تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فن تلصيم الحكايات

فن تلصيم الحكايات

#257| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: لبنى علاء 8 دقيقة قراءة
تصميم: مُهرة شرارة

#جو عام

تلملم لبنى علاء الحكايات وتعصر الذاكرة، لتشكل من هذه الفسيفساء سيرة عن الأبوة في هذا الديتوكس. 

#دليل

حلمتُ دائمًا بالطيران، أجري بأقصى سرعة، أرتفع سنتيمترات قليلة عن الأرض بقدرٍ يجعلك تشكك في كونه طيرانًا. ليلةً بعد ليلةٍ يتكرر الحلم، أرتفع أكثر وأكثر حتى أطير حقًا! أكاد أسقط من الفرحة، أتخبط في الهواء لكن ما زلتُ طائرة. أنطلق في السماء لأمرَّ على أماكن أعرفها جيدًا، أجد نفسي فوق القرية التي ينحدر منها أهلي. أحلِّق فوق بيتنا وبيت خالتي وبيت جدي، أمر فوق الغيطان وتلطشني رائحة شجر الموالح، أحسد الطيور على وجودهم في السماء.

تذكرني السماء بالبحر، ويذكرني البحر بأبي، فتبلعني دوامات علاقتنا المُعقَّدة. كانت تربكني وجوهه المتعددة، لا تستطيع توقُّع أي وجه سيرد عليك الآن، فتتعلم أن تصمتَ أنت الآخر خوفًا من ظهور الوجه الخطأ. بعد صدمة الموت الأولى، يحاول عقلك تَسْتيف صورة رسمية للميت ليسترجعها كلما عزَّ عليه الفقد. لم نعلِّق صورةً لأبي يتوجها شريط أسود بعد موته، لا صور معلقة في منزلنا على الإطلاق، لكني حاولت خلق تلك الصورة في عقلي. بدأتُ باستعادة كل ما يمكن استعادته، وكانت مهمة شاقة، فالأب الصامت أبٌ شبحي، موجود وغير موجود، لا يمكنك الإمساك به.

لم أشعر بالاقتراب منه إلا أسبوعًا واحدًا في السنة، حين يصحبنا إلى المصيف، كنتُ أرى منه جانبًا آخر أشك في وجوده، حتى يأتي موعد التذكرة السنوية. مرح، حاضر، ويتكلم. وكأنها أبوة موسمية، تنشط في وقت بعينه، يمتعنا بها ويرفع عن نفسه قناع الجد.
لم يكن أبي من آباء الخليج الغائبين، ولم يسافر للخارج في حياتي أبدًا. عرفت حين كبرتُ أنه سافر إلى السعودية بالفعل –بطريقة غير رسمية– لكنه عاد، لا أتذكر إن رُحِّل أم عاد لأنه لم يقدر على تحمُّل الغربة، لكني أرجِّح الترحيل، فلم يكن بالرجل الذي يتراجع عن أي قرار. عمل أبي بمصلحة السكة الحديد في وظيفة أربكتني في أعوامي الدراسية الأولى، حيث كان من الصعب حفظ: «ناظر محطة قطار بالسكة الحديد» للإجابة بها عند سؤالي عن عمله. كنتُ أشعر بعدم الانتماء، لأني الوحيدة التي يعمل أباها بالمصلحة، ويزداد الشعور برد الفعل غير المعتاد من زملاء الفصل، أغلبهم لم يركب قطارًا في حياته قط. كنتُ أشعر أن أبي وأنا على هامش الحياة. كنتُ أسارع للتبرير لأصدقائي أن لديه عمله الخاص، كان تاجرًا، لكن ذلك يربكني أيضًا. لم يكن تاجرًا على الدوام، بل سباكًا، وبسعيه فقط انتقل إلى التجارة. أعتز بذلك، لكن كطفلة لم يكن الأمر سهلًا وسط السائد للآباء في المدرسة الخاصة ما بين أطباء ومهندسين.

أحاول تحليل غياب أبي، في طفولتي كنتُ غاضبةً منه، لكني الآن متعاطفة. لم يحظَ أبي بحياة يسيرة ليتقبل الحب أو يمنحه، جزء بداخله لم يفهم واجبه تجاه أبنائه في الحياة اليومية. كان حاملًا عبء التوفير على عاتقه، وأجاده، لكنه لم يوفر حضورًا إلا في سياقات لم يكن ليشعر منها بالغرابة لتواجده مع أبنائه. هل الآباء يخجلون من أبوتهم؟
لم يكن أبي صارمًا بالمعنى الكلاسيكي، ولا متساهلًا، كان يتحول بين البينين في صمت. تأتي غضباته منفردة أو متتابعة، وتتفاوت قوتها كموج البحر، لكنه لم يبتلعنا قط. وكغضبه يأتي سكونه، مفاجئًا وغير متوقع.

في علاقتي بأبي، الثابت الوحيد أن كل صيف يوجد مصيف أيًا كانت الوجهة. قد تتغير الصحبة حسب مرحلتنا العمرية أنا وإخوتي، لكن المصيف قائم بحضور أو غياب أي فرد من العائلة الممتدة. لم يكن مصيفًا أسريًا قط، بل بابًا مفتوحًا لكل أطفال وكبار العائلة للقدوم. كان الكبار يرسلون الصغار في صحبة أبي وأمي وكأنهم يتخففون من عبئهم لبعض الوقت، ويتقبل أبي المسؤولية بذراعين مفتوحتين، ووعدٍ بأسبوع من المرح الخالص.

في صيفٍ ما قرر أبي اصطحابنا إلى العريش. كان لنا أقارب يعيشون هناك بشكل دائم، استأجرنا منهم شقة بالدور الأرضي بحي الريسة، يقع على طريق يصل إلى رفح المصرية. عشقنا العريش وكررنا الزيارة أكثر من مرة. أعجبت بالمدينة البدائية؛ بها سكان وخدمات وسوق، ولكن شيئًا فيها يوحي بالقدم والهجران في الوقت نفسه. كنتُ أفكر دائمًا أننا لو مسكنا الطريق من الريسة واتجهنا شرقًا سنصل إلى رفح الفلسطينية. لا أستطيع تذكُّر متى كانت زياراتنا بالضبط، لكنها كانت بعد الثورة في سنوات ما قبل الحرب على الإرهاب. تجنبت رؤية أي مشاهد للعريش مع بداية الحرب، ولكن الأخبار كانت تخترقني، كنتُ أعرف المناطق التي تذكرها الأخبار. هل تغيرت المدينة؟ بالطبع، لكني متمسكة بصورتها في ذاكرتي.

في صيفٍ ما مرت عربات الأمن المركزي محمَّلة بحجاج قادمين من غزة، حجًّا مبرورًا، لوحنا لهم ولوحوا لنا. في المصايف التالية انتقلنا إلى شاليهات الكورنيش. أتذكر أننا سكنا في شقة أرضية في شاليه كان يسكن صاحبه في الدور العلوي، وفي الحديقة كان يربّي دجاجات وغنمًا، زريبةً مصيفية، لكنه المصيف المثالي لوجود أبي.

***

الطفو أقرب ما استطعتُ الوصول إليه في الخفة. حاول أبي تعليمي السباحة لسنوات طويلة، جسمي متخشب وأعصابي مشدودة، مقومات فشل مُبكر، وفشلت بالفعل. لكنه لم ييأس، حاول مرة بعد مرة، بالتدريج وثقتُ فيه وفي المياه، كشيء لن يبلعني إن لمستُه. لي صورة في سنواتي الأولى وأنا مذعورة من البحر ومتشبثة بأمي. لم يلتقط أبي الصورة لكني أعرف أنه كان موجودًا في مكان ما، فلا مصيف بدونه.
لا أملك صورة تجمعني بأبي في طفولتي المبكرة، لا وجود لصورة فوتوغرافية ولا يمكنني استعادة صورة من ذاكرتي. تجمعنا صورة واحدة وأنا على أعتاب المراهقة، كنا في أحد المصايف والبحر من خلفنا. تجاوزت تلك النقطة وأصبحتُ أستمتع بتلاطم الأمواج فوق جسدي. جرَّأني أبي على البحر، وعلَّمني تفادي الأمواج، وكان ذلك ضروريًا في العريش، فموجها أعنف، خاصة حين كنا ننزل البحر في شاطئ النخيل المجاور للميناء، كان البحر هائجًا ولكن الجو رائق. كنا نفضل ذلك الشاطئ لخلوه الدائم، الذي يمكن نساء العائلة المنتقبات من الاستمتاع بالبحر مثلنا. كنا نقصد البحر الأبيض، وهو مختلف بطبيعته الهوجاء عن سكون البحر الأحمر. قطعنا ساحل البلاد الشمالي من العريش إلى مرسى مطروح بحماس. أحببت أماكن أكثر من غيرها، عشقت العريش وبورسعيد، كرهت المدينة بمرسى مطروح لكن أحببت شواطئها. في رأس البر لدي ذكرى مقبضة إذًا لن أزورها مرة أخرى. تتوارى الإسكندرية، التي كانت مصيف طفولتي المبكرة جدًا، لكن أزورها في الشتاء، والساحل –الطيب حين ذاك– لم نطرقه.

في زيارتنا الأولى للعريش، وجدنا أهل البلد ينصبون الخيام يوم الجمعة لقضائه على الشاطئ. فعلنا مثلهم في السنة التالية، كانت خيمة من حبال غسيل وملاءات ملونة. كان المشهد ساحرًا حينها، أضحك حين أتذكره الآن. شددنا الحبال في موضع مختار بين النخل، جذبناها يمينًا ويسارًا وربطنا الملاءات، أشعلنا النار، وشربنا شايًا بطعم الفحم، لم أحبه، لكن كانت هذه هي الأجواء. كل ما يتعلق بمصايف أبي يشعرني بالامتلاء. كل ما نريده يتحقق دون حسابات، له قدرة خارقة، ومؤقتة، على خلق المتعة في كل شيء.
سمعتُ منه للمرة الأولى عن عمله بالميناء، في شبابه، كان البحر يصعد لهم في الشتاء حتى الدور الثالث، يضعون الدفايات الكهربائية تحت السرير حتى يتمكنوا من النوم. وفي موسم البساريا أو السردين يشترون طابونة ويذهبون بها إلى الفرن لتُطهى ويأكلون منها لأيام. عرفتُ ذلك الجانب من رحلة أبي في الحياة في الليل حول النار، بعدها انقسمنا لجماعات صغيرة وبدأتُ أحكي لأولاد العائلة قصصًا أختلقها أثناء الحكي. ثم وبدون سابق إنذار وجدنا عنصري شرطة وكلابهم يتحدثان مع أبي، ارتبكنا جميعًا، لكن حل أبي الموقف بمهارته في التعامل مع الغرباء. شكا أنهم تجار مخدرات، فهذا الشاطئ لأهل البلد، وأهل البلد لا يبيتون هناك. لا أتذكر إن كان هناك منع ما أم مجرد عُرف. ضحكنا بعد ذلك.

كنا نستيقظ مع الشروق، نتجه إلى البحر قبل الحر. مَن يقدر على السباحة ومَن لا يقدر يطفو مثلي. في الاستراحات تستقبلنا أمي ومَن قدم معها من أمهات العائلة بالساندويتشات أو المأكولات غير المناسبة للشاطئ. كنا العائلة التي تأكل المحشي والمكرونة البشاميل والفراخ المحمرة على الشاطئ، ولا يهمني حكم طبقي من قارئ ما. بعد الأكل تبدأ فقرات متتالية من الألعاب. علَّمنا أبي الدومينو، وعلَّمني أخي الشطرنج، وعلَّمنا شباب العائلة ألعابًا مختلفة بالورق. ومعنا أبي، يخلق مسابقات مرتجلة بين الجميع، يكسبها بسهولة إن كانت سباقات للجري أو السباحة، ونتعجب جميعًا من لياقته. في الليل نستمر باللعب ولكن داخل الشاليه وحوله. كان المصيف وعدًا سنويًا متجددًا بالسعادة.

***

لم يكن أبي سعيدًا، أو هكذا أرى وأروي رحلته: حياته سلاسل متشابكة من الشقاء، وعندما انفك تتابعها خلق شقاءً متخيلًا بحمل أعباء من حوله. بدأ شقاؤه بموت أمه المباغت وتسلط امرأة أبيه عليه، وارتمائه في حضن حرفته، السباكة، في سن مبكرة. كره المنزل بعد موت أمه مفضِّلًا العمل، ورغم أن أباه كان عمدة البلد لم يعتمد عليه، بل عمل من الصفر. عرفتُ من خالي أنهم تاجروا في الغنم، ومن تلصيم الحكايات المتفرقة هنا وهناك، ومع ما يستطيع إصلاحه بالمنزل، علمت أن السباكة لم تكن الحرفة الأولى، لكنها الحرفة التي لازمته. في طفولتنا المبكرة كان لديه محل صغير أسفل المنزل يحتفظ فيه بالعدة. رأيتُ تطور هذا المحل لبيع الأدوات الصحية الصغيرة، ثم توسَّع للسيراميك، فصار معرضًا. وبالتوازي مع هذا كله كان يعمل في مصلحة السكة الحديد، وظل محتفظًا بالوظيفة ويعمل بها بحق وحقيق حتى مرض في آخر حياته، لكن بداخله كان سباكًا يعيش اليوم بيومه، ولازمه ذلك القلق. أتوقع أنه لم يعرف كيف يكون أبًا، لم يجد ذلك في حياته، ولا في حيوات من حوله في طبقتنا الاجتماعية، لذلك لم يجد الدور المتوقع منه. كنتُ أغضب من ذلك، لكني الآن أفهمه. فعل ما يعرفه وأجاد فعله.

في طفولتي وجدته على الشاطئ، وبعد موته تسلَّل من مواسم المصيف بخفة ليسكن كل تفاصيل حياتي.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن