تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن الحالة الألمانية الحرجة| حوار مع أحد منظمي الإضراب الثقافي

عن الحالة الألمانية الحرجة| حوار مع أحد منظمي الإضراب الثقافي

نضال من أجل مقاومة العنصرية ودعم القضية الفلسطينية

كتابة: محمد عمر جنادي 15 دقيقة قراءة

مع بداية هذا الشهر، أُطلقت دعوة لإضراب ثقافي في ألمانيا رفضًا لرقابة المؤسسات الثقافية الألمانية وسياستها المكارثية، وقمع حرية التعبير، وتجريم التضامن مع القضية الفلسطينية.

تواصلنا في «مدى مصر» مع أحد مُنظمي الإضراب من أجل فهم أعمق للحالة الألمانية الراهنة، ومعرفة أسباب الدعم الألماني المطلق للسياسات الإسرائيلية، وما يُمكن أن تحققه دعوة الإضراب.

يعيش المُنظم في برلين، منذ سنوات طويلة، ويعمل في المجال الثقافي، وهو يُفضل -مع بقية المجموعة المُنظِمة- عدم ذكر اسمه، نظرًا للأوضاع الحالية في ألمانيا، أي تلك الظروف والتحولات التي رسم لنا المصدر ملامحها التفصيلية، كما سنرى.

إضراب في ظل الحالة الألمانية الحرجة

في أثناء كتابة سطور هذا الحوار عن «إضراب ألمانيا»، ودعوة العاملين في المجال الثقافي حول العالم إلى المشاركة فيه، أعلنت الحكومة الألمانية رسميًا أنها ستتدخل قانونيًا إلى جانب إسرائيل في الدعوى المرفوعة من دولة جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وبذلك تصبح أول دولة في العالم تعلن عن مساندتها الرسمية لإسرائيل ضد الاتهامات بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، خلال الحرب على غزة.

يأتي هذا الإعلان الأخير، بعد سلسلة مخزية من إجراءات وممارسات المؤسسات الألمانية الرسمية، السياسية والثقافية، القامعة لأصوات سكانها من الفلسطينيين والمناصرين للقضية الفلسطينية، والمتضامنين معهم ضد جرائم الحرب الإسرائيلية.

وحسب بيان دعوة الإضراب، فإنه «دعوة للعاملين والعاملات في مجال الثقافة من كل أنحاء العالم إلى الإضراب عن التعامل مع المؤسسات الثقافية الألمانية». و«رفض انتهاج المؤسسات الثقافية الألمانية للسياسات المكارثية التي تقمع حرية التعبير، وتحديدا التعبير عن التضامن مع القضية الفلسطينية»

يدعو الإضراب إلى «تعليق العمل والتواجد في المؤسسات الثقافية الألمانية»، وعدم المشاركة في المهرجانات والمعارض والندوات في ألمانيا. ويبين الداعون إلى الإضراب عن التزامهم بـ«النضال التحرري» ورفض «الحظر» الألماني على «التضامن الأممي».

توضح الدعوة السياق السياسي الألماني الذي يجعل من الإضراب واجبًا، فمع حملة الإبادة العسكرية في غزة «كثفت الدولة الألمانية قمع سكانها الفلسطينيين» وغيرهم ممن يقفون ضد الجرائم الإسرائيلية. و«اجتاحت هذه الموجة الرجعية القطاع الثقافي والأوساط الأكاديمية»، ونتج عنها «سلسلة من عمليات الفصل من العمل، والإلغاءات والاستقصاء العلني والرقابة الصريحة».

 تشير الدعوة إلى تزايد صادرات الأسلحة الألمانية إلى إسرائيل بمقدار عشرة أضعاف منذ بداية الحرب على غزة. وتزامنًا مع هذا، ونتيجة اعتماد القطاعين الثقافي والأكاديمي على أموال الدولة بشكل كامل، «تحول الإنتاج الثقافي إلى امتداد لسياسة الدولة».

في البداية يوضح المُنظم أن «الإضراب موجه بشكل أساسي إلى العاملين الثقافيين الدوليين خارج ألمانيا»، لأن «إمكانية إضراب العاملين داخل ألمانيا تعرضهم لفقدان فرص العمل مع المؤسسات الألمانية تهديدات مثل إلغاء الإقامة أو عدم تمديدها».

وفي الإجابة عن التساؤل حول مدى الاستجابة من العاملين الثقافيين لدعوات الإضراب، ومدى تنوعهم كذلك، أكد أن من يطالع قائمة الموقعين على الدعوة سيرى أسماء عالمية من ثقافات مختلفة ومتنوعة، على سبيل المثال: الكاتبة الفرنسية آني أرنو الحائزة على جائزة نوبل، الشاعر والناشط محمد الكرد، الفنان حامد سنو عضو فرقة «مشروع ليلى»، الشاعرة والكاتبة المصرية إيمان مرسال، الكاتبة الأمريكية كريستينا شارب، الكاتبة البوسنية الصربية لانا باستاسيتش».

ويضيف أن المؤسسات الألمانية الثقافية واقعة تحت ضغط تنفيذ السياسات الحكومية نظرا لتلقيها دعمًا حكوميًا كبيرا، ولكن «لأن ميزانيات هذه المؤسسات ضخمة فإنها تستطيع تقديم فعاليات كبيرة كالمعارض ومهرجانات السينما مثلًا. وتُعلي أسهمها الثقافية بدعوتها ضيوف من أسماء لامعة وبما يقدمه هؤلاء الضيوف من مشاركات قيمة». لذلك يستهدف الإضراب مثل هذه الأسماء.

إضراب بلا نقابة

يأتي إضراب ألمانيا في ظل حالة من «التضامن العمالي» مع غزة. أعاقت تحركات في أستراليا شحن الأسلحة المتجه إلى إسرائيل. وسبق أن أعاقت الحركات العمالية الداعمة لفلسطين عمليات شحن الأسلحة من موانئ مختلفة في الولايات المتحدة وبريطانيا واليونان وبلجيكا والدنمارك.

وإلى جانب تضامن عمال الموانئ، أعلن الاتحاد الدولي لعمال السيارات، أحد أكبر الاتحادات العمّالية وأقواها في أمريكا الشمالية، عن انضمامه إلى النداء العالمي من أجل وقف إطلاق النار في قطاع غزّة. لذلك تساءلت: كيف يمكن الاستفادة من هذا الزخم وما نقاط التقاطع مع الإضرابات العمالية الأخرى في ألمانيا وأوروبا ؟

أجاب المصدر: « يجب أن نذكر أنه رغم كون الإضراب مستوحى من تاريخ الإضرابات في النضالات العمالية فإن الوضع يختلف في  حالتنا. فلا توجد نقابة فنية مُنظِمة للإضراب تتفاوض في النهاية مع جهات العمل من أجل تنفيذ المطالب. لا يمثل التحالف الداعي إلى الإضراب نقابة بعينها، بل هو مجرد تحالف أممي واسع من مشارب مختلفة. فهو تحالف لا يشكل نقابة وإنما هو مبادرة جماعية تقوم عليها مجموعة أفراد محدودة الإمكانيات.  وهذا يعني عدم وجود إمكانية للدخول في مفاوضات. وبالتالي، فالإضراب هنا حالة مفتوحة تأمل في أن ينشأ ضغط على المؤسسات -نتيجة انضمام أعداد كبيرة- يمكنه تحقيق نوع من المراجعات».

وعن إمكانية التنسيق مع عاملين في مجالات أخرى واتساع نطاق الإضراب، يقول:

«إمكانية توسيع الإضراب إلى مجالات أخرى مثل الأكاديميا والصحافة ومؤسسات المجتمع المدني واردة، لكن القرارات متروكة للعاملين في هذه المجالات حسب رغبتهم واستعدادهم للمشاركة في تنظيم فعالياتهم، ويمكن بعدها التنسيق والتعاون المشترك. وكما قلت سابقا، فإن المبادرة القائمة على الإضراب محدودة الموارد، ولا تقدر وحدها على تنظيم إضرابات أكثر اتساعًا».

عن «ثقافة التذكر» و«مكارثية اشتهاء السامية»

  يذكرنا المنظم بمطالب الإضراب كما وردت في البيان في ثلاث نقاط: «حماية الحرية الفنية» وذلك بإنهاء المكارثية المُتمثلة في فحص المدعوين للمشاركة للتأكد من عدم دعم للقضية الفلسطينية بأي شكلٍ كان، «تدقيق مكافحة معاداة السامية» بتبني تعريف «إعلان القدس لمعاداة السامية (JDA)» بدلا من تعريف «التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA)» الذي يخلط بين نقد الصهيونية أو رفضها ومعاداة السامية، و«مكافحة العنصرية البنيوية» عن طريق الضغط لمراجعة قرار 2019 باعتبار حركة المقاطعة BDS مُعادية للسامية.  

باتت الفضائح الألمانية معروفة للجميع. قبل السابع من أكتوبر، وتحديدا عام 2019، أقر البرلمان الألماني «البوندستاج» بإدانة حركة المقاطعة BDS واعتبارها حركة معادية للسامية، ويوصي قرار البرلمان بقطع التمويل الحكومي عن الفعاليات والمؤسسات المرتبطة بحركة المقاطعة.

أما الفضائح الثقافية بعد السابع من أكتوبر، فأشهرها حرمان الروائية الفلسطينية عدنية شبلي من استلام جائزة «ليبراتور» في معرض فرانكفورت للكتاب. وانسحاب مؤسسة هاينرش بُل التابعة لحزب الخضر الألماني من تمويل جائزة «حنة أرندت» الممنوحة، الشهر الماضي، للكاتبة اليهودية الأمريكية ماشا جيسن، بسبب نشر الكاتبة مقالًا تضمن تشبيه قطاع غزة بوضع الجيتوهات اليهودية في زمن النازية. كما أوقفت الحكومة الألمانية تمويلها لمشروع مناهضة الاتجار بالنساء في مصر، والذي تقوم بتنفيذه مؤسسة قضايا المرأة المصرية، إحدى هيئات المجتمع المدني. جاء القرار على خلفية توقيع رئيسة أمناء المؤسسة، المحامية عزة سليمان، على بيان يدعو إلى وقف العدوان على غزة وقطع العلاقات مع إسرائيل ومقاطعتها.

عدنية شبلي

تورد الدعوة جانبا من هذه الإجراءات القمعية. وتنتقد «ثقافة التذكر»/ أي الحملة الحكومية من أجل تذكر جرائم النازية والتصدي لإبادة اليهود، وتصفها بأنها تعمل بمثابة «عقيدة قمعية»، وتعمل على تنشيط القمع الذي كان من المفترض أن يواجهه «التذكر» الحقيقي.

تتأمل ماشا جيسن «ثقافة التذكر» في مقالها -مُسبب الأزمة الأخيرة- «في ظلال الهولوكوست». توضح جيسن أن ألمانيا «فعلت ما لاتقدر عليه معظم الثقافات»، أي الاعتراف بجرائم الماضي ومواجهتها، لكن تلك الثقافة تحولت في رأيها إلى نوع من «الدوجما»، والأفعال الطقسية التي تتكرر دون تأمل في معناها الحقيقي. 

ماشا جيسن

وتؤكد الفيلسوفة الأمريكية سوزان نيمان على المعنى ذاته، إذ تقول إن «الجهود التي يبذلها الألمان لمواجهة التاريخ الإجرامي لبلادهم، واجتثاث معاداة السامية، قد تحولت من اليقظة إلى «مكارثية مُشتهية للسامية تهدد حياتهم الثقافية الغنية».

 زلزال في برلين: ما بعد السابع من أكتوبر

لا يُمكن تفسير الإجراءات الألمانية كمجرد أصداء «عقدة ذنب» تجاه الهولوكوست، أو بوصفها هواجس متصاعدة من رماد المحرقة. إن المنهجية التي تتبعها السياسة الألمانية، من التحالف غير المشروط مع إسرائيل، إلى تصاعد الاتهامات ضد السكان العرب والمسلمين، تتعدى كونها «ردة فعل» سببها الحساسية المفرطة تجاه جرائم الماضي.

قبل التساؤل عن تفسير للموقف الألماني، سألت المُنظم عن ما هو المتوقع أو المأمول من الإضراب في ظل هذه المنهجية الألمانية؟

أجاب المصدر: «نعي بالطبع أن مثل هذا الإضراب لن يدفع ألمانيا إلى مراجعة مواقفها، أو يمكنه تغيير الموقف الرسمي الألماني الداعم على طول الخط للسياسات الإسرائيلية. ما نأمله أن يحدث ضغط على القطاع الثقافي في ألمانيا، وذلك الضغط يمكنه تحسين شروط العمل، بما يترتب عليه تغيير المناخ الثقافي والفكري بحيث يصبح مناخًا غير معاديًا للقضية الفلسطينية».

ويضيف: «المناخ الثقافي الاجتماعي الآن يمكن وصفه فعليًا بأنه معادٍ لكل ما يتعلق بـ«فلسطين»، وفي الحقيقة لا يرجع هذا إلى ما حدث في السابع من أكتوبر، بل إنه مستمر منذ فترة. يمكننا أن نرجع مثلًا إلى ما حدث في دورة «دوكومنتا 15» (أحد أكبر معارض الفن المعاصر في العالم) عام 2022. حينها، اُتهمت مجموعة روانجروبا Ruangrupa» الأندونيسية، وهي المجموعة المنسقة للمعرض في تلك الدورة، بأنها معادية للسامية. وقد أثار الموضوع ضجة كبيرة وقتها. ومنذ تلك اللحظة، بدأت ألاحظ وجود مناخ يعمل على «شيطنة المهاجرين»، والفئة الأكبر منهم هي المسلمين والعرب بالطبع. كما يعمل أيضًا على «تصغيرهم أخلاقيًا» لأنه يقذفهم بتهمة «معاداة السامية». صك الإعلام الألماني مصطلح «معاداة السامية المستوردةImported Antisemitism» والمقصود بها معاداة السامية عند المهاجرين. يجري هذا الوصم المعمم منذ فترة، بلا تمييز أو تفرقة، ووصل ذروته بعد السابع من أكتوبر. وقع زلزال هنا في برلين بسبب ما حدث يوم السابع من أكتوبر: إجراءات قمعية سواء من البوليس أو من قبل البلدية التي تمنع المظاهرات، وحظر شارات مثل العلم الفلسطيني، أو منع شعارات معينة واعتبارها شعارات إرهابية وملاحقة من يرددها، مثل شعار «من النهر إلى البحر.. فلسطين ستكون حرة FROM THE RIVER TO THE SEA, PALESTINE WILL BE FREE.

فمن يستخدم هذا الشعار يمكن ملاحقته قضائيًا.

يشير المصدر إلى أن القسم الثقافي في ولاية برلين قد أجرى، منذ أيام قليلة، تعديلات في نظام الحصول على المنح الفنية والثقافية، والتي يحتاجها الكثير من العمال الثقافيين. تتضمن التعديلات بندًا يجب الموافقة عليه، ألا وهو الموافقة على تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA) لمعاداة السامية، والذي يخلط كما قلنا بين نقد السياسة الإسرائيلية والعداء للسامية. «يعني ذلك البند عمليًا استبعاد كل العاملين والعاملات الثقافيين/ات المتضامنين/ات مع فلسطين، وليس فقط من العرب أو الفلسطينيين وإنما أيضا من اليهود المعادين للصهيونية».

ردًا على ذلك، قام أكثر من خمسة آلاف فنان وفنانة في برلين بالتوقيع على رسالة رافضة للتعديلات. 

لذلك يوضح المصدر أن الغاية ليست مقاطعة ألمانيا نهائيًا، بل أن يقوم الفنانون والمثقفون، المدعوون فيما بعد، بمقاومة الشروط الألمانية المجحفة، والتفاوض على تغييرها.

القادم مظلم: صعود اليمين المتطرف 

 يقول مصدرنا إن هناك نوعًا من «التنميط العنصري Racial Profiling لا يحدث فقط في المجال الثقافي، وإنما أيضًا في المجال الأكاديمي والمؤسسات الإعلامية وغيرها». أي «الكشف عن من يحملون أسماء عربية، والبحث عن منشوراتهم أو فحص ما كتبوه على السوشيال ميديا منذ 15 عامًا مثلا، وطردهم من عملهم بوصفهم إرهابيين إن وجدت تعليقات تدعم حركة حماس.

هذه الذروة مرعبة، لأن المرء يمكنه، مرة ثانية، أن يرى في هذا المجتمع كيف يتم تهميش وعزل وتجريم أقلية بسهولة وسرعة وكفاءة شديدة».

ويضيف: «لا أحب إقامة توازيات مع حقبة النازية، لكني أرتعب لأن ما يحدث الآن يذكرنا بألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث تُعزل وتُجرَم أقلية بشكل بيروقراطي وقانوني جدًا، لكن هذه المرة بوصمهم معاديين للسامية». 

لكنه يوضح نقطة في غاية الأهمية، وهي أنه لا يمكن النظر إلى تطورات الأحداث في ألمانيا بمعزل عن «التحولات السياسية الداخلية الألمانية». 

«نحن نتكلم عن لحظة يصعد فيها اليمين المتطرف، ومن المنتظر في الانتخابات القادمة أن يكون أكبر كتلة برلمانية أو ثاني أكبر كتلة، كما تشير استطلاعات الرأي. وبالتالي سيشارك في تشكيل الحكومة. أنا أتحدث تحديدا عن حزب «بديل من أجل ألمانيا (AfD)» وهو حزب يميني متطرف، تقوم إيديولوجيته على عنصرين، أولهما عداء مستميت للمهاجرين بدعوى أن المهاجرين يخربون الثقافة الألمانية، وأنهم مسلمون متخلفون، سوف يقومون باغتصاب بناتنا، وغيرها من الدعاوى العنصرية. يرى هذا الحزب أن وجود المهاجرين يهدد الثقافة الألمانية ويسلب الوظائف من الألمان البيض».

ويشير المصدر إلى فضيحة كُشفت مؤخرًا تتعلق بتسريبات من لقاء سري لأعضاء من حزب AFD، يناقشون فيه مخططات لإعادة توطين المهاجرين في أفريقيا ودول أخرى من العالم.

العنصر الثاني هو إعادة الوازع القومي عند الألمان. أي أن يعود الألمان للفخر بألمانيتهم. وتلك مهمة عسيرة لأننا نعلم جميعا الماضي الألماني. لكن اليمين المتطرف يضرب الآن عصفورين بحجر واحد. فمن جهة، قاموا عبر حملة إعلامية هيستيرية بتحويل المهاجرين إلى كائنات منحطة أخلاقيا لأنهم معادون للسامية، ومن جهة أخرى يروجون لفكرة أن المجتمع الألماني قد تعلم من دروس الماضي بدليل المساندة التامة لإسرائيل، وأن الآخر/ المهاجر هو العنصر الفاسد السيء. وبالتالي فإن من حق المجتمع الألماني أن يفخر بوطنيته وقوميته».

النازية.. مرة أخرى 

يحلل المصدر هذا التمثل الجديد للنازية قائلًا: « الشكل الذي يتنكر فيه تفوق العرق الأبيض، أو white supremacy، في ألمانيا هو محاربة العداء للسامية. بحجة محاربة العداء للسامية النخب الثقافية والأكاديمية والصحفية الألمانية تُشيطن المهاجرين، لإثبات أن الذات الألمانية- والتي بالطبع لا يُدخِل الألمان فيها سوى البيض، هي ذات متفوقة أخلاقيًا وإنسانيًا».

أما عن المقصود بمفهوم «العنصرية البنيوية» وأيضًا «العداء البنيوي للسامية»، فيقول: «المجتمع الألماني لديه عداء بنيوي للسامية للأسف. لذلك فمحاربة العداء للسامية هي مهمة ملحة في هذا المجتمع. ولهذا أيضا فمن المهم أن لا نقلل من أهمية محاربة العداء للسامية في ألمانيا، لكن يجدر بالمرء الإشارة إلى أن المناخ الحالي في ألمانيا لا يحارب العداء للسامية، وإنما يكرسها بنيويًا في المجتمع. لماذا؟ لأنه يتعامل مع اليهود باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة. كتلة متشابهة ومواقفها السياسية واحدة. كتلة بشرية ليس بها أية اختلافات. باختصار، بالنسبة للألمان: اليهود هم صهاينة وولي أمرهم هو دولة إسرائيل. جزء من الجنون الحالي في ألمانيا هو تجريم أصوات يهودية لأنها مناهضة للصهيونية. تخيل! مرة ثانية، ألمانيا البيضاء، وغالبًا الذكورية، تقول لليهود ما يجب وما لا يجب أن يقولوه».
ويضيف: «النظرة لليهود بوصفهم كتلة واحدة متجانسة حدثت أيام النازي، أيامها كان اليهود كلهم وفق الرؤية النازية، سيئين ومثيرين للقرف ولديهم أموالًا كثيرة ويتحكمون في العالم».

«وهذا ما أقصده بالعداء البنيوي للسامية الموجود في المجتمع الألماني، والذي يجب محاربته».

***

في كتابه الهام «صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية»، يحاول المؤرخ وأستاذ العلوم السياسية نورمان فنكلشتاين أن يخرج بقضية «الهولوكوست» من «نطاق المقدس إلى نطاق التاريخ»، بأن يضعها في سياق محدد هو «الصراع العربي الإسرائيلي». ويبين مثلًا أن «كل الأدلة تقريباً تؤكد أن موضوع الإبادة النازية لليهود لم يصبح أمراً راسخًا في حياة اليهود الأميركيين إلا بعد اندلاع حرب يونيو/حزيران 1967 بين العرب وإسرائيل، أما قبل عام 1967، فكانت المؤسسات اليهودية تميل إلى التقليل من شأن الإبادة النازية ليهود أوروبا»، تماهيًا مع الأولويات السياسية للحكومة الأميركية في فترة الحرب الباردة، والتي كانت تتطلب تأييد فكرة إعادة تسليح ألمانيا بل وتجنيد أعداد كبيرة من الجنود النازيين السابقين من أجل مواجهة المعسكر السوفيتي.

يوضح  فنكلشتاين أن تصاعد سياسات الهوية أو القائمة على الانتماء العِرقي، وتزايد معدلات اندماج اليهود في المجتمع الأميركي مع تحولهم التدريجي من مواقف اليسار ويسار الوسط إلى اليمين، من العوامل التي أبرزت مسألة الإبادة النازية لليهود باعتبارها مصدرًا لتدعيم الإحساس بالهوية العِرقية اليهودية، التي تضع اليهود في منزلة مختلفة عن الجماعات العِرقية والدينية الأخرى بوصفهم شعبًا مختارًا.

تكمن المفارقة في أن المنتفعين من صناعة الهولوكوست كانوا من اليهود الأمريكان. بداية من التلاعب في أرقام الناجين بغرض المطالبة بمزيد من التعويضات من الحكومة الألمانية، وحتى التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وانضواء بعض المنظمات اليهودية داخل الصهيونية. لكن في الحالة الألمانية، فإن المنتفعين أو المستغلين هم اليمين المتطرف المُعادي علنًا للسامية، والداعي إلى إحياء اللغة القومية التي تعود للحقبة النازية. وكما توضح جيسن: «إنّ طيف معاداة الساميّة هو أداة سياسيّة مثاليّة للممارسة السينيكيّة، إذ يمنحهم بطاقة انتساب إلى النادي السياسي السائد ويعطيهم سلاحاً يمكن استخدامه ضدّ المهاجرين المسلمين».

 ***

برلين.. إلى أين؟

منذ سنوات، تقدم برلين نفسها للعالم بوصفها المتروبول المتنوع وعاصمة أوروبا الثقافية. كان سؤالي حول برلين بعد السابع من أكتوبر: ما الذي تغير فيها ؟ كيف تؤثر تلك التطورات على صيغ التعايش بها؟ وهل لازالت ذلك المأوى للاجئين والفارين إليها من الهزائم وأماكن النزاع والمشاريع السياسية الفاشلة؟

«الوضع في برلين قد اختلف تمامًا خلال الأشهر الثلاثة الماضية. الآن، يرغب الكثيرون في  مغادرتها والذهاب إلى مدن أخرى، وذلك رغم إقامتهم في برلين منذ سنوات طويلة. يبحثون عن مخرج لأن الوضع صار مظلمًا. لا أحد يعلم تبعات ما يحدث الآن. أو عن مصير القوانين الجديدة المراد صكها، خاصة مع احتمالية مجيء حكومة متطرفة.

لكن هناك نقطة تتعلق بالمستقبل، وسأعطيك مثالًا لتوضحيها. منذ حوالي خمسة عشر عامًا، كانت المظاهرات التي تخرج لنصرة فلسطين يُدعى إليها من قِبل الجاليات  والمساجد والمراكز الإسلامية. ويسير فيها العرب والمسلمون. ومن الممكن لو سرت فيها أن تشعر بعدم وجود مكان لك نظرا لطبيعتها الإسلامية المتشددة.

أما المظاهرات التي تخرج حاليا، منذ ثلاثة أشهر، وحتى أثناء أحداث «الشيخ جراح»، فإن طيفًا واسعًا هو من يدعو إليها. اتحادات فلسطينية، اتحادات نسوية، اتحادات يهودية معادية للصهيونية.. ويسير فيها أناس متعددو المشارب والخلفيات. لا أريد أن أبالغ في التفاؤل، لكن هناك شيء جديد يتشكل رغم الظلمة. من المشاهد التي أثارتني مؤخرًا، أثناء مشاركتي في المسيرات خلال الشهور الماضية، رؤية ألمان بيض صغار السن. يسيرون في المظاهرات ويهتفون لفلسطين. هذا المشهد لم أره من قبل. أقول ذلك وأنا أعيش في برلين منذ فترة طويلة.

ربما هناك أمل في الأجيال الجديدة. وربما لا أمل هناك. لا أعلم. هذا ما ستكشفه الأيام».

***

caption

تذكرني هذه المفارقات الألمانية الحادة بواحدة من أكثر الشخصيات تفرُّدًا في تاريخ الأدب العالمي، وأعني شخصية الطفل أوسكار ماتسرات في رواية  «طبل الصفيح» للكاتب الألماني جونتر جراس.

 أوسكار طفل صغير، يرفض النمو بسبب ما رآه من زيف عالم الكبار. إنه لا يفضح عالمهم وحسب، وإنما يفضح ألمانيا النازية كلها.

 ويذكرني الأمل في الأجيال جديدة بالطفل أوسكار الذي يرفض عن وعي قيم البطولة والعظمة، أي الأقانيم المؤسسة للإيديولوجيا النازية. يقوم بالقرع على طبل معلق على صدره، وصراخه قادر على تحطيم الزجاج. كأن صراخ القزم أوسكار هو نقيض الصمت، صمت المجتمع على جرائم النازية، وصمت الضحايا أيضا. وهو قزم في مجتمع يعتنق التفوق العرقي، ويبيد الضعفاء.

  تنطوي شخصيته على مفارقة حادة: فهو يحمل ملامح الطفل ظاهريًا، ولكنه يشيخ على المستوى الباطني. لديه وعي الكبار وهو في سن الثالثة، فيقرر ألا يكبر أبدًا عن تلك السن.

طفولة أوسكار شكلانية، لأن أفعاله تنتمي في معظمها إلى البالغين. طفولة أوسكار الشائخة هي معكوس ألمانيا في فترتها النازية، وكأنها دولة ترتد، عن وعي، عن رشدها، لتتقزم، بينما هي تتغنى بالعظمة والتقدم.

لذلك ربما يكمن الأمل في وعي الأجيال الجديدة. ربما تقرر هذه الأجيال ألا تتكرر النازية مرة أخرى، أن يتوقف الدعم المطلق للسياسات الإسرائيلية التي حوّلت الطفولة في غزة إلى طفولة شائخة، مثل طفولة أوسكار، لكنها هذه المرة انعكاس لجرائم الصهيونية وكل داعميها من الألمان والأوروبيين.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن