تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فوق الجلد

فوق الجلد

كتابة: بلال حسني 7 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

#جو عام

كلام بلال حسني في هذا الديتوكس، عما يقينا البرد الزمهرير الذي نعاني منه هذه الأيام، ويخبر الآخرين برسائل ملبوسة، فكلامه عن الملابس التي تلعب دورًا أكبر من المنظر، فهي حدود أرواحنا الظاهرة للناس، الطبقة القابلة للتغيير منّا، فالملابس قماشتها واسعة حسب الطقس أو المزاج أو المشوار. 

#دليل

في صيف 1996، كان ينتظرني أتوبيس رحلة مُتجهة إلى بورسعيد عند ميدان ساعة الزهور، معظم ركابه نساء عجائز، فهي رحلة لموظفات هيئة التأمين الصحي، كان هناك مقعد فارغ، حجزته لي جارتنا التي تعمل في الهيئة. كانت هذه زيارتي الأولى لبورسعيد التي اعتبرها السكندريون في ذلك الوقت مدينة الملابس، حيث يمكنك العثور على البنطلون المثالي لفسحة العيد. لكنني كنت خائبًا ومترددًا، أتجول من محل إلى آخر. البورسعيدية محاطون بنسمات البحر الرائقة، يختلفون عن السكندريين في ذاكرتي، أولئك الذين يخدعون المصيفين ببيع قشر البطيخ على أنه سمك «محرات»، مستغلين كونه بلا قشر يخفي حقيقته.

وفي بورسعيد 96، كان عليّ شراء أي شيء، أي شيء، قبل العودة. مر النهار سريعًا، وفي الساعة التي كان يجب أن أسرع فيها لأصل إلى أتوبيس الرحلة، جذبت أول بنطلون من فرش أحد الباعة، دفعت ثمنه دون أن أجربه، واكتفيت بتفحصه من الأمام والخلف، وضعت كوعي داخل «كمرة» البنطلون لمعرفة مقاسي التقريبي.

وفي وقفة العيد، سحبت البنطلون لأول مرة من الدولاب. بمجرد أن ارتديته، شعرت أن هذه ليست مؤخرتي، بل حتى أفخاذي بدت غريبة عليّ. خرجت للسهر عند منزل أحد أصدقائي في آخر الشارع، وقلت لنفسي: «ما حدش هياخد باله.. يمكن تكون موضة جديدة». لكن تلك اللحظة التي رأيت فيها أخت صديقي تتفحصني بابتسامة لطيفة أربكتني، ابتسامتها قالت دون كلام إنه بنطلون نسائي. ما معنى أن يكون بنطلون الجينز نسائيًا؟ كنت أظنه محايدًا، بلا تمييز بين الرجل والمرأة. أدركتُ أن ما يُقال عنه «محايد» قد لا يكون كذلك أبدًا.

كان شعوري خليطًا من الحرج والتهريج والرغبة في إظهار ما هو شكل جسد الرجل خلف البنطلون. شعرتُ للحظة أنني مكشوف أكثر مما ينبغي، ورغبت في ذلك. كانت فرصة مبطنة لكي تتفحص تضاريسي الذكورية دون أن يعني ذلك شيئًا آخر. استدرت مرتين أو ثلاثًا وأنا أشير لها إلى مواضع غير مريحة في تفصيل البنطلون، محاولًا أن أبدو عفويًا، قلدت صديقاتها في حركاتهن. إلا أنني في النهاية لعنت كل شيء: الجارة، هيئة التأمين الصحي، المدن. وفي اليوم التالي تركت البنطلون في الدولاب، ولم أعد إليه مُطلقًا. على الرغم من أنني، للحظة، شعرت بجمال أن تكون أنثى، كتجربة لم يكن لها أن تتكرر. 

***

ننظر بعيون واسعة إلى الموضة التي يرتديها الشخص أمامنا، ولا يهم من هو، أو موقعنا منه، ولأننا كأجساد تتحرك داخل ملابسها طوال الوقت، أجسادنا مخفية جدًا مثل العبء، تصبح الملابس التي يرتديها الآخرون ملفتة وحاضرة بخطوتين أو ثلاث قبل نوافذ العيون ولغة الجسد وما تحدثنا به طبيعة الجلد، وحتى ولو فرغنا منها ومن رسائلها بعد النظرة الأولى، يظل ما نرتديه مدخلًا خاصًا، بابًا موصودًا، لكنه دون حراسة. عن قصد أو دون قصد، نسمح للآخرين بالاقتراب من ذواتنا عبره.

حين نتحرر من ملابسنا في المنزل، هذا التحرر يمنحنا طقوسًا جديدة للحركة: تتمايل الخصيتان، ويرفرف الثديان، ترتعش الترهلات أو يصدر الجلد المشدود موجاته الاهتزازية، نتأمل بروز عظامنا والبقع السوداء الصغيرة كعلامات لاحتمال تصدع الجسد.

تصبح أجسادنا في أيدينا، وتستعيد مساحتها الأصلية. كما لو أننا ننعم أخيرًا بدردشة على مهل لأنفسنا. الأقمشة والمفروشات حولنا تستشعر حضورنا في البداية، تخشى الاقتراب، لكنها تتخلص من توترها، وتنسجم معنا، ونتبادل معها الأدوار. نصبح أجسادًا خالصة، نتحرر ليوم أو بعض يوم من قميص المجانين وبدلة الإعدام المؤجل، من التحضر، والنضج الزائف.

حين يقف الإنسان أمام دولاب الهدوم، ساعة الخروج من البيت، يفكر هل هو يوم التبختر، أم يوم الاختباء في الهدوم اللطيفة؟ هل تساعدني الملابس التي تبرز عمودي الفقري، أم أن هناك معركة تفاهم تستلزم التشمير وإبراز حركة الكفين؟ هل أرتدي بنطالًا قصيرًا يكشف الأشكال الهندسية الدقيقة للجوارب، فيوهم الشخص الذي سأقابله بأنه تسلل إلى روحي من باب خلفي، أم أختار قماشًا واسعًا يناسب احتضان الأقارب في الزيارات العائلية؟ أي قطعة من دولاب الهدوم تصلح كمصدّات لأمواج الصدر؟ هل سأضع الجاكيت معلقًا خلفي على الكرسي أم على حجري؟ هل أنساه عمدًا في نهاية مقابلتنا ليكون سببًا للقاء آخر وحديث لم ينتهِ كما يجب؟ ماذا سأفعل ببلوفر «عمرو دياب» بعد زوال التسعينيات؟

ما بقي من ثورة يناير هو صورة ليوم فقدت فيه حذائي هاربًا من عساكر الأمن المركزي، والشبشب الذي ألقت به سيدة عجوز من البلكونة لإنقاذي. ألطف قصص الحب هي التي أهدته فيها خصلة من شعرها، ولم يجد ما يفعله غير أن مزق جيب قميصه وأهداه لها، في حركة واحدة، كأنه انتزع قلبه في الوداع. ارتداؤنا، أنا وأخوتي، بالطو بابا ونحن الثلاثة داخله، نخيف أقاربنا في الليل.

كل حجرات البروفة في محلات الملابس، حيث قسنا أكثر الثياب التي لا تشبهنا أو لا نملك أثمانها. الحفلات التنكرية حين تقمصنا أدوارنا: راقصة في الثلاثينات من القرن الماضي، وخواتم وأحزمة الأبضايات، وتاجر القطن، والبحارة السُكارى يطرقون الطاولات، ثم رجعنا آخر السهرة إلى بيوتنا بنفس الهيئة، خلعناها ولا تزال معنا، وأُصبنا بنزلات البرد واللعنة، وفصلت جدتنا لنا عرائس من ورق نرتديها تحت ملابسنا ثم خذقتها وأحرقتها على وابور الجاز، وتمتمت بتعويذتها.

أتخيل أن ملابسنا لديها هواجسها الخفية. تستعرض نفسها، تتباهي، ثم تندمج، ثم تتآكل ببطء، متساءلة عن فقدان بريقها، ومحاولة إيجاد معنى وجودي للتقادم قبل أن تفنى. طفولتنا الثانية تبدأ عندما تتحول ملابسنا الداخلية إلى فوط مطبخ، جنبًا إلى جنب مع كمبيلزونات أمهاتنا وألبسة آبائنا، كلها تجد طريقًا جديدًا للحياة، تواجه سخونة الحلل وعيون البوتجاز، تمتص زيوت الطعام، وتشهد بصمات الأيدي على الجدران.

بينما نعيد استهلاكها، وتلقى مصير قطارات هيئة السكك الحديد المتكهّنة، تتحول ملابس الخروج تدريجيًا؛ فالضعيف منها يصبح مجرد خِرَق، أما العزيز فيُحفظ في الدولاب، جنبًا إلى جنب مع فستان الفرح وحذاء المولود الأول. وفي النهاية، يتبقى منها ما نصنفه كملابس منزلية، بعدما فقدت ملاءمتها للمناسبات التي اخترناها لها في البداية. يقع عليها أن تحمي المنزل من العزلة وتستمر في أن تحكي له عن مشاويرها السابقة، وعن السفر. كانت ملابسنا المتكهّنة ذات يوم تستهلك جزءًا أصيلًا من اليوم؛ من الوقوف أمام دولاب الملابس، نحب أن نظهرها، نخوض بها معاركنا اليومية البسيطة، ونخشى عليها من التلف. أصبحت الآن تمارس دورها الجديد خلال النهار: نتضاجع بها، ونصلح بها الأجهزة، ونقابل بها الصنايعية ومحصلي الكهرباء، ونخرج بها في أمسيات قصيرة إلى المقاهي والمحلات المجاورة.

***

هل للملابس سلطة؟ هل يضحك علينا أصحاب الزي الموحد؟ هل يمزح رجال الإطفاء والممرضون وعمال الفنادق حولنا بينما نتحرك في شوارع وسط البلد؟ هل يمكننا ممارسة التخريب إلا عبر الملابس؟

في قسم شرطة باب شرقي، يجتمع الأهالي عند المدخل، لا أحد بملابس مهندمة، فقط حقائب صغيرة يظهر منها الطعام، زجاجات العصير، قطع الملابس. ينتظرون السماح بتوصيل «تعيينهم المنزلي» للمقبوض عليهم. يرفرف قماش العباءات السوداء، لكن أثر الجلوس الطويل على الأرض رسم خطوط اتساخ. هناك، أعطت أم طفلها كيس «لوليتا» مثلج. هل سُميت تيمنًا برواية فلاديمير نابوكوف؟ على العموم، أعطته أمه تعليمات أن يمصها بأسنانه العلوية ببطء. كان شعره قصيرًا مثل العشب. كأنه ساعتها الخاصة، وميقاتها هو انتهاء «لوليتا» حتى آخرها.

طفل اللوليتا هذا يشبهني يوم جلست قرفصاء على النجيلة أمام حمام الضيوف في فيلا خالي الكبير بكينج مريوط، بينما كانت امرأة رشيدية قوية تُغسل ماما استعدادًا للدفن. في وداع أخير بلا ملابس. سمعتُها تضحك معها، كما لو كانت تودعها بمزاح قديم. ثم خرجت لتعطيني آخر ملابس ماما.

بعد أيام، استيقظت من حلم دفعني للوقوف أمام دولاب ماما. فهي كانت تشتري ملابس تعرف أنها لن ترتديها أبدًا في الأماكن العامة. اخترت جوربًا قديمًا، بلا نقوش. لم يكن نظيفًا تمامًا لكنني ارتديتُه، لم يكن انتهاكًا، بل مزيجًا غامضًا من المُتع الهامشية والأذى، وصلة أسلاك خفية بيني وبينها. كان هناك عناق واهن بين أصابعي والقماش من الداخل، كأنني استعدت شكل قدميها من جديد. لو كان بإمكاني قراءة قلبي قبل أن أفعل ذلك، ربما كنت سأفهم.

***

كان لديّ مقابلة عمل مع رجل كل معرفتي عنه أنه تزوج من جارتنا واستولى تدريجيًا على شركات ومحلات أبيها. وكان عليّ أن أخمن ما إذا كان سيختارني للعمل في مكتبة بيع الكتب التي يملكها، أم كمسوّق لشركته لتوكيل بيع كاسيتات السيارات، أم كمُحصّل نقدية. استبعدت كل القمصان المخططة والمشجرة، فلا يمكنني أن أقوم بدور الغابة فيضطر هو لتقمص دور الصياد. قميص سادة فاتح اللون سيفي بالغرض، وبما أن المقابلة نهارية، فأنا فريسة مموهة. انشغلت بفكرة وحيدة: ترك انطباع واضح خلال المقابلة، وعليه أن يخمّن أن المقابلة التالية ستكون للتسكّع ثم السهر. ملابس تقول: «أنا مهتم اشتغل معاك، لكن ده لا يشمل كل خططي النهاردة».

ارتديتُ جورب ماما مع حزام احتفظت به ماما من ملابس بابا. في المساء، احتفلت بتلك الطقوس الخفية في فندق كريون، احتفالًا بلم الشمل عبر الملابس. كل شيء مر كما يجب، لكن خلف النافذة المغلقة، كان المنظر الطبيعي يمر ككل عام، دون أن أتمكن من العثور على أي شكل فيه.

كل صباح، أقف أمام دولاب الهدوم. قبل شروق الشمس، لا أحب الإضاءة الفلورسنت في بداية النهار، أعرف ترتيب الملابس وأماكنها، وأتذكر الطريقة التي استقرت بها آخر مرة، فاعتمد على العتمة القليلة، ومن ملمسها اختار ما يناسب خطة اليوم.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن