تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عَلامة في نزلة السمان

عَلامة في نزلة السمان

#81 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: محمد أشرف أبو عميرة 7 دقيقة قراءة

#جو عام

في هذا العدد من ديتوكس نتابع آثار ما خلفته عَلامة رُسمتُ على بيت عائلة محمد أشرف أبو عميرة حيث اعتاد قضاء أيام الويك إند قريبًا من الأهرامات دون زيارتها. ويتقفى دلالة ذلك في جولتين أولاهما سياحية، والأخيرة داخل منطقة يحيط بها شبح الإزالة؛ ولنبدأ مع ما سببته تلك العلامة:

#دليل

زرتُ الأهرامات لأول مرة، الأربعاء الماضي، لرؤية نزلة السمان من أعلى، فقبل ذلك بيومين جاءت لجنة حصر إلى بيت جدي بالمنطقة، وتركوا على مدخله عَلامة باللون الأحمر.

عَلامة غامضة تتضمن رقمًا.. تُنذر بالإخلاء وسط روايات حكومية متضاربة عن «تطوير» المنطقة المُحيطة بالأهرامات، لكن ما تأكدتُ منه أن علاقتي بالمكان ستتغيّر، بسبب التطوير المُزعم للمنطقة المُحيطة بالآثار.

دخلتُ الأهرامات من بوابة شارع «أبو الهول السياحي»، حيث يقع بيت جدي لأمي. قبل البوابة بأمتار استقبلني بترحاب شديد العاملون باسطبلات الخيل لتوجيهي إلى مكان قطع التذكرة رغم أنه واضح للعيان. ثم عرضوا بكرم بالغ المساعدة قبل دخولي غرفة التفتيش، وأثنائه، وبعده.

«خيل يا باشا؟ لأ. تعرف بكام؟ عارف. بـ 50 جنيه..40 جنيه [لا أرد]. حنطور؟ [صمت] هاخد ألففك الأهرامات الـ 3، ونطلع فوق، وتاخد صورة عند كل هرم، كل ده بـ150 جنيه بس».. هكذا يلحون عليك بشدة، ثم يلاحقونك بشكل أكثر إزعاجًا داخل المنطقة الأثرية، وإذا قبَلت سيطلبون المقابل، وفي حال جرى اتفاق على سعر سوف يخالفونه. لكن إذا رفضت محاولاتهم من البداية بحسم فسوف يتركونك لحالك.

في جولتي السياحية الأولى في رحاب الأهرامات، استقبلني أبو الهول المهيب في رَقدته الأبدية، نَظرتُ إليه دقائق ثم التقطتُ بعض الصور، قبل أن أسير نحو هرم خوفو، وبعده خفرع، ولم أكمل حتى ثالثهما.

caption

بقيتُ في المنطقة ساعتين، لم أنبهر بشكل الأهرامات عن قرب، بل ما أثارني تأمّل كيف بُنيت. حولي قليل من السياح، أَغلبهم يركز على التقاط صور للأهرام وحارسهم أبو الهول، انسحبتُ من الجو السياحي ثم تسمرتُ قليلًا أمام ما هو خلفه؛ النطاق العمراني أسفل الأهرامات، وهو ما لا يهم الزائر بالطبع، لكنه يهمني.

منذ 21 عامًا، أقيم في أحد الشوارع المُجاورة لنزلة السمان، ويفصل بيني وبين بوابة الدخول إلى الأهرامات نحو 20 دقيقة سيرًا على الأقدام، لكن رغم ذلك لم أزرها قبل جولتي هذه، وقبلها كنتُ مُكتفيًا برؤيتها من نافذة شرفة منزلي الرئيسية، وربما بسبب هذا القُرب ظللتُ أؤخر زيارتها دومًا.

في جولتي السياحية، قمت بـ«زووم إن» عبر كاميرا الموبايل، لأرى «أبو الهول»، الشارع لا الأثر، ثم أميز بين اتجاهي اليمين والشمال مساحة خرسانية قيد الإنشاء، وقبلها بأمتار، كوبري أُُنشئ حديثًا أمام بيت جدي، يأخذ السيارات من «أبو الهول» حتى آخر فيصل، والعكس صحيح. لا أعرف جدواه، لكنه ضيّق الشارع.

بينما أتابع ما يكشفه لي التزويم عن المنطقة النائمة أسفل الأهرامات، رجعتُ فلاش باك عامين إلى الوراء حين كان يفصل بين اتجاهي «أبو الهول» حديقة صغيرة ثم أُزيلت. وبالرجوع 18 عامًا إلى الوراء تذكرتُ جدتي عندما كانت صحتها تُسعفها لتسير معي من أول الشارع حتى نهايته.

caption

بالرغم من عمل الكثير من أهالي نزلة السمان، والشوارع المجاورة لها بالسياحة، وتعلقهم بالخيل، والأهرامات إلا أن المنطقة أهميتها تتمثّل لدي في كونها مكان بيت جدي الفسيح المُقام، قبل 45 عامًا، على مساحة 1700 متر، من دورين علويين.

كل ويك إند، كنتُ أنتظر الطقس الذي يبدأ بعد صلاة الجمعة، نفطر سويًا في بيت عائلة أمي مع أولاد الخالة والخال، وبعد الأكل نلعب كرة القدم في حديقته.

في منتصف اليوم، أحرص على قطف وردة، وإهدائها إلى جدتي، تبتسم لذلك، تحكي لي ما تحكيه دومًا دون ملل عن جدي المُرشد السياحي الذي تُوفي في ريعان شبابه؛ «كان سابق كل اللي عاصره، ولّف العالم، وشخصيته كان يحترمها الكل».

وفي منتصف اليوم نتجمع مُجددًا على الغذاء، ثم نشرب شاي «العِدة» بالنعناع البلدي المقطوف من الحديقة، والذي يُعد على كذا دور وسط الصالة. يكون الأمر أجمل بشراء بعض عيدان الذرة المشوية من إحدى السيدات التي تبيعها في الحديقة المُقابلة للبيت، أو شراء البطاطا، ننتهي من ذلك عند 7 مساءً في الأغلب، وتكون المفاجأة السعيدة بحضور خال والدتي المحبوب لدينا، ليحكي لنا قصة بها عظة ما أو حكمة، جلسته خفيفة على الروح والقلب. ينتهي اليوم، بكل الحزن لأننا سنصبح على أسوأ أيام الأسبوع؛ السبت.

خلال جولتي السياحية، أستعيد منظر النزلة من عند الأهرامات، حين رأيتها لأول مرة بمنظور أعلى وأوسع. هناك بالأسفل حياة كاملة: محلات ومطاعم ومقاه ومكتبات، وعقارات لأفراد ينتمون للطبقة المتوسطة وما أدنى من المتوسطة، والفيلات لمَن كان حظه في الدنيا أوسع. مجتمع عمراني متكامل لا يمكن اختصاره في كلمة «عشوائيات» أبدًا، ولا يستحق كل هذا الغموض الذي يكتنف مصيره منذ سنوات.

«كل مَن في النزلة بَنى فندق في بيته عشان يستغل منظر الأهرامات..والعمائر 7 أدوار» هكذا أستعيد تصريح مسؤول حكومي يشوه بسهولة كل سُكّان النزلة، لكن هؤلاء السكان منهم الذين يعملون بالسياحة في أوج حالات تألقها وفي أكثر حالات تدهورها، وهناك العاملين في مجالات مختلفة ما بين المحاماة والطب والهندسة والشرطة وبائعي المواد التموينية وأصحاب المحال المختلفة. كل هذه الحياة النشطّة يُنظر لها حكوميًا على أنها هامش يجب إزالته لتعزيز المجال السياحي، رغم أن تواجد الناس في منطقة نشأتهم حق أساسي، فهم ليسوا قطعة شطرنج تُحرك بسهولة لإحراز تقدم ما.

عند النزول من الأهرامات إلى النزلة، صحبني عُمر الذي رَحب بالسير معي في المنطقة وجزئها الواقع على شرق الهضبة؛ سن العجوز، ولمّا لا ومنزله في قلبها.

يُقال إن تسميتها بـ«النزلة» ترجع إلى أن طيور السمان كانت تهبط إلى هضبة الأهرام في هجرتها الموسمية، وقد بُنيت المنطقة السكنية خلال الـ 300 عام الأخيرة ما بين سفح الهرم الأكبر من الغرب، وفندق مينا هاوس من الشمال، وتقع ترعة المنصورية في شرقها، وطريق أبو الهول في جنوبها، ويمرّ شارع الهرم شمال المنطقة.

مع دخولك النزلة -التي تبلغ مساحتها 253 فدان- من ناحية «أبو الهول»، ستجد بعض الخيالة والحناطير المتناثرة، لكن هناك حياة أخرى هنا؛ يسيطر على العمل بالسياحة في المنطقة بعض وجهاء العائلات المعدودة، وأشهرها الجابري وخطاب والشاعر، إلى جانب بعض الأفراد الخيالة وأصحاب الجمال والحناطير والباعة المتجولين، وكل هؤلاء يشكلون نسبة صغيرة من إجمالي عدد سكان النزلة الذي يبلغ 50 ألف نسمة على الأقل، بحسب التقديرات الرسمية (هيئة المجتمعات العمرانية، 2006) ومع تدهور أوضاع السياحة آخر 10 أعوام، انخفضت النسبة العاملة بالسياحة.

يشعر عُمر عند دخوله النزلة بـ«السيطرة»، هُنا يسكن منذ مولده، وأبيه كذلك حتى سابع جد، وبجواره أعمامه وأبناء عمومة والده، كلما مررنا على منطقة يُدرك جيدًا أي عائلة تسكن منازلها، مع تصنيف بسيط؛ «دول تبعنا وحبايبنا.. دول لأ».

بالتجول في المنطقة أجد مجتمعًا عمرانيًا يتشابه مع أي مجتمع آخر؛ مجموعة من المحلات المختلفة للأنشطة الاقتصادية، بينما يوجد بعض الحناطير المركونة، والتي تنتظر العمل صباحًا. تعبّر المنازل عن ترابط العائلات في اقترابها من بعضها، عندما اصطحبني عُمر لمنزله لم يكن الفاصل بينه وبين منزل أعمامه أكثر من 10 أمتار وهكذا الأمر في باقي منازل النزلة.

وفي حين تقبع أغلب البازارات في «أبو الهول»، إلا أن الوضع داخل النزلة مُختلفًا. أغلب ما ستشاهده محلات متواضعة تطل على طريق غير مرصوف جيدًا. المنطقة ليلًا هادئة بشكل مُريح للأعصاب ويُناقض صخب الصباح. رأينا ساحتين إحدهما في منتصف المنطقة، والساحة الأخرى في «سن العجوز»، يُمثلان مُنتفسًا للشباب والأطفال للعب كرة القدم، وسط كم خانق من الشوارع الضيقة، والمنازل المتلاصقة.

مشينا ووجدنا علامات بالأحمر في كل مكان، جامع وكنيسة شاهدتهما في طريقي عُلّم عليهما، يعلق عُمر: «طالما جُم جنب دول يبقى خلاص»، رأيت على العقارات عَلامات تضمن تسلسلها حتى رقم 566.

خلال سيرنا أيضًا، وجدتُ على الأقل 10 مجموعات من الأفراد، كل مجموعة لا تقل عن 4 أو 5، يتحدثون مع بعضهم البعض لا أكثر. عكس مجموعات الأصدقاء التي أُشاهدها في مناطق أخرى وتكون أقل عددًا، هي ملاحظة قد تكون عابرة، لكنها تعكس بالنسبة لي سمة أساسية هنا في المنطقة؛ البعض قد يستحوذ على كعكة السياحة، والقلة تستحوذ على كعكة الآثار، بينما الأغلب الكعكة بالنسبة لهم هي الصحبة، والمعارف الذين تربوا مع بعض سويًا.

الروابط القوية يُعد لها من البداية. الطفل الصغير ابن عائلة خطاب ينشأ على صداقة مع طفل آخر من عائلة الجابري أو الشاعر أو فايد على سبيل المثال، هؤلاء شلة المستقبل، الذين يعتادون على الالتقاء كل يوم في منطقتهم، وذكرياتهم محفورة فيها، بالنسبة لهم ليس من السهل وضع علامة على منزل أي منهم تُفيد بأنه بات مُهددًا بالإزالة.

caption
تصوير: محمد أشرف أبو عميرة

أَنهي جولتي مع عُمر، وأعود من جديد إلى بيت جدي، العَلامة تُجنني؛ أنظر إلى الرقم وحرف الباء أسفله وأتخيّله ضحكة تسخر من مشاعري وذكرياتي. البيت الذي صار بقدرة عجيبة مُهددًا بعد أن وُضعت عليه عَلامة بالأحمر تنبئني بمستقبل غامض.

العلامة تمثّل ثاني قلق تجاه مستقبل النزلة، الأول كان عندما ارتبطت المنطقة بموقعة الجمل، بعدما أتى بعض الخيالة وأصحاب الجمال من نزلة السمان سعيًا لفضّ الاعتصام بميدان التحرير، ووُصمت المنطقة بسمعة موقعة الجمل السيئة كأنها عُلّم عليها كأحد المراكز الفلوليّة، وهو تصنيف ضد قناعاتي، وشكّل هذا التصنيف ضغطًا عليّ. ولكن مع العَلامة الجديدة أحسّ بأن النزلة سوف تدخل على حقبة جديدة تمامًا، يُشكل ملامحها آخرون دون العودة إليّ، ربنا يوفقهم في رسم مستقبلي.

#وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن