تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
غربة

غربة

سلوان #1

كتابة: محمد القدوة 12 دقيقة قراءة

#جو عام

هذه سلسلة لا تريد تقليب المواجع -لا سمح الله- أو نكء قشور غطت جراحًا قديمة، بل تحكي عن الطبول التي تدق على الرؤوس، وتقدم خبرات مولودة من رحم المعاناة. وفي «سلوان» السلسلة التي تحررها سلمى الديب، تقرأون خلاصات تجارب كُتبت بحساسية وتقليب على جمر النار كما تقول الست أم كلثوم، دون تركيز على الإيلام، ونقدم كل خبرة عميقة بروحين، حين نتأمل الهجرة واللجوء والغربة نجد السلوان فيما يكتبه محمد القدوة الخارج من غزة بعد حرب 2023 واللجوء والبحث عن مكانه كنورس حائر، بين موطنه الأصلي ومصر وقبرص. هذه الحيرة تقابلها مشاعر محمد مصلح المُبعد من مكانه، الذي تتحول مشاعر غربته، بعيدًا عن مصر، إلى أفعال تؤكد حنينه إليها وعدم تكيفه مع المكان الذي ينتمي إليه وراثيًا ورسميًا، بل يصنع غربة شعورية موازية، يفعل الغربة، يتغارب.

وكذلك نبحث عن السلوان في باقي حلقات السلسلة التي أُعدت كضفيرة، كل خبرة مكتوبة برؤيتين متداخلتين ننشرهما معًا، ستقرؤون كل «ويك إند» ديتوكسين، كل منهما عن الولادة ثم الحب فالفقد.

حاولنا عدم الاستغراق في تقديم مشاعر مؤلمة أو إعادة آثارها على أصحابها أو مَن مروا بها أو نجوا منها، حتى يكون اسم السلسلة على مسمى، لكن يحتمل أن تسبب قراءة بعض المواد آثارًا نفسية أو تذكر بما لا يُستحب استعادته، لذا لزم التنويه. والآن نتعرف على غربة قدوة، ولا تنسوا إكمال الضفيرة بقراءة تغارب مصلح. 

#سلوان

الإقامة

عشرون عامًا قضيتها في برج المهندسين، الرمال الشمالي في قطاع غزة، قضيت جُل أوقاتي هناك، أبناء ورجال الحي يعرفوني، المشاغب، القوي، والذكي. لم أستطع أن أدرك حجم خسارتي إلا بعد خروجي من هناك، صباحاتي مع حارس البناية، والحديث المُشتعل حول مباراة كرة قدم ليلة أمس، أو لربما حول مَن سكب الماء على العجوز المار في ممر البناية. عشرون عامًا قضيتها في منزل لم أحفظ غيره، رغم أنه في السنة الأخيرة انتقلت إلى منزل آخر في حي آخر كي أشبع رغبات ذاكرتي في التحرك بعيدًا بعد وفاة أبي، ظنًا مني أنني أهرب من مسافة الذكرى، لكنني حتى الآن أقولها بأنني من سكان الرمال الشمالي، مدينة غزة، وأحلامي تقول هكذا أيضًا.

أستيقظ على حلم من أبي وهو في منزلنا يلاحقني ونضحك، أمي علمتني أن الأحلام صادقة جدًا، عدا المُزعجة، وتفسير الحلم الإيجابي دائمًا ما يكون في كفتي. كلما نمت على صدرها وبدأت باللعب في خصلات شعري والحديث أنه سيكون بخير. 

أما هناك:

كيف أخبركم أنني قضيت أربعة أشهر دون سكن محدد، العائلة في محافظة الشرقية، الزقازيق-مصر، وأنا جل وقتي في القاهرة، تنقلت أيامًا كثيرة في مدينة 6 أكتوبر عند أحد الأصدقاء، وغيرها في مصر الجديدة، ومدينة نصر، حتى انتهى بي المطاف في المقطم، شهران وأنا أنتقل بين المقطم والزقازيق، لأختلس بعض الوقت أزور فيه أمي والعائلة. 

أختلس الزيارة لمدة يومين على الأكثر. هكذا صرت ألتقي بأمي خلسة.

أما هنا: 

هذه محطتي الأخيرة لهذا العام، السكن الجامعي في مدينة غيرنة قبرص الشمالية، الآن أقضي شهري الأول في السكن الثالث، منذ وصولي هنا، سكنتُ في شقة فندقية لمدة لا تتجاوز الخمسة أيام، ثم 20 يومًا في منزل مُشترك مع رجل وقطة، والآن في السكن الجامعي، تعجبني كثيرًا فكرة التنقل المستمر، هي تؤكد لي أنه لا مكان لي غير الوطن، وأن كل ما التقيت به هو غربة، الوطن أن أقضي 20 عامًا وأكثر داخل نفس الحائط. 

الدراسة/ المواصلات 

لبست حذائي كآخر شيء من ملابسي وقلت لأمي بصوت جهور: «بدّك إشي اتصلي عليّ وأنا جاي بجيبه»، هكذا كانت الصباحات الجامعية، أنزل من المنزل قبل محاضرتي بساعة على أبعد تقدير، فأنا كما ذكرت سابقًا أسكن في منتصف مدينة غزة، وجامعتي تبعد عني بضعة كيلومترات، بل هي مسافة سفر بالنسبة للغزيّ، مدينة الزهراء بالقرب من وادي غزة. وبعد انتهاء جدول المحاضرات أذهب إلى مؤسسة تامر القريبة جدًا مني، تبعد عني مسافة ثلاث دقائق مشيًا على الأقدام وحب الأصدقاء. أقدم بعض الورش الخاصة في مدرسة من مدارس الأونروا، أو حضوري للقاء يراعات الأدبي. كان كل شيء سهلًا. والطريق كان مرصوفًا بالأمنيات والأحلام.

الثانية بعد الظهر، كي أذهب إلى مؤسسة أضف للتعبير الرقمي في المقطم، مصر، أحتاج إلى ساعتين إن كانت سيارة خاصة وما يزيد على ثلاث ساعات إن كانت المواصلات العامة. مع اختلاف أماكن الإقامة في هذه الجمهورية الكبيرة، كي أُقدم نفس الورش، إلى حين وجدت الحل؛ أخذت غرفة في الطابق الخامس من مقر المؤسسة، لكنني لا أستطيع الآن أن أقول لأمي كل يوم «إن بدك إشي اتصلي علي» فأنا أبعد عنها مقدار غزتين أو ثلاث. ومَن يعيدني هناك؟ 

أذهب الآن إلى الجامعة من موقف الحافلات في مدينة غيرنة قبرص الشمالية، تأخذ المسافة مدة 15 دقيقة، طريقها جميل ممتلئ بالأشجار، ونسمات المدينة البحرية تداعب وجهي، لكن هنا لا تستطيع أخذ أي مواصلة إلا من خلال «الباص» العمومي فهو الأرخص. تكلفة الذهاب إلى الجامعة تزيد على 30 ليرة تركية، أي ما يعادل دولارًا واحدًا، وهي الأرخص، أما إن كنت من المحظوظين ستأخذ «التاكسي» الذي يُعتبر للطبقات البرجوازية، فأقل سيارة «تاكسي» تتجاوز 125 ليرة تركية، أي ما تعادل سبعة دولارات. لربما هي ضريبة يفرضها البحر على مداعبته لنا.

المقهى

- ألو، وين أنتوا؟

- هِينا في باباروتي، تعال.

- يلا مسافة الطريق.

باباروتي، هذا «الكافيه» الموجود في منتصف غزة، شارع النصر، هو أطول شوارع قلب المدينة، لربما هي صدفة أن يكون قريبًا من مؤسسة تامر، التي نجتمع فيها ضمن لقاءات فريق أدبي يُدعى «يراعات». له فرعان، أحدهما مقابل مخبز العائلات، لم أعتد زيارته حقًا، لكن الآخر لي باع معه في السهرات مع الأصدقاء.

نجلس أنا وهم، نحتسي الشاي، شاي الكرك، ولا مانع من تجربة الأشياء الباردة؛ الحلويات. إنهم أفضل مَن يصنعون «البان كيك والوافل» واللقيمات. أذكر صوت صديقنا محمد لبد -شريك في المكان- حين أخبرني أنهم أضافوا البيتزا حديثًا.

- أجيبلك تجرب؟

- وإذا طلعت مش زاكية؟ على حسابك؟

- ولو زاكية يا محمد على حسابي.

- تسلم، آه بدّي أجرب، ولأني جوعان كثير ما أفطرت.

كانت البيتزا رائحتها جيدة جدًا وطعمها كذلك، أكلتُها وطلبتها عدة مرات بعد ذلك.

أحتسي الشاي هنا، أحب طعمه، غريب، هو نفس الشاي الذي أصنعه لنفسي في الصباح، لكنه ليس بقدر هذه الحلاوة، لربما هو دفء الأصدقاء، لربما هي حلاوتهم حقًا.

حلاوة الأصدقاء تكمن في الحديث الذي لا ينتهي عن أسبوعنا، أنا وميار، ومداخلات بسمة، وضجرها من الحدود، وحديثها عن صديقتها الفرنسية التي تعرفت عليها قبل أشهر لتطوير لغتها. سخط مريم على كلية طب الأسنان جامعة الأزهر، أو تجربة حيدر في الخروج إلى مقهى مع الأصدقاء للمرة الأولى والدهشة والفرحة على وجهه، ولا سيما ضحكات جهاد ونكته وتعليقاته التي تبهجنا. كل تلك الأشياء كانت محطة دفء من الأصدقاء.

حين زرت أول «كافيه» في مصر، لم تكن زيارتي الأولى له، حين سافرت سابقًا زرته على عجالة، لكنه لا يشبه باباروتي، لا يشبهه إلا بالشكل، يُدعى «حيفا» في الزمالك، زرته في ثاني أيامي بمصر بعد هروبي من الصاروخ بأعجوبة، في 21 أبريل 2024، كنت مع مؤمن، وصديقتي مريم، هي غزية هربت من الموت قبل هروبي بشهر واحد. جلسنا لنتحدث عن حياتنا وماذا الآن بعد هذا الموت والدمار، حين دخلته أخذتني الدهشة من المكان، فهو يشبهه حد اللعنة، التفاصيل الخارجية، الأشجار، رغم عدم تواجد شجرة الزيتون كما كانت تقبع في باباروتي ونسجل على أوراق منها قصصنا وحكايتنا، فإنه كان يشبهه، أو لربما هو الوحيد الأقرب لتصميمه الخارجي، أما عن داخله، لا شيء يشبه الوطن.

المقهى كان مملوءًا بالزوار، الأصوات الكثيرة، على عكس باباروتي فهو هادئ معظم الوقت، مملوء بالناس لكنه هادئ، ربما بسبب صورة درويش المُعلقة في منتصف المكان، أو بسبب الخوف من إزعاج الأسماك الموجودة في الحوض الكبير أمام الصورة. ربما لو أنهم وضعوا حوضًا لاحترموا الأسماك.

كان كل شيء هنا يدعوني للنفير، لم أطلب الشاي، وطلبت كوبًا من الليمون والنعناع. وبعد أن شربته، تأكدت أنه لا شيء يشبه باباروتي، لا شيء حقًا.

بعد إلحاح كثير من أصدقائي أن أغادر غرفة السكن، وأنزل لاحتساء شيء في هذا الشارع، وأن أجرب المدينة الجديدة، دخلتُ زقاقًا أعجبني تصميمه الهندسي، هو ينقلني دائمًا إلى سوق الزاوية، منتصف غزة، الحجارة متراصة فوق بعضها البعض، كأن لكل واحدة منها دورًا تعرفه جيدًا. كان هناك مطعم إيطالي يقدم بيتزا إيطالية، المقاعد ممتلئة، بجواره مقهى صغير، عرفت أنه إيطالي من ملابس المحاسب، فهو يلبس البنطلون الرسمي وقميصًا، وعادة يحافظ الإيطالي على تراثه، ويأخذه معه في أي دولة. في الحقيقة هي عادة أي مغترب، فأنا أسير بحقيبة صنعتها من رسمة صديقي محمد سامي الأخيرة، هي تراثي الوحيد الآن.

حين فتحتُ قائمة المشروبات وجدته بالفعل مطعمًا إيطاليًا طلبتُ منه القهوة المخفوقة بالحليب والثلج وكان طعمها لا بأس به مقارنة بثمنها الذي تجاوز 180 ليرة تركية أي ما يُعادل خمسة دولارات. لكنني كنت أجلس وحيدًا، وتذكرت حينها قول درويش: «‏لديّ ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي في مقهى يظنّه الجميع فارغًا، لكنّه يغصُّ بالغائبين»

اللغة واللهجة

لهجتي حين أتحدث مع شخص من جنوب القطاع تختلف عن مَن هم في الشمال، كل منا لديه اللهجة الخاصة به، معروف عنا نحن الغزازوة نحب ضم الحرف الأول، فنقول كلمة عُلبة، فُلفل.

كان دائمًا مزاحنا أنا وصديقي أنس على تلك المصطلحات، فهو من سكان شمال القطاع، حيث يقولون عن عزائم الطعام «أطعمني» بصيغة الأمر. كنا نضحك على لهجاتنا التي تتقارب ودائمًا ما نفهمها. حتى خرجت من المدينة ولم أفهم شيئًا بعده.

اللهجة المصرية، يتحدثون بطريقة مريبة، سريعة جدًا، وكنت دائمًا ما أجد مشكلة في فهمها، يتحدثون مثلنا العربية، لكنهم يفهمون بعضهم، ويعرفون الدخيل على لهجتهم بطريقة سريعة، كلما حاولت أن أخفي لهجتي، أتلعثم بالنهاية في كلمة واحدة على الأقل، فيكشف هويتي ويسألني: «هو الباشا منين؟».

كانت عقدتي تكمن في الحديث معهم، حتى وجدتُ صديقتنا المصرية سيمون في مساحة العمل، تجلس مع الكثير من الغزيين، فأرى أنها مُصابة بالدهشة حينما أخبرها عن الكمثرى أنها «إنجاص»، ونضحك معًا، عرفت حينها أننا كلنا نستشعر جهلنا فيما يخص اللهجة حينما نكون وحدنا وسط مجموعة لا يتحدثون مثلنا.

كانت صدمتي الحقيقة حين وجدتهم لا يتحدثون الإنجليزية، أنا أعرف التحدث بها جيدًا، معظمهم يتحدث بالتركية التي لا أعرف عنها شيئًا، وكانت هذه أول التحديات المُستمرة حتى هذه اللحظة فيما يخص اللغة هنا، لا أجيد الحديث معهم، لربما حين يضحك اثنان وهما يتحدثان أمامي يشتمانني لا أعرف، هذا الجهل يقتلني الآن، كيف لا يتحدثون الإنجليزية وكانت بلادهم مستعمرة من قبل الخيل الأبيض، كيف؟ يحاولون المحافظة على تراثهم، مثلنا تمامًا، نعرف أن ننطق «رمزون» -إشارة مرور بالعبرية- وهو مفروض علينا كباقي المصطلحات الدخيلة.

البحر

- أبو أنس وينك، الموتسكل فيه بنزين؟

- آه، ليش وين بدّك تروح باخدك؟

- طيب استنى بس نسكر العزا، بدي أروح البحر.

بحر غزة

البحر، خانتي المفضلة، فأنا نورس، لقب أحبه لنفسي كثيرًا، أحب أن أقوله في حق ذاتي، النورس دليل الصياد، النورس صديقهم، وأنا دليل للأصدقاء. أحب زيارته كثيرًا، كنت قد اعتدت في الأيام القديمة أن أذهب إلى الجامعة بعد مسافة سير لا بأس بها على البحر، نسيت أن أخبركم أنني أزور البحر بشكل شبه يومي في طريقي إلى الجامعة، كنت أحمل له كل يوم رسائل الطيف والجسد، يكفي أنه حمل وجعي بأول يوم لي في عزاء أبي.

زرتُ البحر ذلك اليوم، وقفت أمامه لا أخبره شيئًا، أتنفس فقط، كان الثلاثاء 18 أكتوبر عام 2022. وقفتُ حينها أمامه، وربت الموج على كتفي.

طريقي إلى البحر في الركض صباحًا، أركض مسافات وأنا أضع سماعة الرأس وأبتسم وأضحك، كلما سمعت الشيخ إمام يقول: البحر بيضحك ليه ليه ليه. أجيبه وثقتي في نفسي تزداد: لأنني أمامه.

قضيتُ جل وقتي في أثناء النزوح من مدينة غزة إلى دير البلح على شاطئ البحر، فقد زرته بعد شوق 33 يومًا، جلست على النخلة، العالم ينظر إلى البحر وأنا أنظر إلى بحري.

لا سيما الحديث مع أحمد صديقي المُقرب، حين وجدتُه صدفة في إحدى مدارس الإيواء في أثناء العمل، عانقته وجلسنا على موج البحر، وكنت أزوره من حين إلى آخر ونجلس أنا وهو معًا ونتحدث عن كل شيء. وأهم ما نتحدث فيه كيف ستنتهي الحرب. أو حتى حملي لحقيبة اليونيسف، وسيري مسافة لا بأس بها بجوار الكورنيش كي نذهب إلى مدرسة دير البلح لتقديم الدعم والتفريغ النفسي للأطفال في مراكز الإيواء.

أو مسافة الخطر التي نقيسها، أنا وعبود، حين قطعوا اتصال الإنترنت وإرسال الشبكات، نذهب إلى منطقة الزوايدة فوق التبة، كي نحاول فتح إشارة إنترنت وأكلم أمي التي أكلتها نيران القلق كونها خارج البلاد. البحر كان يهديني إرسالًا كي أطمئن فيه على أمي.. شكرًا أيها البحر.

قضيتُ في مصر قرابة الأربعة أشهر، لم أذهب فيها للبحر ولا حتى لمرة واحدة، لكنني كنتُ أشتاق له حقًا، لا أريد أن أرى النيل، أريد موجًا، وقوارب وسمك بحر، ذهبت إلى الإسكندرية مرة واحدة، ولم أذهب فيها للبحر، كان بعيدًا عني قرابة الساعة بالسيارة، لم أذهب ولم أرد الذهاب حتى. وهذا لا يمنع أنني فقدت نورسيتي هناك، وفقدت كل شيء، البحر يذكرني بحبيبتي، كنت خائفًا من صدمة اللقاء معه دون عينيها. أربعة أشهر لم أبحث داخل الموج عني ولا حتى على شاطئ.

أقضي حياتي الآن في جزيرة يحدها البحر من كل الاتجاهات،أول يوم لي فيها قررت الذهاب إلى البحر، وجدته يبعد عني مسافة 25 دقيقة سيرًا على الأقدام، سرت أتفحص الشوارع، وكل شيء فيها يدعو للدهشة حقًا، حتى وصلت إلى البحر. وآخ حين زرته، لم أتوقف عن البكاء، حتى عدت منه إلى بيت، لا أجيد أن أقول عنه البيت، -ألف لام التعريف- تُضاف فقط إلى منزلي في وسط مدينة غزة، ولا شيء يشبهه. 

حبيبي البحر، النورس عائد في طريق مختلف، لربما التفافيّ، موجك أصبح فيه ترسانة لا أعرفها، تدمر ريشي الطائر، أنا سأبحث عما تبقى من موجي وأعود إليك، حتمًا سأعود إلى بحري.

أما البحر هنا فهو ملجأ، أذهب إليه وأبكي، عل الموج يختلط بعيني ويأخذني إلى غزة.

هي سماء واحدة، لن أجيد الفصل هنا لأحدد لكم لعنة الزمكان، أو أنهم علموني في المدرسة أنها واحدة، لكنني أرفض التصديق. السماء في مدينتي حمراء، تعكس أشلاء الأسماك ولون البحر المُدمى، صوت الطائرة مخيف، كلما ينبح صوتها أتذكر الكلب الجائع، فتأكل من مدينتي الرغيف كله وتترك لنا فتات من الذكريات، نلمه فوق طبق بلاستيكي، ونخبئه جيدًا في صدرنا، ونشرد من نباحها كل مرة، لكنها كلب، تعرف كيف تتقصى الأثر، فتعود لتلحق بي. 

أما عن السماء عندهم، فهي صافية، لربما مشحونة بالطائرات التي تحمل المدنيين العزل، لا تجيد إطلاق الصاروخ، حين تكون جائعة يطعمونها القليل من الوقود فتشبع، لا تحب أن تأكل الأجساد، هي تحملهم فقط. وتشحنهم إلى مدينة أخرى وثقافة جديدة، وتستطيع أن تحمل بها الأطباق الزجاجية، فهي لا تتكسر.

فتشوا عن طير السنونو الآن 

والسماء، لماذا باتت تحمّر شفتيها كل ليلة

فتشوا عن بحر صوته صار أحمر 

كلما صعدت طائرة

سقط الطير هناك ومات. 

فتشوا عن كل شيء 

عدا اسمي

فأنا النورس

عالق بين سماء وبحر 

لا ترونهم 

فقط أنا، مَن يعرف ذكرياتي معهم.

الآن أنا في مجزرة غير مُعلنة، حرب باردة، تشنها المصطلحات على قلبي، بين الغربة والنجاة، كلاهما مصطلحان لا أجيدهما حقًا، ولم أكن أفهمهما حتى عامي الأخير، الآن أنا في مدينة أبحث فيها عن فرصة جديدة للنجاة والهروب من النزوح المتكرر، لربما ستكون ملاذًا أخيرًا، أو لربما سأكون صاحب الحظ الأسوأ كي أغيّر مكان إقامتي مجددًا. لا أعرف، لكن ما أعرفه حقًا أنني خفت من الهرب، موجع جدًا ما ندعوه نجاة في قالب الغربة، لذلك أستخدم مصطلح أبحث.

الآن أبحث عن نورس في ساحل غير غزة، وفرصة غير ما كان لي هناك.

أبحث عن ذاتي بطريقة مريبة، وسط كل هذا الدمار، ولا أعلم هل تركت روحي حقًا عند الحاجز، أم أنها معي في كل مكان مختبئة تنتظر أن أحررها من خوفها؟

وسلام.

لقراءة غربة وتغارب اضغط هنا.

عن الكاتب

محمد القدوة

محمد فوزي القدوة، فلسطيني من غزة، كاتب وناشط مجتمعي وطالب كلية هندسة برمجيات، تُرجمت العديد من قصائده بعدة لغات عالمية، ونُشرت روايته الأولى عام 2022 «الوجهة الأخيرة»، ولاعب مُنتخب فلسطين…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن