تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
.. لكن عليك المحاولة

.. لكن عليك المحاولة

خواطر عن الفن المعاصر من وحي «نوبة أخرى من الأحلام»

كتابة: إسماعيل فايد 7 دقيقة قراءة

يتصادف مرور عشرين عامًا على إنشاء مدرار كمساحة فنية مع مرور عشرين عامًا على تأسيس مركز الصورة المعاصرة في العام السابق 2004- 2024. ويأتي مرور عقدين من الزمن على تلك المساحات في ظل سياق سياسي واقتصادي واجتماعي شديد السوء. فهذا المشهد برمته الذي بزغ إلى الوجود في أواخر التسعينيات وأوائل الألفينيات صعد نتيجة حاجة ملحة إلى خلق مساحات بديلة عن المساحات التقليدية (قصر الفنون، أتيليه القاهرة، جاليرهات الزمالك،…إلخ) والتي كانت جميعها في حالة عداء صريح أو عدم استساغة لوسائط مختلفة مثل التصوير، أو جديدة مثل فن الفيديو، حيث أدرك مجموعة من الفنانين/ات والمنسقين والمشتغلين بالعمل الثقافي والفني أهمية خلق مساحات أخرى، تسمح بهامش تجريب حقيقي لا يلتزم بالشكل الكلاسيكي والأكاديمي للفنون البصرية، ولا يعتمد بشكل أساسي على إعادة تدوير أعمال الرواد كالأعمال الفنية الوحيدة التي تستحق الاقتناء/التقدير.

فالتجريب بالوسائط المتعددة أو التركيب في الفراغ أو فنون الصورة الفوتوغرافية المختلفة (سواء التصوير التناظري أو الرقمي أو الصور الاصطناعية) كلها أشكال من الفنون لم تستطع أن تخلق لنفسها مساحة داخل المساحات الرسمية أو التقليدية، وظلت حبيسة تجارب فردية تفتقر إلى شكل متسق ومستمر. ويظهر مع نهايات التسعينيات وبداية الألفينيات مجموعات مختلفة من الفنانين/ات لديهم شهية حقيقية للتجريب وتوسعة المدى الفني لوسائط جديدة أو مهمشة. ويمكن فهم ذلك بالطبع كجزء من تأثير العولمة وثورة الاتصالات التي أحدثها دخول الإنترنت مصر (وأقصد بذلك توافر الإنترنت لأفراد وليست المؤسسات فقط وهذا قد بدأ بالفعل في نهايات التسعينيات).

ورغم هيمنة الطبقات العليا والمتوسطة العليا كالطبقات التي لديها من الامتيازات والموارد التي تؤهلها أن تنخرط مع الممارسات الجديدة وبُنى الفن المعاصر الجديدة (من برامج دراسية، وإقامات فنية، ومساحات ومؤسسات فنية)، ظل هناك حضور للفنانين/ات من الدوائر الأوسع الذين انخرطوا في هذا المشهد كذلك.

ويمكننا أن نرى «مركز الصورة المعاصرة» و«مدرار» كجزء من هذه اللحظة والرغبة الحقيقية في التجريب واختبار وسائط نادرًا ما تحظى بدعم أو مساحة. ويصبح ما فعله «مدرار» خلال عشرين عامًا هو خلق بديل يديره ويعمل عليه مجموعة من الفنانين/ات الذين طرحوا أشكالًا من التنسيق الفني والبرمجة الفنية اتخذت من هذه الوسائط «الجديدة» أداة للتجريب وفتح سبل للتعامل مع الصورة من منظور محلي واستلهامًا لثقافة بصرية هي بنت سياقها بالأساس (على سبيل المثال مهرجان القاهرة للفيديو، معامل مدرار للواقع الافتراضي، وغيرها) مع البقاء على درجة من التواصل والتبادل مع مشاهد فنية دولية معنية بنفس الأسئلة والاهتمامات.

أتى برنامج مدرار للاحتفال بمرور 20 عامًا بدعوة المنسقة الفنية والفنانة مروة بن حليم من خلال حوار تشاركي مع فريق مدرار، رنيم الحداد، ومروة بن حليم، ومحمد علام، ومحمد يحيى، ومنى خليل، ويتلامس برنامج «مدرار» بالاحتفال بمرور عشرين عامًا1 على التأسيس مع لحظة يتساءل فيها الكثيرون عن حاضر ومستقبل هذا المشهد ومآلاته. بصعود أشكال من التنسيق الفني للفن المعاصر في مصر تقوم على الاحتكار، وعلى درجة من الوصول إلى مصادر وإمكانيات غير مسبوقة (مثل آرت ديجيب ومهرجان وسط القاهرة للفنون المعاصرة) وتصدير صورة المهرجان/الفاعلية على أنه الأكبر والأوحد والأول مع تجاهل تام لتاريخ طويل من الإسهامات التي قامت بها مؤسسات ومساحات فنية موجودة بالفعل، هنا يصبح موقف التساؤل ومراجعة الذات أمرًا ضروريًا.

فكيف يمكننا أن نفهم صعود مثل تلك النماذج بالتوازي مع حملات ممنهجة للتضييق الأمني على المساحات المستقلة وملاحقة العاملين فيها ومحاولات حثيثة لمنع سبل الدعم (قانون الجمعيات الأهلية لعام 2018 الذي أنهى اقتصادًا بديلًا بشكل تام) عنها، وفي الوقت نفسه منح تلك النماذج المستحدثة هذا الكم الهائل من الموارد والتمكين والقدرة على العمل وعلى استقبال الدعم المحلي والدولي؟

في تقديم مدرار للبرنامج والذي كتبته بن حليم، أقتبس الفقرة التالية:

«انطلق برنامج «نوبة أخرى من الأحلام» من التساؤل حول أسباب استدامة الممارسات الفنية في القاهرة على مدى العقدين الماضيين، وكيف تمكّنت مدرار من مواصلة مسيرتها الممتدة لعشرين عامًا كمساحة فنية أسسها ويديرها فنانون. تأمّل البرنامج أشكال الرعاية والمثابرة التي أبقت الأمور متماسكة، رغم الضغوط الاجتماعية والسياسية والذهنية والعاطفية التي أحاطت بها. طرح البرنامج الحلم كمساءلة لمعنى الاستمرار، والشروط التي تجعل الممارسة الفنية ممكنة، مستدعيًا ما صمد عبر الزمن، وما تعثّر أو لم يكتمل، والعلاقات الهشّة التي ظلّت جزءًا من تاريخ مدرار، من خلال سؤال مفتوح: ما معنى أن نستمرّ في الحلم في القاهرة اليوم؟ وما الأشكال الممكنة للاستمرارية في السنوات القادمة؟».

فعندما طلب مني فريق مدرار تصميم ورشة ضمن برنامج «نوبة أخرى من الأحلام» تبادر إلى ذهني الشعور العام باليأس، من السياق العالمي الحالي، والسياق المحلي كذلك، فماذا يمكن الحديث عنه في هذه اللحظة؟ أو بالأحرى هل يمكننا مجابهة كل هذه التحديات بدعم أقل مما كان وبكل التحديات المستجدة؟ رغم كل هذا وجدت نفسي أقول «الحلم صعب ولكن علينا المحاولة».

وجاءت الورشة وفوجئت بعدد المتقدمين (تقدم أكثر من مائة شخص) وفوجئت بحماس المتحدثين، وهم فنانون/ات وقيمين انخرطوا بشكل عميق وحقيقي مع هذا المشهد وتاريخه، والذين أقدموا بقدر كبير من التفاني على المشاركة والحديث والتواصل مع المشاركين/ات في أحاديث ونقاشات حاولت بشكل حقيقي استرجاع تاريخ هذا المشهد، لكن مع محاولة لاستشفاف المستقبل كذلك.

في هذا الملف بالتعاون مع «مدى مصر»، يحاول أربعة مشاركين/ات من الورشة فتح مسار من التفكير حول الفن المعاصر وحيواته في مصر، ويتساءلون بشكل جدي ونقدي عن هذا المشهد، وطرق التعاطي من موقع المنخرطين والمشاهدين، وكمحاولة جنينية لفتح النقاش لجمهور أوسع وخارج دوائر  المعتادة. 

يقدم كل من مروة وشيرين وفيلو وحسن رؤى مختلفة حول التعاطي مع الفن المعاصر من مواقع مختلفة، لكن في مسار مستمر للنقاش الذي دار في الورشة، بشكل يمد بعض تلك الأسئلة والتاريخ إلى اللحظة الحالية، في دعوة إلى القراء، للتفكير: إذا أردنا أن نحلم فعلينا المحاولة مرة أخرى.

                                                             ـــــــــــــــ

في نصها تكتب مروة السيد: أثار عنوان الورشة مجموعة من المشاعر المختلطة والأفكار المختلفة داخل عقلي: من عليه المحاولة؟

 ولماذا نحاول؟

 وفي أي اتجاه؟

ربما عليّ المحاولة مرة أخرى في حُلمي الشخصي عن الكتابة حول الممارسات الفنية وفهم بنية المشهد التي قد تساعد في تطوره، ودعم القادمين الجدد إليه. للمزيد اضغط هنا.

أما شيرين عبد ربه فقد دونت خواطرها عن معنى الفن في سياقه الزمني والمكاني: الفن أصبح أداة فاعلة وليس أداة مكتفية بالتعبير، بمعنى أن الأعمال الفنية المعاصرة أخذت على كاهلها أن تكون محركًا وموجهًا للفكر، ففي صلب كينونتها فعل مقاومة أو كشف عما هو مخفي، أو توجيه النظر إلى قضية ما، لا بهدف التعبير إنما بهدف أعمق وأكبر من ذلك، وهو تعديل نصاب الرؤية فيما يخص القضايا التي يناقشها الفن، ونستطيع القول بأن منزلة التعبير لم تعد في أوج قوتها. للمزيد اضغط هنا.

وقدم فيلو ألكسندر ثلاثة تمارين للحائرين لفهم أعمال الفنانين المعاصرين، بما إنه يعتبر نفسه شخصًا طالما افتتن بأنواع الفن المختلفة، وحاليًا يحاول الاشتباك مع الفن المعاصر، محاولًا تسلق الجدار الوهمي الذي بُنى حوله، جاعلًا إياه كأنه لنخبة ما، فقط لا غير .للمزيد اضغط هنا.

أما حسن عبد الهادي فكان مهتمًا بسؤال العلاقة بين التعليم الأكاديمي والممارسات الفنية المستقلة، فالنموذج الأكاديمي التقليدي، رغم ما يقدمه من معرفة منهجية، كثيرًا ما يعجز عن مواكبة التحولات السريعة في أشكال التعبير الفني وأساليبه. للمزيد اضغط هنا.

هوامش

1  جاءت ورشة «لكن عليك المحاولة»، التي برمجها وأعدّها إسماعيل فايد، ضمن برنامج نوبة أخرى من الأحلام/ It’s Not Easy to Dream وهو برنامج يحتفل بمرور 20 عامًا على تأسيس مدرار. صُمِّم البرنامج من خلال دعوة المنسقة الفنية والفنانة مروة بن حليم في حوار تشاركي مع فريق مدرار، وامتد على مدار شهر كامل، من 9 أكتوبر إلى 6 نوفمبر 2025، وتضمّن معرضًا جماعيًا، وعروض أفلام، وورشة عمل، ولقاءات أسبوعية. افتُتح البرنامج بمعرض يحمل الاسم نفسه.

ضمّ المعرض أعمالًا أُنتجت أو عُرضت في مدرار، سواء كانت أرشيفية أو أُعيد تقديمها لكل من: إسراء الفقي، أحمد الشاعر، أحمد بدري، أحمد نادر، أمير عبد الغني، آية السيد، إيمان إبراهيم، شيرين لطفي، ريم المغربي، عمرو الكفراوي وجان فرانسوا روبان، محمد إسماعيل، محمد عبد الكريم، مروان الجمل، مصطفى يوسف، وملك ياقوت. كما استعاد المعرض مجموعة أعمال من أرشيف مدرار.تي.في، وهي قناة على يوتيوب تُعنى بتوثيق وتسجيل الأحداث الفنية المعاصرة في مصر والعالم العربي، إلى جانب مكتبة أرشيفية مصغّرة لمطبوعات مدرار منذ عام 2007 وحتى 2025. 

شارك في تقديم الورشة وإدارة جلساتها، كل من مها مأمون، وأحمد رفعت، وإيمان إبراهيم، وتضمن البرنامج عروض من أرشيف مهرجان القاهرة للفيديو بعنوان «بين المرئي والمخفي» بجزأيه، من برمجة منة الشاذلي وحبيبة سلام، كما قُدّم عرض «عودة الأوركسترا القذرة»، من برمجة منة الشاذلي، والذي ضمّ أعمالًا أُنتجت ضمن ورش مدرار على مدار عشرين عامًا. وشكّلت «استراحة في منتصف الحلم» ثلاثة لقاءات للحوار المشترك مع الجمهور، وشارك في تقديمها كل من لما أحمد -شاعرة وكاتبة- وآلاء عبد الخالق -معالجة نفسية إكلينيكية- وفريق البرنامج.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

فرم الودان

رحلة ساحرة مع الصوت في ميكروباص

هاني درويش 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن