عن توثيق الخيبة في «خان الحرير»
خيانة، طعنة، وغدر.. هكذا وصف جمال عبد الناصر الانفصال الذي حدث بين مصر وسوريا في خطابه عام 1961. يبدو من خطاب عبد الناصر أنَّ تجربة الوحدة المصرية السورية كانت بمثابة جرح في الخطاب السياسي المصري الرسمي وقتها. لكن إن كان الأمر كذلك، لِمَ تندُر المسلسلات والأفلام المصرية التي تشتبك مع هذا الجرح دراميًا؟ بحثت عن أفلام ومسلسلات مصرية تطرقت للوحدة العربية (المصرية/السورية)، فلم أجد سوى فيلمٍ يتيمٍ -غير متاح للمشاهدة- أنتِجَ عام 1960، بعنوان «وطني وحبي»، قام بإنتاجه حسين صدقي الذي مثّل في الفيلم أيضًا دور ضابط جيش مصري في مهمة سرية بدمشق، بينما شاركته البطولة الممثلة السورية هالة شوكت بدور صحفية سورية وحبيبة الضابط المصري أو بمعنى أدق بدور سوريا نفسها.
مثل الفيلم المصري، يقدِّم الجزء الأول من المسلسل السوري «خان الحرير» (إنتاج عام 1996، وتأليف نهاد سيريس، وإخراج هيثم حقي)، والذي تدور أحداثه في حلب بين عامي 1955 و1961، شخصيته النسائية الرئيسية سعاد بوصفها ترميزًا لسوريا الممزقة بين العرسان. فكل عريس أو رجل يتقدم للزواج منها يمثل اتجاهًا سياسيًا مع الوحدة أو ضدها، ويحاول التقرب منها ويرغب في تملكها (حزب البعث، ومناصري حلف بغداد، والقوميين الديمقراطيين، وبرجوازيي حلب، والإسلاميين).
حتى الحلقة التاسعة نحتار مع سعاد. من سيتقدم لها، ومن ستقبله، ومن سترفضه، وكيف سيؤثر ذلك على حياتها؟ نتابع معها كم الضغوطات العائلية التي تجبرها على القبول مبدئيًا بعرسان لا تحبهم أو تتفاهم معهم فكريًا. أثناء ذلك، يطارد سعاد كابوس متكرر عن الرجال المضادين للوحدة وهم يتصارعون عليها، وهي لا حول لها ولا قوة، إلى أن تلاحظ وجود مراد.
مراد سليل عائلة حلبية اقطاعية كبيرة قادم لتوه من إيطاليا بعدما درس فيها هندسة النسيج. يظهر مراد في خان الحرير حاملًا طموحًا اقتصاديًا مختلفًا عن السائد وخطة لبناء مصنع ضخم للأقمشة من أجل تصديرها. يجسد مراد جيلًا جديدًا ذا تاريخ عائلي وآراء واتجاهات سياسية مركبة. مراد على ما تقدمه أحداث المسلسل هو شكل لسوريا جديدة ينحاز المسلسل إليها.
ينشغل مسلسل «خان الحرير» بجزئيه بمسألة الوحدة والانفصال بين مصر وسوريا من زاوية الشعب السوري، أي من الأسفل، عبر طبقة تجار القماش في خان الحرير الكبار والصغار وعائلاتهم المتقاطعة مع النشطاء السياسيين وأصحاب القرار وأسياد الأجهزة البوليسية. بدقة، يصوّر المسلسل الحياة في الخان كفقاعات صغيرة متقاطعة تنفثأ مع كل قرار سياسي لتكوّن عالماً جديدًا وصغيرًا يتقاطع مع عوالم أخرى (من فوق). يصور لنا «خان الحرير» حلب قبيل الوحدة ومع بدايتها وهي تحفل بالاجتماعات الأهلية التي تُعقد أمام محلات تجار الأقمشة الحلبيين، ويظهر من الحوارات الدائرة بين التجار أن الجميع لم يكن مرحبًا بجمال عبد الناصر ولا بالوحدة مع مصر. فالعائلات الإقطاعية وكبار التجار، على سبيل المثال، كانوا يرغبون في الانضمام إلى حلف بغداد، مدفوعين بكرههم لعبد الناصر واتهامه بالطمع التاريخي في البلاد على غرار محمد علي باشا. في المقابل، يقدم المسلسل الجيل الجديد من خريجي المدارس والجامعات متحمسًا للوحدة ومساندًا لمصر في قراراتها السياسية والعسكرية، بل مهووسًا بعبد الناصر كمحرر ومخلص ليس لمصر وحدها، وإنما للعرب أجمع. ونتيجة لهذا الاستقطاب، تصور البيوت إما مزينة بصور وكتب لعبد الناصر، وتنبعث منها أخبار صوت العرب عبر الراديو، أو خالية تمامًا من هذه التفاصيل.
مصر في سوريا: الحماسة والخفوت
يشير المخرج هيثم حقي، في مقابلة مع ديما ونوس، إلى دور الرقابة في التلفزيون السوري، التي لم ترضَ بتسمية الأشياء بمسمياتها، وأصرت على إخفاء الحيوية الفكرية والسياسية السابقة لحركة التصحيح في سوريا.
مضى حقي عامين في مناقشات مع الرقابة محاولًا التحايل على هذا التعنت الرقابي. ونتيجة لذلك، لم يذكر المسلسل أسماء الأحزاب أو الجماعات المعارضة أو الداعمة للوحدة صراحةً، خاصةً في الجزء الثاني الذي تعرّض لـ«قصقصة»، فاكتفى المسلسل بتجسيد الأفكار السياسية على هيئة معارضين فاسدين ماديًا وانتهازيين، أو داعمين للوحدة على هيئة شباب متعلم ومندفع، منشغل بالسياسة من أجل مصلحة الوطن، أو بالاختباء خلف كلمات تلمّح إلى الحركة السياسية المقصودة؛ فمثلًا، تمّت الإشارة إلى ممثلي حزب الشعب بـ«الرجعيين»، وإلى الشيوعيين بـ«الحُمر».
تمر أحداث المسلسل كأبيض وأسود في حلب التي لا وجود فيها لأصوات ثانية أو آراء عميقة حول الوحدة، فهي إما معها أو ضدها لأسباب شخصية أو لأسباب تجارية أو بسبب فسحة الأمل «العروبية» التي امتدت من مصر لسوريا بعد العدوان الثلاثي. لكن مع اقتراب حدوث الوحدة، تغيِّر الاتجاهات المعارضة لها آراءها فتدعمها حتى لا تصير مهمشة. يضع الجميع صورة عبد الناصر في البيوت والمحلات، ويشتغل الراديو طوال الوقت.
على الرغم من حبه لعبد الناصر، يبقى بيت مراد ومصنعه الوحيدين بلا صور له، ويستعاض عنها باقتباسات معلقة مثل «العمل.. شرف» أو بلوحات الفن التشكيلي، هذه التفصيلات تميز مراد واتجاهاته السياسية ورؤيته للمرحلة. فالوحدة جاءت مع قانون الإصلاح الزراعي لسوريا، وعائلة مراد الاقطاعية تعاني من هذا القرار ومعها الكثير من العائلات الحلبية. تتحول مقاربة الأبيض/الأسود إلى مقاربة ملونة، لتطرح رأي الطبقة العليا في مسألة الوحدة بين مصر وسوريا، وبينهم مراد الذي يرى أنَّ قانون الإصلاح الزراعي في سوريا، على عكس مصر، هو سلب وليس إصلاحًا يساعد في خلق طبقة جديدة من الفلاحين والمهمشين في النسيج الاجتماعي والاقتصادي السوري، وأن تطبيق القانون بشكل حرفي في سوريا غير مناسب.
يتأرجح خطاب الجزء الأول من المسلسل بين الحماسة للوحدة وخفوتها في الشارع السوري. لكن في نهايته، يؤكد على خفوت هذه الحماسة وبداية القلق من المرحلة المقبلة، فيبدأ الناس بالتشكيك فيها. من الشخصيات من يكبت هذا التشكك حتى لا يهمَّش أو يتَّهم بالعداء لها، ومنهم من يجاهر برأيه، مثل مراد الذي يرى أن الوحدة مع مصر بهذا الشكل مؤذية لسوريا لأنها ليست وحدة فيدرالية، خاصةً مع حل الأحزاب في سوريا، وهي بالتالي تقضي على خصوصية سوريا وامتيازاتها، وتستبدلها بحكم مركزي بالقاهرة وهو شيء غير عملي وغير منصف للتجربة السورية. وعلى الرغم من ذلك، يبقى مراد داعمًا للوحدة ولعبد الناصر لكنه يتمنى شروطًا أكثر مرونة تضمن استقلالية سوريا. ومع بزوغ هذا الرأي، ينتهي الجزء الأول باتهامات له بالخيانة ومعاداة للوحدة، تنقلب معها علاقاته بالآخرين، تشكيكًا في الصداقات وتواطؤًا مع أعداء الماضي.
يركِّز الجزء الثاني من مسلسل «خان الحرير»، (إنتاج عام 1998)، على الفترة بين عامي 1959 و 1961، أي الثلث الأخير من الوحدة وبداية الانفصال. تزداد الآراء المركبة والمشوشة مع حملة الاعتقالات التي يطلقها عبد الحميد السراج، وزير الداخلية آنذاك، في حكمه البوليسي الذي لا يطال الشيوعيين (الحُمر) فحسب، بل أي شخص يشتبه في انضمامه لحزب في الماضي. تغذي هذه الحملة الشك في الوحدة والخوف أيضاً من الانفصال. مع القبض على الشباب، يسود التوجس والرعب البيوت في المسلسل. يتركز هذا الرعب في بيت عادل، المنضم لحزب إسلامي متشدد كان ضد الوحدة في الماضي قبل أن يراجع نفسه. يأكل القلق عادل فيهرب من بيته ويخفي هويته. تمتد حملة الاعتقالات لتطال مراد فيسجَن لأن صديقه أبو ربيع كان مع «الحمر».
في مشاهد السجن، يراجع كل من مراد وأبو ربيع ذاته داخل الزنزانة، يغرقان في أسئلة وجودية حول انحيازاتهما وحول عبد الناصر والوحدة ويستنتجان أن الوحدة لن تستمر. في الخارج، يراجع كثير من مناصري الوحدة مواقفهم في إدراك يبدو متأخرًا، بعدما خسروا أصدقائهم بسبب السجن أو الشك في ولائهم.
ينقلب كل شيء في حلب. كل شخص على مدار المسلسل مسّه قرار من قرارات عبد الناصر في سوريا، أو آذاه اعتقال أو تنكيل وتعذيب أو تأميم، أو حتى عدم قدرة على الغضب والتعبير.
نساء «خان الحرير»
لكن أين سعاد من كل هذا؟
بعد أن تزوجت من مراد، وحاربت كل العرسان الرجعيين الذين تقدموا لطلب يدها، نراها تتابع بصمت ما يحدث وتنأى بنفسها عن أي صراع. لكن بعد الغياب الطويل لمراد في السجن، ستتقدم للعب دورًا إيجابيًا، فتحاول تتبع مكان سجنه وتزوره وتنوب عنه في إدارة المصنع، لتبدأ رحلة استقلالها النفسي. أشكال كثيرة للنساء تقدم عبرها ما يدور في ديناميات البيوت. لكن المسلسل، وخاصةً في جزئه الثاني، يركز على نموذجين من النساء هما فضة أو هنوف السمرا المغنية والفنانة الاستعراضية، وسلوى المناضلة النسوية.
لا تتقاطع حياة فضة مع سلوى في المسلسل أبدًا، لكنهما تبقيان نموذجين من نتاج عصر عبد الناصر والوحدة بين مصر وسوريا. فضة غجرية تعيش على الهامش ضمن مجتمع أمومي، وهي من تساهم اقتصادياً في عيشة قبيلتها. لأمها سطوة وسلطة حتى وإن كان هناك كبير الغجر الذكر لكن دوره يبقى ثانويًا كما كل رجال القبيلة المعتمدين على غناء ورقص فضة للسائقين. تتعرض فضة لسلسلة من الخذلان والاستغلال وتصل لحلب لتعمل في كباريه بعد أن تركت الراقصة هياتم بنت النيل الكباريه، وهو ما يمكن أن نراه إشارة مقصودة لبداية الانفصال. فضة في المسلسل مستقلة ماديًا ونفسيًا من صغرها، تعتمد على صوتها وحدسها وذكائها لتكسب عيشها. وعبر فنها، تكتسب تحررًا. مع تقدم أحداث المسلسل تصبح فضة (أو هنوف) جسرًا بين أجهزة المخابرات وبين تجار خان الحرير. تتورط بمشاكل الجهتين، فتحل وتربط بينهما عبر سطوة فنها وتحررها.
بينما تبقى سلوى محبوسة داخل عالم ذكوري، يعنفها أخوها لأنه يريد منها أن تغطي نفسها وشعرها وأن لا تعمل ولا تتورط في السياسية وأن تتزوج ممن يختاره لها، فتقاوم وتبحث عن الحرية في الوحدة، وتخطب في طالباتها وتتعكز عليهن وبتمسكهن بالوحدة وبعبد الناصر. تتمنى سلوى كل يوم أن تنتقل النسوية والحرية المصرية إلى سوريا حتى تتحرر من أخيها. تمثل سلوى النضال النسوي الناصري. بعد تفكك الأحزاب في مصر، بنيت تمثيلات التحرر النسوي وسخرت قوتهن ورغبتهن في التحرر لصالح المشروع الناصري، ومنه ظهر شكل آخر للتحرر النسوي يكرس كل إسهاماته في المجال العام دعمًا لمعارك التحرير الوطني فقط، حيث لا مساحة للتحرر الفردي كالذي تمثله فضة.
بشكل ما، ينتصر «خان الحرير» لنموذج فضة، على غيره من نساء الخان فيفرد لها دورًا محوريًا في أحداث المسلسل، حتى هروبها في النهاية واختيارها لمصر حيث ستكمل مسيرتها الفنية مع رجل دولة سوري. بينما تنهار سلوى بسبب الانفصال وترتعب أكثر وأكثر من أخيها الذي لا تستطيع الهرب منه، فتضطر للزواج من زميل لها في الحزب لتحتمي به من ما تخبئه لها الأيام المقبلة.
بسبب إخلاص المسلسل لإظهار الصراعات الاجتماعية، مقارنة بالصراعات السياسية التي كانت تُقدَّم بشكل سريع ومتلاحق وبلا تفاصيل، تحديداً في تصوير مشاهد فترة الانفصال، وأيضاً بسبب الحيادية التي تمسك بها حتى آخر مشهد، فُتِحَت أمامي طاقة رؤية جديدة (وربما وحيدة) لهذه الحقبة التاريخية، وأنَّ علاقة مصر بسوريا ابعد من المشهد المختزل بعبارة «من دمشق.. هنا القاهرة». لكني مازلت لا أجد إجابة عن سؤالي: لماذا لم تنتَج أفلام ومسلسلات مصرية حول الوحدة والانفصال؟ هل كانت خيبة أمل مصرية كبيرة لدرجة تفادي الاشتباك معها تمامًا؟
* أنجز هذا النص ضمن برنامج «الصحافة الثقافية النقدية» (2023-2024)، الذي تديره مؤسسة الصندوق العربي للثقافة والفنون-آفاق، بالشراكة مع الأكاديمية البديلة ممثلةً بشبكة فبراير. وقام بالتحرير الكاتب هلال شومان.
تقارير ذات صلة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
«مرحبا دولة»: رحلة البحث عن «الشرطي الموظف» في الدراما
الجانب العبثي من حياة «البوليس»
«الريس بيتفرج».. إعلام ودراما الدولة في انتظار رصاصة الرحمة
ترقب وسيناريوهات غامضة لـ«المتحدة» بعد تصريحات الرئيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن