في سردية جندي مرتزق في سورينام؛ أو كمالكة ماخور في قصة مسافر عن عاهرات باربادوس؛ أو كشخصية ثانوية في رواية بورنوجرافية من القرن التاسع عشر [1]. تُدعَى، في أماكن مختلفة، هاريوت، فيبا، سارا، چوانا، ريتشل، ليندا، سالي، ويمكن العثور عليها في أرجاء العالم الأطلسي. الباراكون [2]، قعر سفينة العبيد، مستشفى الأمراض الوبائية، الماخور، القفص، معمل الطبيب، السجن، حقل قصب السكر، المطبخ، غرفة نوم السيد – يتضح أنها المكان نفسه، وفيها جميعًا تُدعَى فينوس. 

ما الذي يمكن معرفته إضافة إلى هذا؟ مصيرها هو نفس مصير كل فينوس سوداء أخرى: لم يتذكَّر أحد اسمها، أو يسجِّل الأشياء التي قالتها، أو يلاحظ أنها رفضت أن تقول أي شيء على الإطلاق [3]. قصتها هي قصة في غير أوانها يحكيها شاهد فاشل. ستنقضي قرون قبل أن يُسمح لها أن «تجرب لسانها.» [4]  

يمكنني أن أقول، متتبعة فيلسوفًا شهيرًا، إن ما نعرفه عن فينوس في هيئاتها المتعددة يمثل «ما لا يزيد عن سجلّ للقائها مع السلطة» وإنه يقدِّم «مخططًا هزيلًا لوجودها.» [5] فعل من أفعال الصدفة أو الكارثة أنتج ميلًا، أو انحرافًا، عن مسار الخفاء المتوقع والمعتاد، وقذف بها من تحت الأرض إلى سطح الخطاب. نتعثر بها في ظروف خارجة عن المعتاد لا تعطي أي صورة عن الحياة اليومية، لا يوجد مسار يؤدي إلى أفكارها، لا لمحة من هشاشة وجهها أو لما قد يتطلبه النظر إلى وجه مثله. نعرف فقط ما يمكن استقراءه من تحليل دفتر الحسابات، أو استعارته من عالم خاطفيها وأسيادها وتطبيقه عليها. غير أنه يتعين أن يُحال الخارج عن المعتاد مثاليًّا أو نموذجيًّا كي توفر حياتها نافذة على حيوات المستعبدين/ات إجمالًا.

ليس في وسع المرء أن يسأل «من هي فينوس؟» لأنه سيكون من المستحيل الإجابة على سؤال كهذا. ثمة مئات الآلاف من فتيات أخريات يتشاركن معها في ظروفها، وهذه الظروف أنتجت القليل من القصص. والقصص الموجودة ليست عنهن، بل هي بالأحرى عن العنف، والإفراط، والبُهتان، والمنطق الذي قبض على قياد حياتهن، وحوَّلهن إلى بضائع وجثث، وعرَّفهن بأسماء تُلقَى كمسبات ودعابات فجّة. يكون الأرشيف، في هذا الحال، حكمًا بالإعدام، مقبرة، استعراضًا للجسد المنتهك، حصرًا لممتلكات، أطروحة طبية عن السيلان، سطورًا قليلة عن حياة عاهرة، إشارة إلى هامش في سردية التاريخ الكبرى. بالنظر إلى هذا، «من المستحيل قطعًا استيعاب [تلك الحيوات] مرة أخرى في ذاتها، كما ربما كانت 'في حالة حرة'.» [6]

الخروج من العالم والعودة إليه

لكنني أريد أن أقول أكثر من هذا. أريد أن أفعل ما هو أكثر من سرد العنف الذي أودع تلك الآثار في الأرشيف. أريد أن أحكي قصة عن فتاتين، قادرة على استعادة ما يظل كامنًا -شراء حياتيهما للحاضر، أو اشتراطاتهما عليه- بدون اقتراف المزيد من العنف في فعلي السردي أنا ذاتي. إنها قصة مؤسَّسة على الاستحالة -التنصت من أجل غير المقال، ترجمة الكلمات التي أُسيء تفسيرها، إعادة تشكيل حيوات مشوهة- والتصميم على تحقيق هدف مستحيل: تدارك العنف الذي أنتج أرقامًا، وأصفارًا، وشذرات خطاب. إنه أقرب ما نصل إلى سيرة للأسير(ة) والمستعبد(ة). 

ومع هذا، كيف يمكن للمرء أن يستعيد حيوات متشابكة مع، وتستحيل تفرقتها عن، المقولات الرهيبة التي حكمت عليها بالموت، ودفاتر الحسابات التي عرَّفتها كوحدات قيمة، والإيصالات التي اعتبرتها مِلكًا، والحوليات الاعتيادية التي جردتها من الملامح الإنسانية؟ «هل يمكن لصدمة كلمات [مثل هذه]» كما يكتب فوكو، «أن تؤدي إلى نشوء أثر معين لجمال ممتزج بالفزع؟» [7] هل بمقدورنا، كما تقترح نوربيسي فيليب NourbeSe Philip، أن «نستحضر شيئًا جديدًا من غياب الأفارقة كبشر، وهو غياب في قلب النص؟» [8] وإن كان الأمر كذلك، ما هي ملامح هذه السردية الجديدة؟ بكلمات أخرى، كيف يمكن للمرء أن يعيد كتابة وقائع موت مُعلن ومُتوقع، كسيرة جماعية لذوات ميتة، كتاريخ مضاد للإنسانيّ، كممارسة للحرية؟

كيف يمكن للسرد أن يجسِّد الحياة في كلمات، ويحترم في الوقت ذاته، ما لا يمكن أن نعرف؟ كيف يستمع المرء إلى الأنين والصراخ، والأغاني غير القابلة للفهم، وطقطقة النار في حقول قصب السكر، ونواح الموتى، وهتافات النصر، ثم يعزو كلمات لها جميعًا؟ هل من الممكن بناء قصة من «موقع الحديث المستحيل»، أو بعث حيوات من الحطام؟ [9] هل يمكن للجَمال أن يقدم ترياقًا للخِزي، والحب طريقًا يمكن بمقتضاه «نبش الصرخات المدفونة» وإحياء الموتى؟ [10]

أم هل السرد هو هبة السرد وغايته، أي هو كل ما يمكن تحقيقه حين لا يتأتى التغلب على الماضي وافتداء الموتى؟ وما الذي تقدمه القصص على أي حال؟ سبيلًا للعيش في العالم في أعقاب الكارثة والدمار؟ بيتًا في العالم من أجل الذات المنتهكة المشوهة؟ [11] مِن أجل مَن – مِن أجلنا أم مِن أجلهن؟ 

تُفاقم ندرة السرديات الإفريقية عن الأسر والاستعباد من ضغط وثقل هذه الأسئلة. لا توجد سردية ذاتية واحدة لأسيرة نجت من «الممر الأوسط» [12]. هذا الصمت في الأرشيف، إضافة إلى متانة الحصن أو الباراكون (ليس كزنزانة احتجاز أو كفضاء للحبس، بل كوحدة معرفية) أدى في الغالب الأعم إلى تركيز التأريخ لتجارة العبيد على أمور كَمّيّة وعلى شؤون الأسواق والعلاقات التجارية [13]. يؤدي الفقد إلى الحنين، وفي هذه الظروف، ليس من الجموح أن نعتبر القصص شكلًا من أشكال التعويض، أو جبر الضرر [14]، ربما النوع الوحيد الذي سنتلقاه على الإطلاق. 

ككاتبة ملتزمة بحكي القصص، سعيتُ إلى تمثيل حيوات المنسيين والمنسيات، ومن لا أسماء لهم/لهن، إلى أخذ الفقد بعين الاعتبار، وإلى احترام حدود ما لا يمكن معرفته. بالنسبة لي، كان سرد تواريخ مضادة للعبودية وثيق الصلة دائمًا بكتابة تاريخ للحاضر، وأعني بهذا مشروع الحرية الناقص، وحياة العبد(ة) السابقـ(ـة) المحفوفة بالمخاطر، وهو وضع يحدد معالمه التعرُّض لخطر الموت قبل الأوان ولأفعال عنف مجانية [15]. يسعى تاريخ الحاضر، كما أفهمه، إلى إلقاء الضوء على حميمية تجربتنا مع حيوات الموتى، وإلى كتابة حاضرنا كما يقاطعه هذا الماضي، وإلى تخيُّل حالة حرة، ليس كزمن سابق على الأسر أو العبودية، بل بالأحرى كالمستقبل المنتظر لهذه الكتابة. 

هذه الكتابة شخصية لأن هذا التاريخ أنشأني، لأن «معرفة الآخر تسِمني» [16] وبسبب الألم المستشعر من لقائي مع قصاصات الأرشيف، وبسبب نوعية القصص التي صغتها من أجل تشييد جسر بين الماضي والحاضر، ولمسرحة إنتاج لا شيء– غرف خالية، صمت، حيوات اختزلت إلى مخلفات.  

ما هي نوعية القصص التي تحكيها من يعشن علاقة حميمة مع الموت على هذا النحو، وأي قصص تُحكى عنهن؟ رومانس؟ [17] مأساة؟ صرخات تجد طريقها إلى داخل الحديث والغناء؟ ما هي البروتوكولات والحدود التي تشكِّل السرديات المكتوبة كتاريخ مضاد، كطموح لا يقي من المخاطر التي يطرحها تكرار أحاديث عنيفة ووصف طقوس التعذيب مرة أخرى؟ كيف يعود المرء إلى مشهد الخضوع بدون إعادة إنتاج أجرومية العنف؟ هل «الجمال الرهيب» الذي يسكن مشهدًا كهذا هو شيء أقرب إلى علاج كما يبدو أن فريد موتن Fred Moten يقترح؟ [18] إنه الجمال الرهيب، والموسيقى الرهيبة، الذي يتبينه في صرخات العمة هيستر وقد حُوِّلت إلى أغاني «مزرعة البيت الكبير»، أو في صورة وجه ايميت تل المهشم، وفي «حدة التحديق» [19] المنبعثة من الاستعداد للنظر داخل النعش المفتوح. هل تفوق الإمكانات مخاطر النظر (مرة أخرى)؟ [20]  

إن كانت «قراءة الأرشيف تعني دخول المشرحة؛ بما أنها تتيح رؤية نهائية، وتسمح بنظرة أخيرة على أشخاص على وشك الاختفاء في عنبر العبيد» [21] لأي غاية إذن يفتح المرء النعش وينظر في وجه الموت؟ لمَ المخاطرة بالتدنيس المتضمَّن في إعادة التأكيد على اللعنات، والبذاءات، وقوائم الربح والخسارة، ومقاييس القيمة التي جرى من خلالها تدوين الحيوات الأسيرة وإخمادها؟ لمَ تعريض الموتى لمخاطر جديدة ولنسق ثانٍ من العنف؟ أم هل كلمات التاجر هي الجسر إلى الموتى، أم أنها المقابر التوراتية حيث ينتظروننا؟ تفسِّر مثل هذه الهواجس بخصوص أخلاقيات التمثيل التاريخي، جزئيًّا، فصلي العنوان. أحتاج إلى أن أعود وأراجع روايتي السابقة عن موت فينوس في «كتاب الموتى» [22]؛ ويعلن الفصلان، كذلك، عن عودة فينوس الحتمية كشبح يطارد الحاضر، وكحياة يسهل التخلص منها. يوضِّح سِجِلّ التاجر عن الوفيات حتمية هذا التكرار: ملنخوليا، دوسنتاريا، كما سبق، كما سبق. بدلًا عن الجهد المهدر في وضع خط على «فتاة هزيلة» أو «صبي لا قيمة له»، يقدِّم دفتر الحسابات موتًا آخر عبر هذا الاختزال. ويعيد الموتى إلينا «في الشكل ذاته الذي طُردوا عليه إلى خارج العالم.» [23]    

أين تنضح الأحداث إن فاضت خارج إطار سردياتها؟ كيف تتكون الشوائب من القصص المنحرفة عن السردية الأساسية وتستقر فوق القصص المكتملة والمنمقة فتغطيها؟ كيف يشير لنا حدث ما من زمن سابق إلى العطب والخلل الكامنين في سرديته؟
تصوير: رنا النمر 2021

النعش المفتوح.. فضيحة الأرشيف

إن الفضيحة والإفراط يغمران الأرشيف: الأرقام الأولية لحساب الوفيات؛ التهرُّب الاستراتيجي والمراوغة في سجلات أحوال السفن؛ الرسائل المنمقة، مُفرطة العاطفة، التي أرسلها من مواني العبيد تجار مشتاقون إلى ديارهم؛ القصص المكررة عن العنف الصادم، التي كتبها دعاة إلغاء العبودية؛ التقارير المفتونة لشهود عيان من الجنود المرتزقة المتلهفين على إفشاء «ما تمنعـ[ـهم] الحشمة من التصريح به» وطقوس التعذيب، والضرب، والشنق، والبتر، المُكرَّسة كقانون. الاستثمار الشبقي في العنف واضح في كل مكان من الوثائق، والمقولات، والمؤسسات التي تحدد معرفتنا بالماضي. ما قيل عن فينوس، وما يمكن أن يُقال عنها، يعتبر الانتقالات بين الواقع والفانتازيا والرغبة والعنف مسلَّمات.

البراهين على ذلك وفيرة. لنبدأ بجيمس باربوت James Barbot، قبطان الفرقاطة بريطانيا، الذي شهد على وجود الملذات المتاحة في فضاء الموت. لقد كان من الصعب ممارسة انضباط جنسي في سفن العبيد، يعترف باربوت، لأن «الصبايا صغيرات السن، المفعمات بالحيوية، والبهجة، والبشاشة، وفَّرن فيضًا من الترفيه.» [24]

يدعم [ألكسندر] فالكونبريدج [Alexander] Falconbridge ذلك، مُلقيًا الضوء على سهولة الانتقال بين الضحية والمحبوبة، بين أفعال الحب والإفراط الوحشي «على متن بعض السفن، يُسمح لعموم البحارة بمجامعة أيٍ من النسوة السوداوات اللاتي يستطيعون الحصول على موافقتهن. وقد عُرِف عن بعضهم التأثر الشديد بتقلبات عشيقاتهم، إلى حد القفز من على متن السفينة وإغراق أنفسهم.» فقط أولوداه إكويانو Olaudah Equiano يصوِّر عنف سفن العبيد المعتاد دون اللجوء إلى لغة الرومانس: «كان اقتراف تجاوزات عنيفة ضد عفَّة العبدات ممارسة توشك أن تكون شائعة من طرف موظفينا وبقية البيض... لقد شهدتُ وكلاء القبطان يقترفون هذه الأفعال على نحو هو الأكثر جلبًا للخزي، على نحو لا يشين المسيحيين فقط، بل الرجال أجمعين. لقد عرفتُ أيضًا أنهم يُشبعون شغفهم الوحشي مع إناث لم يبلغن العاشرة؛ وهذه الفواحش يمارسها البعض منهم إلى درجة من الإفراط الفضائحي دفعت قبطاننا إلى تسريح الوكيل وآخرين بسبب ذلك.» (أُضيف التشديد) [25]

يزداد الموقف سوءًا في المزرعة [26]. تقدِّم اغتصابات توماس ثيسلوود Thomas Thistlewood المتسلسلة وعقاباته البُرازية وصفًا صريحًا للملذات المنتزعة من تدمير وامتهان حياة، وفي الوقت نفسه تلقي الضوء على صعوبة استعادة الحيوات المستعبدة من القوة المُهلكة لوصف كالتالي: «جلدتُه جلدًا معتدلًا، رفعته جيدًا، جعلت هيكتور يتغوَّط في فمه، وعلى الفور دسست كمامة بينما فمه ممتلئ، وجعلته يرتديها لأربع أو خمس ساعات.» [27] في حين أن السجل اليومي لانتهاكات كهذه يمثِّل، بدون شك، تاريخًا للعبودية، فإن المهمة الأكثر صعوبة هي نبش الحيوات المدفونة تحت هذا النثر، أو بالأحرى قبول أن فيبا Phibba ودايدو Dido توجدان فقط داخل حدود هذه الكلمات، وأن هذا هو النحو الذي تدخلان عليه التاريخ. الحلم هو تحريرهما من الوصف البذيء الذي قدمهما لنا في البداية. من اليسير جدًّا أن نكره رجلًا مثل ثيسلوود؛ الأكثر صعوبة هو الإقرار بأن العبارات اللاتينية الوحشية المنسكبة على صفحات يومياته هي ميراثنا [28]

بمجرد دخول أرشيف العبودية، يتخذ ما لا يمكن تخيُّله سمت الممارسة اليومية. إنه أمر ليس بإمكاننا أن ننساه على الإطلاق بينما نحدِّق فاغري الأفواه في الوجوه المكفهرة والجذوع المعرَّاة لدليا، ودرانا، ورنتي، وچاك، أو نجفل من الجسد المشوه لأنارشا، أو نُعجب بديانا عارية، على درجة من الروعة حتى أن «أكثر الأزياء حسنًا ليس بمقدورها أن تمنحها بهاءً إضافيًّا.» [29] يظهر آخرون تحت ضغط وتحريض الخطاب: جلّاد وامرأة من الهوتنتوت. شرموطة متجهمة. زنجية ميتة. عاهرة مصابة بالزهري. 

يلد الحديث النابي، والكلام البذيء، والأوامر المحفوفة بالمخاطر، الأشخاص الذين نتعثر بهم داخل الأرشيف. بالنظر إلى الحالة التي نجدهم عليها، فإن اليقين الوحيد هو أننا سوف نفقدهم مرة أخرى، أو أنهم سيقضون نحبهم، أو سيغافلون إدراكنا، أو سيتداعون تحت ضغط بحثنا. هذه هي الحقيقة الوحيدة بخصوص فينوس التي بمقدورنا أن نكون متأكدين منها. لهذا، هل من الممكن أن يُذكر اسمها مرة أخرى، وتُحكى قصة عن مادة مُهانة وحياة موصومة بالعار، قصة لا تُبهج أو تدغدغ المشاعر، بل تغامر بمقاربة نمط مختلف من الكتابة؟

إن لم يعد كشف الفضيحة كافيًا، كيف إذن قد يكون ممكنًا توليد توصيفات مختلفة من هذا الأرشيف؟ لا يمكن تجاهل أو تجنب المخاطر المتضمنة في هذا المسعى بسبب حتمية إعادة إنتاج مشاهد عنف من هذا النوع، وهذا هو ما يشكِّل حالة السواد وحياة العبد(ة) السابقـ(ـة). على خلاف هذا، تُوضَع هذه المخاطر في قلب عملي، في كلٍ من القصص التي اخترت أن أحكيها وتلك التي تجنبتها. 

أود هنا أن أعود إلى قصة فضَّلتُ ألَّا أحكيها، أو لم يكن بمقدوري حكايتها، في «افقدي أمكِ» Lose Your Mother. إنها قصة عن فينوس، الفتاة الأخرى التي ماتت على متن ريكفري والتي لم أُشِر إليها بأكثر من إشارة عابرة.  

الفصل الثاني

فتاتان ماتتا على متن ريكفري. وُجِّه الاتهام إلى القبطان، جون كيمبر John Kimber، بأنه «إجرام، وشَر، ومع سبق الإصرار والتعمُّد، ضرب وعذَّب عبدة، مما أدى إلى وفاتها: وقد وُجِّه إليه الاتهام ثانية بالتسبب في مقتل عبدة أخرى.» [30]

في 7 يونيو 1792، زعق محامي السجين، السيد بيجوت Mr. Pigot، بالاسم فينوس أثناء استجوابه للطبيب توماس دولنج Thomas Dowling، وهو أحد الشاهدين من طاقم السفينة اللذين شهدا بأنهما رأيا القبطان جون كيمبر يقتل فتاة زنجية. طبقًا لشهادة الطبيب، جلدها القبطان بسوط، مرارًا وتكرارًا، «على التعاقب لعدة أيام، وبشدة» مما أدى إلى وفاتها [31]. 

فينوس لم تكن هذه الفتاة الزنجية، بل هي فتاة أخرى ماتت على يد القبطان، وذُكِرت على نحو عابر خلال المحاكمة. يستجوب بيجوت الطبيب بشأنها: 

سؤال: ألم تكن هناك فتاة اشتُرِيت من [التاجر] جاكامتشري، وكانت في الحال نفسه مثل الفتاة التي نتحدث عنها؟ 

جواب: لا أعرف. 

سؤال: ألم تكن هناك فتاة تحمل اسم فينوس؟ 

جواب: نعم. 

سؤال: ألم تكن في الحال نفسه؟ 

جواب: ليس على قدر علمي [32].  

«كانت هناك فتاة أخرى على متن ريكفري ... أسموها فينوس، وهي أيضًا كانت مصابة بالزهري.» [33]

حين بُرِّئ القبطان من قتل الفتاة الأولى، وُجِد غير مذنب كذلك فيما يخص التهمة الثانية. «بما أنه لا يوجد دليل يدعم الاتهام الثاني، أكثر مما دعم الاتهام الأول، قررت هيئة المحلفين تبرئة السجين.» [34]

تلك كانت الكلمات الوحيدة التي قيلت عن فينوس أثناء المحاكمة. 

كتبتُ جملتين عن فينوس في «كتاب الموتى»، مخفية صمتي وراء صمت [وليام] ويلبرفورس William] Wilberforce. أقول عنه: «اختار ألَّا يتحدث عن فينوس، الفتاة الميتة الأخرى. يعطي اسم التدليل رخصة للفجور، ويجعله يبدو مقبولًا.» [35] 

قررتُ ألَّا أكتب عن فينوس لأسباب مختلفة عن تلك التي نسبتها إليه. لقد خشيتُ مما قد أؤلفه، وكان ذلك سيكون رومانس. 

إن كان بمقدوري أن أستحضر ما هو أكثر من اسم في لائحة اتهام، إن كان بمقدوري أن أتخيَّل فينوس تتحدث بصوتها هي، إن كان بمقدوري أن أفصِّل الذكريات الصغيرة المقصيَّة من سجل السفينة، حينها ربما كان من الممكن لي أن أقدِّم الصداقة التي كان من الممكن أن تزدهر بين فتاتين وحيدتين ومرعوبتين. رفيقتا سفينة. حينها سيكون بمقدور فينوس أن ترى صديقتها المحتضرة، أن تهمس بكلمات مطمئنة في أذنها، تهدهدها بالوعود، تهدئها بـ«قريبًا، قريبًا» وتتمنى لها الشفاء. 

تصوريهما: رفات فتاتين، واحدة تهدهد الأخرى، براءات منهوبة؛ لقد لمحهما بحَّارٌ وقال فيما بعد إنهما كانتا صديقتين. فتاتان، بدون عالم يخصهما، وجدتا وطنًا بين ذراعي إحداهما الأخرى. إضافة إلى الهزيمة والرعب، سيكون هناك أيضًا بارقة جمال، بصيص احتمال.

يشحذ فقدُ القصص الجوعَ إليها. لهذا من المغري أن تملئ الفجوات وأن تقدمي ختامًا، حيث لا يوجد ختام من أي نوع. أن تخلقي فضاءً للحداد، حيث يُحظر الحداد. أن تلفقي شاهدًا على موت لم يُلاحظ كثيرًا. 

في حالة حرة، كان سيكون ممكنًا للفتيات أن ينشغلن بموت صديقة ويذرفن الدمع على الفقد، غير أن سفينة العبيد لم تترك مساحة للأسى، وحينما يُكتشف، كانت أدوات التعذيب تُوظَّف لاجتثاثه. لكن عزاء هذه الرؤية -حياة تُدرك ويُرثَى لها في عناق فتاتين- كان يتعارض مع عنف سفينة العبيد المهلك، وفعليًّا مع كل ما كتبت. فكَّرتُ، في البداية، أني أردت أن أمثِّل الانتماءات التي قُطِعت وأعيد وصلها في قعر سفينة العبيد بتخيُّل الفتاتين كصديقتين، بإعطاء إحداهما للأخرى. لكنني أُجبرت، في النهاية، على الاعتراف بأني أردت أن أواسي نفسي، أن أهرب من عنبر العبيد برؤية عن شيء آخر خلاف جسديّ فتاتين مستقرين في قاع الأطلسي.

في النهاية، لم يكن في إمكاني أن أقول عن فينوس أكثر مما قلت عن صديقتها: «أنا غير متأكدة إن كان من الممكن استنقاذ وجود من حفنة كلمات: القتل المفترض لفتاة زنجية.» [36]

لم أستطع تغيير شيء «هذه الفتاة 'لن يكون لها أبدًا أي وجود خارج مسكن الكلمات المحفوف بالمخاطر' التي سمحت بقتلها.» [37]

لم يكن بمقدوري أن أصل إلى أي استنتاج آخر. لهذا كان من الأفضل أن أتركهما كما وجدتهما؛ فتاتان، وحدهما.

أيادٍ تصنع مساحة وتحافظ عليها. تُذكرنا أنها مساحة ليست لنا رغم افتقادها لقصة أصحابها.
تصوير: رنا النمر 2021

إعادة 

اخترتُ ألَّا أحكي قصة عن فينوس لأن فعل ذلك كان لينتهك حدود الأرشيف. يلتزم التاريخ بالإخلاص لحدود الحقيقة، وللبرهان، وللأرشيف، حتى إن كانت تلك اليقينيات الميتة ينتجها الرعب. أردتُ أن أكتب رومانس تتجاوز خيالات التاريخ– الإشاعات، والفضائح، والبراهين الملفقة، والاعترافات المختلقة، والحقائق غير المستقرة، والمجازات المستحيلة، والأحداث الصدفوية، والفانتازيات التي تشكِّل الأرشيف، وتحدِّد ما يمكن أن يُقال عن الماضي. تُقتُ إلى كتابة قصة جديدة لا تقيِّدها أغلال الوثائق القانونية، وتتجاوز إعادة الصياغة والتبديل، اللذين شكَّلا استراتيجيتي لتعطيل وانتهاك بروتوكولات الأرشيف وسلطة مقولاته، ومكنني من تعزيز وتكثيف خيالاته. أن أجد نمطًا جماليًّا مناسبًا أو كافيًا لتقديم حياة هاتين الفتاتين، أن أقرر كيف يمكن تنظيم الكتابة على الورق، سامحةً لمسار السرد بأن تُعيد توجيهه أو أن تكسره أصوات الذاكرة، وأغاني العديد والولولات والترانيم الجنائزية التي يُطلق سراحها على ظهر السفينة، وأن أحاول قلقلة ترتيبات السلطة عبر تخيُّل فينوس وصديقتها خارج اشتراطات المقولات والأحكام التي نفتهما إلى خارج فئة الإنساني وحكمت بأن حياتهما نفاية [38]– كل هذا كان يتجاوز ما يمكن التفكير فيه داخل بارامترات التاريخ. 

تطرح رومانس المقاومة التي فشلتُ في سردها، وحَدَث الحب الذي رفضتُ أن أصفه، أسئلة مهمة عن معنى التفكير تفكيرًا تاريخيًّا في أمور ﻻ تزال موضع نزاع في الحاضر، وعن حياة تجتثها بروتوكولات حقول البحث الفكري. ما المطلوب من أجل تخيُّل حالة حرة، أو لحكي قصة مستحيلة؟ هل من المحتَّم أن تتنبأ شعرية الحالة الحرة بالحدث، وأن تتخيَّل الحياة بعد الإنسان، بدلًا عن انتظار لحظة اليوبيل [39] المتراجعة دومًا؟ هل من المحتم أن يُؤدَّى مستقبل إبطال الرق على الورق أولًا؟ في تراجعي عن قصة هاتين الفتاتين، هل كنت ببساطة أدعم قواعد الرابطة التاريخية و«اليقينيات المختلقة» لقاتليهما، وبفعلي ذلك، ألم أصدِّق على مصيريهما؟ [40] ألم أبعث بهما أنا أيضًا إلى النسيان؟ في النهاية، هل كان من الأفضل أن أتركهما كما وجدتهما؟ 

تاريخ للفشل

إن كان من غير الممكن إبطال العنف الذي يدشِّن السجل الهزيل لحياة فتاة، أو مداوة مجهوليتها باسم، أو ترجمة كلام السلعة، لأي غاية إذن تُحكى مثل هذه القصص؟ كيف يُكتب تاريخ للعنف، ولأي سبب؟ لمَ العودة إلى حدث، أو لا-حدث، موت فتاة؟ 

يرتكز أرشيف العبودية على عنف مُؤسِّس. يحدِّد هذا العنف، ويضبط، وينظِّم نوعية المقولات التي يمكن طرحها عن العبودية، وعلى هذا النحو يخلق ذوات وموضوعات للسُلطة [41]. لا يوفر الأرشيف تقريرًا جامعًا عن حياة الفتاة، لكنه يفهرس المقولات التي أجازت موتها. البقية بأكملها خيال من نوع ما: صبية مفعمة بالحيوية، شرموطة متجهمة، فينوس، فتاة. لقد لفق اقتصاد السرقة والسلطة على الحياة، اللذين حدَّدا معالم تجارة العبيد، السلع والجثث. غير أن حمولات السفن، والكتل الخاملة، والأشياء، لا تمنح ذاتها للتمثيل، على الأقل لا تفعل هذا بسهولة؟ 

في «افقدي أمكِ» حاولتُ أن أُبرز تجربة المستعبدين/ات عبر اقتفاء أثر مسار اختفاء، وعبر رواية قصص تستحيل روايتها. الهدف كان كشف واستغلال عدم التوافق بين تجربة المستعبدين/ات وخيالات التاريخ، أقصد بهذا متطلبات السرد، مادة الذوات، والحبكات، والنهايات. 

وكيف يمكن للمرء أن يحكي قصصًا مستحيلة؟ قصصًا عن فتيات يحملن أسماءً تشوِّه وتمسَخ؛ عن الكلمات المتبادلة بين رفيقات سفن لم يكتسبن قط منزلةً في القانون وفشلن في أن يُسجَّلن في الأرشيف؛ عن الالتماسات، والصلوات، والأسرار التي لم تُنطق قط لأن أحدًا لم يكن هناك كي يستقبلها؟ تؤكد الاتصالات المختلسة التي ربما حدثت بين الفتاتين، لكن لم يلاحظها أو يُبلغ بها أي من أفراد الطاقم، ما نعرف بالفعل أنه حقيقة: لا ينفصل الأرشيف عن ممارسات السلطة التي قتلت فينوس ورفيقتها وبرَّأت القبطان. وهذه المعرفة لا تقرِّبنا، على أي نحو، من فهم حياتيّ الفتاتين أو العنف الذي دمرهما وأسمى الحطام: فينوس. كما لا يمكنها أن تفسِّر لأي سبب نريد -بعد كل هذا الوقت- أن نكتب قصصًا عنهما. 

هل من الممكن تجاوز الحدود المؤسِّسة للأرشيف أو التفاوض معها؟ عبر تقديم سلسلة من الجدالات النظرية، واستغلال قدرات الشرط (صيغة نحوية تعبِّر عن الشكوك، والآمال، والاحتمالات) في تشكيل سردية، مرتكزة على البحث الأرشيفي، وأعني بهذا قراءة نقدية للأرشيف تُحاكي أبعاد التاريخ المجازية، نويت، في آن، أن أحكي قصة مستحيلة وأن أؤكد على استحالة حكيها. الزمانية الشرطية لـ«ما كان من الممكن أن يكون» طبقًا لليسا لووي Lisa Lowe، «ترمز على نحو ملائم إلى فضاء نوع مختلف من التفكير، فضاء انتباه مثمر إلى مشهد الفقد، تفكير ينطوي على انتباه مزدوج يسعى إلى أن يحتوي، في آن، الذوات والمناهج الإيجابية للتاريخ والعلوم الاجتماعية، والمادة الغائبة، العالقة، غير المتاحة، بسبب مناهجها.» [42]

القصد هنا ليس شيئًا في إعجاز استعادة حيوات المستعبدين/ات أو افتداء الموتى، بل الكد من أجل رسم صورة مكتملة على قدر الإمكان لحيوات المأسورين/ات. يمكن وصف هذه الإيماءة المزدوجة بالكدح ضد حدود الأرشيف لكتابة تاريخ اجتماعي للأسير(ة)، وفي نفس الوقت بيان استحالة تمثيل حيوات المأسورين/ات تحديدًا عبر عملية السرد.

يمكن وصف المنهج الذي يوجِّه هذه الممارسة الكتابية بأنه تخييل نقدي critical fabulation. تشير الـ«فابيولا» إلى العناصر الأساسية للقصة، إلى وحدات بناء السردية. الفابيولا، طبقًا لميكا بال Mieke Bal، هي «سلسلة من الأحداث المتصلة منطقيًّا وزمنيًّا تسبب فيها، ويشعر بها، فاعلون. الحدث هو انتقال من حال إلى حال. الفاعلون هم ممثلون يؤدون أفعالًا. (وهم ليسوا بشرًا بالضرورة) أن تفعل يعني أن تتسبب في حدث، أو أن تشعر به.» [43]

لقد حاولت، عبر التلاعب بعناصر القصة الرئيسية وإعادة ترتيبها، وعبر إعادة تقديم تسلسل الأحداث في قصص متشعبة ومن وجهات نظر متنازعة، حاولت تعريض مكانة الحدث للخطر، وإزاحة القصة المتلقاة أو المعتمدة، وتخيُّل ما كان من الممكن أن يكون قد حدث، أو ما كان من الممكن أن يكون قد قيل، أو أن يكون قد فُعِل. بمساءلة «ماذا حدث حين ...»، وباستغلال «شفافية المصادر» كخيالات للتاريخ، أردتُ أن أجعل إنتاج حيوات يسهل التخلص منها (في تجارة العبيد الأطلسية، وكذلك في حقل دراسة التاريخ) مرئيًّا، وأن أصف «مقاومة الموضوع» [44]، وإن كان ذلك بمجرد تخيُّله أولًا، وأن أتنصت على تمتمات ووعود وصرخات السلعة. عبر دَكّ مستويات الخطاب السردي والخلط بين السارد(ة) والمتحدثين/ات، أَمَلتُ أن ألقي الضوء على الطابع الخلافي للتاريخ، والسرد، والحدث، والحقيقة، أن أُسقط تراتبية الخطاب، وأن أُغرق الحديث المعتمد في صدام الأصوات. نتاج هذا المنهج هو «سردية مؤتلفة»، «تعقد جدائل» حكايات غير متوافقة، وتنسج الحاضر، والماضي، والمستقبل في إعادة حكي قصة الفتاة، وفي سرد زمن العبودية كحاضرنا [45].

إن الانضباط السردي، أي رفض ملئ الفجوات وتوفير ختام، هو أحد متطلبات هذا المنهج، وكذلك الالتزام باحترام الضوضاء السوداء -صرخات الذعر، الأنين، الهراء، العتامة- التي توجد دائمًا على نحو يتجاوز القدرة على الفهم ويتجاوز القانون، والتي تلمِّح إلى، وتجسِّد، تطلعات طوباوية بجموح، تنبذها الرأسمالية، وتتضاد مع خطابها المصاحب عن الإنسان. [46]

القصد من هذه الممارسة ليس إعطاء صوت للعبد(ة)، بل تخيُّل ما لا يمكن التحقق منه، حقل للتجربة يتموضع بين نطاقين للموت: الاجتماعي والجسدي، والانتباه إلى الحيوات المحفوفة بالمخاطر، المرئية فقط لحظة اختفائها. إنها كتابة مستحيلة تحاول أن تقول ذلك الذي يقاوم القول (بما أن الفتيات الميتات غير قادرات على الحديث). إنه تاريخ لماضي لا يمكن استعادته؛ سردية لما ربما كان، أو كان من الممكن أن يكون؛ إنه تاريخ مكتوب بالأرشيف وضده.

من المسلَّم به أن كتابتي أنا ذاتها ليس بمقدورها تجاوز حدود ما يمكن قوله، ذلك الذي يمليه الأرشيف. تعتمد كتابتي على السجلات القانونية، ويوميات الأطباء، ودفاتر الحسابات، وقوائم حمولات السفن، وسجلات القباطنة، وتتلعثم في هذا الشأن أمام صمت الأرشيف وتعيد إنتاج محذوفاته. يكمن عنف تجارة العبيد الأطلسية، الذي لا سبيل إلى مداوته، تحديدًا في كل القصص التي لا نستطيع أن نعرفها والتي لن تُستعاد أبدًا. هذا العائق الهائل، أو الاستحالة المؤسِّسة، يحدِّد بارامترات عملي.

إن الفشل المحتوم في أي محاولة لتمثيل فينوس يُلقي بظله على ضرورة حكي موتها. أعتقد أن هذا توتر خلَّاق، ولا يمكن تجنبه، في سرد حيوات التابعـ(ـة)، والمستلبـ(ـة)، والمستعبد(ة). في إعادة حكي قصة ما حدث على متن ريكفري، أكدَّتُ على عدم التوافق بين الخطابات السائدة والحدث، وألقيتُ الضوء على عدم استقرار الأرشيف وتضاربه، وهزأتُ بالوهم الواقعي المألوف في كتابة التاريخ، وأنتجتُ تاريخًا مضادًا على تقاطع الخياليّ والتاريخيّ. طبقًا لجالاجر Gallagher وجرينبلات Greenblatt «لا يضع [التاريخ المضاد] نفسه في موقع معارضة السرديات المهيمنة فقط، بل كذلك الأنماط السائدة للفكر التاريخي ومنهجيات البحث.» [47] غير أن تاريخ المشروعات التاريخية المضادة السوداء هو تاريخ للفشل، تحديدًا لأن تلك السرديات لم تستطع قط أن تُنصِّب نفسها كتاريخ، بل هي سرديات متمردة، هدَّامة، تُهمَش، وتُدفع خارج مسارها قبل أن تكتسب موضع قدم. 

إن كان لقصة فينوس هذه أي قيمة على الإطلاق فهي بيان الطريقة المقيَّد بها عصرنا إلى عصرها. هي علاقة قد يصفها البعض بأنها نوع من الملنخوليا، لكنني أفضِّل أن أصفها بأنها الحياة الآخرة للممتلكات، وأقصد بذلك أنقاض حيوات ما زال يتعين علينا الاعتناء بها، ماضٍ ما زال يتعين أن يُفعل، وحالة طوارئ مستمرة تظل خلالها الحياة السوداء في خطر.

لهذه الأسباب، اخترت أن أتعامل مع سلسلة من المعضلات تخص التمثيل، والعنف، والموت الاجتماعي، ليس باستخدام شكل الخطاب الميتا تاريخي، بل بأداء performing حدود كتابة التاريخ من خلال فعل السرد. فعلتُ هذا في المقام الأول لأن: (1) لا تعمل سرديتي خارج اقتصاد المقولات التي توجِّه إليها النقد. (2) تلك الوجودات المقصية إلى اللاتاريخي، أو المعتبرة نفاية، لها اشتراطاتها على الحاضر، وتطالبنا بأن نتخيَّل مستقبلًا تكون فيه الحياة الآخرة للعبودية قد انتهت. بدلًا عن أن تؤدي بنا ضرورة محاولة تمثيل ما لا نستطيع تمثيله إلى التشاؤم أو القنوط، يتعين اغتنامها على أنها الاستحالة التي تحدد معرفتنا بالماضي وتنعش رغبتنا في مستقبل مُحرَّر. 

إن جهدي لإعادة تشكيل الماضي هو، كذلك، محاولة لوصف، على نحو غير مباشر، أشكال العنف المسموح بها في الحاضر، أعني أشكال الموت التي يُطلق لها العنان باسم الحرية، والأمن، والحضارة، والرب/ الخير. إن السرد جوهري لهذا الجهد بسبب «الصلة التي يطرحها، سواء صراحة أو ضمنًا، بين الماضي، والحاضر، والمستقبل.» [48] والتصارع مع مطالبة الفتاة بالحاضر هو طريقة لتعريف عصرنا، وللتفكير في حاضرنا، ولتصوُّر الماضي الذي خلقه.

لم أكتشف لسوء الحظ طريقة لتشويش الأرشيف بما يجعله يستدعي محتوى حياة فتاة، أو يكشف عن صورة أكثر تفصيلًا، كما لم أنجح في اقتحام سِجلّ الوفيات الذي صدَّق على منزلتها كسلعة. المجموعة العشوائية من التفاصيل التي استخدمتها هي التوصيفات، والاقتباسات عينها، ومحاضر المحاكمة نفسها، التي أرسلت بها إلى موتها، وجعلت القتل «لا يُلاحظ كثيرًا» على الأقل طبقًا للطبيب [49]. يتوالد عن عُهر الأرشيف مدى واسع من القراءات، لكن ليس لأيٍ منها القدرة على رد الحياة للفتاة.

تكرِّر سرديتي نسق العنف ذاته الذي تُكتب ضده بوضع اشتراط آخر على الفتاة، بالمطالبة أن تُجعل حياتها مفيدة أو ذات مغزى تعليمي، بالعثور فيها على درس من أجل مستقبلنا أو على أمل من أجل التاريخ. نعرف جميعًا أفضل من هذا. لقد فات أوان أن تمنع سرديات الموت ميتات أخرى، ومن السابق لأوانه أن توقف مثل هذه المشاهد جرائم أخرى. لكن في هذه الأثناء، في فضاء الفاصل، بين «فات أوانه» و«سابق لأوانه»، بين «لم يعد» و«ليس بعد»، تكون حيواتنا معاصرة لحياة الفتاة في مشروع الحرية غير المكتمل حتى اللحظة. في هذه الأثناء، من الواضح أن حياتها وحيواتنا تتدلى على المحك. 

ما الذي يفعله المرء إذن في هذه الأثناء؟ ما هي القصص التي يحكيها المرء في الأزمنة الحالكة؟ كيف لسردية هزيمة أن توفر مكانًا للأحياء أو تتصور تاريخًا بديلًا؟ يلاحظ ميشال دو سارتو Michel de Certeau أنه توجد طريقتان، على الأقل، يمكن لعملية التأريخ أن تصنع من خلالهما مكانًا للأحياء: الأولى هي الانتباه إلى الماضي وتوظيفه من أجل الأحياء، وتحديد من نكون نسبةً إلى من كنا، أما الثانية فتستلزم مُساءلة إنتاج معرفتنا عن الماضي [50]. على غرار ما يطرحه سارتو، تقدِّم «نسب» Kindred لأوكتافيا بتلر Octavia Butler نموذجًا للممارسة [51]. حين تسافر دانا، بطلة رواية بتلر التأملية، من القرن العشرين إلى عشرينات القرن التاسع عشر كي تقابل جدتها الكبرى المستعبدة، تجد دانا، لدهشتها، أنها غير قادرة على إنقاذ قريبتها أو الفرار من علاقات العنف والسيطرة المتشابكة، بل يحدث أن تقبل أن هذه العلاقات جعلت وجودها ذاته ممكنًا. مع وضع هذا في الاعتبار، يتعين علينا أن نحمل ما لا يمكن حمله: صورة فينوس في الأغلال. 

نبدأ القصة مرة أخرى، كما دائمًا، في أعقاب اختفائها وبأمل جامح أن يكون بوسع جهودنا أن تعيدها إلى العالم. يُحدِّد ائتلاف الأمل والهزيمة معالم هذا الجهد، ويترك الناتج مفتوحًا. إن لمهمة كتابة المستحيل، (ليس المدهش أو الطوباوي، بل «تواريخ جُعلت غير حقيقية وغرائبية») [52] شروطًا مُسبقة هي تقبُّل الفشل المحتمل والاستعداد لقبول الطابع المتواصل، غير المكتمل، والمؤقت، لهذا الجهد، خصوصًا حين تُطبِق ترتيبات السلطة على الشيء ذاته الذي نرغب في إنقاذه [53]. مثل دانا، نخرج نحن أيضًا من اللقاء بإحساس عدم اكتمال، وبإدراك أن جزءًا ما من الذات مفقود كنتيجة لهذا الارتباط.

سمكة الروفي البرتقالية أو الـOrange Roughy هي سمكة كبيرة نسبيًا، بطيئة النمو، ويتعدى عمرها أحيانًا 200 عام. قد يعني ذلك أن العديد من سمكات الروفي البرتقالية التي عاصرتنا في القرن الـ21 قد عاصرت أيضًا رحلات العبيد عبر الأطلسي وشاركت حوض المحيط الواسع مع كل الجثث الملقاة من السفن، كشاهد صامت لتفاصيل الموت. أحيانًا نتوق للتعرف على الماضي من خلال ملاحظة أحد مكوناته وليس عن طريق متابعة أحداثه.
تصوير: رنا النمر 2021

هوامش:

 1- «Last night cum Dido» سجَّل ملاحظ العبيد الجامايكي توماس ثيسلوود مآثره الجنسية مع النساء المستعبدات باللاتينية: Cum sup terr (ضاجعتها على الأرض) في:

Douglas Hall, ed., In Miserable Slavery: Thomas Thistlewood in Jamaica 1750–1756 (Kingston: The Press University of the West Indies, 1998), 31. Samuel Derrick, Harris’s List of Covent-Garden Ladies, or Man of Pleasure’s Kalendar for the Year 1793 (London, 1793: reprint Edinburgh: Paul Harris Publishing, 1982), 83. John Gabriel Stedman, Stedman’s Surinam: Life in an Eighteenth-Century Slave Society, ed. Richard Price and Sally Price (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1992).

 2- الباراكون barracoon: نوع من الثكنات استخدم على امتداد سواحل غرب إفريقيا لاحتجاز المستعبدين/ات تمهيدًا لنقلهم/ن عبر الأطلسي. [المترجم]

3- لرواية مستفيضة عن مأزق فينوس، انظر/ي: 

Janelle Hobson’s Venus in the Dark: Blackness and Beauty in Popular Culture (New York: Routledge, 2005).

4- See M. NourbeSe Philip, She Tries Her Tongue, Her Silence Softly Breaks (London: The Women’s Press, 1993).

5- Michel Foucault, “Lives of Infamous Men,” in The Essential Foucault, ed. Paul Rabinow and Nikolas Rose (New York: New Press, 2003), 284.

6- Ibid, 282. 

7- Ibid, 281, 284.

8- M. NourbeSe Philip, Zong! (Middletown: Wesleyan University Press, forthcoming).

9- Stephen Best, “The African Queen,” unpublished essay.

10- Assia Djebar, Fantasia: An Algerian Cavalcade, trans. Dorothy S. Blair (London: Heinemann, 1993).

11- في قراءتها لقصة سعادت حسن منتو Sa`adat Hasan Manto "كهول دو" Khol Do، التي يطالب فيها أب بجسد ابنته المنتهكة، تكتب فينا داس: "يشاء هذا الأب لابنته أن تعيش حتى إن لم تكن أجزاء من جسدها بمقدورها أن تفعل شيئًا سوى إعلان انتهاكها الوحشي. ... يخلق عبر كلامه ["ابنتي على قيد الحياة – ابنتي على قيد الحياة."] بيتًا لذاتها المشوهة، المنتهكة." 

Veena Das, Life and Words: Violence and the Descent into the Ordinary (Berkeley: University of California Press,

2007) 39, 47.

12- في تجارة العبيد الأطلسية، الممر الأوسط Middle Passage هو مرحلة النقل القسري للمأسورين/ات عبر المحيط الأطلسي إلى الأمريكتين. [المترجم]

13- Stephanie Smallwood, Saltwater Slavery (Cambridge: Harvard University Press, 2007)

14- جبر الضرر reparations: مبادرات، قد تأخذ أشكالًا مادية أو معنوية، تسعى إلى معالجة الأضرار الناجمة عن انتهاكات واسعة، وممنهجة، لحقوق الأفراد والجماعات. [المترجم]

15- Achille Mbembe, On the Postcolony (Berkeley: University of California Press, 2001), 173–74.

يكتب مبيمبي عن الطبيعة الاعتباطية، والمتقلبة، للسلطة المستعمِرة "في قبضها على، وقتلها، ما قُرِّر مسبقًا أنه لا شيء، أنه شكل خاوٍ" (189).

16- Das, Life and Words, 17.

17- الرومانس Romance، "تصوير قصصي للمنجزات البطولية، والمشاهد صارخة الألوان والحب الملتهب أو التجارب الخارقة للطبيعة. وفي بعض الأحوال يشير المصطلح إلى قصة مغرقة في الأوهام أو أحلام اليقظة". ص. 186-187، "معجم المصطلحات الأدبية"، إعداد إبراهيم فتحي. [المترجم]

18- Fred Moten, In the Break (Minneapolis: University of Minnesota, 2003), 14–22, 198–200.

19- Elaine Scary, On Beauty and Being Just (Princeton: Princeton University Press, 2001), 14.

20- العمة هيستر ومزرعة البيت الكبير: إحالات إلى أحداث في "قصة حياة فردريك دوجلاس، عبد أمريكي"، 1845، لفردريك دوجلاس Frederick Douglass. ايميت تل Emmett Till (1941-1955): أفريقي أمريكي قُتل في الرابعة عشرة من عمره بعد اتهامه بالإساءة إلى امرأة بيضاء أثناء زيارة لأقارب في بلدة صغيرة بولاية مسيسيبي. ضُرب وشوه، قبل أن يُضرب بالرصاص في رأسه، ويُلقى جسده في نهر تالاهاتشي. في النهاية، بُرِئ قاتلوه. أصرت والدته على عمل جنازة عامة، وبنعش مفتوح. [المترجم]

21- Saidiya Hartman, Lose Your Mother (New York: Farrar, Straus, and Giroux, 2007), 17.

22- Ibid., 136–53.

23- Foucault, “Lives of Infamous Men,” 284.

24- “A Voyage in the Albion Frigate,” in Churchill’s Voyages, vol. 5 (1732), reprinted in George Francis Dow, Slave Ships and Slaving (New York: Dow, 2002), 81.

25- Alexander Falconbridge, An Account of the Slave Trade on the Coast of Africa (London: J. Phillips, 1780), 23–24. Olaudah Equiano, The Interesting Narrative (1789; reprint, New York: Penguin, 1995), 104.

26- المزرعة plantation: ضيعة كبيرة في جنوب الولايات المتحدة اعتمدت على عمل المستعبدين/ات القسري. [المترجم]

27- Hall, In Miserable Slavery, 72.

28- للعبارات الوحشية المنسكبة على صفحات يومياته، أنظري الهامش رقم 1. فيبا ودايدو كانتا عبدتين سجَّل ثيسلوود علاقته بهما في يومياته المفصلة. يكتب ثيسلوود عن اغتصاباته المتكررة لدايدو وكثيرات غيرها. ربما كانت علاقته بفيبا أكثر تعقيدًا. أنجب منها، وحررها في وصيته، حيث دعاها "زوجتي". [المترجم]

29- Stedman, Stedman’s Surinam, 248.

دليا، درانا، رنتي، وچاك كانوا موضوعات التصوير الفوتوغرافي لدراسة لويس أجاسيز Louis Aggasiz عن تعدد أصول الأعراق؛ أنارشا كانت واحدة من النساء المستعبدات الإحدى عشر اللاتي أجرى عليهن مورتون سيمز Morton Sims، مؤسس علم أمراض النساء، التجارب. انظر/ي:

Harriet Washington, Medical Apartheid: The Dark History of Medical Experimentation from Colonial Times to the Present (New York: Harlem Moon, 2006).

30- The Trial of Captain John Kimber for the Murder of Two Female Negro Slaves, on Board the Recovery, African Slave Ship (1792), 2.

31- The Whole of the Proceedings and Trial of Captain John Kimber, for the Murder of a Negro Girl (1792), 14–15.

32- Ibid., 25.

33- Trial of Captain Kimber for the Murder of a Negro Girl (1792), 19.

34- Trial of Captain John Kimber for the Murder of Two Female Negro Slaves, 36; The Trial of Captain Kimber for the Supposed Murder of an African Girl, at the Admiralty Sessions (1792), 43.

35- Hartman, Lose Your Mother, 143.

36- Hartman, Lose Your Mother, 137.

37- Ibid.

38- See Sylvia Wynter, “Unsettling the Coloniality of Being/Power/Truth/Freedom,” CR: The New Centennial Review 3, no. 3 (2003): 257–337.

39- اليوبيل هو العام الذي يُنادى فيه "بالعتق في الأرض لجميع سكانها". سفر اللاويين 25: 8 – 11. [المترجم]

40- Stephan Palmié, Wizards and Scientists: Explorations in Afro-Cuban Modernity and Tradition (Durham: Duke University Press, 2002), 94. See also Michel Rolph Trouillot, Silencing the Past (Boston: Beacon Press, 1997)

41- Michel Foucault, Archaeology of Knowledge (New York: Pantheon, 1972), 128–29.

42- Lisa Lowe, “The Intimacies of Four Continents,” in Ann Laura Stoler, ed., Haunted by Empire: Geographies of Intimacy in North American History (Durham: Duke University Press, 2006), 208.

43- Mieke Bal, Narratology: Introduction to the Theory of Narrative (Toronto: University of Toronto Press, 1997), 7.

44- Moten, In the Break, 14.

45- فكرة السردية المؤتلفة مستعارة من ستان دوجلاس Stan Douglass، لكن تعرُّفي على الفكرة أتى من مقال نوربيسي فيليب غير المنشور.

46- See Stephen Best and Saidiya Hartman, “Fugitive Justice,” Representations, no. 92 (Fall 2005): 9.

47- Catherine Gallagher and Stephen Greenblatt, “Counter-History and the Anecdote,” in Practicing New Historicism (Chicago: University of Chicago, 2001), 52.

48- David Scott, Conscripts of Modernity: The Tragedy of Colonial Enlightenment (Durham: Duke University Press, 2004), 7.

49- Trial of Captain John Kimber, for the Murder of a Negro Girl, 14; Trial of Captain John Kimber for the Supposed Murder of an African Girl, 20.

50- Michel de Certeau, The Writing of History (New York: Columbia University Press, 1992)

51- Octavia Butler, Kindred (Boston: Beacon Press, 2002)

52- Palmié, Wizards and Scientists, 97.

53- يصف سلافوي جيجك ذلك كممارسة لاستسلام متحمس: "الحماس كإشارة إلى تجربة الشيء من خلال فشل تمثيله على نحو كافٍ. الحماس والاستسلام ليسا إذن لحظتين متضادتين: إن 'الاستسلام' ذاته، أي تجربة استحالة معينة، هو ما يُحرِّض على الحماس." 

“Beyond Discourse-Analysis,” in Ernesto Laclau, ed., New Reflections on the Revolution of Our Time (New York: Verso, 1990), 259–60.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن