علامات الساعة.. عن الجوع الكافر في غزة
تتوالد منذ أكتوبر 2023 دلالات جديدة لكلام الغزيين، نتأمل ونستلهم منها عمقًا ودلالة حين نسمعها منهم أو عنهم، وكأنها علامات كاشفة عن وحشية الوضع الذي تصنعه آلة القتل الإسرائيلية، هي «علامات الساعة»، التي رصدها سابقًا محمود الشرقاوي المُرابط في مدينة غزة. حين استكملنا هذا العلامات، تمكّن الجوع من الغزيين الذين بحثوا عن طرق لإقامة الأود وسد الرمق، ومثلهم الشرقاوي وأسرته، لذا سيطر الجوع الكافر على هذه العلامات في ظل المجاعة المُستشرية في القطاع، مع منع دخول المساعدات وإحكام حصاره.
في ما يلي تجدون علامات ولدت من الخطوب والكوارث التي يمر بها القطاع المُحاصر المُجوَّع المُحتَل المسفوك على حدودنا الشرقية.
الجوع: أصعب شعور كتابة هذه العلامات وأنت جوعان، فقدان تركيز غير عادي، وانعدام شغف.
الطابور: تجمع لأهل غزة المحاصرين الجائعين، تقف فيه مطأطئ الرأس، لساعات طويلة منتظرًا على باب التكية.
مُنظِّم الطابور: يسمّيه البعض الحارس أو رجل العصا، فهو يقف على باب التكية ممسكًا بعصا غليظة، وجهه عابس، يصرخ في الأطفال والنساء حتى ينتظمون في الطابور، لكن كيف ينتظم الجوعى؟ بل هل يمكن للجائع التحكم في جسده إن مال؟ ومَن الذي يمكنه أن ينظم أجساد المسنين ويمنعهم عن الانهيار مع الجوع والعطش.
التزريق: كلمة يستخدمها الناس في الطوابير لوصف إدخال أحد في الطابور على غير دوره، أي أن زرّق بمعنى أدخل.
طبق: يحمل جوعى الأوعية أو أي شيء يشبه الوعاء. كل شيء صالح لأن يحمل طعامًا ولا ينسكب على طابور التكية مثل الحِلل الألمنيوم، الطناجر الحديدية، أوعية الحلاوة الفارغة، جالونات المياه الفارغة التي قُصَّ رأسها، جرادل طلاء البيوت، حتى عبوات الطعام المُعلب، الكبيرة منها والصغيرة.
ختم: تحمل بعض النساء أوراقًا عليها ختم وهمي أو اسم راعي التكية، يُشهرنها كواسطة على أمل أخذ وجبة خارج الطابور.
الشباك: الوصول إلى شباك التكية يعني يومًا آخر من الحياة، وطاقة جديدة لصراع اليوم التالي. يتصارع الجوعى للوصول إلى الشباك، يستخدمون ما تبقى من طاقة في أجسادهم، وسيلًا من السباب على كل من أوقفهم هنا: الاحتلال، القيادة، الوسطاء، راعي التكية، المتبرع، وكل الأشخاص والظروف التي دفعتهم لصراع البقاء هذا.
الوجبة: لا أحد هنا يملك أفكارًا جديدة لطهو البطاطا، بل لا تُطبخ البطاطا في التكايا، فهم يختارون أردأ أنواع المواد، وأرخصها من تلك المتوفرة بالسوق لطهيها للنازحين. ولا يملك الجوعى حق الاعتراض، حيث تُقدم نفس الوجبة الرديئة كل يومين، إما عدس مسلوق أو فاصوليا بيضاء لا طعم لها أو مكرونة ناشفة بلونٍ شاحب.
الدمسة: أكلة لا يُعرف لها أصل، لكنها خليط من حبوب العدس والباذنجان، وهي واحدة من اختراعات الحرب.
الكُشري: الاسم العام لأي خليط بين أرز وعدس ومكرونة، وبالتأكيد لا يُشبه الكشري المصري.
انسمطت: تعني تعرضت للحرق، أو لُسعت اليد بمغرفة ساكب الطعام من الشباك.
المطبخ: يجهزه راعي التكية والعاملين معه، دون اهتمام، فلا طباخ ماهر في الداخل.
مقادير الطبخ: يقف الشيف غير الماهر على قدر العدس أو الفاصوليا أو المكرونة، يضيف الملح أو البهارات، يتذوق الطعام مرةً تلو الأخرى، يسكب الصحون لأقرانه وأصدقائه داخل التكية لجمع آرائهم. المتذوقون هنا كما الشيف، أصحاب ذوقٍ سيء، أحدهم يصيح: يا راجل زوّد شوية شطة، فيما يقول الآخر: حطّ عليها شوية حب هان (الحبهان) مطحون، وهو لا يعرف أصلاً أن العدس لا يُضاف له حب الهان أبدًا.
القِدر: وعاء كبير مصنوع من الألمنيوم والستانلس، يُستخدم لصنع الطعام، عادة ما يكون مُتسخًا ومحروقًا من الأسفل.
المغرفة: يستخدم الشيف مغرفةً خشبيةً مشروخة، تجدها على الأرض أو بيد ابن الشيف الصغير، ومراتٍ عديدة داخل القدر لتحريك الطعام، فلا إجراءات نظافة أو سلامة.
الحاج/ المعلم: يُطلق الناس على راعي التكية برغبةٍ منه لقب «الحاج»، علمًا بأنه لم يحج أو يعتمر، اللقب له علاقة بامتلاكه المال والنفوذ، فيما يتنازل بعضهم ويقبلون بلقب المعلم، وسواء نادوه بالحج أو المعلم، فهو يسعى لالتقاط صورة يرسلها للمتبرع، ليقنعه بإرسال المزيد من الأموال. أكلت أم لم تأكل، هذا أمر ثانوي. رضيت عن جودة الطعام أم لا، هذا لا يعنيه كثيرًا.
العقيقة: كانت تُقام في الأحواش القديمة التي تُفرش بالسجاد الأحمر، وتُجهّز صواني اللحم، حيث تتراصّ القِطع المشوية على أطراف الأرز، ثم توقف كل شيء، انطفأت المواقد، وصارت الأرض رمادًا، توقفت العقيقة، وبدأ زمن التكية، وفيه لم نعد نذبح، لأن لا أحد يُولد كما يجب في هذا الركام.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن