فلسطين والمخالب #1
مُختارات من كتاب أحمد صادق سعد الصادر في 1947
«تستطيع قضية فلسطين أن تعطي لدارسها الخطوط الرئيسية لقضيتنا نحن المصريين»
أحمد صادق سعد
«فلسطين بين مخالب الاستعمار»
نقدم هنا مُختارات من كتاب «فلسطين بين مخالب الاستعمار» المنشور في 1947 لأحمد صادق سعد (1919-1988)، للتعرّف على كتابات تقدمية سابقة على النكبة ورافضة لأسس الفكر الصهيوني الذي قامت عليها دولة إسرائيل بعد عام من صدور الكتاب.
مع قراءة هذه المختارات نستعيد زمنًا كانت فيه فلسطين بلدًا واحدًا غير مقسمة بين العرب واليهود. كما تضعنا أمام إرث مفكر يساري مصري من أصول يهودية، اشتبك مبكرًا مع قضية فلسطين التي لا تزال بين المخالب.
اخترنا الشذرات التالية من الفصلين الأول والرابع والخاتمة، وننشرها على ثلاثة أجزاء، بالتنسيق مع أسرة المفكر الراحل، مع الالتزام بأسلوبه دون تدخلات تحريرية إلا في أضيق الحدود لتغيير ما اعتبرناه أخطاء مطبعية، مع الاستعانة بهوامش لتُيسِّر القراءة.
وفي الجزء الأول تقرأون بخلاف مقدمة الكتاب والإهداء؛ «الصهيونية، لمحة عن تاريخ اليهود، هل اليهود أمة؟».

وُلِد باسم إيزيدور سلڤادور عام 1919 في شبرا لأسرة يهودية كانت قد استقرت في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر. كان أبوه من طائفة اليهود السفارديم (الذين طُردوا جماعيًا من إسبانيا عام 1492)، وأمه من الطائفة الأشكنازية وقد وُلدت في مدينة أوديسا بأوكرانيا الحالية. تخرَّج صادق سعد من كلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) عام 1942، وارتبط في شبابه بعدد من الحركات المناهضة للفاشية والاضطهاد العنصري، وأصبح قياديًّا في حركة «الفجر الجديد» («طليعة العمال» لاحقًا)، وهي مجموعة من الشيوعيين نشطت في الأربعينيات وكان من أعضائها يوسف درويش، وريمون دويك، ومحمود العسكري، وأحمد رشدي صالح، وطه سعد عثمان، وأبو سيف يوسف. اعتُقل صادق سعد عام 1948-1950 في عهد الملكية، وعام 1959-1964 في عهد الجمهورية. تنوعت كتاباته بين التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لمصر، تاريخ فلسطين/إسرائيل، التحليل السياسي للناصرية ولانتفاضة يناير 1977، والنظريات الاقتصادية لدى المفكرين الإسلاميين. وتُوفي عام 1988 في حي مصر الجديدة.
نُشِر كتاب «فلسطين بين مخالب الاستعمار» عام 1947، أي قبل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1947 بتقسيم فلسطين، وقبل النكبة وتأسيس دولة إسرائيل، ويُعد ثالث مؤلفاته بعد «مشكلة الفلاح» (1945) و«مأساة التموين» (1946). يقوم الكتاب على طرح أساسي، وهو أن الحركة الصهيونية نوعٌ من أنواع الاستعمار الاستيطاني المدعوم من الإمبراطورية البريطانية. ويخلص صادق سعد إلى أن القضية الفلسطينية هي قضية المستعمرات جميعًا، أي قضية التحرر من قبضة الاستعمار والتخلص من آثاره السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد شهدت أربعينيات القرن العشرين قيام حركات التحرر الوطني ضد الاحتلال الأوروبي، خاصة في آسيا وإفريقيا.
يفند صادق سعد السرديات الصهيونية القائلة إن التعصب الديني أو العرقي ضد اليهود هو أساس الحركة الوطنية الفلسطينية والتضامن العربي معها، قائلًا إن الاستغلال الاقتصادي لموارد فلسطين (وأولها الأرض) هو أساس القضية، وإن المستفيدين الحقيقيين من استعمار فلسطين هي طبقة احتكارية من رجال الأعمال اليهود وغير اليهود. بل أن الاستعمار البريطاني والصهيونية هما مَن أقاما العراقيل أمام المشروع الديمقراطي التقدمي والحياة النيابية في فلسطين، واستثمرا في خلق الضغينة بين العرب واليهود، وخاصة بالنسبة للطبقات الأكثر كدحًا في المجتمع.
يرفض صادق سعد أطروحة تقسيم فلسطين إلى دولتين، وقد ظهرت هذه الفكرة للمرة الأولى في تقارير اللجان التي شكلتها حكومة الانتداب البريطاني بعد ثورة فلسطين عام 1933-1936 لدراسة الأوضاع. أما الحل الذي يقدمه فيكمن في اتحاد القوى الأكثر تقدمية من عرب ويهود فلسطين ضد كلٍ من الاستعمار البريطاني والصهيونية.
استند الكتاب على مجموعة كبيرة من المصادر الرسمية وغير الرسمية، مثل تقرير لجنة بيل (1937)، وتقرير لجنة التقسيم (وودهيد) لعام 1938، وتقرير حسين فخري الخالدي (رئيس بلدية القدس بين عامي 1934 و1937)، ووثائق عصبة التحرير الوطني في فلسطين. كما اعتمد على أوائل الدراسات التي قدمها الماركسيون المصريون والعرب عن القضية، مثل «الصهيونية» (1944) لأنور كامل، و«الصهيونية» (1945) لفرج الله الحلو. وتتضمن قائمة المراجع كتاب «اضمحلال اليهودية» (1933) لأوتو هيلر، وهو مثقف يهودي شيوعي نمساوي / تشيكي / ألماني عرض في كتابه الأطروحات الأساسية للتحليل الماركسي للمسألة اليهودية، والقائلة إن خلاص اليهود من الاضطهاد الذي تعرضوا له على مدار التاريخ لن يكون بالبحث عن حل خاص بهم كجماعة دينية مستقلة، ولا بالبحث عن أرض ميعاد مزعومة، بل بالانخراط في حركات تحررية في بلدانهم المختلفة.

وقد انتهى صادق سعد عام 1972 من إعداد طبعة جديدة من الكتاب استفاد منها، كما يذكر في تقديمه لها، من مادة بحثية مستفيضة أعدها عام 1969 في إطار إعداد مجلة الطليعة ملف موسَّع عن القضية الفلسطينية لم يُكتب له النشر كاملًا. غير أنه لم يتمكن من نشر هذه الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة، فقد تضمنت تناولًا نقديًا للصراع الطبقي داخل إسرائيل، وتحليلًا نقديًا لمنظمة فتح، ولـ«الموقف الفكري الأساسي للنظام الناصري من القضية الفلسطينية». أي أن ما حال دون نشرها كان، بكلمات صادق سعد، هو «أن هذه الطبعة الثانية تحوي نقدًا جذريًا للتيارات السياسية العربية السائدة فى ذلك الوقت فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعقلية المتكاملة التي تعبر عنها هذه التيارات.»

إهداء
إلى (ا.س1) الذي سقط في ميدان إيطاليا دفاعًا عن الحرية.
ص.س.

تقديم
قد يظهر غريبًا للقارئ أن نكتب عن مشاكل فلسطين في حين أننا في مصر نجتاز مرحلة من أدق مراحل تاريخنا. ولكن الحقيقة أن قضية فلسطين ليست مُختلفة في جوهرها عن قضية بلادنا، فهي أيضًا قضية التحرر من الاستعمار الأجنبي، وهي أيضًا قضية التحرر من الحكم الرجعي المفروض على الشعب فرضًا، بل لعل التأمل في قضية فلسطين وتطوراتها يفيد الوطني المصري إفادة مباشرة، إذ أنها قضية واضحة جلية ومجردة عن كثير من المناورات التي تجري وراء الكواليس، كما هي الحال عندنا؛ فمن هذه الناحية تستطيع قضية فلسطين أن تعطي لدارسها الخطوط الرئيسية لقضيتنا نحن المصريين.
المؤلف

الصهيونية
لا يكفي لفهم قضية فلسطين أن يُحلل الاستعمار عامة -والاستعمار البريطاني خاصة- تحليلًا علميًا، فالاستعمار قد استعمل في فلسطين وسيلة خاصة ليرسخ قدمه في ذلك البلد الشقيق. والحقيقة أن لفظة وسيلة لا تفي دائمًا -في هذه الحالة- بالمعنى المضبوط لأن الصهيونية ليست أداة في أيدي الاستعمار البريطاني وليست منفصلة عنه انفصالًا تامًا -إنما الصهيونية شريكة للاستعمار البريطاني في فلسطين «وربيبته» يتبادل كلاهما المساعدة ويتقاسم «المنفعة» ويحاول الاستعمار البريطاني أن يصور مساعدته للصهيونية تصويرًا أخلاقيًا ومثاليًا عاليًا، باسم «المساعدة» لليهود «المضطهدين» الفقراء ليستقروا في مأوى مأمون بعيد عن الضغط العنصري، والصهيونية تذهب إلى أبعد من ذلك إذ أنها تتحدث باسم «القومية» اليهودية وباسم حق «الشعب» اليهودي في استرجاع «وطنه» و«أرض بني إسرائيل» وقد يُخدع بعض الناس بهذه الادعاءات المثالية فتُثار المناقشة حول «حقوق» الشعب اليهودي وحقوق العرب أو تدور حول الفكرة القائلة بأن إنْجاء اليهود من الاضطهاد يجب ألا ينتج عنه إيقاع العرب في اضطهاد آخر. غير أن الوقت قد آن لتنتقل المناقشة من هذا المستوى إلى مستوى آخر، فقد علمتنا التجارب أن تحرير فلسطين من الاستعمار البريطاني والصهيوني لا يمكن أن يأتي بإقناع الاستعمار بحقوق العرب ولا بمعاتبة الصهيونية على أعمالها العدوانية. علمتنا التجارب أن الكفاح الشعبي هو الوحيد الذي في استطاعته أن ينقذ فلسطين، ويجدر بالكفاح الشعبي أن يعرف أعداءه معرفة كاملة وأن يعي الناس تمامًا أن الاستعمار البريطاني والصهيونية لا يبحثان في فلسطين إلا عن المنافع المادية، عن الجنيهات الذهبية الكثيرة التي ستملأ جيوب الرأسماليين الإنجليز والصهيونيين من اليهود وغير اليهود.
وهنا نستطيع أن نتساءل: بماذا نفسر دوام المشكلة اليهودية خلال القرون الطويلة؟ هل السبب هو العناصر «التخريبية» الكامنة في النفس اليهودية كما يقول النازيون، أم السبب هو نفور الأجناس الأخرى من اليهود، أم مرجعه «الرسالة» السامية التي يحملها «الشعب الممتاز»؟
الواقع أن محاولة تفسير دوام المشكلة اليهودية تفسيرًا أخلاقيًا أو مثاليًا لا يمكن أن يجدي، لأن هذه المشكلة ذاتها لم تكن ثابتة خلال تاريخ اليهود، إذ أنهم تمتعوا في فترات مختلفة من تاريخ أوروبا بتأييد بعض الحكومات ونفر من الحكام، كما أن الاضطهاد الذي لقيه اليهود في الفترات التاريخية المضطربة لم يكن ذا لون واحد لا يتغير: إن رجال الكنيسة الاقطاعية كانوا يوجهون تهمًا دينية إلى اليهود في العصور الوسطى، في حين أن «الفريد روزنبرج»2 دعا إلى كرههم كرهًا عنصريًا، وأن بعض العناصر العربية الرجعية تنسب إليهم وحدهم وككل مأساة فلسطين.
ولذلك كله نرى من الضروري أن نربط الحركة الصهيونية بتاريخ اليهود ثم نربط الاثنين بتطور المجتمع البشري ذاته وبنُظمه. فاضطهاد اليهود وهجرتهم واستغلال الصهيونية لموقفهم من سائر البشر، هذه جميعًا تيارات اجتماعية لا يمكن أن تُفصل عن حياة المجتمع نفسه، لا بل لا يمكن أن تُفسر إلا عن طريق هذه الحياة.

لمحة عن تاريخ اليهود
كان الشعب اليهودي، في أوائل التاريخ المكتوب شعبًا رُحلًا يتكون من قبائل متنقلة، والتوراة في أجزائها الخاصة بتاريخ بني إسرائيل قبل استيطانهم فلسطين، تصف حياتهم بدقة وتبين كيف كانت تعتمد معيشتهم على رعي المواشي وما إلى ذلك، وهم لم يكونوا يختلفون في ذلك عن سائر القبائل المتجولة التي تميز بها الشرق الأوسط حينذاك، ويتميز بها الآن. ولا ريب أن القبائل المتنقلة هي التي كانت تلعب الدور الأول في تداول البضائع في هذه العصور التي لم تكن قد تقدمت بعد تقدمًا اقتصاديًا يكفي لأن توجد فئات خاصة من التجار في كل بلد من البلاد، ولذلك حذقت القبائل العبرانية الاتجار بالسلع ونقلها على الجمال عبر الصحاري الكثيرة الموجودة في الشرق الأوسط.
وكان أن هبطت هذه القبائل في فترة معينة من تاريخها في فلسطين، وكان هذا القطر بالذات مركزًا تجاريًا هامًا في شرقي البحر الأبيض المتوسط، تتلاقى فيه الطرق التجارية التي تربط آسيا الصغرى ببلاد الشام، وفارس والهند بمصر من جهة، وبلاد الفينيقيين من جهة أخرى (ومعروف أن تجارة هذه البلاد الأخيرة هي التي كانت تربط شرق البحر الأبيض المتوسط بغربها).
وقد وُجدت في أطلال «تل العمارنة» سنة 1887 مخطوطات على الصلصال وهي عبارة عن خطابات أرسلها الموظفون المصريون إلى الفراعنة، وتبين هذه الخطابات بدقة التجارة التي كانت تقوم بها القبائل القاطنة بلاد الكنعانيين. وأن قبائل أخرى من البدو -الكبيريين3- طردتهم من مراكزهم.
إذن فقد كانت فلسطين مركزًا تجاريًا بطبيعتها قبل مجيء العبرانيين إليها. ولذلك، وهم الذين قد مارسوا التجارة قبل ذلك أيضًا، وجدوا أنفسهم في ظروف ملائمة أكثر من ذي قبل، فالتصقت بهم مهنة التجارة ولازمتهم طوال تاريخهم لاسيما أن فلسطين لم تكن تتمتع بزراعة مزدهرة كما كانت الحال في مصر وقتئذ -مما دفع بهم أكثر فأكثر في هذا الطريق.
وكان أن الحملات الحربية المختلفة التي غمرت شرقي البحر الأبيض في التاريخ القديم مرت دائمًا ببلاد العبرانيين، وكثيرًا ما أجبرتهم على المهاجرة، فالغزوات التي قام بها الآشوريون والبابليون على فلسطين، مثلًا، كان من نتائجها أن الفئات العليا من العبرانيين هاجرت إلى عواصم الشعوب الغازية ودوامت تجارتها فيها في حين أن الفئات الدنيا -الفقراء- من العبرانيين عانت آلام الاحتلال والاستعباد، وبهذا الشكل انتقلت جماعات كثيرة من اليهود شيئًا فشيئًا من فلسطين ذاتها إلى جميع المراكز التجارية في الشرق الأوسط، ويذكر المؤرخون القدماء وجود التجار اليهود في سوريا وفارس وطوروس وآسيا الصغرى وقبرص وردوس وأثينا وقرينطس4 وقد أتت فتوحات إسكندر الأكبر باليهود في مصر وأنطاكيا.
وهناك في هذه المراكز التجارية المختلفة، يأتي اليهود بشكل أرقى من أشكال الاقتصاد المالي والتجاري بسبب خبرتهم الطويلة وعلاقتهم بعضهم ببعض، تلك العلاقات الاقتصادية التي كانت ترسخها العقيدة الدينية المشتركة. فاليهود، مثلًا، هم الذين اخترعوا النظام الذي يسمح لشخص معين بأن يأمر شخصًا آخر بدفع مبلغ ما إلى شخص ثالث وهو النظام الذي يُطبق يوميًا الآن في العلاقات التجارية والمالية.
ولذلك نجد أن الحكام اليونانيين والرومان كانوا يعطفون كثيرًا على اليهود فيجعلونهم يتمتعون بامتيازات مختلفة أهمها الحق في أن يُحاكموا حسب شريعتهم وحماية دينهم ومعابدهم.
انتقل المجتمع الأوروبي بعد ذلك من النظام العبيدي إلى النظام الإقطاعي، وفي الجزء الأول منه -إلى سنة 1300 تقريبًا- احتفظ اليهود الأغنياء بالمميزات الخاصة بهم التي ورثوها من العصور القديمة، فهم يقومون بالتجارة والوساطة بين التجار الآخرين، ونراهم خاصة يقومون بدور المصرفيين، وهو دور تبديل النقود المختلفة بعضها ببعض وحفظ الودائع.. وإلخ. وفي العصور الوسطى يوجد اليهود في جميع المراكز التجارية التي انتقلت في هذه الفترة من شرق البحر الأبيض إلى غربه إلى المدن الساحلية الفرنسية، مثل ناربون ومارسيليا وآرل، والمدن الساحلية الإيطالية مثل جنوى وباليرمو ونابولي والبندقية، وكذلك في هذه الفترة لقى اليهود تشجيعًا وعطفًا من جانب السلطات الحاكمة التي كانت ترى فيهم عنصر تقدم وازدهار اقتصادي.
وفي هذه المراكز التجارية كان يمكث اليهود في أحياء خاصة، وليس هذا بغريب بالنسبة للحياة الاقطاعية، فقد كان تقليدًا عامًا أن يستأثر الأجانب بأحياء خاصة بهم فللطليان حي وللهولانديين5 حي أيضًا، وللبرتغاليين حي ثالث وهكذا.
وعندما يتطور الاقتصاد الإقطاعي فتنتقل المراكز الاقتصادية من شواطئ البحر الأبيض إلى بلاد أوروبا الغربية، نرى أن اليهود ينتقلون هم أيضًا بانتقالها، فيظهرون في باقي المدن الفرنسية، وفي انجلترا وألمانيا وهولاندا إلخ، يأتون إليهم بخبرتهم التجارية الواسعة التي يتوارثونها جيلًا بعد جيل. وعلينا أن لا نتصور التاجر اليهودي في هذه العصور بشكل تاجر صغير وسيط أو مرابي، كما نتصوره الآن في الغالب، فقد كان اليهود في ذلك الوقت ذوي اتصال مباشر بالإنتاج وبنقل البضائع الكثيرة وتخزينها، أما الاشتغال بالمهن الصغيرة فلم يكن منتشرًا إلا عند يهود شواطئ البحر الأبيض وذلك على الأغلب بسبب تدهور التجارة في هذه المناطق.
ويمكننا أن نقول إن الفترة الثانية من تاريخ العصور الوسطى -من 1300 إلى 1600- هي أيضًا مرحلة أخرى في تاريخ اليهود، ففي هذه القرون الثلاثة ونصف القرن تطور المجتمع الإقطاعي وظهرت فيه بوادر العلاقات الرأسمالية: هذه الفترة من العهد الإقطاعي رأت نشوء طبقة التجار غير اليهود طبقة فرنسية في فرنسا وهولاندية في هولاندا وإسبانية في إسبانيا إلخ، وكان طبيعيًا أن تصطدم هذه الطبقة الناشئة بالفئة اليهودية الخاصة التي تنافسها، لذلك اشتهرت هذه الفترة بحركات اضطهاد اليهود الواسعة النطاق التي كانت ترمي إلى إبعادهم من تداول السلع وفصلهم من عمليات الإنتاج المباشرة، وهنا بدأ بؤس اليهود وتحولهم من تجار وماليين ميسورين إلى وسطاء صغار لا يكادون يعيشون إلا عن طريق المهن الصغيرة، وهنا أيضًا بدأت تنقلات اليهود القلقة من أقصى أوروبا إلى أقصاها، لا يمكثون في بلد من البلاد فترة وجيزة إلا وتقوم ضدهم القومات الدموية فيرحلون إلى بلد آخر وهكذا.
هذه الحركات القلقة للهجرة اليهودية إنما هي انعكاس لأزمة اقتصادية واجتماعية عميقة تهز المجتمع الإقطاعي هزات عنيفة وتتحول شيئًا فشيئًا إلى ثورات اجتماعية، فكانت ثورة إنجلترا في أواخر القرن السابع عشر والثورة الفرنسية الكبرى في أواخر القرن الثامن عشر، ومنها توّلد النظام الرأسمالي الحاضر.
طُرد اليهود في هذه الفترة من إسبانيا ثم فرنسا وإنجلترا أيضًا، وانتشرت تيارات الاضطهاد إلى ألبانيا (في القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر) فكانت النتيجة أن هاجروا إلى شرقي أوروبا، إلى بولونيا6 ورومانيا وروسيا، وكان شرق أوروبا عندئذ متاخرًا تأخرًا كبيرًا بالنسبة إلى المجتمع الغربي.
قلنا إن اضطهاد اليهود في غرب أوروبا وإسبانيا لم يكن قصده إلا نزع احتكار التجارة والمالية من أيديهم، غير أن بلاد أوروبا الغربية شهدت تطورًا اقتصاديًا واجتماعيًا سريعًا قوّى الرأسمالية الناشئة، التي كافحت ضد البقايا الإقطاعية المتعفنة لتنتزع الحكم السياسي من أيديها وتقضي على العقبات التي كانت تعوق التقدم الاقتصادي والنهضة الصناعية، وظهر حينئذ كبار المفكرين7 من أمثال فولتير وروسو وديدرو الذين نادوا بالحرية وتأسيس النظام السياسي على أسس منطقية عادلة، وكما أن الثورات كانت مرحلة تحول في تاريخ البشرية، فكذلك دلّت على دخول اليهود في الفترة الثالثة من تاريخهم، الفترة التي هضمهم فيها المجتمع، فلم يعودوا يكونون فئة اجتماعية خاصة منفصلة عن باقي الطبقات الاجتماعية، وبهذا الشكل أصبح التاجر اليهودي والمصرفي اليهودي لا يختلفان في شيء عن التاجر أو المصرفي الكاثوليكي أو البرتيستانتي8 بعد أن قررت الثورات المختلفة في انجلترا والولايات المتحدة وفرنسا مساواة الأديان أمام القانون. وبتحرير اليهود وُجد لوردات (مونتيفيوري9) ورؤساء وزراء يهود «دزرائيلي، بلوم»، وبذلك اندمجوا -في أوروبا الغربية وأمريكا- بسائر الفئات البشرية.
وقد حدث في بعض البلاد، التي اقترنت فيها الثورات بحركات وطنية تحريرية، أن انضم اليهود إليها انضمامًا ظاهرًا لأنهم رأوا فيها، بحق، حركة تحررهم من القيود التي فرضها عليهم النظام الإقطاعي العتيق، ففي إيطاليا مثلًا ساير تحرير اليهود الجهاد الوطني، وكان من اليهود الذين كانوا يكثرون في مدينتي ليفورنو وجنوى أن انضموا إلى الحركة الوطنية الإيطالية منذ البداية، وكذلك تكون الآلايات اليهودية الخاصة في الثورة المجرية10 التي قادها «كوشوت»11 ضد أتوقراطية العائلة المالكة النمساوية - عائلة هاسبورج، ولمَ نذهب بعيدًا، في أوروبا، لنضرب الأمثال؟ إن اليهود المصريين من أمثال موسى اليهودي ويعقوب صنوع قد لعبوا دورًا في الحركة الوطنية المصرية في أوائل القرن الحالي.
أما في أوروبا الوسطى والشرقية فقد تحول اليهود فيها من الأعمال المصرفية والتجارية الكبرى إلى الربا الفاحش والتوسط الصغير القذر، ونحن نفسر هذا التحول بتكوين الرأسمالية القومية في تلك البلاد وإقصائها اليهود عن مجال نشاطهم السابق فتطرد العناصر اليهودية من المدينة إلى الريف الذي لم يكن النظام الرأسمالي قد مسه بعد، ويتعيش اليهود حينئذ على أكتاف الفلاحين عن طريق الفوائد الربوية الفاحشة. ولذلك اقترنت الثورات الفلاحية في أوروبا الوسطى والشرقية باضطهادت واسعة النطاق موجهة ضد اليهود.
وكان أن هرب عدد كبير جدًا من اليهود في أوروبا الشرقية ونزحوا إلى الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين وأفريقيا الجنوبية، فكان هذا مصدر تلك الجاليات اليهودية الكثيفة، ولا سيما في نيويورك، التي تلعب دورًا كبيرًا في الاقتصاد المالي الأمريكي.

هل اليهود أمة؟
هل اليهود أمة؟ قد نكتفي في بعض الشيء بالإجابة على هذا السؤال بأن نحيل القارئ إلى تاريخ اليهود الذي يبيّن أنهم كانوا أمة عندما استوطنوا فلسطين، ولكنهم انقلبوا إلى فئة اجتماعية خاصة، تقوم بدور اقتصادي خاص، عندما هجروا فلسطين وتشتتوا على وجه الأرض وأن الصفات القومية الباقية: اللغة العبرية والثقافة والتقاليد الخاصة، تتلاشى شيئًا فشيئًا مع تطور المجتمع فلا يمكن أن يُقال اليوم إن اليهود أمة!!
ولكن ذلك السؤال من الأهمية بمكان بحيث أنه لا يمكننا أن نرد عليه بهذا الشكل المقتضب إذ أن الدعاية الصهيونية كلها تأخذ قومية اليهود محورًا لها، فهي تؤكد أن اليهود أمة لا طائفة دينية فقط، وأن الشيء الوحيد الذي تفتقر إليه الأمة اليهودية هي أرض وطنها (فلسطين)، وبهذا الشكل تظهر الصهيونية الهجرة اليهودية إلى فلسطين واحتلال الصهيونية لها كشيء مشروع لا يتعلق بمسألة إنسانية فحسب مسألة إيجاد مأوى لليهود المضطهدين، بل يتعداها إلى حق تقرير المصير، مصير يهود العالم جميعًا مضطهدين كانوا أو غير مضطهدين. ولذلك علينا أن نجيب على هذا السؤال بشيء من التدقيق. فما هي الأمة أولًا؟
أن الأمة تلك الجماعة الثابتة التي تكونت تكوينًا تاريخيًا والتي يشترك أفرادها في اللغة والمنطقة والحياة الاقتصادية والطبيعة الإنسانية اشتراكًا يجد تعبيرًا له في الثقافة المشتركة. ولا شك أن نسبة كبيرة من اليهود، يهود غرب أوروبا وأمريكا، تفتقر إلى غالبية هذه الصفات المميزة، وإن لم تكن تفتقر إليها افتقارًا كاملًا، فهم يفتقرون أولًا وقبل كل شيء آخر إلى المنطقة المشتركة لأنهم مبعثرون بين الولايات المتحدة وأمريكا الوسطى والجنوبية وإنجلترا وأوروبا الوسطى والشرقية، فكيف يكون اليهود أمة إن لم يكن لهم وطن مشترك؟
والغالبية الكبرى من اليهود لا يتكلمون لغة مشتركة: أن اليهود الفرنسيين يتكلمون الفرنسية، واليهود الإنجليز والأمريكان يتكلمون الإنجليزية، واليهود الإسبانيون أو القاطنون جنوب أمريكا لغتهم الإسبانية، أما يهود وسط أوروبا وشرقها فيتكلمون لغة خاصة بهم Yiddish «الييديش» وهي خليط من الألماني والبولوني12 والعبري.
أما العبري فهي لغة ميتة لا تُستعمل إلا لأداء الفروض الدينية. صحيح أن العبرية لغة مستعملة عند يهود فلسطين، ولكن هذا لا يكفي لأن نحكم عليها كلغة قومية لأنه بفرض أن يهود فلسطين يتكلمون بها جميعًا، وهذا غير صحيح- فإنه لا يمكن أن تُعتبر العبرية لغة اليهود لأن 3.1% من يهود العالم 500000 يهودي يتحدثون بها!
وأما باقي الصفات القومية فمعدومة أو في طريق التلاشي: لا يمكن أن يرتبط يهود أوروبا الشرقية ويهود أمريكا الجنوبية أو أستراليا بأي اقتصاد مشترك أو بأي تاريخ مشترك، فيهود أوروبا الشرقية جزء لا يتجزأ منها، تاريخهم مقترن بتاريخها..
والحقيقة أن صفة واحدة هي التقاليد وبعض الثقافة - هي الصفة الوحيدة التي قد تجدها عند جميع اليهود، ذلك لأن الاضطهادات المتتالية قد أجبرت اليهود على شيء من التعاون أو أقل من التماسك الطائفي لرد الهجمات التي كان يشنّها الحكام، ولكن هذا لا يكفي على الإطلاق ليكون لليهود أمة، وهذه حقيقة يشعر بها يهود غرب أوروبا على الأخص.
أما في شرق أوروبا ولاسيما بولاندا ورومانيا وروسيا القيصرية فقد اختلط التطور الرأسمالي فيها ببقاء عناصر إقطاعية جمة في الاقتصاد والاجتماع، ولذلك لم يستطع هذا التطور الرأسمالي أن يمنع اليهود من الاشتراك فيه فأصابت نتائجه الاجتماعية اليهود أنفسهم -تكونت في أوروبا الشرقية طبقة واسعة نسبيًا من العمال اليهود مصدرهم اليهود الذين كانوا يمارسون مهنًا صغيرة فأفلسهم التقدم الرأسمالي. وإن فترة الراحة النسبية أيضًا التي تمتع بها اليهود بين هجرتهم إلى شرق أوروبا وظهور الاضطهادات الدينية الأولى في أوائل القرن الحالي ثم تركيزهم في مناطق معينة خصوصًا في شرق بولاندا ومدينة لودز وانتشار الحديث بالييديش قد أعطى لهم صفات قومية واضحة على عكس ما حدث في أوروبا الغربية، ولذلك أخذت المشكلة اليهودية بعض أشكال المشكلة القومية في أواخر القرن السابق في أوروبا الشرقية.
غير أن المشكلة اليهودية لم تكن المشكلة القومية الوحيدة في تلك المناطق التي اشتهرت بأنها خليط عجيب من القوميات المختلفة.
وقد أجبرت روسيا على دراسة مشاكل القوميات العديدة التي كانت تستعبدها القيصرية (الأوكرانيون، الروس البيض، الأوزبك، الشراكسة، الكارليون.. إلخ) من الناحية القومية ومن الناحية الطائفية والعنصرية، وأصبح الآن الييديش، لغة اليهود الرسمية في الاتحاد السوفيتي، وفُتحت كليات خاصة بالثقافة الييدشية في جامعات أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأُسست ثلاث جرائد يهودية كبرى ومسارح بييديش منها المسرح الشهير في موسكو، وهناك أيضًا كُتّاب ييديش كبار.
هوامش
1 في مسودة الطبعة الثانية التي لم تُنشر والمكتوبة عام 1972 يذكر المؤلف في الإهداء اسم إيبى ستوليار.
2 منظر النازية وأحد كبار مساعدي هتلر، وأُدين لاحقًا في محاكمات نورمبرج التي جرت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وأُعدم في أكتوبر 1946.
3 لم يشر المؤلف للمقصود بـ«الكبيرين» في الأصل، ولا حتى في النسخة المحدثة وغير المنشورة منه المُعدة في 1972.
4 كريت.
5 هكذا في الأصل.
6 يقصد المؤلف «بولندا».
7 ديدرو (دنيس) فيلسوف فرنسي (1713-1784).
8 هكذا في الأصل، والمقصود البروتستانتي.
9 يُذكر أن مونتيفيوري (موسى، 1784-1885) أحد الأثرياء ومن زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا، حصل على منصب عمدة لندن ونال لقب «سير»، وكان معنيًا بأوضاع اليهود خارج بريطانيا أيضًا، زار فلسطين عدة مرات وأسس مستوطنات في الجليل ويافا ومشروعات صناعية.
10 شارك اليهود في ثورة جرت في 1848 ضد حكم هذه العائلة التي حكمت العديد من المناطق منها النمسا والمجر، لكن المجر كان لها وضعها الخاص لاتساع نفوذ برلمانها عن الإمبراطورية النمساوية بقيادة هاسبورج، وتطورت هذه الثورة لتصبح حرب استقلال المجر، ثم فُرضت اللغة المجرية كلغة رسمية.
11 لايوس كوسوث الذي دعا إلى ديمقراطية برلمانية أوسع، والعديد من الإصلاحات، وكان أحد قيادات الثورة المجرية.
12 هكذا في الأصل، والمقصود اللغة البولندية، كما يكتب المؤلف «بولندا»، في مواضع أخرى من نصه هكذا «بولاندا».
تقارير ذات صلة
القانون في خدمة القتل: الكنيست يصمم عقوبة إعدام تستهدف الفلسطينيين فقط
فشلت إسرائيل سابقًا في إقرار هذا القانون لـ3 عقود
بعد مهرجان افتتاح «المعبر»: فقط 12 فلسطينيًا عادوا إلى غزة
ضجيج بلا طحين
دون تفاصيل.. إسرائيل توافق على فتح «محدود» لمعبر رفح
إعادة فتح وشيك للمعبر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن