عودة «الجزرة».. وزير جديد لـ«العمل» من اتحاد العمال
مطلع يوليو الماضي أعلن مصطفى مدبولي تشكيلة حكومته الثانية، التي شملت وجوهًا جديدة كان من بينها محمد جبران وزيرًا للعمل، خلفًا للوزير محمد شحاتة (2022-2024)، الذي خلف محمد سعفان (2016-2022). جاء الثلاثة إلى الوزارة من مقعد رئاسة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، في تقليد حرصت عليه الدولة منذ مطلع ستينيات القرن الماضي دون انقطاع باستثناء السنوات الخمس التالية لثورة يناير 2011.
على مدار أكثر من نصف قرن، احتكر الاتحاد العام -رسميًا- تمثيل النقابات العمالية في مصر، بنفس القدر الذي أحكمت به الدولة قبضتها على حياة الاتحاد ونقاباته، حتى بات العمال، جيل بعد جيل، ينظرون إليه باعتباره جهازًا حكوميًا مجبرون على عضويته، ويتطلع الكثيرون منهم إلى تنظيمات نقابية «مستقلة» عنه. وحتى بعد أن تغير هذا الوضع -نظريًا- بفعل قانون النقابات العمالية الصادر عام 2017، والذي أنهى هذا الاحتكار وأقر التعددية النقابية، ظل الاتحاد -عمليًا- مهيمنًا على الحياة النقابية نظرًا لعلاقته التاريخية بالدولة من ناحية، والعقبات العديدة التي وضعها القانون الجديد أمام تأسيس نقابات واتحادات مستقلة عنه من ناحية أخرى، وبالتالي ظل الاتحاد يلعب دور الذراع العمالية للسلطة التنفيذية، ومنه يأتي وزراء العمل.
هذا الزواج الكاثوليكي بين منصب وزير العمل وقيادة الاتحاد العام للعمال، اعتبرته ثلاثة مصادر من النقابيين والنشطاء في الشأن العمالي، بمثابة «جزرة» الدولة للنقابيين؛ فكلما زاد ولاءهم لها، زادت فرصهم في الوصول إلى كرسي الوزارة من ناحية، وضمانة لاستمرار تحجيم أي فرص لنشوء نقابات عمالية مناضلة من ناحية أخرى.
الباحث في دار الخدمات النقابية والعمالية، حسين المصري، يرى أن اختيار رئيس الاتحاد أو أي من القيادات كوزير للعمل يعني أن تلك القيادات ستظل في حالة ترقب لتولي هذا المنصب، وبالتالي بذل المجهود لشراء رضا الحكومة بدلًا من تمثيل مصالح العمال، علمًا بأن الحكومة صاحبة عمل بالنسبة لأغلبية أعضاء الاتحاد، وهو نفس ما يشدد عليه النقابي البارز سابقًا، صلاح الأنصاري، ومدير المنتدى المصري لعلاقات العمل، حسن البربري، الذي أشار إلى أن ضراوة المنافسة على رئاسة الاتحاد باتت تعود بالأساس إلى الطموح للوزارة وليس مصالح العمال.
من ناحية أخرى، «السياق [السياسي والعمالي] الحالي يجعل من اختيار وزراء العمل من قيادات الاتحاد العام دعمًا لموقف الاتحاد على حساب النقابات المستقلة»، يقول المصري.
وبحسب البربري، أدى استعادة هذا التقليد خلال السنوات القليلة الماضية إلى ميل الوزارة لتقييد شديد في قدرة المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة العمل الدولية، على النفاذ إلى النقابات المستقلة على النحو الذي شهدته السنوات الخمس التالية لثورة يناير، «فقد سعت الوزارة إلى فرض نفسها كطرف وسيط في كل برامج التدريب التي كانت منظمة العمل الدولية تنظمها على نحو تضمن فيه تحويل معظم تلك البرامج إلى نقابات الاتحاد العام، أو في أسوأ الأحوال ضمان أن البرامج القليلة الموجهة للنقابات المستقلة تظل تحت سيطرتها وإشرافها»، على حد قوله.
يدلل البربري على تضارب المصالح في الارتباط بين الوزارة والاتحاد بالموقف المتعنت لـ«العمل» برئاسة حسن شحاتة ضد النقابة العامة المستقلة للعاملين في الضرائب العقارية، التي أوقف إشهارها بسبب منع وزارة العمل تسجيل خمس نقابات قاعدية على الأقل، وبالتالي فشل تكوين نقابة عامة لهم بحسب شروط القانون الذي ينص على ألا يقل عدد النقابات القاعدية المنضمة إلى النقابة العامة عن 13 نقابة.
ويلفت القيادي النقابي السابق، صابر بركات، إلى أن هذا التقليد يشير أيضًا إلى حالة الضعف التي تعاني منها النقابات المستقلة جراء استمرار الضغوط الأمنية ضدها، ما يعرقل التسجيل والانضمام إليها، وهو ما يعني عمليًا أن قانون 2017 «لا تأثير له ولم يغير الكثير عمليًا»، بحسب قوله.
المصري قال لـ«مدى مصر» إن وزير العمل، باعتباره ممثلًا للسلطة التنفيذية، ينبغي أن يكون على مسافة واحدة من التنظيمات النقابية المختلفة، وهو ما لم يحدث على الإطلاق خلال وزارتي شحاتة وسعفان، وهي الفترة التي شهدت بوضوح انحيازًا للاتحاد على حساب النقابات المستقلة، واتضح ذلك بصورة خاصة في تعطيل اعتماد أوراق الكثير من النقابات المستقلة.
في المقابل، يشير البربري إلى ممارسة مختلفة للوزارة في عهد الوزيرة، ناهد العشري (2014-2015)، التي جاءت من بين صفوف قيادات الوزارة، حيث أبدت درجة من الانفتاح على النقابات المستقلة، وهو ما يتفق معه المصري، مشيرًا إلى الحوار المجتمعي الذي أجرته بشأن قانون العمل الذي كانت الوزارة بدأت مناقشته في ذلك الوقت.
بحسب المصري، «عطل شحاتة على سبيل المثال لجنة الشكاوى التي أسسها سعفان لتلقي شكاوى النقابات، والتي لم تنعقد في عهده على الإطلاق»، مضيفًا: «في بداية عصر سعفان ظهرت بعض النقابات [المستقلة]، كبعض اللجان النقابية للضرائب العقارية ونقابة شركة المصرية للاتصالات التي كانت نشأتها معطلة لفترة طويلة، لأن وصوله للمنصب جاء متزامنًا تقريبًا مع صدور قانون الحريات النقابية عام 2017، وهو ما استدعى مع بدء التطبيق إثبات شيء من الانفتاح في هذا السياق، لكن اتضح بعدها أن الكثير من النقابات المستقلة بقت معطلة».
الأنصاري يرى أن «مدرسة الاتحاد العام للعمال وأفكاره الأساسية هي الفكرة الأحادية في العمل النقابي»، مضيفًا أن «ارتباط الاتحاد بوزارة العمل منذ الستينيات، كان بمثابة إعلان رسمي عن احتواء الدولة نهائيًا للعمل النقابي»، وهو ما يتفق معه أستاذ التاريخ المتخصص في الشرق الأوسط بجامعة ستانفورد، جويل بينين، الذي اعتبر الاتحاد أداة في يد الدولة «على الرغم من التغييرات الجذريّة التي شهدتها السياسة الاقتصادية والاجتماعية منذ خمسينيات القرن الماضي».
يفسر أستاذ التشريعات الاجتماعية، ووزير العمل الأسبق، أحمد حسن البرعي (مارس-ديسمبر 2011)، نشأة هذا «التقليد» في مصر بالستينيات بانتشار النموذج السوفيتي، الذي كان فيه وزراء العمل يجري اختيارهم من بين صفوف الحزب الشيوعي الروسي وقيادات اتحاد العمال «الوحيد» وقتها، بالضبط تقريبًا كما حدث في مصر التي كان وزراء العمل فيها ينحدرون من خلفية قيادية في الاتحاد العام لنقابات العمال، وهم أنفسهم من أعضاء الاتحاد الاشتراكي ثم وريثه الحزب الوطني المنحل لاحقًا.
سقط الاتحاد السوفيتي ونماذجه قبل 35 عامًا، وقبل ذلك بنحو عقدين تحولت مصر سياسيًا من الأحادية الحزبية إلى التعددية، واقتصاديًا من رأسمالية الدولة إلى النيوليبرالية والاندماج في السوق العالمي، لكن على مستوى التنظيمات العمالية وعلاقتها بالدولة ما زالت مصر سوفيتية.
تقارير ذات صلة
حرية الظهور
ياسر علوان يصور، وجون مولينو ينظّر، وأشرف عمر يترجم
حد أدنى للأجور مع إيقاف التنفيذ
إسكات مطالب العمال بالقبضة الأمنية وتقاعس «العمل» عن إنفاذ قرار الحد الأدنى للأجور
ساعة «العمل المؤقت».. أدنى من «الحد الأدنى»
في فبراير الماضي أقر المجلس القومي للأجور حدًا أدنى لأجور العمل المؤقت عند 28 جنيهًا للساعة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن