تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فوتوغرافيا الشارع في دمشق: التصوير لتوثيق التغيير.. وللفهم أيضًا

فوتوغرافيا الشارع في دمشق: التصوير لتوثيق التغيير.. وللفهم أيضًا

كتابة: شهد محمد قيس 9 دقيقة قراءة
تصوير: عبيد الله حسين

«لنجعل الطريق طويلًا» يقترح عُبيد الله حسين (1995) ذلك على أي شخص يمشي معه، خصوصًا إن كانا قد تكلما في التصوير الفوتوغرافي والفن، وهذا يحدث في الغالب مع زملاء دراسته في قسم التقنيات في المعهد العالي للفنون المسرحية. طريق يستغرق عشر دقائق سوف يستغرق نصف ساعة أو أكثر. يتوقف كل بضع خطوات، يشير إلى بعض الأماكن والجدران والتكوينات البصرية ثم يخبرك كيف يرغب في تصويرها.

بعض هذه الصور تبقى مخزنة على اللابتوب تنتظر الوقت المناسب، وبعضها يُنشر على فيسبوك، وهناك تصير الصورة ملكًا للمتلقي الذي سوف يقرؤها بطريقته، بذاكرته وهذا أمر جيد. السيئ عندما تُستخدم بشكل فج لصالح بروباجندا لم يقصدها المصور.

دمشق اليوم، ومنذ عشر سنوات، تتصدر الأخبار في العالم، وكل صورة عليها أن تحمل كل الصراعات معها. واجه حسين تجربة كهذه في 2016، عندما استخدم شخص صورته في منصة إخبارية [يفضّل عدم ذكر اسمها]؛ كانت الصورة لأطفال يلعبون فوق سيارة محترقة. يقول حسين إن العنوان الذي وضعوه للصورة كان دخيلًا، ويحمّلها خطابًا يفوق طاقتها. «صلي عالنبي يا زلمة» كانت هذه ردة فعله عندما رأى عنوان صورته.

في مقابل التأويل الدائم في اللحظة التي تُنشر فيها الصور على منصات التواصل الاجتماعي٬ وفي مقابل هيمنة فوتوغرافيا المأساة في سوريا٬ وجد شباب سوريون طريق جديد لهم في شوارع المدينة بفعل تصوير هذه الشوارع. يصورون لحفظ الذاكرة وتوثيق التغيير. يصورون لرصد تناقضات المكان في اللحظة الآنية. يصورون ليفهمون.

لم يوقفه ذلك عن النشر. منصات التواصل الاجتماعي هي المكان الأمثل لعرض فوتوغرافيا الشارع لقلة المعارض وصعوبة المشاركة فيها خصوصًا إن كان المصور لا يزال في مرحلة التجريب. فيسبوك وانستجرام يقدمان فرصة للعرض والنقاش أثناء فترة التجريب هذه.

فوتوغرافيا الشارع ممارسة قديمة، لكنها في سوريا تبدو جديدة كلّ مرة في غياب كتب الصور والتجارب الموثقة، وأكثر ما يمكن إيجاده هو بعض الصور السياحية لدمشق القديمة وللطبيعة، بالإضافة لصور آثار الحرب بجميع أشكالها. في العشر سنوات الأخيرة منذ 2011 تغيّرت دمشق على عدّة أصعدة، وهذا وقت يثير مصوري الشارع، لكنه في الوقت نفسه يبعدهم عنه.

بالنسبة لحسين، وللكثير غيره، لم يكن من الآمن الخروج إلى الشوارع والتصوير بحرية في فترات كانت تنزل فيها القذائف بشكل عشوائي في دمشق. اضطر للبقاء في المنزل والتوجه إلى التصوير المفاهيمي. لاحقًا عاد إلى الشارع، لكن الأمر ليس مريحًا بشكل كامل حتى لو لم تكن هناك قذائف. يقول حسين: «الستريت فوتوغرافي بدمشق هو اضرب واهرب»، مشيرًا إلى منع التصوير في سوريا دون ترخيص، وأيضًا لأن حمل الكاميرا ليس مريحًا للكثيرين. مع ذلك٬ يجد أن هذا سيصنع صورًا عن طريق المصادفة. تلتقط الصورة بسرعة وتهرب، لتجد شيئًا آخر عندما تعود لتراها بسبب الحركة، هي حركة الناس داخل المدينة. في بعض الأحيان يصطحب صديقًا معه ليحمي ظهره ويخفيه عند التقاط الصورة.

يشعر بأن عليه الاستمرار في التصوير لأن كل شيء يتغيّر بسرعة كبيرة ويجب أن نحفظ هذه الذاكرة. يروي قصة ذهابه إلى سوق قديم وشعبي ليجده قد اختفى ويجري استبداله بشيء آخر. أحداث كهذه تحفزه على التصوير دائمًا للحفاظ على ذاكرتنا جميعًا، بالإضافة إلى متعة التجول والتصوير نفسها.

انتقل حسين من مخيم اليرموك إلى بيت جدته في دمشق، وقادته طيور الستيتية إلى كوادر مختلفة في دمشق، يتبعها ويحصل على الصورة لذلك تحتل هذه الطيور صوره. «مافي أكتر من الستيتيات بالشام» يقول ويعرض صورة لستيتية ميتة. في الوقت نفسه في أرشيفه صور كثيرة لطيور حيّة. موضوع الموت يحتل صوره لكن ليس بشكلٍ مباشر. بالنسبة إليه يفضل الابتعاد عن «تجارة المأساة»، وهذه الصور «حدث أولي» ويفضّل أن يبتعد عن الصورة الأولى للحدث، ويتبع ما خلفه في وجوه الناس، الأرصفة٬ والأفكار التي يفرضها كل ذلك على الرؤية.

تعمل يمام الشعار (1997) في وكالة «رويترز»٬ ومنذ قدومها إلى دمشق من حمص في 2018 بدأت تأخذ طريقًا إضافيًا كمصورة شارع٬ بالإضافة إلى التصوير الصحفي والفني. لا ترى الشعار أن من واجبها تصوير أي مأساة، هناك مصورون آخرون يفعلون ذلك، لكن مهمتها هي تصوير الحياة وحركتها، وتصوير كل محاولات العيش هذه، وإن كانت يائسة.

دمشق مُشوقة بالنسبة لها، وإن صورت كل يوم لا يمكن أن تنتهي. «دمشق ما بتشبه ولا مكان بسوريا» تقول. تصوير الشارع بالنسبة إلى الشعار ليس وثيقة للمستقبل فقط، أو طريقة تفهم بها المدينة، إنما تساعد هذه الصور سكان هذه المدينة في فهم بعضهم: دمشق المقسمة إلى مناطق مختلفة كثيرًا عن بعضها اجتماعيًا واقتصاديًا ستظهر في الصور، وسيرون المعاناة في بعض المناطق، والترف في بعضها الآخر، سيرون الاختلاف الاجتماعي والطبقي، وnight life. المعرفة والفهم أمران ضروريان، فيجب أن نعرف الآخر.

تروي الشعار كيف رأت دمشق عند قدومها. في الصباح الناس هنا مثل النمل، ذاهبين إلى أعمالهم المختلفة، أعمال بمقابل لا يستحق كل هذا الجهد، لكن لا خيار آخر أمامهم. في جولة حول دمشق٬ سنجد طبقات وأشكال مختلفة بشكل لا يصدق، وجوه لا يمكن رؤيتها إلا في ساحة المرجة، وأخرى لا يمكن رؤيتها إلا في جرمانا، وهكذا كل مناطق دمشق. تقول الشعار: «لا أعرف كيف تمّ تقسيم هذه المدينة بهذا الشكل، مُقطّعة إلى عوالم صغيرة مختلفة، بعضها منغلق على نفسه بشكل كبير. في الليل تتغيّر دمشق، تبدو مدينة مختلفة في بعض المناطق، قد تنسى أنك في نفس المدينة التي رأيتها في الصباح وتظن أنك في فرنسا».

نساء درزيات متوجهات إلى حداد
تصوير: يمام الشعار

كمصورة شارع أنثى تواجه الشعار صعوبة في بعض المناطق التي لم تعتد رؤية فتاة تعمل وتتحرك في الشارع بحرية. في الوقت نفسه تستفيد من ذلك لأنها كأنثى تشعرهم باطمئنان أكثر فيُسمح لها بدخول بيوتهم والتعامل مع أطفالهم. في العموم لا تهتم الشعار كثيرًا بالصعوبات التي تواجهها، الهدف أكبر من هذه الصعوبات، تعتبر أن تاريخنا يجب أن نوثقه بأنفسنا، لا أحد سوف يتحدث عنّا سوى لمصلحته الخاصة، نحن مَن يجب أن نتحدث عن أنفسنا.

المعمار زاوية أخرى للفهم، فحسبما يرى عبد الله جمال (1993)، فإن الناس يبنون بيوتهم طبقًا لطريقة عيشهم، وبالعكس تفرض هذه البيوت أسلوب العيش هذا على الأجيال اللاحقة. على سبيل المثال بيوت دمشق القديمة تبدو متشابهة من الخارج ولا تقول شيئًا، لكنها من الداخل مميزة ومختلفة، هذا يعكس نمط عيش محافظ. الشقق الحديثة أحيانًا تُظهر سيطرة رأس المال والتنظيم، مداخل البيوت تعكس طريقة عيش ساكنيها، إن كانت غرفة الضيوف هي الغرفة عند المدخل، أو عدم وجود غرفة ضيوف. هناك أشكال مختلفة كثيرة، والصور بالنسبة إليه تجعلنا ننظر جيدًا إلى هذا، فالأصوات في المدينة المزدحمة والحركة الكثيرة تمنع التأمل في أي شيء. يرى جمال أن ألوان المباني في دمشق رمادية، وتؤثر هذه الألوان على طريقة حياتنا، على اختيارنا لثيابنا وأثاثنا. نحاول التماهي مع المدينة دون أن ننتبه. نخاف أن نتلون ويصبح منظرنا شاذًا.

يستخدم جمال بطاقة نقابة المهندسين إذا أزعجه أحد. يلتقط صور المباني في دمشق. بدأ الأمر عندما كان يصور لأهداف دراسية عندما كان طالبًا في كلية الهندسة المعمارية، والآن يصور ليفهم هذه المدينة، وليلاحق التغيّرات التي تفرضها الرأسمالية على شكل المدينة. «المباني تزحف، وتسرق منّا مكاننا»، يتذكر جمال مكانًا في منطقة الشعلان في دمشق، كان فيه مقاعد لجلوس المارة، يجلس فيه الشباب للاستراحة، ويشربون قهوة من كشك رخيص. الآن اُحتل هذا المكان ليصبح تجمعًا للكافيهات الغالية ذات الواجهات البلورية «ما عادت إلنا، عمّ ننطرد منها». المباني تحتل كل بقعة في دمشق خصوصًا أنها ازدادت ازدحامًا في السنوات العشر الأخيرة بعد انتقال الكثير من سكان المحافظات إليها طلبًا لحياة أكثر أمانًا.

بالنسبة لجمال٬ المبنى المُهدَم يعطي فكرة أيضًا عن كيف كانت الحياة في هذا المكان، وهذا هو غرضه الوحيد، الفهم والذاكرة. والمباني بالنسبة إليه مادة تمنحه فهمًا أكثر من الناس، لأن تعابير الوجوه قد تكون خادعة خصوصًا أن الناس هنا يخافون من التصوير، حتى لو كان التصوير لصالح التلفزيون الرسمي.

تصدع ثقافي
تصوير: عبدالله جمال

على العكس من جمال، يهتم محمد نمور (1992) بتصوير الأشخاص في المدينة. في البداية حمل نمور الكاميرا لصناعة الأفلام، لكن على حد قوله فإن التصوير الفوتوغرافي أسهل في الشارع. يمكنك التقاط صورة والذهاب بسرعة. لاحقًا صار يصور بشكل جدي. انطلاقًا من السينما٬ يجد نمور أن الأشخاص جذابين أكثر للتصوير من الجمادات. الحياتية والتفاعل معها يجذباه أكثر. في بعض الأحيان يلتقط صوره بسرعة، وأحيانًا يبقى يتحرك في المكان مع الكاميرا حتى يعتاد الأشخاص وجوده ويشعرون بالفضول تجاهه. بعدها يتحدث معهم ثم يقوم بتصويرهم. يرى نمور أن هذه الراحة مهمة. وعندما ينشر الصور فإنها لا تكون قابلة لتأويلات بعيدة جدًا، لذا فإن عرض صوره على وسائل التواصل الاجتماعي لا يُشكل له مشكلة كبيرة، خصوصًا أنه لا يعرضها كلها، فهذه المنصات تساعده في الحصول على عمل.

بدأ نمور التصوير سواءً أكان للسينما أو الفوتوغرافيا لأنه يريد أن يقول شيئًا، يريد أن يعبر، وكانت هذه وسيلته. يهدف لأن يرى الناس ما يحدث، بدون اللجوء إلى صور فجة تناسب «تريند دمشق» أي صور تركز بشكل كامل على المأساة والمعاناة والفقر دون الاهتمام بالجوانب الأخرى، الجوانب الإنسانية والحياتية. التفاصيل الحياتية التي لا نراها في العناوين الكبرى مهمة بدورها، وتظهر كيف نعيش. في المستقبل عندما يحاول أحد أن يصنع فيلمًا أو مسلسلًا عن دمشق في هذا الوقت، لن يحتاج فقط إلى صور تمثل الأحداث السياسية الكبرى، بل إن صور الشارع وثيقة تمثل حياتنا اليومية، كيف نقف، كيف نلبس، كيف نجلس، وكيف نتفاعل مع الآخرين. لذا يشعر نمور بالواجب تجاه ما يفعله، النزول إلى الشارع والتصوير وعرض قصص الأشخاص الذين يصورهم.

ألوان تحت جسر الرئيس
تصوير: محمد نمور

مثل الآخرين٬ ينشر أمين أبو قاسم (1998)٬ الذي يحمل بطاقة طالب في المعهد العالي للفنون المسرحية٬ صوره على السوشِال ميديا. في البداية كان يرفق نصوصًا مع صوره تحدد مجال التأويل أكثر، لكنه توقف عن ذلك بعد نصيحة صديق بأن الصورة يجب أن تقدم نفسها بنفسها، ولا يجب أن يكترث للتأويل كثيرًا. أول مواجهة لأمين مع الاتهامات لم تكن ضده، لكنه كان جزءًا من مجموعة شاركت صورها على منصة منظمة ما. تم اتهام المصورين بالكذب وتجميل الواقع. أحد التعليقات كان «بيكفي تكذبوا علينا وتقولوا نحنا عايشين منيح» مع إن الصور لم تكن تعرض واقعًا مجملًا، بل كانت صورًا جميلة لأنها مأخوذة بطريقة فنية٬ بحسب أبو قاسم.

يبرر أبو قاسم للمعلقين لكونهم رأوا هذه الصور في صفحة تناقش أمورًا سياسية. أما عند عرض الصور على صفحته الشخصية، فإن الأمر ليس أفضل بشكلٍ كبير. يتم إقحام شخصه في صوره، وقرائتها من خلال ذلك. في أحد المشاريع التي عمل عليها أمين، كتب عن الرحيل مع صوره، ما جعل المتابعين يظنون أنه يرغب في الانتحار أو السفر وغيره، بينما كان الموضوع مجرد مشروع يعبر عن فكرة.  وبدلًا من أن يحاول منع الأمر٬ أخذه بشكل إيجابي.

أسطح
تصوير: أمين أبو قاسم

في محاضرة ألقاها في باريس 1934، يشير الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين إلى أن الكاميرا قادرة على تصوير منزل أو تلة نفايات دون أن تغير مظهرهما، وأمام هذه الأشياء ليس بوسع التصوير الفوتوغرافي إلا أن يقول يا لها من جميلة.ويضيف: «كان أمرًا ناجحًا أن يحول الفقر المدقع نفسه، بمعالجته بأسلوب مطابق للموضة، ومتقن تقنيًا، إلى مادة للمتعة». وفي المقابل٬ في كتابها حول الفوتوغرافيا٬ تشير الكاتبة الأمريكية سوزان سونتاج إلى أن تاريخ التصوير الفوتوغرافي يمكن أن يُلخَّص على أنه «صراع بين مهمتين مختلفتين: التجميل، وقول الحقيقة الذي لا يُقاس فقط بمفهوم الحقيقة الموضوعية، بل أيضًا بالمثل الأعلى المؤوّل أخلاقيًا الذي ينادي بقول الحقيقة».

ربما يكمن هذا الصراع في تصاوير حسين، والشعار، وجمال، ونمور، وأبو قاسم.

نتجت هذه المادة ضمن فترة الدراسة في «الأكاديمية البديلة للصحافة العربية».

الأكاديمية برنامج دراسي مكثف مدّته عام، يشجّع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة، وتشرف عليه «فبراير» - شبكة المؤسسات الإعلامية العربية المستقلة.  

يتضمن البرنامج محاضرات في الكتابة الإبداعية والأدب والتاريخ والسياسة والعلوم النسوية والأنثروبولوجيا والثقافة البصرية والسمعية والنقد الفني وقواعد الصحافة، والصحافة الاستقصائية وصحافية البيانات، بالإضافة إلى فترة تدريب في مؤسسات صحافية. تجدون موقع الأكاديمية هُنا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن