تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فاطمة وفاطمة.. وحساب معادلات الشرف

فاطمة وفاطمة.. وحساب معادلات الشرف

كتابة: فيروز كراوية 18 دقيقة قراءة
هدى شعراوي مع أم كلثوم

في عام 1947 ظهر فيلم «فاطمة» من إنتاج شركة مصر للتمثيل والسينما (ستوديو مصر)، بطولة أم كلثوم وأنور وجدي، وتأليف الصحفي والكاتب مصطفى أمين. الفيلم كما هو شائع مستوحى من وقائع حقيقية جرت بين الأعوام 1926 و1932 تقريبًا، وكان طرفاها المطربة فاطمة سرّي1 والزعيمة النسائية هدى شعراوي.

أقنع مصطفى أمين الست أم كلثوم أن تكون القصة موضوع فيلمها القادم (والأخير لها)، ولكن بمشاهدة الفيلم نكتشف أن الفيلم يختلف عن القصة الأصلية، ليس فقط في كثير من التفاصيل لدرجة لا تحتفظ لها إلا بظلال حكائية شديدة العمومية، ولكن أيضًا في تقصيه للمعاني والدلالات الثقافية، التي تحفل بها وقائع الصراع بين السيدتين، ووضعيتهما الاجتماعية، وملامح عصرهما، التي حضرت بأثر واضح في نزاعهما.

القصة بدأت بدخول فاطمة سرّي في علاقة عاطفية ثم زواج عرفي مع محمد بك شعراوي ابن هدى شعراوي، بعد لقائه بها في حفلة أحيتها في قصر والدته، وتتبعه ومطاردته لها، ثم كتابته إقرارًا على نفسه في يونيو 1925 يثبت الزواج العرفي، بعد مرور حوالي عام على الزواج الفعلي2.

اختيار الزواج العرفي سرًا جاء لمعرفته باستحالة قبول والدته ذات المكانة الاجتماعية العالية بزواجه من المغنية. في ما بعد تكتشف سرّي حملها من شعراوي في لحظة كان قد قرر فيها أن ينهي علاقتهما، إلا أنه يعود لها خلال حملها، مؤكدًا أنه يريد مواصلة العلاقة والاعتراف بالطفل القادم، كما يدعوها أن تلحق به إلى أوروبا هربًا من ثقل المواجهة مع الأم. يفشل مشروع الهروب ويقنع شعراوي سرّي بالعودة إلى مصر بعدما وضعت مولودتها ليلى في فيينا، وسجلتها باسم أبيها في القنصلية المصرية هناك، ثم يعود هو لمواجهة أمه بعد تسرب أنباء العلاقة للصحف قبلها بمدة طويلة.

فاطمة سري

خلال عامي 1926 و1927 تنشر فاطمة سرّي مذكرات في مجلة «المسرح» تروي فيها تفاصيل ما حدث بينها وبين محمد شعراوي3، بعد تيقنها من استقراره في موقع أمه من المعركة، التي قررت سرّي خوضها دون استسلام وللنهاية، لتجبره على الاعتراف بابنتهما ليلى التي ولدت في سبتمبر 1925.

المذكرات جاءت رد فعل على محاولات هدى شعراوي التدخل في المسار القضائي والتهرّب من الاعتراف بوقوع الزواج العرفي من الأساس ومن ثم بالمولودة وانتسابها لابنها. في سبيل ذلك، استخدمت مع سرّي أساليب متعددة رُفضت جميعًا؛ أولها عرض مالي سخي مع زواج من رجل آخر مستعد أن تحمل المولودة اسمه4، وثانيها تهديد صريح للمطربة بتلفيق ملف سري فى شرطة الآداب، يتهمها بالدعارة، وهي التي بدأت تفقد حظوظها تدريجيًا في الاستمرار في المجال الفني.

في مواجهة تنكر زوجها السابق، وضغوط الأم تلجأ سرّي للقضاء بمساندة الكاتب والمحامي فكري أباظة، حتى تتمكن بعد تقاضٍ دام لخمس سنوات من إثبات نسب ابنتها لمحمد شعراوي، ولكنها تفقد حضانتها في المحكمة نفسها لصالح أبيها، لتعيش ليلى في قصر جدتها، وتعيش سرّي باقي حياتها محرومة تمامًا من دخول القصر أو لقاء ابنتها5.

من خلال سرد الوقائع الذي قدمه الروائي الراحل مكاوي سعيد في كتابه «القاهرة وما فيها» (2018)6، نرى أن فاطمة سرّي حظيت بمساندة من شخصيات عامة وسياسيين في مواجهة ضغوط هائلة مارستها هدى شعراوي على سير القضية، وسعيها كي يتدخل رئيس الوزراء ووزراء العدل والداخلية آنذاك في مجرى التحقيقات. على رأس هؤلاء المساندين كان محاميها فكري أباظة الذي حمل القضية للنائب البرلماني في ذلك الوقت سعد زغلول، وأطلعه على الضغوط الفاسدة التي تمارَس على القضاء الشرعي، وطالبه أن تعامَل سرّي في هذه القضية بصفتها «مواطنة مصرية»، ليهدد زغلول في حال ثبوت تلك الوقائع بالمطالبة بإقالة الحكومة.

ومنهم أيضًا المحامي الشاب مصطفى النحاس الذي التقى سرّي في فيينا، ونصحها بعمل صورة من وثيقة الزواج العرفي باستخدام الزنكوجراف، متوقعًا أن يطالبها زوجها بالوثيقة الأصلية ذات يوم، وهو ما حدث فور رجوعه لمصر. كانت هذه الفكرة سببًا رئيسيًا لانتصار سرّي في المحكمة لأنها احتفظت بالوثيقة الأصلية، التي قدمتها أمام المحكمة في ما بعد، وأعطت الصورة لمحمد شعراوي.

وأخيرًا، كانت بعض المجلات الفنية مثل مجلة «المسرح» ومجلة «روز اليوسف»، تغطي سير القضية وتساند سرّي، وتدينها أحيانًا عندما صرّحت بأنها عادت للغناء كي «تُطعم وتُربى حفيدة هدى هانم شعراوي التي لا تتمنى لها أن تعمل بالمسرح والتخت»، وكأنها تمارس ضغوطًا على العائلة مستعينة بنظرة دونية لمهنتها.

في كتابها «المرأة بين الفن والعشق والزواج»، تلقي الناقدة نهاد صليحة الضوء على تفشي ما أسمته «النظرة الشيزوفرينية للمسرح» من قبل العاملين بالمجال أنفسهم وفي أوساط المثقفين والمجتمع بشكل عام. هذه النظرة التي تصفها صليحة بالازدواجية والتناقض، والجمع بين الانبهار والولع من ناحية، وبين الاحتقار والنفور من ناحية أخرى، وهو ما يظهر على صفحات المجلات الفنية مثل مجلة المسرح المعنية بنشر الثقافة المسرحية، والتي تنضح صفحاتها في كثير من الأحيان بحسب صليحة «بنظرة متعالية إلى الفنانين ومهنتهم، يشوبها الكثير من الاحتقار أو الاستخفاف الساخر على أقل تقدير، بل وأيضًا بقدر من غلاظة الحس وعدم اللياقة»7 .

نتبيّن من خلال عدة فقرات وشهادات أوردتها صليحة أن شيوع النظرة الدونية للفن والفنانين والمسرح اجتماعيًا خلق بيئة يصعب فيها تعيين الحدود بين الفنان والمجتمع والمحيط الثقافي، وبذلك يتشرب العاملون في المجال تلك النظرة الدونية ويجاهرون بها في تصريحات مختلفة بشكل اعتيادي في تلك الفترة.

نلحظ في ما بعد اختلاف حالة فنانات مثل فاطمة رشدي وأمينة رزق اللتين حظيتا بنوع من الإرشاد والتثقيف على يد الفنانين عزيز عيد أو يوسف وهبي، ما جعلهن أكثر تقديرًا واعتزازًا بقيمة العمل الفني والمسرحي، وهو ما يشبه الدور الذي لعبه أحمد رامي في بدايات أم كلثوم، أو أحمد شوقي في بدايات محمد عبد الوهاب. لذا تشير فاطمة سرّي في المذكرات لخوفها من اضطرار ابنتها، في حال رفض عائلة شعراوي الاعتراف بالنسب، للعمل بالتخت، الذي يحظى بكل هذا الاحتقار الاجتماعي برغم ما يحققه من استقلالية اقتصادية وشخصية للنساء، وهو ما يفسر كذلك عدم خضوعها للإغراءات المالية (حيث امتلكت ثروة معقولة بالفعل) في مقابل تمسكها بالنسب الشرعي وإثباته، بما لذلك من قيمة اجتماعية وأثر على ما تكتسبه المرأة من سمعة، أو ما تعانيه من وصم ومهانة في محيطها الاجتماعي، حتى لو اضطرها ذلك للتنازل في ما بعد عن حضانة الابنة مقابل أن تتربى في بيت العائلة المرموقة8.

في الفيلم السينمائي تنتفي عن فاطمة أهم صفة ظلَّلت القصة الأصلية ودفعت حوادثها وصنعت الدراما فيها.. أنها مغنية. تعمل فاطمة السينمائية بالتمريض، وتعيش في حارة شعبية، متمتعة بسمعة من ذهب ومحبة طاغية من أهل الحارة، نظرًا لأنها لا تتردد في تقديم المساعدات الطبية المجانية لهم وقت الحاجة. تعتبرها الحارة ابنتها، وتدعمها في مواجهة ابن بشوات غادر، انتُزعت عنه هو الآخر أي خلفية ذات طابع سياسي اجتماعي، أو شخوص عائلية تتمتع بسيرة نضالية أو قيادية مثل حالة هدى شعراوي. احتفظ الفيلم فقط بالوضعية الطبقية للبطل (فتحي بيه). بذلك يتحول مسار المواجهة بين السيدتين لمواجهة بين بسطاء شعبيين وابنتهم المخدوعة من ناحية، وعلى الناحية الأخرى ثري تافه يتذوق من خلال علاقته بفاطمة قيمة جديدة للشرف والكرامة والتضامن والود، المودَعين لدى أهل الحارة وداخل بيوتها الفقيرة، ليعود إلى رشده في نهاية الفيلم، ولزوجته وابنه (الذي تحول لذكر أيضًا بخلاف القصة الأصلية!)، خصوصًا بعد خطبة قصيرة لسيدة من طبقته، يكتشف خيانتها له، ومع الخيانة يتيقن أن حياة الأثرياء يُسيّرها الزيف والخداع والجشع والانحلال الخُلقي.

أفيش فيلم فاطمة

الاستغناء عن مهنة فاطمة سرّي ومكانة هدى شعراوي يصب في غرض درامي واضح؛ وهو مركزية الشرف النسائي (الجنسي) أيًا كانت حاملته، والتراتبية العائلية والاجتماعية التي تحميه. لا حاجة هنا للرجوع للمواجهة بين العائلة الأرستقراطية والمغنية التي تمثّل أهل الفن المحتقرين اجتماعيًا، ولا استدعاء الجدل حول المهن الفنية التي شكلت بذاتها ركنًا أساسيًا في قصة صراع السيدتين وسببًا جوهريًا لرفض الاعتراف بالزواج والإبنة.

يفضِّل صناع الفيلم التركيز على مفهوم الشرف من زاوية إطار العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة وشرعيتها، التي يجب أن تحرص عليها المرأة في المقام الأول، وفي ذلك تتساوى جميع النساء في نظر الحاضنة الأبوية التقليدية، التي تعيّن معنى الشرف، وتحكم أخلاقيًا على حاملته والمسؤولة عن صونه أمام مجتمعها، وأبناء حارتها في حالة الفيلم.

من ناحيتها، اعتبرت فاطمة سرّي أنه من الشرف رفض المغريات التي عُرضت عليها، والاستمرار في معركتها ضد صورة اجتماعية وطبقية أيضًا عن المغنيات، وضد نفوذ طاغٍ لسيدة رأت سرّي أنها تخالف مبادئها المدعاة عن الانتصار لحقوق المرأة. تقول في رسالة تحذيرية كتبتها لهدى شعراوي أملًا في تجنب خوض المسار القضائي: «إن اعتقادى بك وبعدلك، ودفاعك عن حق المرأة، يدفعنى إلى التقدم إليك طالبة الإنصاف، وبذلك تقدمين للعالم برهانًا على صدق دفاعك عن حق المرأة، ويمكنك حقيقةً أن تسيرى على رأس النساء مطالبة بحقوقهن..».9 وفي موقع آخر من الرسالة تنافح سرّي عن شرف من نوعٍ آخر، شرف الترفع عن قبول رشوة مالية ضد مصلحة ابنتها، وشرف الحرية وعدم التنصل من مسؤولية قرارها، الذي ربطته كذلك بمهنتها واستقلاليتها: «طالبت بحق هذه الطفلة المُعترِف بها ابنك كتابيًا، قبل أن يتحول عني وينكرها وينكرني، فلم أجد مَن يسمع لندائي، وما مطالبتي بحقها وحقي كزوجة طامعة في مالكم، كلا! والله فقد عشت قبل معرفتي بابنك، وكنت مُنزَّهة محبوبة كممثلة تكسب كثيرًا، وربما أكثر مما كان يعطيه لي ابنك، وكنت متمتعة بالحرية المطلقة، وأنتِ أدرى بلذة الحرية المطلقة التي تدافعين عنها، ثم عرفتُ ابنك، فاضطرنى أن أترك عملي وأنزوي في بيتي، فأَطَعْتُه غير طامعة بأكثر مما كان يجود به..»10.

فاطمة السينمائية كانت تؤكد على طول علاقتها بفتحي بيه على محورية الشرف (وهو حصرًا شرف ممارسة العلاقة الجنسية وفق إطار شرعي علني مرضي عنه اجتماعيًا) لفتاة تعيش وفق منظومة قيمية تحترمها ولا تخرج عليها حتى في سبيل الحب: «إن كان على حياتي أنا مستعدة أضحي بها في سبيل حبي لأنها ملكي، لكن شرفي مقدرش أضحي بيه لأنه ملك العيلة اللي أوجدتني، ملك أمي وأبويا اللي ربوني، ملك الناس اللي حبوني ووثقوا بيا..». في هذا المونولوج وغيره تُكرّس فاطمة (أم كلثوم) إزدواجية العاطفة والجسد الأنثويين؛ إذ بينما ترى شرفًا ما في التضحية من أجل «الحب» بالحياة نفسها، تنفي الشرف كليةً عن ضلوع الجسد في تلك التضحية، لأنه مشاعي، يمتلكه كل من ذكرتهم، أصحاب الفضل على وجودها. معادلة الشرف في فيلم «فاطمة» هي تحديدًا ما خاضت ضده فاطمة سرّي معركتها وهي على يقين لا يتزعزع بعدالتها، فهي لو ندمت على علاقتها بثري أهوج تحلل من التزامه معها، لم تُظهر ندمًا يُشكك في أهليتها لاتخاذ قرارها بالزواج العرفي من رجل أحبته، ومن ثم تحملت مسؤوليتها لتصحيح ما رأته خطئًا، وحمّلتها كذلك لرجل وعائلة تُصر على أن يواجهوا نفاقهم الاجتماعي واستعلائهم الطبقي.

مفهوم الشرف في حالة سرّي يختلف أيضًا عنه في حالة الفيلم، من حيث الحاضنة الاجتماعية التي تتبنى الدفاع عنه، والمفهوم الذي صدّرته تلك الجماعة عن الشرف. كان شرف فاطمة سري «مشاعيًا» لأنها فنانة، تنشر الصحافة أخبارها، وتهتم بفصول قصتها الدرامية وتسريب أسرارها. ومن ثم كانت المعركة تتجه لحشد الأنصار والمساندين بوصفهم شخصيات عامة ومسؤولة، سواء محامي أو نائب برلماني أو قيادي حزبي. كان تسييس المعركة ومن ثم تبنيها تحت شعار المواطنة المتساوية بدلًا من شعار شرف البنت، كما في حالة سعد زغلول، عمودًا رئيسيًا اعتمدت عليه سرّي، وشنت من خلاله حملات إعلامية ونشرت المذكرات بغرض دعم موقفها، لتدور المواجهة في فضاء سياسي وقانوني واجتماعي بالمعنى الحديث، استُدعي ليكون طرفًا فيها، وأُرغم على إعلان مواقفه حمايةً لنزاهة العدالة وتأييدًا للمساواة بين المواطنين.

أما شرف فاطمة السينمائية، فكانت مشاعيته تؤول حصريًا للجماعة الموثوق في حمايتها وملكيتها لهذا الشرف. في حفل زواجها بالوجيه فتحي، الذي أقيم بين أهل الحارة (بعدما استشارت والدتها محامي وتأكدت أن الزواج العرفي شرعي معترف به- «حلال»)11، تقف فاطمة لتهدي «فرحتها» وربما زواجها نفسه للجماعة التي تتأصل عندها الملكية، وتغني «نورك يا ست الكل»: «منكم يا أعز الأهل كانت نصرتي .. واليوم وبعد اليوم أنتم فرحتي.. ما انساش مدى الأيام مهدي ومنبتي.. أصل الشرف والجاه كله من هنا».

من ناحيتها، لا تشكك الجماعة للحظة واحدة في شرف فاطمة وقت أن هجرها فتحي، بل تلومه بالكلية، وتحتضن فاطمة وأسرتها وصولًا لجمع التبرعات لتتكفل بمصروفات التقاضي التي لا تقدر عليها الأسرة. في هذا السياق تظهر عبارات شخصيات الحارة في الفيلم دالة على تفسيراتها عن الشرف: «هي دي قضيتها؟ دي قضيتنا كلنا. حد ينسى معروف فاطمة؟»، «فاطمة دي بنتنا، كلنا رجالتها، دا اللي يرشها بالمية نرشه بالدم»، «مش عيب على شنباتنا دول لما ترهنوا الصيغة (المشغولات الذهبية)؟»

يبتعد الفيلم بمعاني الشرف من الجدل حول شرف المغنية وأهليتها اللذان ازدرتهما هدى شعراوي، وهو جدل حي حتى يومنا هذا، إلى جدل حول تجبّر الأغنياء واستحقاقاتهم في مواجهة البسطاء. كما يتحول بالصراع لمعناه الطبقي والأخلاقي ومن ثم إدارته عبر تضامن الجماعة الحاضنة لفاطمة، لتبرئة ابنتها من تهمة شرف هو بالأحرى شرف جميع رجال الحارة.

ويُبرز تصوير أغنية «ظلموني الناس» داخل الفيلم إحالات أكثر اتساعًا، إذ تعرض الأغنية، خلال مقاطع الكورال بين فقرات غناء أم كلثوم، مقاطع بصرية لفلاحات وفلاحين يعملون في الغيطان، ثم بحارة في مركب في النيل، في خروج على البيئة المدينية التي تغني داخلها من حجرتها، ثم يشاركها سكان الحارة الغناء من الشبابيك، وبذلك يختزل الظلم الذي وقع على فاطمة مظالم كورال متعدد من الفئات الشعبية. وهي صورة تكتسب معانيها الأقوى إذ تحملها أم كلثوم، الفتاة الفلاحة التي أتت من أصولها الفقيرة لتصعد لأزهى آفاق النجومية ألقًا، وتحتل المكانة الاجتماعية الأعلى. وكأنها في الفيلم، كما في معظم أفلامها، وحواراتها الصحفية، حريصة دائمًا على إبلاغ تلك الرسالة حول الأصل الذي تعتز به، والشرف الذي تحفظه، في أي مكانٍ ومكانةٍ تكون. تبدو المسافة بين القصتين، من هذا المنظور، شبيهة بالمسافة التي وضعتها أم كلثوم بينها وبين عالم المسرح الغنائي ومطرباته وعوالمه بعد انتقالها للعاصمة بفترة قليلة. فلا صعدت من بينهم ولا هي تمثلهم.

المقابلة بين فاطمة وفاطمة تطرح الأسئلة عن مدلولات الخيارات التي اتخذها فريق عمل الفيلم في سياقها الاجتماعي. إزاحة المهنة محل الجدل، وتقليص الدور الاجتماعي للعائلة النافذة، الذي استغلته سرّي لتسوق حُجتها عن فصام يسم ممارسات رائدة تحرير المرأة، علامات دالة على رؤية صناع الفيلم لما يجب أن يتصدّر وما يجب أن يُوارى عندما نعالج قضية الشرف، والتحولات التهذيبية (أو التبسيطية) التي جرت على قصة ربما يعتبرها أي كاتب دراما هدية ثمينة، لما تحتويه من مفاصل تراجيدية مثيرة.

كذلك يعمد الفيلم إلى تعيين استقطاب حاد بين الفقراء والأغنياء، بدلًا من تصوير صراع جرى بين أطراف «نخبوية»، ولكنه عكس كذلك تمايز مواقفها واختلافات تصوراتها. لا يريد الفيلم الخوض في خلاف جدلي عما يعنيه الشرف، خصوصا من خلال شخصية مغنية، بما قد يصعِّب الدفاع عن بطلة الفيلم وإثبات «طهرانية» موقفها في تلك الحالة، ولا أن يمضي كذلك نحو التشكيك في رمز اكتسب أهميته التأسيسية في مسار مصر الحديثة مثل هدى شعراوي، التي ارتبطت معها أم كلثوم بصداقة أو معرفة وثيقة، كما نشرت صورة مع فريق العمل من زيارتها لموقع تصوير فيلم «فاطمة»12، ولا أن يسلّط الضوء على الخلافات السياسية بين شخصيات ذات طابع رسمي ورمزية تاريخية. تبنى الفيلم منظورًا أصوليًا يبتعد عن هذا التعقيد، ويؤكد على تجذّر قيم الطهر الأخلاقي والعفة والتضامن والكرامة بين «أولاد البلد» في الحارة، في مقابل ما يتصف به الأثرياء من خسة وتحلل أخلاقي واحتقار للفقراء. ويُختصر تداخل أولاد البلد مع الفضاء الحديث المتمثل في مؤسسة العدالة في لحظة وقف فيها محامي فاطمة على مدخل المحكمة شامتًا في مواجهة الباشا: «طردتني من بيتك إنما احنا هنا في بيت القانون. كلنا زي بعض. محدش يقدر يطرد حد».

زيارة هدى شعراوي لموقع تصوير فيلم فاطمة

هذه الصورة السينمائية المصنوعة لأولاد البلد، حماة الشرف الأنقياء، نعرف أنها سادت طويلًا بعد تاريخ إنتاج فيلم «فاطمة»، واستمرت في غض الطرف عن التعقيدات، كما في التأكيد على فضائل الأنثى، وعلى رأسها تمسكها بعذريتها كمسوغ قبولها بين جماعتها الشعبية. وفي تلك الصورة جانب من تصور شعبوي عن الاستقطابات الاجتماعية التي اعتنت الدراما المصرية بالعبور عليها، والانتهاء غالبًا لاصطناع صورة عن الوئام بين الطبقات ترتكز على خطابية أخلاقية، في محاولتها التوفيق بين استحقاقات شعبية وأصوليات ثقافية وتطورات حداثية.

تغني أم كلثوم «أصون كرامتي من قبل حبي»: «ولكنى أردت هوىً عفيفًا.. ورُمت لك الهنا فى ظل قربي» بعدما عرض عليها فتحي الزواج عُرفيًا خوفًا من رد فعل أخيه الباشا، وتغني في نهاية الفيلم «نصرة قوية» حيث أصبح نصرها نصرًا جماعيًا هيأه المولى: «فرحة هنية المولى نصرنا .. والكل جزاة ما صبرنا .. أحبابنا فرحت وفرحنا.. فرح ما كان يخطر في منام». أما فتحي بيه، الناقم على الأثرياء، والتائب عن خطيئته، يركب الحنطور مع زوجته فاطمة بعد اعترافه بنسب ابنه، يسأله محاميها: «على فين يا فتحي بيه ع الزمالك؟» فيجيبه: «لأ. على حارة الأُمرا».

الهوامش

1 فاطمة سري (1904- 1975) مطربة مسرحية مشهورة خلال فترة العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، وهي أول مصرية غنّت أوبرا كاملة هي «شمشون ودليلة»، كما غنت أوبرا أخرى مشهورة عنوانَها «اللؤلؤة». هي كريمة سيد بك المروانى، تلقت تعليمها الأولّى في المدرسة الإنجليزية بباب الخلق، وأتمت دراستها بالمنزل حتى تزوجت، ولما رأى فيها زوجها سيد بك البشلاوي استعداداً فنياً أحضر لها الفنان الشهير «داود حسنى» ليعلمها أصول الغناء والعزف على العود. بدأت مشوارها المسرحي مع «فرقة الريحاني» في مسرحية «كله من ده» كما تذكر مجلة روز اليوسف، أو «فرقة الجزايرلى» كما تذكر مجلة المسرح، وظهرت مواهبها كمطربة مسرحية في عدد من مسرحيات الريحاني وعلى الكسار، إلى أن انضمت لفرقة ترقية التمثيل العربي لتحل محل المطربة المعروفة لبيبة مانللي، ومن هنا ذاع صيتها وملأ البلاد (بحسب مجلة المسرح) وقامت بتقديم عدد من الروايات الغنائية (أوبرا وأوبريت وأوبرا كوميك). توقفت لفترة عن العمل المسرحي، وعكفت على تعلم الأدوار والطقاطيق، حتى ظهرت على التخت كمطربة، وظلت تعمل على التخت حتى زواجها من محمد بك شعراوي الذي منعها من الغناء ودفعها لاعتزال الفن. ولكنها عادت للتخت تقريبا في عام 1927 وعملت في كازينو بديعة مصابني وصالة ماري منصور خلال فترة النزاع بينها وبينه وإنكاره للزواج. واعتزلت نهائيًا في نهاية الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات.

المصادر: كتاب «القاهرة وما فيها» (2018)- مكاوي سعيد.

كتاب «المرأة بين الفن والعشق والزواج» (2008)- د. نهاد صليحة.

2 عند قبول فاطمة سرّي الزواج العرفي بمحمد بك شعراوي استدعى «موظفًا كبيرًا في دائرته، صديقا له، وتمم عقد الزواج أمام شهود». في ما بعد عند وقوع الخلاف بينهما، «ظنت فاطمة أنها تخلصت منه إلى الأبد، لكنها اكتشفت أنه تسلل إلى رحمها وأنها قد حملت منه، وحاولت الإجهاض سرًا لكن الطبيب حذرها من خطورة هذا على حياتها ذاتها. ولحسن حظها كان موقفها القوى ضد محمد شعراوى -الذى لم يسبق له مواجهة مثيله- قد رغَّبه أكثر فيها، فظل يتردد عليها راغبًا فى مواصلة العلاقة، وعندما علم بحملها تمسك بها أكثر وكتب لها الإقرار التالى حماية لها:

«أقر أنا الموقع على هذا محمد على شعراوى نجل المرحوم على باشا شعراوى، من ذوى الأملاك، ويقيم بالمنزل رقم 2 شارع قصر النيل قسم عابدين مصر، أننى تزوجت الست فاطمة كريمة المرحوم (سيد بيك المروانى) المشهورة باسم (فاطمة سرى) من تاريخ أول سبتمبر سنة 1924 ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين أفرنكية، وعاشرتها معاشرة الأزواج، وما زلت معاشرًا لها إلى الآن، وقد حملت منى مستكنا فى بطنها الآن، فإذا انفصل فهذا ابنى، وهذا إقرار منى بذلك. وأنا متصف بكافة الأوصاف المعتبرة بصحة الإقرار شرعًا وقانونًا، وهذا الإقرار حجة عليّ تطبيقا للمادة 135 من لائحة المحاكم الشرعية، وإن كان عقد زواجى بها لم يعتبر، إلا أنه صحيح شرعى مستوف لجميع شرائط عقد الزواج المعتبرة شرعًا.

محمد على شعراوى – القاهرة فى 15 يونيو 1925». المصدر: «مغنية «نص لبة» فى مواجهة زعيمة سياسية (4)». مكاوي سعيد. جريدة المصري اليوم. 17 أكتوبر 2016.

3 نُشرت المذكرات في حلقات أسبوعية على مدى خمسة شهور من 27/ 12/ 1926 إلى 25/ 4/ 1927، وتشرح من خلالها فاطمة سرّي الأسباب التي دفعتها للجوء للقضاء لإثبات زواجها العرفي ونسب طفلتها لمحمد شعراوي بعد أن هجرها وتنكر لها. تقدّم سرّي للمذكرات، التي ترجّح الدكتورة نهاد صليحة أنها استعانت بكاتب محترف لصياغتها، على أنها خطوة جريئة تدرك مدى تأثيرها الصادم:

«من المحقق أن مصر لم تر إلى هذه اللحظة سيدة شرقية نشرت مذكراتها على أية حادثة من الحوادث التي صادمتها في الحياة. لذا سيكون عملي هذا جرأة في نظر البعض وغرابة في نظر البعض الآخر، والحقيقة أنه واجب أكرهتني عليه الظروف وسير الحوادث المزعجة، وتكاتف شاب غني وبعض رجال المحاماة المشهورين لهضم حقوقي، ودوس كرامتي، وسلب ابنتي حقها في حمل اسم أبيها الشرعي».

المصدر: كتاب «المرأة بين الفن والعشق والزواج» (2008)- د. نهاد صليحة.

4 «خلال سير القضية أجرت مجلة «الصرخة» حوارًا مع فاطمة سرّي حول ما فعلته هدى هانم شعراوي من خطط لإزاحتها عن طريق ابنها قالت فيه: «لما أعجزتني الحيلة، لجأت إلى القضاء، فمضوا يساومونني مساومات لا تقبلها أم تفكر في سعادة ابنها، وأخذوا يجزلون لي العطاء حتى بلغوا أخيرًا 25 ألف جنيه، وأخيرًا عندما أدركوا أنني لا أريد شيئًا إلا ضمان مستقبل ابنتي، أوفدوا إلي الأستاذ إبراهيم بك الهلباوي، فجاءني يعرض علي اقتراحًا جديدًا رفضته بكل ثقة، ذلك أنهم أرادوا أن يأتوني برجل من صنائعهم يعقد قرانه علي ويكون عقد القران سابقًا لمولد ابنتي، ويعترف ذلك الرجل ببنوة الطفلة فلا تنشأ مجهولة الأب وتصبح ابنة شعراوي أمام القانون ابنة رجل آخر».

المصدر: كتاب «طرب زمان.. في تراث النغم» (2023). تأليف د. عصمت النمر. دار المُحرر.

5 كانت فاطمة سرّي قد فقدت حضانة ابنها حسين وابنتها سلمى من زوجها السابق سيد بك البشلاوي عندما قام طليقها بالمطالبة بحضانتهما بعد ذيوع أنباء علاقتها بمحمد شعراوي، إذ دفع بأنها غير أمينة على تربيتهما وحصل على حكم محكمة بانتقال الحضانة له. وبفقدانها حضانة ابنتها بنهاية قضيتها لإثبات نسبها لوالدها، التي سلمتها إياه في المحكمة، حُرمت من أبنائها الثلاثة كما بدأ انسحابها من المشهد الفني وابتعاد الأضواء عنها تدريجيا.

6 نشرت قبلها في سلسلة مقالات عام 2016 في جريدة «المصري اليوم».

7 كتاب «المرأة بين الفن والعشق والزواج»- 2008. د. نهاد صليحة. صفحة 26.

8 تشير نهاد صليحة على لسان أماني فريد، الصحفية المخضرمة بدار الهلال، لحوار أجرته فريد مع فاطمة سرّي في الثمانينيات قالت فيه بالنص: "هو أنا كنت حالاقي بيت أحسن من بيت هدى شعراوي تتربى فيه بنتي".

9 «مغنية «نص لبة» فى مواجهة زعيمة سياسية (7)». مكاوي سعيد. جريدة المصري اليوم. 24 أكتوبر 2016.

10 «مغنية «نص لبة» فى مواجهة زعيمة سياسية (8)». مكاوي سعيد. جريدة المصري اليوم. 26 أكتوبر 2016

11 من خلال التحليل الذي تقدمه الناقدة نهاد صليحة لمحتوى مذكرات فاطمة سرّي، نتبيّن أن الزواج العرفي في نظر المجتمع المصري في فترة العشرينيات كان يقع في مساحة غامضة مبهمة بين الزواج العلني الشرعي الذي يهدف لتكوين أسرة والإنجاب والحفاظ على الثروة والمكانة، وبين العلاقات السرية المحرَّمة المشبوبة التي تهدد النظام الأبوي. في الزواج العرفي، بحسب صليحة «تجمع المرأة بين دوري الزوجة والعشيقة، لكنها لا تنتمي لأيهما تمامًا». ومن ثم يصبح الزواج العرفي نوعًا من التحايل الملتبس على تقاليد النظام الأبوي، الذي يجوز للرجل الاستعانة به لتسيير علاقة يرغبها دون إعلانها، ولكن في حالة الحمل والإنجاب بما تمثله من خطورة وامتداد لتلك العلاقة الملتبسة يمكن مواجهته بمحاولات الاحتواء أو التهديد أو الاتهامات الأخلاقية أو الإرهاب في سبيل الحفاظ على تماسك النظام التقليدي وقواعده مقابل إبعاد المرأة وانسحابها.

12 تشير بعض المصادر لأن السيدة هدى شعراوي لم تكن تمانع في ضم الابنة ليلى والاعتراف بنسبها على شرط أن تخرج أمها من الصورة كليةً، وسعت لأن يحدث ذلك بعيدًا عن اللجوء للمحاكم، وهو ما حدث بالفعل وقبلته فاطمة سرّي في ما بعد. كما تشير الناقدة نهاد صليحة عبر تتبعها لمسار الابنة ليلى أنها عاشت في كنف زوجة أبيها منيرة هانم عاصم ودخلت للجامعة الأمريكية للدراسة وتزوجت وأنجبت إبنًا، وقد تكون التقت أمها سرًا، لكن قصة ارتباط أمها بأبيها ظلت تعامل باستهجان واستبعاد من تاريخ العائلة ويُتجنب ذكرها أو الإشارة إليها.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن