تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن الولادة: أجسادنا كحاويات 

عن الولادة: أجسادنا كحاويات 

كتابة: ياسمين الرفاعي 15 دقيقة قراءة

بعد بضعة أشهر من حملي، لاحظت أن الأوردة على ظهر يداي قد تمددت وانتفخت أكثر، واكتشفت أن جسدي ينتج دماءً أكثر بحوالي 150% من إنتاجه الطبيعي لتكوين كل من الجنين والمشيمة معًا.

لست متأكدة أنني كنت أعلم ما هي المشيمة فعلًا قبل حملي، ولكنني متأكدة أنني اكتشفت في الشهر الثالث أن الغثيان الخفيف والتعب الشديد اللذان كنت أشعر بهما في الثلث الأول من الحمل هما نتيجة للطاقة التي كنت أبذلها ليس لتكوين الجنين، ولكن لتكوين المشيمة؛ هذا العضو الجديد كليًا الذي يحمل الدم والغذاء للجنين ويمتص الفضلات منه وإلى الخارج.

كانت أغلب مدة الحمل كالتالي: عملية تحدث بداخلي، ولكن بطريقة ما تحدث بشكل مستقل تمامًا عني وبدون توجيهي الواعي. كانت هناك مسافة متأصلة بيني وبين هذا التحول الحميم غير المرئي. بدأت القراءة والسؤال عن الولادة، بعد مشاهدتنا٬ ونحن مذهولين٬ لقياسات الطفل: ها هي السيقان، ها هي الرأس، ها هو الفم وها هي الأصابع.

تلد عشرات الملايين من النساء كل عام، ولكني لم أمتلك أي معرفة حول كيفية خوض هذه التجربة. لم أتعرض لأي مضاعفات أثناء حملي، وبينما لم أستطع تخيل الطريقة التي تتم بها الولادة في الواقع، إلا أن جزءًا مني كان متطلعًا لمعرفة كيف ستكون نهاية -أو بالأحرى ذروة- هذه العملية، وبداية الكثير من الأشياء الأخرى. كلما عرفت أكثر عن ما يقوم به جسدي لخلق هذه الحياة الجديدة، كلما رغبت في التعاون معه.

بعد الانتهاء من أحد الفحوصات في بداية الثلث الأخير من الحمل، سألت طبيبي إذا كان بإمكاننا التحدث قليلًا عن الولادة وما يمكنني توقعه بشأنها. أخبرته عن رغبتي في تجريب الولادة بدون التخدير النصفي، والذي من شأنه إطالة ساعات الولادة وزيادة فرص اللجوء للولادة القيصرية بالإضافة إلى غياب القدرة على الحركة. كان مصرًا على أنني لن أتمكن من الولادة الطبيعية. قال: «يمكنك أن تجربي، ولكن ألم الولادة الطبيعية يعد ثاني أسوأ أنواع الألم بعد ألم حريق الجسم بالكامل».

بعدها، انتقلت إلى طبيب آخر أكثر استعدادًا لدعم الولادة الطبيعية، مع شعور ما بداخلي بالتهديد والتصرف بشكل دفاعي. فلمدة أشهر عندما كان يسألني أحد لماذا أرغب بالولادة الطبيعية؟ كنت أجد نفسي أجاوب بمقدمات طويلة كما لو كان عليَّ تبرير قراري وكما لو كان قراري شاذًا ومضادًا لما هو «طبيعي».

***

حالهن كحالتي، تصف النساء اللاتي تحدثت معهن -واللاتي ولدن في مستشفيات خاصة- شعورهن بدفعهن بطرق مختلفة نحو اختيار الولادة القيصرية، يقول لهن الأطباء: إنهن لن يستطعن تحمل الألم، وأن الإنجاب من المهبل (طبيعيًا) سوف «يدمر تجربة الجنس» فيما بعد، وأن الولادات القيصرية أكثر أمانًا.

تمتلك مصر واحدًا من أعلى معدلات الولادة القيصرية في العالم، وفقًا لدراسة أجراها المجلس القومي للسكان، ويصل إلى 67% من الولادات التي تتم في المستشفيات. وتشير الدراسة إلى أن هذا المعدل في ارتفاع دائم.

ارتفاع نمط الولادات القيصرية في مصر هو جزء من نزعة عالمية. وجدت دراسة عالمية نشرتها مجلة «The Lancet» الطبية في عام 2018 أن عدد الولادات القيصرية قد ارتفع من 12 إلى 21% بين عامي 2000 و2015. تصف الدراسة هذه الزيادة بالمُنذِرَة وتحذر من الأضرار الواقعة على صحة النساء والمواليد. بينما تقول منظمة الصحة العالمية إنه ينبغي إجراء الولادات القيصرية في حالات الحاجة الطبية إليها فقط، والتي تقدر بنسبة 10 إلى 15% من إجمالي الولادات.

وبينما ساهم تطبيب الولادة في مصر في تقليل معدلات الوفاة من الأمهات والمواليد، ولكنه أثر على فرص أن تكون الولادة طبيعية، وهي العملية التي عادةً ما تكون غير مُتوقعة وتستلزم دعمًا لساعات طويلة محتملة، خاصةً للنساء اللاتي يلدن للمرة الأولى.

وبالرغم من وجود تباينات، إلا أن انتشار الولادة القيصرية في مصر يتقاطع مع الطبقة والموقع الجغرافي. تشير البيانات إلى أن نسبة الولادات القيصرية في المحافظات الحضرية تشكل 62%، فيما تشكل 48% في المحافظات الريفية. فكلما كانت إحداهن أكثر تعليمًا، كلما كان من المرجح خضوعها لولادة قيصرية،

ولكن في حين أن معدلات الولادات القيصرية أقل نسبيًا في المستشفيات الحكومية، إلا أنها لاتزال مرتفعة، حيث تبلغ نسبتها 55 بالمئة. يقول بحث المجلس القومي للسكان أن هناك عوامل متعددة أدت لهذا الوضع: توجد خيارات قليلة متاحة لتخفيف الألم أثناء المخاض، تُسلم الحالات من طبيب إلى آخر بتغير ورديات العمل، وبالتالي يخشى الأطباء أحيانًا من أية مضاعفات قد تحدث أثناء الولادة الطبيعية وتحديدا التقاضي. تنقل بعض الأخبار من سنة 2018 عن وزارة الصحة قولها بأن الأطباء ليسوا مدربين تدريبًا كافيًا لإجراء الولادة طبيعيًا.

يقول عمرو النوري، وهو طبيب أمراض النساء والولادة والرئيس السابق لجمعية أعضاء الكلية الملكية لأخصائيي الولادة في مصر، إن التدريب الجراحي قد يكون أيضًا حافزًا لإجراء الولادات القيصرية في المستشفيات الحكومية التعليمية، ولكنه يحذر في الوقت ذاته: «لا يوجد استخدام للملاقط أو أجهزة التفريغ والتي عادةً ما تستخدم في حوالي 10- 12% في الولادات في أماكن أخرى. أصبحت هذه الأدوات المستخدمة لإجراء الولادات الطبيعية آمنة جدًا، ولكن تراجع استخدامها في مصر بسبب اعتماد الأطباء على الولادات القيصرية أكثر فأكثر». تبذل «الكلية الملكية» مجهودًا كبيرًا لإعادة التعريف بها من خلال تنظيم ورش لتدريب الأطباء على استخدامها.

تُفصَل النساء أحيانًا عن أسرهن أثناء المخاض فور دخولهن للمستشفيات العامة. يحرمهن هذا من الدعم الشخصي وهن يلدن، بالإضافة إلى من يتصرفون باعتبارهم المتحدثين بالنيابة عنهن في المستشفى، مما يقلل من فرص ولادتهن طبيعيًا، يضيف نوري.

في القطاع الخاص، تتضمن التفسيرات الشائعة لمعدلات الولادة القيصرية، تربّح الأطباء، حيث إنهم يتقاضون مبالغ أكبر عند إجراء الولادات القيصرية أو لأنهم يرغبون في توفير الوقت من خلال جدولة الولادات القيصرية التي عادةً ما تستغرق من 30 إلى 45 دقيقة، بدلًا من الإشراف على الولادة الطبيعية بمدتها المجهولة وغير المتوقعة.

يشير الدكتور كريم زكي، وهو أخصائي توليد معروف بدعمه للولادات الطبيعية، إلى أن الولادات الطبيعية في المستشفيات تتطلب طاقم عمل أكبر ووقتًا أطول ومهارة أعلى من الولادات القيصرية.

caption

خضعت بسمة لولادة قيصرية غير مخطط لها. تقول إن الطبيب «شرح لي كل ما كان سيقوم به: تنظيف مكان الجرح، القيام بالشق الأول، ثم القيام بشقوق أخرى في الطبقات المختلفة، دائمًا ما كان يسألني إذا ما كنت مستعدة و إذا ما كنت بخير».

تستطرد بسمة: «ما توقعت الشعور به هو الحركة حول الأعضاء -شد وجذب وانتظار. ذكرني هذا بإزالة ضروس العقل الأربعة جراحيًا من تحت اللثة عندما كنت في التاسعة عشر من عمري- أعتقد أن لديَّ تاريخًا طويلًا من سحب الأشياء التي لا تريد الخروج مني بشكل طبيعي».

لم يكن لدى بسمة أي فكرة حول ما يمكنها توقعه من العملية لأن أثناء تخطيطها للولادة، لم تحضّرها أي من الأدبيات التي قرأتها للولادة القيصرية.

نفكر في الولادة القيصرية باعتبارها ممارسة شديدة الحداثة، ولكنها في الحقيقة كانت جزءًا من الولادة البشرية منذ زمن طويل. فهي تسبق تاريخ ميلاد يوليوس قيصر، والذي قيل أنه سُميَّ باسم سلفِ ولد بهذه الطريقة. وبالرغم من أنني صادفت بعض المراجع التي تشير إلى نساء أحياء ولدن قيصريًا في الصين القديمة، إلا أنه يبدو أنه قبل اختراع البنسلين والبنج، عادةً ما كانت تجرى العملية لإخراج جنين من رحم والدته وهي تحتضر أو بعد وفاتها. واليوم تجري الولادات القيصرية بتخدير جزئي أو نصفي حتى لا تشعر الأم بالألم وتظل يقظة أثناء العملية.

يمكن للولادة القيصرية أن تكون عملية منقذة للحياة عندما تطرأ بعض المضاعفات: كارتفاع ضغط الدم، جفاف الماء المحيط بالجنين أو الأم، أو الولادة المتعسرة. إنها الجراحة الأكثر شيوعًا في العالم وهي عملية آمنة نسبيًا. ولكنها تنطوي على مخاطر المضاعفات بسبب التخدير بالإضافة إلى ازدياد فرص الإصابة بالتجلطات الرئوية والعدوى. كما أنها تزيد من فرص المضاعفات في مرات الحمل المستقبلية، لأنه يمكن أن تستقر المشيمة في مكان خاطئ داخل الرحم الذي يمكن أيضًا أن يتفتق.

هناك أثر آخر، وهو أن إنجاب طفل واحد بولادة قيصرية يزيد من فرص الإنجاب مستقبليًا بنفس الطريقة. وتعد فترة النقاهة من الولادة القيصرية أطول وأكثر ألمًا مقارنةً بالولادة الطبيعية. تؤكد النساء اللاتي اخترن الولادة القيصرية مقدمًا وتحدثت معهن، أنهن لم يكن مستعدات لصعوبة التعافي. كما رُبطت الولادة القيصرية بمعدلات مرتفعة لاكتئاب ما بعد الولادة وصعوبات الرضاعة الطبيعية.

وبالنسبة للمولودين حديثًا، ترتبط الولادة القيصرية بفرص أعلى للتعرض للحساسية وكذلك للإصابة بالسمنة المفرطة.

«الولادة وما يصاحبها من ألم هي عملية يقضي الجسد وقتًا طويلًا في الاستعداد لها، والتي من الممكن أن تستمر لساعات أو أيام. أثناء هذا الوقت، تبدأ هرمونات الجسد في تحضيره للولادة وما بعدها -للرضاعة الطبيعية وللتعافي وللاتصال بين الأم والطفل-. تمثل الولادة القيصرية صدمة لهذه العملية، فالجسد لا يمتلك الوقت الكافي للتحضير»، تقول سوسن مصطفى، وهي مدربة ولادة ودولا مقيمة بالقاهرة.

***

تحكي أماني، والتي ولدت في مستشفى خاص، عن تجربتها مع الولادة القيصرية. «كنا قد اتفقنا على ولادة طبيعية. في البداية، كان الوضع هادئًا ومتأنيًا، وكان الطبيب يتابع معي عبر الهاتف. بعد 12 ساعة من آلام الولادة، دخلت إلى المستشفى. كنت قريبة جدًا من التوسع الكامل لعنق الرحم. ثم تم إيصال المخدر النصفي وجهاز قياس ضربات القلب بي. بعدها دخلت إلى غرفة العمليات وكل شيء تغير فجأة. أخرج الطبيب زوجي من الغرفة وقال له إننا في خطر، وأن عليهم إجراء ولادة قيصرية. لم يقل لي ذلك، لم يقل لي أي شيء سوى أن الجنين سيكون في وضع عسير إذا ما بدأت في الدفع. كان هذا في حوالي الساعة السادسة مساءً. في وقت لاحق اكتشفت أن لديه ساعات عمل في العيادة في السابعة مساءً. أعتقد أنه خطط لهذا منذ وقت سابق، أي أنه كان يخطط لإجراء ولادة قيصرية طوال هذا الوقت. شعرت أنني قد خدعت بالكامل».

تظهر البيانات، أن اللجوء للولادة القيصرية يمتد لما هو أبعد من سيناريو الطوارئ الذي تصفه أماني، والتي في حالتها، يُجَسِد إعلام الزوج بـ«حالة الطوارئ» عوضًا عن إعلامها هي، وذلك من خلال الميل إلى نزع الأهلية عن النساء أثناء الولادة. وذلك كان أحد استنتاجات دراسة للمفوضية المصرية لحقوق الإنسان، نشرتها في أوائل العام٬ والذي أكد مشاركة المرأة المحدودة في صناعة القرار بشأن ولادتها، بما في ذلك حقها في إعطاء الموافقة قبل إجراء تدخل جراحي٬ وفقًا لمعايير إجرائية مختلفة. الدراسة قامت على 14 لقاءً مع مجموعات مختلفة من سيدات ولدن بطريقة الولادة القيصيرية وجميعهن أكدن عن عدم إعلامهن بمخاطر هذا النمط من الولادة قبل إجراء العملية.

قد تكمن المشكلة الهيكلية في مدى سيطرة النساء على الخيارات المطروحة على الولادة التي أمضين أشهراً من الحمل للتحضير لها. ففي ظل غياب فصول ما قبل الولادة والقبالة وغيرها من أشكال الدعم ومصادر المعلومات، ستعتمد النساء في مصر على أخصائي التوليد وحده، ليس فقط أثناء الولادة، ولكن أيضًا في الاستشارة أثناء الحمل. سيرغبن أن يكون هذا الأخصائي معهن أثناء الولادة وما قبلها من مخاض.

يحدث ذلك في سياق ثقافة الاتكال الزائد على طبيب/ة واحد مختار في مجال الطب الخاص بناءً على سمعته/ا في مجالات وتخصصات مختلفة، حيث شَكَّل نظام الرعاية الصحية الضعيف سوقًا خاصًا لا يرتكز على المستشفيات أو على المجموعات الطبية أو على العيادات، بل على الأطباء بشكل فردي.

يقول حسين جوهر، طبيب أمراض النساء والولادة: «هناك ضغط كبير على وقت الطبيب. بالتأكيد يختار الناس الطرق المختصرة. فعندما تأتي النساء وتقولن إنهن يرغبن في ولادة قيصرية بسبب خوفهن من الألم، سيقوم بعض الأطباء بالمضي قدمًا فقط حفاظًا على وقتهم».

يكرر الأطباء الذين تحدثت معهم الواحد تلو الآخر، أنهم يقومون بأكثر من عملهم، والذي ينبغي -تقليديًا- أن يكون عمل القابلات، ويتمثل هذا العمل في دعم وتوجيه النساء أثناء آلام الولادة. وفي أماكن مثل المملكة المتحدة، حيثُ تمثل القابلات جزءًا أساسيًا من نظام الرعاية الصحية، تكن مدربات على الإمساك بالمولود في أي وضع، ويمكنهن إعطاء بعض المسكنات، ويستطعن قطع الحبل السري ويستطعن كذلك استخدام بعض الأدوات الجراحية مثل الملاقط للمساعدة في الولادة.

يتم تدريب الأطباء على رؤية الحمل على أنه مجموعة من المشاكل، كما تقول هنا قاسم، طبيبة أمراض النساء والولادة، التي تدير عيادة للولادة الطبيعية في الإسكندرية، وهو ما تفسره: «كطبيبة، أنظر إلى المرأة الحامل وأرغب في إزالة الحمل منها، ولكن للقابلات منظور مختلف».

يعد غياب نظام للقبالة هو أحد أسباب زيادة نسبة الولادة القيصرية وفقًا لدراسة «The Lancet». لا تمتلك مصر نظامًا للقبالة حاليًا. كان محمد علي أنشأ مدرسة للقابلات تحت إدارة الدكتور كلوت بك (طبيب فرنسي عهد إليه بتنظيم الإدارة الصحية في مصر)، وكانت ملحقة بما هو معروف الآن بمستشفى قصر العيني. وفقًا للمؤرخ خالد فهمي، لم يكن هدف المدرسة تحسين الصحة العامة، بل خدمة المصالح العسكرية للدولة من خلال تحسين صحة الضباط الجنسية وزوجاتهم وتقليص معدلات الوفاة بين الأطفال، ولم تتوسع المدرسة، وفقًا لفهمي، بل وصل أكبر عدد من القابلات المشتغلات بها، واللاتي يُلَقَبْن بالحكيمات، إلى 60 حكيمة على مر الأوقات. ثم تدهورت حالة المدرسة أثناء الاحتلال البريطاني، وأغلقت بالنهاية في أواخر القرن التاسع عشر.

اختفت القابلات من نظام الرعاية الصحية الرسمي. وفي بعض المناطق الأفقر والريف، تساعد الداية، والتي يمكن وصفها باعتبارها قابلة تقليدية غير متخصصة، في إتمام الولادات. الدولا لسن ماهرات طبيًا بالطريقة التي يمكن للقابلات أن يكن عليها، ولكنهن يستطيعن دعم النساء أثناء المخاض، ولا يعترف نظام الرعاية الصحية حاليًا بأي نوع من أنواع القبالة، ولا ينظمها.

في لحظة معينة أثناء لقائنا الأول، علمت أنني أردت سوسن، الدولا ومُعلمتي في الولادة، أن تكون معي أثناء ولادتي. كنت حاملًا في شهري الثامن تقريبًا وكلي أسئلة وبحاجة إلى الدعم. كانت تتحدث معي حول أنماط الانقباضات المختلفة وكيف تعمل، ولوصف ما كانت تتحدث عنه لفت يدها حول أعلى ذراعي وبدأت تضغط عليه. كان تواصلًا بسيطًا وذكيًا في الوقت نفسه. أعجبني أيضًا أنها كانت تتحدث لوالد الطفل المنتظر مباشرةً وتُشرِكه بشكل جاد.

كانت لديّ القدرة المادية لحضور فصول سوسن ولأن أبقيها معي وبجانبي. تُفْقَد سلسلة من المعلومات والدعم بين النساء حول الولادة، لأن الوصول لهذا النوع من الدعم يصبح مُحددًا أكثر فأكثر بالطبقة.

عام 2013، افتتحت قاسم مركزاً للولادة في الإسكندرية يركز على الولادة الطبيعية ويدعم النساء الحوامل من خلال تنظيم فصول ما قبل الولادة ودعم الرضاعة الطبيعية. بدأت بعمل حلقات تعليمية حول الولادة في مساحة مستأجرة داخل مستشفى، ثم رغبت في توسيع نطاق عملها. تقول قاسم كان أحد أهدافها هو فعل ذلك في بيئة لا تجعل النساء يشعرن بأنهن «مريضات» فقط لأنهن حوامل.

عيادة قاسم هي جزء من حركة صغيرة نامية تدعم الولادة الطبيعية في مصر، بدأت الدولا والقابلات في عرض خدماتهن أونلاين، بالرغم من أن الوصول إليهن يعد مقتصرًا على الطبقات الوسطى والعليا. فيما بدأ بعض أخصائيي الولادة اكتساب سمعتهم كأطباء يدعمون الولادة الطبيعية.

يقول نوري: «إن النساء في وضع يدفعهن لبذل قصارى جهدهن للحصول على المعلومات التي يحتاجن إليها من خلال فصول الولادة أو الدولا. نحن نحتاج إلى نشر المعرفة حول هذه الموضوعات. لو كان هناك نظام قبالة في مصر -والذي سيأخذ وقتًا طويلًا لإرسائه وسيُقابل بمقاومة شديدة- كان سيحقق فرقًا كبيرًا».

***

في منتصف مدة الحمل، بدأت عظام قدمي تؤلمني؛ عظام لم أع بوجودها من قبل. لقد كانت تتمدد، وتعيد ترتيب نفسها للاستعداد لمركز ثقل جديد. ومع نمو الطفل وتغير طريقة مشيتي، سألني الناس عن خطط ولادتي وما إذا كنت خائفة. بالفعل كنت خائفة.

كانت صديقتي في حيرة من قراري بتجنب التخدير النصفي، قالت: «لماذا قد تخوضين ألمًا لا تحتاجين لخوضه؟»

يدخل المخدر النصفي عبر إبرة تُحقن في العمود الفقري، وهذا في حد ذاته جعلني متوترة. إنه مزيل الآلام الأكثر فاعلية في حالة الانقباضات، ولكنه أيضًا يطيل من فترة المخاض ويزيد من فرص الولادة القيصرية. والأهم من كل ذلك، إنه يجعل المرأة غير قادرة على الحركة، ومعتمدة كليًا على الطبيب وطاقم المستشفى. مما يعني أنه عندما يأتي وقت الدفع ستضطر للقيام بذلك وهي مستلقية على ظهرها دون أن تستفيد من من الجاذبية. وهذا يزيد من فرص التدخل بإجراء شق بسيط بين المهبل والشرج لتوسيع فتحة المهبل للسماح لرأس المولود بالخروج.

لا ينبغي أن يكون ذلك التدخل ممارسة معتادة؛ فلقد هجرها الطب في أماكن أخرى من العالم. ولكنها في مصر لا تزال معتادة- الفكرة أنه بدونها ستتمزق النساء، وأن التعافي من هذا التمزق سيكون أكثر ألمًا وخطورة من التعافي من الشق الجراحي بالولادة القيصرية. لا يوجد بيانات كثيرة عن معدلات هذا النوع من التدخل على مستوى مصر، ولكنها في الأغلب متوقعة.

تقول قاسم: «أصبحت الولادة الطبيعية تعني بالضرورة إجراء ذلك الشق، مما يجعل النساء تكرهها. لا ينبغي أن يكون ذلك النوع شيئًا اعتياديًا، ولكنه كذلك».

يحدث المخاض على مراحل. يستغرق عنق الرحم -وهو الممر بين الرحم والمهبل- ساعات، وأحيانًا أيامًا، يترقق ويتحرك ويتوسع حتى يمكن للجنين -حين يكون جاهزًا لأن يولد- أن يُدفع من خلال انقباضات الرحم إلى فتحة المهبل، وفي النهاية إلى خارج الجسد. وفي الوقت الذي يحدث فيه كل هذا، يزيح عنق الرحم نفسه عن الطريق، بعد أن قضى شهورًا مسدودًا حتى يُبقي الرحم مغلقًا.

يثني الجنين رأسه بالداخل، وبذلك تصبح أصغر نقطة في رأسه، والتي لا تزال رقيقة، هي أول ما يخرج منه. ولذلك يمتلك الكثير من الأطفال المولودين طبيعية رؤوسًا طويلة مخروطية الشكل في الأسابيع الأولى من حيواتهم.

أثناء انحسار عنق الرحم، يتجه الجسد نحو المخاض النشط. تصبح الانقباضات أكثر طولًا وتكرارًا وألمًا. وفي نهاية هذه المرحلة، وقبل الشعور بالرغبة في الدفع، تقول الكثير من النساء إنهن يشعرن باليأس. يشعرن وكأن ذلك لن ينتهي أبدًا، ويصبحن غير متأكدات من قدرتهن على فعل ذلك، ويبدأن في الشعور بالقلق على الجنين الذي يبدو وكأنه لن يخرج أبدًا. يقول مناصرو الولادة الطبيعية إن هذه هي النقطة التي تصبح فيها النساء اللاتي يلدن في مستشفيات أكثر هشاشة أمام الضغط للتدخلات الطبية غير الضرورية. ويقود التدخل الواحد إلى الآخر، في نمط يمكن أن يشار إليه بالمتسلسل. وفقًا للخبراء، فغالبًا ما ينتهي التسلسل بولادة قيصرية.

تتمحور حركة الولادة الطبيعية في جوهرها حول إعطاء الأهلية للنساء الحوامل، أيًا كان نوع الولادة التي سيختارنها في النهاية. إنها تدور حول السماح لهن أن يكن فاعلات ومشاركات ومطلعات في الولادة. تُرى المعلومة نفسها كالرادع الأساسي للذعر والخوف. وعلى ذلك٬ فإن الخطاب المحيط بالولادة الطبيعية قد يكون فيه حكم على اختيار استخدام المسكنات أو الولادة القيصرية، والتي توصف أحيانًا كاختيار سلبي وأقل استحقاقًا من الولادة الطبيعية، بل واحيانًا تُرى كولادة أقل شأنًا أو «لا حدث».

يتهم الأطباء الدولا والقابلات بأنهن عالمات مزيفات، وصانعات للمشاكل يشككن في سلطتهم داخل المستشفيات وأجنحة الولادة. كما يتهم مناصرو الولادة الطبيعية الأطباء بعنف التوليد: من خلال التدخل في مخاضات النساء وأجسادهن بدون حاجة ضرورية لذلك وبدون موافقتهن.

ولكن يتفق الجميع على الأساسيات: أن معدلات الولادة القيصرية عالية جدًا، وأنه لا يجب أن يكون الأطباء هم مصدر المعلومات والدعم الوحيد للنساء الحوامل. بالنسبة لأغلب النساء في البلد لا يوجد خيار، فينبغي عليهن الاعتماد على طبيب من أجل الاستفادة من السلامة الناتجة عن الانتباه الطبي -رعاية ما قبل الولادة والمساعدة والتدخل عند الضرورة.

تقول قاسم: «من الصعب على الأطباء تغيير الطريقة التي يقومون بها بالأشياء، يجب أن يأتي التغيير من أسفل. مع الوقت، ستدفع الأمهات الأطباء لتغيير ممارساتهم. نرى الآن أطباء يُسألون حول ولادات المياه، حول ولادات طبيعية بشكل كامل».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن