عن التحمل والولادة
سلوان #4
#جو عام
«سلوان» لا تقلب المواجع -لا سمح الله- أو تنكأ قشورًا غطت جراحًا قديمة، بل تقرؤون في السلسلة، التي تحررها سلمى الديب، خلاصات تجارب كُتبت بحساسية وتقليب على جمر النار كما تقول الست أم كلثوم، دون تركيز على الإيلام، بل أُعدت كضفيرة، حيث نقدم كل خبرة عميقة برؤيتين متداخلتين ننشر ديتوكسين كل ويك إند، وفي هذا العدد تكتب دعاء أبو صالح عن حكايتها مع عدم تحمل الألم، واكتسابها مهارة التحمل، والتي كُللت بتحولها إلى أم، ولا تنسوا إكمال الضفيرة بقراءة دليل شيرين ثابت.
في «سلوان» لا نقدم مشاعر مؤلمة أو نعيد آثارها على أصحابها أو مَن مروا بها أو نجوا منها، حتى يكون اسم السلسلة على مسمى، لكن يحتمل أن تسبب قراءة بعض المواد آثارًا نفسية أو تذكر بما لا يُستحب استعادته، لذا لزم التنويه.
#سلوان
لا أتمتعُ بذاكرة قوية، أعتقد أن أول شيء أتذكره من طفولتي هو أول يوم لي في المدرسة الابتدائية، كان عمري حينها سبع سنوات، لا أتذكر شيئًا قبل ذلك، ولكن عمومًا ما أسترجعه من طفولتي هو أنني كنت أحب ما تحبه البنات، ألعب بالعرائس، أخيط ملابس لهن، أُجرب ارتداء الكعب العالي ووضع أحمر شفاه دون علم أمي، ولكن لا يعلق في ذاكرتي شيء عن رغبتي في أن أكون أمًا، حلمت بالحب والفارس المغوار ولم أحلم أبدًا بأطفال أربيهم.
عندما تزوجت ولمدة تزيد على ثلاث سنوات كانت فكرة الإنجاب شبحًا يهدد حياتي كل شهر، انتظر الدورة الشهرية كأني أنتظر العيد، لا أريد أن أكون أمًا، كيف أنجب أطفالًا أتمنى لهم الوجود الأبدي وأنا في داخلي أعرف أن أمنيتي الدائمة كانت عدم الوجود من الأساس.
أخذتُ وقتًا طويلًا حتى تعايشتُ مع فكرة أنني ربما أصلح للإنجاب، لا أعرف على وجه الدقة كيف تغيرت قناعاتي، لكن سببين هما الأوضح: ابنُ أخي الذي رأيته يكبر يومًا بعد يوم وشاهدت إعجاز الله في خلقه أن تتحول قطعة اللحم التي لا تعرف أي شيء إلى إنسان ناضج جميل له شخصية قوية يعبر عن نفسه، والسبب الآخر هو زوجي، ثلاث سنوات ونصف قبل أن نأخذ هذا القرار وجدت فيه ما تتمناه أي امرأة في رجل تريد منه أن يصبح أبًا لأبنائها، حنون، حكيم، واعٍ، صبور، متسامح، كريم، مِعطاء، سيكون أبًا ممتازًا بلا شك، أما أنا سأحاول أن أكون أمًا جيدة.
لا أعرف كيف أصف شعوري في اللحظة التي علمت فيها بحَملي، لكنها اللحظة التي أفكر فيها عندما أتأمل كيف يمر المرء بنفس الحدث ويشعر شعورين في منتهى التضاد؛ لحظة أن رأيت تحليل حمل إيجابي كاذب بعد عدة أشهر من الزواج فأوشكت على فقدان عقلي من الحزن والبكاء والصراخ والانهيار، ولحظة أن رأيت تحليل حمل حقيقي
إيجابي فانشرح صدري من السعادة.

أحمل تعريفًا مختلفًا للألم منذ الصغر، منذ أن وعيت على الدنيا تخبرني أمي «إنتِ مبتستحمليش»، لذلك مرادف الألم عندي هو أي شيء قد لا يسبب وجعًا للآخرين يحدث تأثيرًا قويًا معي.
عانيت من آلام متعددة وأنا صغيرة، انكسر ذراعي عدة مرات، في مرة منهم انكسر إصبعي الأصغر في يدي اليمنى بينما كنت ألعب مع أخي، أبي وأمي كانا خارج البيت ولم أخبرهما إلا عندما عادا، يدي كانت متورمة بشكل غير معقول، ذهبنا للطبيب وأخبرنا أنني احتاج إلى جبس، المشكلة أنني كنت أرتدي في يدي أسورة من الذهب، لم يريدوا كسرها لذلك خلعوها بصعوبة ويدي متورمة، أتذكر الألم حتى الآن، انخلع قلبي لحظتها من شدته، لم تكن المرة الأخيرة التي ينكسر فيها عظمي، ولكن مهما كان سبب الألم مبررًا فأنا لا أحتمله، هذه هي صورتي عن نفسي، بطني آلمتني أكثر أوقات طفولتي، عرفت فيما بعد أن ألم البطن في الأطفال شيء شائع، أحيانًا الجهاز الهضمي لا يكون ناضجًا بما يكفي فيتأثر بأي شيء، مرات كثيرة أجريت أشعة تلفزيونية على بطني للاطمئنان، وقتها كان يخبر الطبيب أهلي «بتدلع مفيش حاجة»، والحقيقة لم أكن أتدلع، كنت أشعر بآلام حقيقية، هكذا عرفت عن نفسي في سن صغير جدًا، أنني لا أتحمل الآلام، لذلك في داخلي وسبب من أسباب رهبتي الشديدة من تجربة الأمومة هي الآلام المصاحبة لها، لن أتحملها.
جربت أنواعًا مختلفة من الآلام وقت الحمل، شد عضلي يوقظني من النوم كأنه كهرباء تسير في عروقي، وجع في ظهري يجعلني لا أعرف كيف أنام أو أتحرك، جهازي الهضمي تعطل عن العمل فكنت طوال الحمل أعاني من الإمساك الشديد والشروخ الشرجية والارتجاع والغثيان الذي لا يُحتمل، وكل هذا طبيعي، طفل صغير يتكون بداخلي، بل حملي أكثر من ممتاز، الألم طبيعي، والقيء طبيعي، وتقلب المزاج طبيعي، والتصبغات طبيعية، كل شيء في رحلة الحمل طبيعي.
لم أعمل كطبيبة منذ أن تخرجت في كلية الطب إلا وقت لا يُذكر، لخوفي من المرض والألم، لا أحتمل رؤية شخص يتوجّع، لم أدخل غرفة العمليات كطبيبة في حياتي غير مرتين، مرة في السنة الرابعة من دراستي، كان فرضًا علينا أن نحضر عملية إزالة اللوز من الحلق، في الوقت الذي اجتمع فيه زملائي حول المريض الغائب عن الوعي كي يشاهدوا فن الجراحة، كنت أقف بعيدًا لا أهتم بما يحدث، لا أريد أن أعرف.
المرة الثانية عندما أصرّت صديقتي أن أدخل معها غرفة العمليات مع الجراح وقت ولادتها، أخبرت الجراح «صاحبتي دكتورة وعايزاها معايا»، صديقتي ولدت ولادة قيصرية، وكانت أول مرة أحضر هذه العملية، أعرف الكلام النظري، تخرجت في الكلية بامتياز، لكن كل ما أذاكره وأعرفه من معلومات هي مجرد معلومات في عقلي، صورًا أرسمها في خيالي عن الجسم والأمراض ليس أكثر، يومها رأيت الطبيب بشكل حقيقي يشق بطن صديقتي، طبقة بعد الأخرى، وهو يتحدث مع زميله، يضحك مثلي وأنا أعمل الشاي صباحًا. بهذه السهولة، رأيته يشق رحمها، يخرج طفلًا حيًا من داخله، تخرج دماء ليست بقليلة، ثم يعيد كل شيء لمكانه، ويخيط الجرح، ويخبرنا بأنه مبروك، مبروك الطفل خرج بالسلامة. وبطن صديقتي المشقوقة نخيطها، ورحمها نخيطه، والدم مسيره يقف، والتخدير مسيره يزول، وكل شيء يعود كما كان إلا أنا، لم أعد كما كنت أبدًا، لم أحلم أبدًا بأن أصبح جراحة، لم أمسك مشرطًا في حياتي، ولحظتها تمنيت ألّا أخضع لأي جراحة، لا أريد أن تُشَق بطني، وهذه العملية لا أريد أن تحدث معي تحت أي ظرف.
عندما حملت استعديت بكل الطرق كي ألد ولادة طبيعية، تمارين التنفس، المشي الكثير، الحفاظ على الوزن وقت الحمل، الحمد لله طولي مناسب وعظم الحوض عريض ولم أتخيل أن عملية الولادة ستمثل أي مشكلة، كنت أخبر نفسي أن كل نساء العالم ولدن منذ آلاف السنين بطريقة طبيعية فلا مانع إن شاء الله أن أكون من الأغلبية العظمى.
انتظرت حتى اكتمل حملي، بعد الشهر التاسع دخلت العاشر وأقول لنفسي لا بأس إحصائيًا معظم النساء البكريات يلدن في الشهر العاشر، ومرت عدة أيام في العاشر حتى كانت الليلة التي بدأت فيها آلام الطلق، الألم في البداية كان محتملًا، كلمت الطبيبة التي أخبرتني أن أنتظر وأتحمل وأذهب في الصباح إلى المستشفى كي أُجري اختبار فحص نبض الجنين، كنت أعرف أن عملية الولادة تأخذ ساعات طويلة فلا بأس، ذهبت في الصباح أجريت الفحص الذي كان يُشير إلى وجود انقباضات ولادة في الرحم، لكن نبض الجنين يتأثر قليلًا مع الانقباضات، كانت الطبيبة لم تصل للمشفى بعد حتى نتناقش في وضعي وماذا سأفعل، وفي أثناء انتظارها نزل عليّ ماء غزير لونه أخضر داكن، الأمر الذي فهمت منه في الحال أن الجنين تبرز داخلي وأحتاج إلى قيصرية عاجلة.
الوضع كان كالتالي، أنا وزوجي وحدنا في المشفى، أستعد لإجراء عملية لم أضعها في حساباتي أبدًا، فحص السونار يشير إلى أن الجنين لا يتحرك، بطني تؤلمني، أبكي بكاءً مريرًا لأني أخشى العمليات، لم أخبر أمي في اليوم السابق بالانقباضات كي لا أسبب أي توتر، والآن أنا على وشك الولادة وهي أمامها على الأقل ساعتين كي تصل، تراودني الأفكار السيئة، أبكي للطبيبة كي تسمح بدخول زوجي معي غرفة العمليات، وترفض غصبًا عنها لأن سياسة المستشفى لا تسمح، أفكر أنهم على وشك شق طبقات بطني، أُراجع في ذهني كل تعقيدات العملية واردة الحدوث، وأبكي.
دخلت حجرة العمليات أبكي وخرجت منها نصف واعية لا أشعر بنصفي الأسفل، يحملونني على الملاءة كما يحملون الجسد الميّت، التخدير معجزة فعلًا، من دقائق كنتُ جُثة لا أشعر بشيء بينما يشقون طبقات من جسدي، وما إن يمضي الوقت حتى يزول أثره بشكل تدريجي فأشعر بالألم يتسلل رويدًا رويدًا، شعرت بألم الجرح وألم الاحتياج، أحتاج للمساعدة في كل شيء، دخلت ممرضة طلبت ممَن في الحجرة الخروج كي تأخذني إلى الحمام لأغير ملابس العمليات وارتدي ملابسي، ممرضة لم أرها من قبل ستراني عارية، رفضت وطلبت منها أن أدخل وحدي ولم أستطع، وقعت، ودخلتُ الحمام على كرسي متحرك، ودخلت الممرضة وأمي، هي أشياء قد تبدو بسيطة، الممرضة هذا عملها وأمي هي أمي، لكني شعرتُ بالانتهاك الشديد، خرجت من الحمام وفي أثناء مساندتهما لي كي أنام فقدت توازني وفقدت الوعي للحظات، انتهى الأمر وأنا على السرير لا أملك من أمري شيئًا، كلها أشياء بسيطة، هذه عملية قيصرية ناجحة على كل المستويات، لم تحدث تعقيدات، كلها أمور طبيعية لما بعد التخدير، وكلها تركت في نفسي شعورًا بالوهن أكثر من الألم.
لم أحتمل المكوث في المستشفى أكثر من عدة ساعات وغادرت إلى منزلي ليلًا.
أول ليلة في البيت كانت طويلة جدًا، لم أنم أي دقيقة، ابني بجانبي يبكي والجرح يؤلمني بسبب انسحاب المسكنات التي أخذتها قبل الخروج، وصدري يؤلمني بسبب الرضاعة التي لا أعرفها، ورأسي تؤلمني بسبب التخدير، ولكنها مضت، ساعات ومضت.
أشعر بآلام مختلفة الآن تنتابني من حين لآخر، آلام في الرأس بسبب السهر، وأخرى في العظم بسبب نقص الكالسيوم، وآلام في الظهر بسبب حمل طفلي، وأقول إن الألم شيء جيد، أكبر مشكلات مرضى السكر هو عدم شعورهم بالألم، جرحٌ بسيطٌ قد يحدث في أقدامهم ولا يشعرون به بسبب خلل في الأعصاب فلا ينتبهون له قد يؤدي إلى استئصال القدم كاملة، حتى إننا نفرّق بين الورم الحميد والورم الخبيث بوجود الألم، تخيل أن الورم الخبيث هو الذي لا يؤلم عادة في البداية فلا يُنبهنا لوجوده.
أقول لنفسي، الألم يعني الإدراك، الألم المُلازم للأمومة هو جزء من التجربة، يوجهني، يلزمني بالتفكير، ليس بالضرورة أن يكون شيئًا سيئًا، التألم يعني الإدراك، والإدراك يعني أن تعرف كيف تتدخل، ربما في النهاية تكون ممتنًا لكل الآلام، لأنه بسببها فقط رأيت الخلل وأصلحته، لأنه بسبب الآلام وحدها عرفت كيف تُنقذ نفسك وتنجو.
في بعض الأوقات أفكر كيف مَن يخوض تجربة الحمل الأول والولادة أن يكرر بمحض إرادته هذه التجربة الشاقة؟ ثم أعترف أن الأيام تُنسي الألم، الأيام تمضي والألم يهدأ ويزول، أنظر في المرآة أرى خطًا في أسفل بطني يشير إلى مكان خرج منه طفل يبلغ عدة كيلوجرامات الآن! كيف حدث ذلك؟ مُستحيل، الأيام تهوّن كل شيء، ألم التجربة اختفى فعلًا واختفت آثاره، وآلام كل يوم تنتهي بنهاية اليوم وتبقى ابتسامة ابني الجميلة التي أراها صباحًا ومساءً، وكُل يوم.
وسلام.
لقراءة «آداب الحديث عن نزيف القلب» اضغط هنا.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن