تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عيون الحرب: صحفيو غزة وحكاياتهم

عيون الحرب: صحفيو غزة وحكاياتهم

كتابة: نور السويركي 6 دقيقة قراءة

في صباح اليوم العشرين للحرب، هاتفني زوجي سالم، وهو صحفي يعمل في تغطية هذه الحرب منذ لحظاتها الأولى، طلب مني التمهل في التوجه لعملي كمراسلة بمجمع ناصر الطبي، نظرًا لحدوث غارة جوية إسرائيلية بالقرب من المنطقة الخلفية للمجمع، نتج عنها دمارٌ كبيرٌ وعددٌ من الشهداء والجرحى.

بعد ساعتين، جاء مرتديًا درع الصحافة، عابسًا بالكاد يتحدث، ملابسه متسخة ومتعرقة. وصف لي كيف كان المكان يعج بالإسعاف والسيارات المدنية التي تنقل المصابين، بينما يحمل آخرون جثث وأشلاء أطفالهم وأفراد عائلاتهم في بطانيات، ثم قال: «تعبت.. رأينا الصواريخ وهي تنزل، عديناها، وبعدين؟».

في خيمة الصحفيين، يوجد العشرات الذين يؤدون مهمتهم في تغطية الحرب، أنا وسالم اثنان منهم، وبينما يبيت سالم هناك، أذهب أنا يوميًا لعدة ساعات، تبدأ ظهيرة اليوم وتنتهي في مسائه قبل غروب الشمس، ليعيدني إلى مكان وجود العائلة وطفلينا، لأبيت معهم.

يوميًا قرابة التاسعة صباحًا، يهاتف أحدنا الآخر، وغالبًا ما أفعل أنا ذلك، أقول: «صباح الخير، لسا عايش؟»، ونتفق على الساعة التي سيمر ليقلني فيها، ينتظر طفلانا معرفة الوقت ويبدآن في عد ساعات الانتظار، وبمجرد وصوله يسابقان خطواتي لاحتضان والدهما وتقديم قائمة من الطلبات التي يسعى سالم بكل جهده لجلبها في طريق عودتنا، لينال «رشقة» أخرى من القُبلات والأحضان قبل أن يغادرنا.

نستمر بالاطمئنان على بعضنا خلال الليل بالرسائل النصية عند كل غارة جوية في محيط تواجدنا، وإذا تأخر في الرد، يطير عقلي رعبًا، إلى أن يرد ساخرًا: «لو مُت ستعرفين بسرعة، أصدقاؤنا المشتركون كُثر»

هذه الحالة لا تخصنا وحدنا، فعشرات الزملاء والزميلات الموجودون/ات في خيمة الصحفيين بمجمع ناصر الطبي في خان يونس، جنوب القطاع، يعيشون بترتيبات مشابهة، وربما أشد صعوبة، فتجارب القصف السابقة والمتكررة علمت الصحفيين أنهم مستهدفون والأفضل وجودهم في مكان واحد، للدعم والمؤازرة. 

اختيار إقامة خيام بالمستشفيات، كمستشفى الشفاء في شمال القطاع، ومستشفى شهداء الأقصى في وسط غزة، من شأنه الاعتماد على إمدادات الكهرباء وإمكانية إتاحة الإنترنت، وتساهم في الخيام أحيانًا نقابة الصحفيين، وأحيانًا مكتب الإعلام الحكومي التابع لحركة حماس، وقنوات كبيرة ذات إمكانيات مثل قناة «فلسطين».

الخوف من فقد العائلة هاجسٌ يسيطر على الصحفيين وعائلاتهم، فيخشى من في البيت فقد من في الميدان، وأيضًا يخشى من في الميدان فقد من في البيت. 

بعد مقتل أفراد من عائلة الصحفي مراسل «الجزيرة»، وائل الدحدوح، منهم زوجته وابنه وابنته، في اليوم التاسع عشر للحرب، بدا الجميع، في الصباح التالي، كمن ضُرب على قلبه، مخافة عيش ذات اللحظات، خاصة أن الدحدوح ليس أول من عاشها، فالمصور الصحفي، علي جاد الله، فقد أخته وثلاثة من أخوته في غارة جوية، وهو على رأس عمله، وأيضًا الصحفي محمود هنية فقد زوجته وهي صحفية أيضًا وابنهما الذي لم يبلغ العام، والصحفي خالد الأشقر هو الآخر فقد زوجته، وهو على رأس عمله أيضًا.

بحثت عائلة الصحفي خالد الأشقر كثيرًا عن الأمان، فنزحوا مع الآلاف، وغيروا مكان تواجدهم أربع مرات على الأقل، إلى أن انتهى بهم المطاف في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، يتواجد الأشقر في خيمة للصحفيين بمستشفى شهداء الأقصى في وسط قطاع غزة، حيث كان يقطع يوميًا رحلة ذهابٍ وإيابٍ منذ الصباح الباكر ومتأخرًا في الليل، ليؤنس ليل عائلته المرعب تحت النار. 

يقول الأشقر: «قُتلت زوجتي في غارة جوية بمكان نزوحنا، أصيب خلالها ابننا كنان بإصابة طفيفة، وأصيب أولاد أخي بإصابات متوسطة، بينما بُترت قدم طفلته. لم أتخيل يومًا أن يحدث هذا لي. دفنت زوجتي، وفي اليوم التالي عدت للعمل، حياتنا أنا والأولاد الأربعة دونها صعبة جدًا، خاصة في هذا الوقت، فأنا تحت ضغط العمل كصحفي. فصلت الأولاد حتى لا نموت مرة واحدة في استهداف قادم، اثنان عند بيت جدهم، وواحد معي وواحد عند أختي. لم أستطع التوقف عن العمل، نحن صوت الكثير من الناس الذين لا يعرفون كيف يوصلون أصواتهم للعالم عن كل الظلم الذي يتعرضون له ونحن مكلفون بهذه الرسالة»

تشاطره الصحفية ومراسلة قناة «الحرة» في قطاع غزة، وسام ياسين، الرأي، وتقول: «نحن مواطنون فلسطينيون مثل الجميع تحت النار، لكننا أيضًا مُكلفون بتقديم الحقيقة، نحن صحفيون، وهذه مهمة صعبة».

ياسين أم لثلاثة أطفال، بنتان وولد، تتركهم لدى أقاربهم في جنوب قطاع غزة، تتحدث عن تجربتها في هذه الحرب، ونحن نجلس على أحد الأرصفة بجانب خيمة الصحفيين: «غطيت الكثير من التصعيدات العسكرية والحروب، لكن لا شيء مشابه لما يحدث الآن، ليس لدينا وقت للتفكير أو البكاء، لا نستوعب ما يحدث. أحيانًا أقول إن ما يحركنا حلاوة الروح، فالصواريخ تقع في قلوبنا، وفور انتهائنا من مراسلاتنا الإخبارية نهرع للتواصل مع عائلاتنا للاطمئنان، في حال توافرت الشبكة للاتصال، وإذا لم يرد أحد أتخيل كل السيناريوهات السوداء، أفقد تركيزي وحماسي للعمل ويبقى عقلي مشغولًا إلى حين الاطمئنان عليهم».

«أولادي ناقمون على عملي، فابنتي الصغيرة دائمًا ما تشعرني بالذنب عندما تقول أم صاحبتي عندها وأنتِ لأ، خاصة أنني لا أبيت برفقتهم. ليلة واحدة فقط هي ما استطعت الحصول عليه للبيات بجانبهم، أما باقي الأيام فأنا أبيت هنا في سيارة البث بمجمع ناصر الطبي. أول أسبوع من الحرب خرجت في لحظة الحدث واستمر خروجي لأسبوع قبل أن أعود لهم لننزح نحو الجنوب. خرجنا بملابسنا فقط، لا توجد معي ملابس ولا وقت لشراء غيرها. الجو بدأ يميل للبرد، فاضطررت للخروج مهرولة لشراء بيجامة خريفية لطفلتي من إحدى البسطات هنا. خرجت وأنا أرتدي درع الصحافة، كلما رآني الناس والباعة أوقفوني ليسألوا عن الهدنة، فهم يعتبرون الصحفي مصدر المعلومة، وكان قلبي يتقطع».

لا يختلف حال مراسلة TRT عربي، ربا العجرمي، فهي تترك أطفالها الأربعة مع والدهم وعمتهم وتنطلق في رحلة ذهاب وعودة يومية، تبدأ من السابعة صباحًا وتنتهي مساءً، تستغل بعض الدقائق ما بين مراسلاتها الحية لتشتري بعض احتياجات أطفالها من البسطات المجاورة، فقد نزحت من مدينة غزة إلى خان يونس.

لتوها انتهت من إحدى المراسلات، لنجلس معًا في سيارة البث وتقول: «أبدأ التحضيرات فجرًا. أهتم بأطفالي، أحضنهم كثيرًا، وأشبعهم من الحب، وأشبع منهم قبل أن أنطلق في طريق الموت. المسافة بين مكان نزوحنا وخيمة الصحفيين في خان يونس طويلة، تتراوح بين 20 إلى 30 دقيقة قيادة بسرعة عالية. طوال الطريق أدعو الله السلامة، فالطريق موحشة وخالية من الناس وتعرضت بعض الأماكن على جانبيها للاستهداف».

تعمل العجرمي في تغطية هذه الحرب منذ اللحظة الأولى. في تصعيدات عسكرية سابقة كانت تعتمد على العمل من البيت أكثر، لكن الاختلاف في الحالتين كبير، «أشاهد كل شيء بعيني ومشاهد الدم والقتل التي كانت تفصلني عنها الشاشة اليوم يفصلني عنها أقل من نصف متر. عندما أرى ذلك وتعامل الأطباء مع الجرحى في ظل ضعف إمكانياتهم، فهذا الشيء يكسرني كأم. أتخيل في لحظة ما أن يرموا لي واحدًا من أولادي في حضني شهيدًا. الأمر صعب عليّ كأم وصحفية وعاملة».

وعن عامر الفرا، الذي بدا منهمكًا ومنهكًا في إجراء «فونو» (مقابلة) لقناته الفضائية، يضع سماعتين ويجلس على كرسي بلاستيكي بجانب حائط تمتد عليه كبلات للكهرباء والإنترنت، يتحدث عن الوضع الإنساني في قطاع غزة، وبمجرد انتهائه يبتسم: «أنا مراسل قناة اليوم الفضائية، أب لطفلتين أكبرهما بعمر السابعة، وهي من تثير خوفي»، فقد شهد خلال عمله في التغطية الصحفية، عددًا من الأحداث العسكرية، لكنها كانت بعمر صغير، فلا تعي معنى الخوف أو الانفجارات، لكنها في هذه الحرب تُرسل له رسائل صوتية عبر «واتساب» ليعود للبيت ويغادر عمله «في صواريخ».

يقول: «أشعر بالعجز أمام كلماتها، لا أعرف كيف أهدئها، أعدها بالعودة وهذا ما أفعله يوميًا، فأنا من سكان خان يونس وأتواجد منذ الصباح الباكر في خيمة الصحفيين هنا، وأغادر قبل حلول الليل. أحتاج إلى 15-20 دقيقة للوصول للبيت»، ورغم أنه اضطر للعودة في أحد الأيام مشيًا على الأقدام عندما لم يجد سيارة تقله بسبب نقص البنزين والسولار وخوف السائقين من العمل لوقت متأخر، فهو لا يستطيع عدم الإيفاء بوعده، فليست هي من تخاف وحدها، فزوجته كذلك في ظل رعايتها للطفلتين، يضيف «أعود من أجلهن جميعًا».

حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات، قتل الاحتلال 21 صحفيًا وثلاث صحفيات، بعضهم قُتل مع أفرادٍ من عائلته خلال غارات جوية، وبعضهم قُتل على رأس عمله.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن