تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عم تبحث مصر في «كوب» الإمارات؟

عم تبحث مصر في «كوب» الإمارات؟

كتابة: محمد عز، ندى عرفات 13 دقيقة قراءة
السفير محمد نصر تصوير: وزارة الخارجية

حوار مع كبير مفاوضي مصر والقارة الإفريقية في مفاوضات المناخ

للعام الثاني على التوالي، تجتمع حكومات العالم لمناقشة اتفاقية الحد من تغير المناخ في دولة عربية، بعدما استضافت مصر القمة المناخية الأبرز عالميًا في مدينة شرم الشيخ العام الماضي.

هذه المرة، تستضيف الإمارات العربية المتحدة مؤتمر COP في نسخته الـ28، التي بدأت أمس وتستمر حتى 12 ديسمبر، بمشاركة حكومات العالم وآلاف الخبراء والصحفيين ونشطاء المناخ وأفراد المجتمعات المحلية وممثلي الشركات والمجموعات غير الحكومية، في محاولة لإيجاد حلول لإنقاذ الكوكب من تراكم انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي، والذي يتسبب في تغييرات واسعة بالمناخ العالمي، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر، وفيضانات، وعواصف، وأزمات جفاف.

على مدار عقود للمؤتمر السنوي، الذي يرأسه هذا العام رئيس إحدى أكبر شركات الوقود الأحفوري في الإمارات والعالم، لم تسفر عن الانخفاض الضروري في انبعاثات الغازات الدفيئة، أو تقديم الدعم الكافي للانتقال إلى الطاقة المتجددة، أو حماية الأشخاص الأكثر تضررًا من الكوارث المناخية المتزايدة، وفقًا لتقديرات منظمات عالمية. ما يطرح أسئلة عن نوع التقدم الذي يمكن أن يحرزه المؤتمر، وفي أي الاتجاهات، بالإضافة إلى أسئلة عن مدى استفادة مصر منه في فترة حرجة للاقتصاد المصري وقطاعاته المختلفة خاصة المتعلقة بالطاقة، والاختلاف بين أجندة مصر كرئيس سابق للكوب، والإمارات حاليًا.

طرحنا هذه الأسئلة على السفير محمد نصر، لنتعرف على الوضع الحالي للمفاوضات، ومساهمات مصر التي ترأست المؤتمر السابق، ومساعيها في تحقيق أقصى استفادة لها ولحلفائها خلال القمة المقبلة.

مدى مصر: ما الذي تتوقع التركيز عليه خلال «كوب 28»؟

محمد نصر: الإمارات ستركز على الانتقال في الطاقة، لأنها تعول اقتصاديًا بشكل كبير على الطاقة الأحفورية، وتعمل حاليًا على الانتقال للطاقة المتجددة، ولديها تصور ونموذج واضح عن عملية الانتقال في الطاقة، وبناءً على هذا النموذج ستبحث كيفية نقله إلى دول أخرى.

م.م: ما الاختلاف بين أجندة مصر في إدارة «كوب 27» وأجندة الإمارات في «كوب 28»؟ وكيف تتعاون مصر مع الإمارات في سبيل تحقيق أهدافها؟

م.ن: لا يوجد اختلاف في الأهداف بين الرئاسة المصرية والإماراتية أو أي رئاسة أخرى للكوب، لكن هناك اختلاف في الأولويات. الهدف الأساسي لرئاسة مؤتمر المناخ هو إنجاحه، بغض النظر عن أي أهداف أخرى، ونجاحه يعتمد على تحقيقه نتائج متوازنة، وأن تخرج الدول جميعها راضية بهذه النتائج، خاصة أن الخروج بأي قرار لا يتم إلا بعد موافقة جماعية، ما يعني أن كل دولة، مهما كانت صغيرة، لديها القدرة على وقف أي مشروع قرار، لذلك ضمان رضا جميع الدول بمخرجات المؤتمر هو السبيل الوحيد لنجاحه.

بشكل عام، مؤتمرات المناخ هي عملية تراكمية تُبنى على ما قبلها، فمثلًا المفاوضات المناخية ومؤتمرات كوب منذ عام 2015 تدور حول تحقيق أهداف «اتفاقية باريس» لأنها كانت «اتفاق إطاري» أو أهداف استراتيجية طويلة الأمد. 

لذلك كرئاسة مصرية، بعد أن انتهينا من «كوب 27» الذي نرى أنه خرج بنتائج جيدة جدًا، عملنا على تفعيل هذه المخرجات لحين تسليم رئاسة المؤتمر للإمارات، لتتمكن بدورها من البناء على ما حققناه في شرم الشيخ. 

رغم ذلك، قد يتغير أحيانًا إطار المؤتمر وتؤسس الدول المضيفة إطارًا جديدًا. الإمارات لديها هذه الفرصة، ومن الممكن أن تضع مؤتمر المناخ هذا العام في إطار ما يُعرف بـ«الحصر الجامع»* «Global Stocktake»، الذي ستتم مناقشته هذا العام للمرة الأولى، لتقييم حجم الإنجاز الذي نفذته الدول في تحقيق المساهمات المحددة وطنيًا «NDCs» لخفض الانبعاثات، وبناءً على هذا الحصر تعيد الدول تقديم مساهماتها الوطنية بخطط جديدة.  

م.م: هناك تقارير مهمة تشير إلى أن الإنجاز على أرض الواقع أقل بكثير من المفترض لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات بحلول 2030، كجزء من مخطط وقف ارتفاع درجة الحرارة بما لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية في 2100 بحسب اتفاقية باريس، بما في ذلك حجم التمويل الدولي ومعدل الانبعاثات. هذه المخالفات لها أشكال مختلفة، أهمها زيادة كمية الوقود الأحفوري بأكثر من ضعف الإنتاج المتفق عليه. كان أحد هذه التقارير أشار إلى أن خطط الحكومات الحالية في إنتاج الوقود الأحفوري سترتفع 110% بحلول 2030 عمّا كان يفترض إنتاجه، وتزيد 45% على الإنتاج اللازم لإبقاء زيادة درجة الحرارة في حدود درجتين مئويتين. ما أهمية مؤتمرات المناخ إذًا؟

م.ن: كل الأهداف تحتاج إلى وقت لتنفيذها على أرض الواقع، لأنها تُبنى على أساس خطة معينة لها مراحل متعددة، والالتزام بالجدول الزمنى المخطط لهذه المرحلة لا يحدث أبدًا وفقًا للخطة، لذلك، لا يمكن أن ننفي أننا بعيدون عن الأهداف التي وضعناها، لكن يجب أن نفهم سبب ذلك. 

بالإضافة إلى صعوبة تنفيذ هذه الخطط على أرض الواقع، النظام العالمي الحالي، للأسف، يترك المساحة لجميع الدول للتحرك بحرية، لذلك لن تتوقف الدول عن الاستفادة من ثغرات هذا النظام، على الأقل نظريًا، إلا عندما تحدث أزمة عالمية بيئية تُجبر الجميع على انتهاج مسار مختلف. 

إذا نظرنا إلى جائحة كورونا على سبيل المثال، سنجد أن منظمة الصحة العالمية حذرت مرارًا من أوبئة عالمية قد تنتشر بسرعة، وطالبت الجميع بالتجهيز المسبق لتجنبها. لم يتحرك أحد إلا بعد انتشار الوباء، وحتى بعد تحرك العالم، هدأ مجددًا بسبب انشغاله بأمور أخرى، ورغم عدم مرور سنوات كثيرة على الوباء الأول، يعتبر العالم اليوم غير مستعد بشكل مثالي لاستقبال جائحة مشابهة. 

الأمر نفسه يحدث في التقارير المناخية. الشكل العام يشير إلى أن العالم يسير في الطريق الصحيح، لكن ليس بالوتيرة أو الحجم المتوقع. الهدف الأساسي هو الحد من ارتفاع درجة الحرارة أكثر من 1.5 درجة مئوية. لكن هل هذا الهدف واقعي؟ من الممكن أن يصبح هدفًا واقعيًا إذا قرر العالم صباح الغد قطع جميع الانبعاثات، لكن في الوقت الحالي وفقًا لكل المعطيات، هو هدف صعب. درجات الحرارة ارتفعت بالفعل بنحو 1.2 درجة مئوية، وإذا قرر العالم كله وقف جميع مصادر انبعاثات الغازات الدفيئة، لن تتوقف درجة الحرارة عن الارتفاع لأن الغازات التي ترفع درجة حرارة الكوكب تراكمت بالفعل في الغلاف الجوي نتيجة مئات السنوات من الانبعاثات.

لذلك نسأل هل هذا هدف واقعي؟ العلماء يقولون إن المسار الواقعي هو أن تزيد معدلات ارتفاع درجات الحرارة وتتخطى هدف الـ1.5 درجة مئوية، ثم تعود لتنخفض نظرًا لقدرة الطبيعة على امتصاص الكربون من الجو بحلول عام 2100. 

المشكلة في الحديث عن التغير المناخي هي الضغط الشعبي والعلمي والسياسي، فالسياسيون يضعون أرقامًا وأهدافًا لا يستطيع العلم تحقيقها واقعيًا، وهو ما يعني، بحلول الوقت، عدم قدرة الدول على الالتزام بهذه الأرقام غير الواقعية، وتكون النتيجة زيادة الضغط على السياسيين لتنفيذ هذه الالتزامات في أسرع وقت دون النظر إلى ما قد يحمله ذلك من عواقب. 

بدلًا من ذلك، أعتقد أننا يجب أن نُدرك قدراتنا كدول، ولتكن س. نستطيع بعد ذلك تحقيق س+1 أو س+10، بشرط توفير الدعم المادي العالمي للتنفيذ، لذلك، أدعو دائمًا إلى فهم أن تغير المناخ ليس موضوعًا بيئيًا، وإنما موضوع تنموي/ سياسي/ تنافسي/ تجاري/ على عكس مؤتمرات التنوع البيولوجي، التي تحدث بالتوازي مع مؤتمرات المناخ، والذي يُمكن الوصول للاتفاق حول الحفاظ عليه دون إنفاق تريليونات الدولارات. يجب أن نفهم أن التغير المناخي هو أمر بالغ الصعوبة، وتحقيق أي تقدم فيه يحتاج إلى وقت كبير، والعالم يحاول بالفعل تسريع هذه العملية.

نستطيع وضع المزيد من الأهداف كل يوم، لكن هل لدينا الدعم الكافي لتحقيقها؟ نحتاج بالفعل إلى أربعة تريليونات دولار لتحقيق الحياد الكربوني، كم من هذا المبلغ موجود بالفعل؟ بضعة ملايين الدولارات.

هذه ليست الفجوة الوحيدة، توجد فجوة أخرى تتعلق بقدرة أغلب الدول على تحقيق هذه الأهداف، فالتقدم في عملية الحد من الانبعاثات يتركز في ثلاث مناطق: الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ماذا عن باقي الدول؟ ليس لديها ما يكفي من التمويل أو ما تحتاجه من التكنولوجيا، ومع استمرار اتساع هذه الفجوة، ستتسع أيضًا سياسات عدم المساواة بين الدول والمجتمعات، ويمتد تأثيرها بشكل كبير.

الاتحاد الأوروبي، مثلًا، يضع قيودًا على الانبعاثات الكربونية في وارداته لتحقيق أهدافه المناخية، دون النظر إلى التأثير الاقتصادي لهذه القيود على الدول النامية، لذلك أرى أن الدول المتقدمة تتبع منهجية قصيرة الأجل في اتخاذ قراراتها من أجل إرضاء الناخبين دون النظر إلى عواقب هذه السياسات التي لن تؤثر فقط على الاقتصاد في الدول النامية، بل أيضًا ستؤدي إلى فقدان ملايين الوظائف، وهو ما قد يمتد تأثيره إلى حدوث هجرات غير شرعية مثلًا، وبالتالي سيتطلب مزيدًا من الأموال.

هذه الآثار هي بالضبط ما فكرنا به في أثناء مؤتمر المناخ بشرم الشيخ، لضمان أن الانتقال يكون عادلًا ومستدامًا.

م.م: ماذا عن مصر وموقعها في المؤتمر بدبي؟

م.ن: تعتمد أجندة الإمارات على تحقيق الانتقال في الطاقة، ولديها مبادرات كبيرة ومتفائلة بدفع عجلة الاستثمار في الطاقة الجديدة، وهو ما وضع بذرته الفريق المصري في شرم الشيخ. بالطبع، مصر ستستفيد من أي مبادرات تخرج من الجانب السياسي في أثناء مؤتمر كوب 28، خاصة في ما يتعلق بالطاقة الجديدة والمتجددة لتحسين مزيج الطاقة في مصر، والنأي بها عن التأثر بالمتغيرات الاقتصادية العالمية، مثل أسعار الغاز والبترول، مثلما حدث في الشهور الأخيرة بمصر، وأدى إلى اتباع سياسة تخفيف الأحمال.

م.م: هل تنوي مصر البحث عن مصادر تمويل خلال الكوب لإعادة تنظيم قطاع الكهرباء؟

م.ن: لم ننتظر مؤتمر المناخ للبحث عن تمويلات جديدة، فالوزارات والجهات الحكومية تعلن عن مشاريعها بشكل دوري وتبحث عن تمويل في وقته دون الانتظار لعقد مؤتمر مناخ. يجب أن نوضح أن مؤتمر المناخ ليس مكانًا للحصول على تمويل لمشروعات، لكنه فرصة نتعرف من خلالها على التوجه العالمي، ثم نعود ونبني ونعدل خططنا لتناسب هذا التوجه وبما يناسب ظروفنا.

مثلًا، إذا كان التوجه العالمي صوب السيارات الكهربائية أو الطاقة المتجددة، تعود كل دولة وتبدأ في تغيير خطتها لتناسب هذا التوجه، كل حسب إمكانياته التي تحدد الوقت اللازم لإتمام التحول، وهو ما يفتح الباب للحصول على تمويلات خارجية تناسب الجزئين: الخطط الوطنية والتوجه العالمي. 

هنا تبرز الفروقات بين الدول وبعضها في إدراك التوجه العالمي والعمل محليًا للاستفادة من هذا التوجه، للأسف وضع 90% من الدول النامية غير قادر على الموازنة بين الجهتين، أما النسبة الباقية، 10% من الدول النامية، تنجح بالفعل في الحصول على التمويلات الخارجية بعد توفيق الخطط الداخلية مع التوجهات العالمية. 

هناك نوعان رئيسيان من التمويلات: تمويلات تبحث عن مشروعات، ومشروعات تبحث عن تمويلات. بعض الدول النامية تستخدم التمويلات الجاهزة لخدمة أجندتها التنموية، فتبحث عن التمويلات الموجودة وتخلق مشروعات جديدة أو تُعدل أخرى لتصبح لديها فُرص أكبر لجذب تلك التمويلات.

م.م: هناك انتقادات لخطط مصر لخفض الانبعاثات التي تتضمنها المساهمات الوطنية المحددة، لاشتراطها الحصول على تمويلات بمليارات الدولارات لتحقيق تلك الأهداف. لماذا تعتمد مصر كليًا على التمويل الخارجي؟

م.ن: هذا ليس حال مصر فقط، وإنما أغلب الدول النامية، التي تربط تحقيق أي أهداف بالتعاون الدولي والحصول على دعم. الدول النامية تتكفل ذاتيًا بالفعل لمواجهة تغيرات المناخ والتأقلم معها، وهو ما لا ينظر إليه العالم. 

مثلًا قد يأتي تمويل دولي لمواجهة ارتفاع منسوب سطح البحر، لكن في مصر، هذا التأثير يتجاوز ارتفاع منسوب المياه فقط، ويمتد إلى زيادة تملح التربة، والمياه الجوفية، أو إنفاق المزيد من التمويل لزيادة عمق الآبار، واستصلاح الأراضي الصحراوية بعد بوار الأراضي القديمة. كل ذلك تتكبده مصر ولا تحصل على مقابل، رغم أنها لم تسبب هذا الضرر، وإنما سببته الدول التي تطلق الانبعاثات منذ قرن أو أكثر.

الأمر نفسه يتكرر مثلًا في السيول المفاجئة بمناطق مثل العين السخنة والتجمع الخامس. هذه السيول تضر البنية التحتية والطرق، وتضطر مصر للتعامل مع تلك الآثار منفردة، لإعادة إصلاح الطرق مثلًا، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه السيول جديدة على مصر ولم تواجهها مسبقًا في هذه المناطق، لذلك لم يكن من الممكن مراعاتها في التصميم، أو قد تزيد كمية المطر على المتوسط التاريخي، ما يفوق قدرة استيعاب الطرق.

يتكرر ذلك في جميع الدول النامية تقريبًا، حتى الدول الثرية نسبيًا مثل السعودية التي تعاني من السيول، وجنوب إفريقيا التي تواجه أعاصير، وباكستان التي عصفت بها الفيضانات. 

لا يساهم المجتمع الدولي في مساعدة هذه الدول، وإن ساعد، تكون مساعداته في هيئة قروض. ليس هذا فقط، بل تدفع الحكومات العالمية دولًا مثل باكستان للتخلي عن التنمية الداخلية لبلادها من أجل الالتزام بمستهدفات الانبعاثات أو محاولة إضفاء طابع أخضر عليها، بما يعني تحميلها المزيد من الأموال دون أي دعم خارجي.

على الناحية الأخرى، دول مثل الولايات المتحدة من أكبر المناطق التي تعاني من آثار تغير المناخ، لكن لديها القدرة والمرونة على التعامل مع هذه التغيرات. الدول النامية كانت بالكاد تتحسس طريقها للتنمية والتعليم والصحة وتعاني من آثار لا ذنب لها فيها، مقابل دول حققت التنمية بالفعل وتبحث عن الرفاهية لشعوبها.

م.م: كيف تدرس مصر الآثار المستقبلية عليها نتيجة تغيرات المناخ؟

م.ن: مصر لديها ثلاث شبكات منفصلة مما يُعرف بأنظمة الإنذار المبكر، لكن هذه الأنظمة لا تستطيع إلا توفير بيانات وتوقعات عن الطقس في الفترة القصيرة القادمة بناء على تغيرات جوية، آخذة في الاعتبار الحسابات التاريخية للطقس.

ما يعنيه ذلك أن هذه الأنظمة لا تستطيع التعامل مع التغيرات غير المتوقعة، التي تنتج بالأساس من التغيرات المناخية العالمية، ولا يستطيع أحد التنبؤ بها بشكل حقيقي. حتى التقارير العالمية ترصد فقط سيناريوهات متوقعة لتغيرات مناخية وطقسية بناءً على معلومات متعددة. وحتى تلك السيناريوهات تختلف من عامٍ لآخر ويُعاد كتابتها دوريًا بسبب التغيرات المفاجئة والعوامل التي لم يُنظر إليها في تقارير سابقة.

م.م: كيف تخطط مصر، داخليًا، لإدارة آثار تغيرات المناخ؟

م.ن: تعتمد الدول، بما فيها مصر، على عدة حسابات تقديرية مختلفة لقياس مكاسب ومخاطر القرارات. إحدى تلك الطُرق هي مفهوم حسابي يُعرف بـ«منحنى التخفيض»، الذي كتبت شركة ماكينزي العالمية تقريرًا عنه للحكومة المصرية قبل أكثر من عشر سنوات، لتُخرج ما يعرف بمنحنى تخفيض الكربون. يتضمن ذلك العائد من سياسات مختلفة مقارنة بالتكلفة. قد تكون سياسة معينة لديها أثر يتجاوز تكلفتها أو أثر أقل من تكلفتها.

تساعد هذه الحسابات صانع القرار على اتخاذ القرارات الأفضل اقتصاديًا والأكثر تأثيرًا على تغيرات المناخ في حدود القدرات المالية المتاحة، أو البحث عن تمويل خارجي.

مثلًا في قطاع الزراعة، يُمكن الاقتداء بدول أخرى ترسل للفلاحين إشعارات حال توقع تغيرات مناخية لإرشادهم للتعامل معها. هذه تعتبر سياسة بسيطة التكلفة وعائدًا كبيرًا يحمي المزارعين من ضياع محاصيلهم. بالطبع، هناك حلول أخرى مثل التخلي عن زراعات معينة واستبدالها بأخرى، لكن، يحتاج ذلك إلى دراسة آثاره الاقتصادية والاجتماعية على الدولة والمزارعين، وحتى المواطنين الذين يضطرون إلى تغيير نظامهم الغذائي، في سلسلة طويلة من القرارات بعوائد مختلفة، آخرها مثلًا التخلي عن تربية الحيوانات والاتجاه للحوم المُصنعة معمليًا.

من وجهة نظري، المشروعات الصغيرة تعتبر أحد أهم المحاور التي يجب البدء منها كخطوة لتغييرات صغيرة نحو تحول كبير. 

م.م: أحد التوجهات التي ظهرت العام الماضي في شرم الشيخ كانت الهيدروجين الأخضر. كيف استفادت مصر من ذلك؟

م.ن: ما زال الهيدروجين الأخضر أحد التوجهات الاستراتيجية المصرية. وقعت مصر مذكرات تفاهم عديدة مع جهات مختلفة، لكن، حتى الآن، ما زال الجزء الأغلب من تلك المذكرات لم يُفعل. المشكلة الأساسية التي تواجهنا هي نقل الهيدروجين الأخضر، لأنه الغاز الأقل وزنًا، والأكثر قابلية للاشتعال، ما يعني أن نقله يعتبر مخاطرة كبيرة. الحل المعروض حتى الآن هو تحويله لأمونيا خضراء ونقله في هذه الصورة. 

وهنا تكمن أهمية دراسات الجدوى، فالمستثمر قد يقرر إنشاء مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر. من يشتريه منه بعد ذلك؟ بالفعل قد يكون الهيدروجين الأخضر وقود المستقبل، لكن، حتى الآن، لا يوجد مستثمرون جاهزون في المستقبل لشرائه. 

على الجانب الآخر، لدى بعض الدول فائض مالي جيد يُمكّن الحكومات من المخاطرة بنفسها كجزء من توجه طويل المدى، بمعنى أن تبدأ الحكومات في دعم الهيدروجين الأخضر لضمان حضور قوي لها في السوق وقت نموه في مستقبلًا.

م.م: تعهدات مصر الوطنية لم تشمل إلا رفع مساهمة الطاقة الجديدة في مزيج الطاقة، كيف ترى ذلك؟

م.ن: التعهدات الوطنية تختلف عن الخطط الوطنية. من الممكن أن يُقدم أي صانع قرار خطة لتخفيض الفقر بنسبة 50% خلال يومين للاستهلاك الداخلي. لكن، التعهدات الوطنية التي تُرسل لمؤتمر المناخ يتبعها تقارير تؤخذ على مصر، وتُناقش فيه. الالتزام على المستوى الدولي يختلف عن التعهدات الوطنية الداخلية. 

م.م: اتبعت مصر مؤخرًا منهجًا للتوسع في بيع شهادات الكربون من المشروعات المصرية الخضراء التي تساهم في تخفيض الانبعاثات، للشركات العالمية مثل مشروع الطاقة الشمسية ببنبان. هذه الشركات التي تشتري شهادات الكربون تستخدمها لتبدو كأنها ساهمت في تمويل هذه المشروعات، وبالتالي في المعادلة بين الانبعاثات التي تطلقها مشاريعها والانبعاثات التي ساهمت في خفضها عالميًا، وهو الأمر الذي يواجه حاليًا العديد من الانتقادات. كيف ترى ذلك؟

م.ن: مصر ليست لاعبًا جديدًا في سوق أرصدة الكربون، فهي موجودة بالفعل منذ «بروتوكول كيوتو» في 2005، وكنا ثاني دولة إفريقية تبيع أرصدة الكربون عن طريق الشركات الخاصة. ما يحدث الآن هو ضرورة. بعض المجالات ليست جاذبة للاستثمار، أو لا تتنافس بالقدر الكافي مع مثيلاتها في دول متقدمة أخرى، لذا أنت مُجبر على توفير دعم مادي عن طريق السماح ببيع أرصدة الكربون لمساعدة المستثمرين. بخلاف أرصدة الكربون المبنية على الطبيعة، مثل الغابات أو المحيطات، فإن الخلاف العالمي ليس ما إذا كانت أرصدة الكربون جيدة أم لا، وإنما عن كيفية التعامل معها.

* «الحصر الجامع» هو تقييم شامل على مستوى العالم، من المقرر -بناءً على اتفاقية باريس- مناقشته هذا العام، لقياس مدى نجاح أو فشل الحكومات في التقدم نحو تحقيق أهداف اتفاقية باريس، وبالتالي، من المُنتظر أن تتخذ الحكومات، في أثناء مؤتمر المناخ الحالي، قرارات لتسريع تحقيق الأهداف في جولتهم القادمة من خطط العمل المناخي المقررة عام 2025. 

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن