تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
 عشماوي آخر قادة النظام الخاص: من محاولة اغتيال عبد الناصر إلى الاتفاق مع السادات

 عشماوي آخر قادة النظام الخاص: من محاولة اغتيال عبد الناصر إلى الاتفاق مع السادات

الحلقة  التاسعة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»

كتابة: محمود الورداني 15 دقيقة قراءة

 بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.

برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.

في الحلقة الأولى تناولت مؤامرة شبرا، التي اتهم فيها شباب بالتخطيط لقتل الجناب الخديو عام 1912. وفي الثانية والثالثة اخترت  كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق. وفي الحلقة الرابعة والخامسة تناولت تجربة «الواحات»، منطلقًا من كتابين هما «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، وكتاب «الحياة الثقافية في سجن الواحات» لعلي الشوباشي. وبالموازاة اخترت للحلقتين السادسة والسابعة «مذكرات إنجي إفلاطون التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة «الواحات»، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به من الشهادات. وللحلقة الثامنة تناولت تجربة نادرة لم تتكرر، حين قام اثنان من السجناء بالهروب من معتقل الواحات. 

وهنا أتناول شهادة لأحد قادة الإخوان المسلمين، وهو علي عشماوي من خلال مذكراته، وربما تكمن أهميتها في أن عشماوي كان آخر قادة التنظيم الخاص وشارك سيد قطب وكان قريبًا منه.

تحفل تجربة علي عشماوي آخر قادة النظام الخاص في جماعة الإخوان المسلمين بأحداث درامية، وتختلط في وقائعها الملهاة بالمأساة، وتكشف عن الكثير من أسرار التجربة التي استمرت منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، حتى خروج الإخوان من السجون في منتصف سبعينيات القرن نفسه، بعد الاتفاق الرسمي الموّقع بين أعضاء الإخوان كافة، عضوًا وراء عضو داخل السجون، وأجهزة الأمن المكلفة من رئيس الدولة أنور السادات، وهو الأمر الذي اقتضى نقل مسجوني الإخوان ومعتقليهم من مختلف السجون وتجميعهم في سجن واحد.

caption

من جانب آخر، تثير الطبعة الأخيرة لمذكرات علي عشماوي الكثير والكثير جدًا من المشاكل، ليس من زاوية محتواها فقط، بل أيضًا من الفوضى والأخطاء المطبعية التي لا تكاد فقرة من فقرات الكتاب تخلو منها، فضلًا عن أخطاء التوضيب والتنسيق، والأهم غياب المحرر غيابًا تامًا، وترك القارئ يواجه مصيره ليفكك المعلومات والأفكار الواردة ويغربلها. ومن المثير للغضب وليس الدهشة فقط وحدها أن الكتاب -كما ذكر سعد الدين إبراهيم في تقديمه- ضمن مشروع بحثي أشمل بعنوان «الإصلاح الديني» يشرف عليه جمال البنا مؤلف عدد كبير من الكتب المتخصصة في التاريخ والفكر الإسلاميين في العصر الحديث، ومع ذلك من المؤكد أنه لم يلق نظرة واحدة على مذكرات عشماوي قبل النشر!

من جانب آخر، أود الإشارة إلى الأهمية الفائقة لأوراق علي عشماوي، آخر من تولى مسؤولية النظام الخاص في الجماعة، وهو تنظيم مواز للجماعة، وأعضاؤه يتم عزلهم وتدريبهم وتوليهم المهام الخطيرة مثل الاغتيال والتفجير وعمليات الإرهاب المختلفة، مثل إلقاء القنابل أو تفجير الألغام.. إلخ، كما أنه أحد أفراد الطاقم الأساسي الذي عمل مع سيد قطب ورافقه في المرحلة الثانية من حياة الجماعة، بعد أن تدهورت العلاقة بين انقلاب يوليو 1952 والجماعة خصوصًا في أعقاب محاولة اغتيال جمال عبد الناصر.

وتم إحياء الجماعة في أوائل ستينيات القرن الماضي، فيما كان أغلب أعضائها يقبعون في السجون، وكان عشماوي أحد الصنّاع الرئيسيين للنظام الخاص الجديد، لتنظيم الإخوان بعد إحيائه، وحُكم عليه ضمن ستة بالإعدام عام 1965، بعد أن أرشد عن أكثر من مخزن سلاح، واعترف عليه كثير من زملائه بعد التعذيب طبعًا. نُفّذ الحكم في ثلاثة من زعماء حركة سيد قطب، من بينهم قطب، وتم العفو عن ثلاثة، من بينهم عشماوي، وهكذا أتيح له أيضًا أن يشارك بالدور الرئيسي في المفاوضات التي دارت عدة أشهر، وانتهت بتوقيع محضر رسمي، بحلّ الجماعة في مقابل الإفراج.. لكل ذلك فإن أهمية أوراق علي عشماوي أهمية فائقة حقًا.  

  *

المذكرات صدرت طبعتها الأولى -غير المتاحة، فقد نفدت منذ سنوات- عام 1993 عن «دار الهلال» بعد أن كانت مجلة «المصور» نشرت حلقاتها، وفي عام 2006 أعاد مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية طباعتها تحت عنوان «التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين». المركز تم حله بعد ثورة 25 يناير -إذا لم تخني الذاكرة- وكان يتمتع بنفوذ قوي ويملك وسائل ضغط من خلال مديره صاحب الجنسية الأمريكية، وأنفق ملايين الدولارات تحت مسميات مختلفة لكثير من المنتمين للتيارات الدينية (وغيرها من التيارات، وإن كان تركيزه الأساسي على تلك التيارات إبان صعودها المدوي خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة) مثل تأليف الكتب والأبحاث والتقارير ووحدات البحث والنشرات الدورية وحضور الندوات والمؤتمرات في كافة أرجاء المعمورة. وذكر الكثيرون أن سعد الدين إبراهيم صاحب المركز والأستاذ بالجامعة الأمريكية يعمل لحساب أجهزة استخباراتية، فضلًا عن أن مذكراته التي كان قد نشرها قبل سنوات وصدرت عن دار «ميريت»، فيها الكثير مما يمكن اعتباره فضائح لصاحبها. عمومًا هو رجل غامض وتاريخه لا يدعو للفخر.

ثم تبدأ مشاكل طباعة الكتاب وتوضيبه المثير للشك والفوضى. فمثلًا وبعد مقدمة قصيرة لإبراهيم بوصفه مدير المركز، يجد القارئ أكثر من مقدمة تحمل طابع التأملات والنظرة النقدية التي لا تخلو من إدانة لكثير من ممارسات ومواقف زملائه في الجماعة، ثم مقدمة الطبعة الثانية التي وقّعها علي عشماوي. يليها مقال أو تأملات تتضمن إدانة واضحة لجماعة الإخوان واتهام بالنفاق والرياء ومغازلة أمريكا ومنسوبة لعلي عشماوي. وكلها بلا تواريخ، ولا يعرف القارئ صلتها بمتن الكتاب. وفيها يكرر مثلًا وفي أكثر من موضع أن قيادة النظام الخاص كانت مخترقة من الأجهزة الغربية الاستعمارية وأن «جميع الأعمال الكبرى التي يتفاخر بها الإخوان في تاريخهم قد تم تفريغها من نتائجها. فمثلا حرب فلسطين التي يفخر بها الإخوان باستمرار، فإنهم لم يدخلوا فيها إلا معارك قليلة جدًا، ثم صدرت من الشيخ فرغلي -قائد العملية- الأوامر بعدم الدخول في معارك بحجة أن هناك مؤامرة لتصفية المجاهدين».

ويقول: «وكان شباب الإخوان في غاية التوتر والقلق، لعدم اشتراكهم في المعارك، لدرجة أنهم اجتمعوا وقرروا أن الشيخ فرغلي قد خان، وينبغي تصفيته، وفعلًا قرروا ذلك، لولا أن الخبر وصل إلى الشيخ فاجتمع بهم وشرح لهم الأمر، وأطلعهم على الأوامر، التي صدرت له من القاهرة وأسبابها».

ويضيف: «بدأت أراجع أعمال الإخوان والتي كانوا يعتبرونها أمجادًا لهم بعد معرفتي بعلاقات العمالة والتبعية من بعض قادة الإخوان للأجهزة الغربية الصهيونية التي أكدها لي المرحوم الأستاذ سيد قطب من أن عبد الرحمن السندي والدكتور محمد خميس وكيل الجماعة في عهد الأستاذ حسن الهضيبي» (الجملة لا تستقيم ويبدو أن هناك خطأَ مطبعيًا) لأنه يضيف «وأن أحد أصحاب المطابع الكبرى والذي كان أحد كبار الإخوان، وكان عميلًا للمخابرات الإنجليزية» لكن المعنى واضح طبعًا.

         *

المقدمة الأولى والمخصصة للطبعة الثانية وتتضمن إشارات لأحداث وقعت عام 2004، تشير إلى أنه لم يسلم من عداء الإخوان الضاري له حتى بعد الإفراج عن الجميع وحل الجماعة، فعندما سافر إلى قطر للعمل في « مؤسسة المسند» عام 1981، التقى بأحد الأخوة وهو الأخ سليمان الشناوي الذي دعاه للطعام في بيته ودس له السم ونُقل إلى المستشفى على وشك الموت لولا غسيل المعدة الذي أجري له.

حرصتُ أن أنقل كلام عشماوي بالنص، وبلا أي تأويل من جانبي، ومهما قيل عن الممارسات التي تعرّض لها عشماوي من زملائه خارج وداخل السجن، والشكوك واتهامه بالعمالة لأجهزة الأمن وغيرها من الممارسات التي أدت به إلى كراهية الجماعة وقطع كل صلة له بها، إلا أن ما ذكره هنا جاء بعد أن كانت كل الأمور انتهت، وإذا كان لم يذكر تاريخًا محددًا لمقدمته، إلا أنه ذكر وقائع أخرى، تفيد أنه كتب المقدمة بعد عام 2004، أي بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على حدوثها، ومن المستبعد أن يكون قد لجأ إلى الكذب أو الاتهامات المرسلة.

كما يؤكد أن تاريخ الإخوان مليء بالفتن والدسائس والانقسامات، من بينها مؤامرة تعيين حسن الهضيبي مرشدًا للإخوان وقد أتوا به من هامش الجماعة خلفا لحسن البنا بعد اغتياله. وفي عهده حدثت تجاوزات وخروقات مخيفة، من بينها حصاره -المرشد الجديد- بواسطة عشرين من أفراد النظام الخاص، ومطالبتهم باستقالته، وعندما حاول الخروج من باب جانبي قاموا بحمله عنوة وإعادته إلى الغرفة.

تأملات عشماوي ترد على خاطره دون ترتيب، وأطلق فيها العنان لخواطره وتجاربه بعد أن فصم كل ما بينه وبين الإخوان بسنوات طويلة. فهو يرى مثلًا أن الإخوان طوال الوقت كانت لهم علاقات وثيقة بالحكومة الأمريكية. ويرى أيضًا أنهم اعتادوا إطلاق الفتاوى المناسبة لإرضاء حكام الخليج، مما عزز نفوذهم وأتاح الفرصة لحصولهم على أموال لا تنتهي، وعلى سبيل المثال، فور تعيين عمر التلمساني مرشدًا انهالت عليه الأموال، وتم إهداؤه خمس سيارات لاستخدامه الشخصي، وكثيرًا ما كانت الحيرة تصيبه وهو يختار بينها في تنقلاته! كما يرى أن العمليات الإرهابية الكبرى مثل الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك أو تفجير قطارات لندن جعلت من الإسلام والمسلمين أمرًا مخيفًا في كل أنحاء العالم. كما يكشف عن وقائع عاصرها عن الأموال التي حصلت عليها الجماعة من جهات مختلفة.

وبوصفه أحد القريبين من سيد قطب، الأب الشرعي للإرهاب والقتل واعتزال المجتمع وتكفيره، يشير إلى القفزة الواسعة التي قفزها عندما قال إن« الحاكمية لله» وهو بهذا يلغي أي ولاء آخر لحكام الأرض. كذلك اعتبر أن الشعوب الإسلامية تعيش في جاهلية، وينبغي دعوتهم مرة أخرى للإسلام الذي يرى قطب أنه الإسلام الحقيقي.

وفي هذا السياق، يشير مثلًا إلى رفض قطب لصلاة الجمعة، فـ«لا جمعة بغير خلافة» والخلافة الإسلامية سقطت، ومن واجب المسلمين ألا يصلّوا الجمعة، إلا بعد عودة الخلافة. وبسبب إيمانه المطلق بنظرية المؤامرة كان يرى أن فريقًا من اليهود الإسبان الهاربين من محاكم التفتيش في إسبانيا بعد سقوط الأندلس «اعتنق الإسلام مع الإبقاء على ديانتهم اليهودية، وهؤلاء كان لهم تأثير على الحركة الإسلامية لهدم الإسلام، كما عملوا على السيطرة على المسيحية وتوجيهها لصالحهم بعد أن أحكموا سيطرتهم على الفكر المسيحي، استطاعوا أن يغيّروا فيه الكثير ليخدم مصالحهم، ثم استخدموا المسيحية لهدم الإسلام».

ويضيف أن هذا الاتجاه «بدأ بعمليات التبشير التي تمت في كثير من الأقطار الإسلامية النائية، ثم استبدل التبشير بالاستشراق، وكان الاستشراق مبنيًا على أساس هدم ومناوءة الفكر الإسلامي عن طريق بعض الغربيين الذين يكتبون عن الإسلام».

ومن الواضح طبعًا أن المؤامرات التي يذكرها قطب في رأسه وحده، وعمومًا فإن كلامه لا يمكن مناقشته لفرط تهافته، وليس هناك حروبًا تندلع وتستمر مئات السنين لمجرد الاختلاف الديني.

ومن بين تأملاته أيضًا، تفصيله لما أسماه «ولع الإخوان بجمع المعلومات والتجسس على الآخرين» فهم يفخرون دائمًا بأن لديهم جهاز مخابرات قوي « يتجسس» بتعبيره، على الأحزاب والهيئات والحكومات، وكل عضو يتجسس في موقعه سواء كان وظيفة أو عمل.. إلخ بما في ذلك الضباط ورجال الشرطة، كما يتجسسون على الشيوعيين والوفديين و تنظيم الضباط الأحرار، بل ووصل بهم الأمر إلى أن يتصوروا أنهم يسيطرون سيطرة تامة على ضباط الحركة، إلى الحد الذي جعل الهضيبي مرشد الإخوان يرفض من يختارهم عبد الناصر في حكومته عام 1954 كممثلين للإخوان، واختار آخرين رفضهم عبد الناصر، مما تسبب في الأزمة المعروفة.

 *

أما متن الكتاب الأصلي عن تجربة عشماوي في النظام الخاص، فقد بدأت عام 1951 وهو في الرابعة عشرة من عمره، صبي يافع ومهتم بأمور الوطن ويرغب في تحريره من الاحتلال الإنجليزي في مسقط رأسه في ميت غمر، وانضم لإحدى شُعب الإخوان، وشارك في المعسكرات، وتم اختياره مبكرًا عضوًا في النظام الخاص، وهو تنظيم داخل التنظيم وله قيادة من أربعة أفراد تساعدهم هيئة تأسيسية من 11 فردًا.

على أي حال، صدرت له الأوامر بالاشتراك مع آخرين في إقامة مشروع تجاري بالجيزة لحساب النظام الخاص، يعمل على أسس اقتصادية بحتة للإنفاق على النشاط، ويبيع الأدوات المنزلية والخردوات والراديو والساعات والدراجات، ويمتاز عن غيره بالبيع بالتقسيط المريح، وفي الوقت نفسه كان يقيم في شقة استأجرها باسمه في أول الهرم واستخدمها كمخزن للسلاح.

بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954 بدأت الضربات سريعًا، فتم مهاجمة الشقة واعتقال من فيها ومصادرة السلاح وتشميع مقر المشروع التجاري، لكن عشماوي تمكن من الفرار، وواصل نشاطه، وصدرت له الأوامر بالعودة إلى ميت غمر، حيث شارك في معسكر للتدريب على استخدام السلاح.

ومن المهم هنا أن أورد رأيه في حادث المنشية. يستبعد تمامًا ما يقول به الكثيرون إن الحادث دبّره عبد الناصر، كما يستبعد أنه كان تنفيذًا لخطة الجماعة في المواجهة، ويرى أنه تصرف فردي بادرت به منطقة إمبابة.

نعود إلى ميت غمر، حيث واصل عشماوي نشاطه وشكّل ثلاث مجموعات في ميت غمر وقرية أبو خالد وكوم النور..»، واعتبرتُ هذا نواة تنظيم جديد وإعادة الحياة للجماعة مرة أخرى. وكانت أهم المشاكل التي واجهت التنظيم ضرورة الحصول على موافقة شرعية من الحرس القديم القابع في سجن الواحات. لكن معركة طاحنة كانت تدور آنذاك بين تيارين داخل السجن، يرغب أحدهما في الاتصال بالحكومة وتصفية الخلاف وإخراج الإخوان من السجون، والثاني على العكس يرى أن الاتصال بالحكومة اعتراف بها، وهي التي قامت بسجنهم وتعذيبهم دون وجه حق. والمثير للدهشة أن المناقشات بين التيارين أدت إلى معركة حقيقية جُرح فيها عدد كبير، وكان في الفريقين بعض أعضاء مكتب الإرشاد! والأكثر إثارة للدهشة أن كل فريق ظل على موقفه حتى الإفراج عن أول دفعة عام 1958.

         *

واصل عشماوي جهوده في تجميع الإخوان على أسس جديدة هي التربية الإسلامية وليس الانتقام، وهو كلام فارغ ببساطة لأن هذه المجموعة استخدمت السلاح وزار هو شخصيا السعودية أثناء الحج وسلّم كشوفًا بما يحتاجه التنظيم من أسلحة واتفق على ترتيبات دخولها. وحتى لو كان وضع برامج دراسية وعبادية ورياضية لتربية التنظيم الجديد، فإن استخدام العنف ظل على قائمة اهتماماته الرئيسية.

كذلك التقى بزينب الغزالي، التي كانت موضع ثقة متفردة بالهضيبي -مرشد الإخوان- بناءً على ترتيبات سابقة. وفي اللقاء الأول بادرته بالقول إنها في إحدى الليالي، رأت الشيخ البنا في نومها، وأنه الذي طلب منها أن تعمل من خلال الإخوان، بعد أن كانت وفدية و«قدّم لها يده ووضع كفها بين كفيه ثم تلا البيعة وهي تردد خلفه حتى انتهت»! أما الأمر المهم بالنسبة لعشماوي، وهو الحصول على الشرعية من المرشد، فقد أخبرته أن الإخوة في «الواحات» أحالوا الأمر للمرشد، وهو لم يقرر بعد، وواصل هو اللقاء بمجموعات أخرى كان يجمعها هدف وحيد هو اغتيال عبد الناصر.

ومن بين الأحداث المهمة التي يذكرها بالتفصيل سفره للسعودية في موسم الحج، وتسليمه لأحد الإخوة كشفًا بما يحتاجه التنظيم من مختلف الأسلحة، وترتيب كيفية إدخالها عن طريق السودان.

ومن بينها أيضًا ترتيب الحاجة زينب الغزالي لاتصال بينه وبين سيد قطب، وبعد أن قرأ مع مجموعته رسالة أرسلها لهم قطب تتضمن تلخيصًا لأفكاره السابق الإشارة له، تحمست المجموعة لمداومة الاتصال به فقد كانوا حريصين على البحث عن قيادة معروفة شهيرة.

من هنا تحديدًا وجد سيد قطب طريقه لتنفيذ أفكاره وبرنامجه، من أجل تدبير مؤامرة محكمة لاغتيال عبد الناصر، ويعقبه انقلاب لنظام الحكم في ظل موجة من الأعمال التخريبية ومن بينها تفجير محطات الكهرباء والقناطر الخيرية. وتوثقت علاقة قطب بعشماوي وبات يعتمد عليه، وكان الوحيد المسموح له بالذهاب إلى قطب في منزله في أي وقت.

ومن بين ما يذكره عشماوي رأيه في عبد الناصر، وهو رأي يؤكد سيطرة نظرية المؤامرة عليه إلى حد الهوس. يرى قطب مثلًا أنه جرى تجنيد عبد الناصر لحساب اليهود أثناء حرب 1948 من خلال إيجال آلون ضابط الاتصال، أما محمد حسنين هيكل فالسبب في قربه من عبد الناصر أن المخابرات الأمريكية جندته في تلك الأثناء، والثورة كانت نتاج عمل مشترك بين الصهيونية وأمريكا!

هوس قطب الذي كان عشماوي حريصًا على ذكر تفاصيله يمتد إلى إيمانه بأن اليهود، ومنذ وقت مبكر في أواخر القرن التاسع عشر، خططوا للتأثير على مصر وتخريبها، فدبروا لهجرة الحاخام حاييم ناحوم إلى مصر من تركيا بعد انقلاب أتاتورك، وعمل على الفور على تنفيذ مؤامرة تخريب مصر عن طريق التركيز على المرأة، وساعد على إقامة جمعيات نسائية تدعو للسفور، إلى جانب «استجلاب الممثلين والممثلات الموارنة من لبنان ليقيموا قاعدة في هذا الاتجاه تعمل على هدم قواعد الإسلام وعلى إباحية المجتمع خطوة خطوة»، حسبما كتب...وكلام من هذا النوع يشير إلى أن هوس التيار القطبي في حركة الإخوان كان مروعًا بضحالته وقصر نظره وتمجيده للخرافات.

     *

وفي صيف 1965 أخبر قطب مساعديه أن أخبارًا مؤكدة وصلته من مكتب المشير (عبد الحكيم عامر قائد الجيش والرجل الثاني آنذاك)، وبدأ التنظيم في التحرك سريعًا من خلال التدريبات وإعداد المفرقعات والقنابل اليدوية والأسلحة، إلى جانب قيام أخوة لهم يعملون في هيئة الطاقة الذرية بإعداد عبوات ناسفة مستغلين ما في حوزتهم من أفران خاصة. وفي الوقت نفسه جاءت الأخبار من الأخ المقيم في السعودية، والذي كان عشماوي اتفق معه في زيارته السابقة على تجهيز شحنة السلاح، عن تولي قبائل البشارية نقلها إلى أسوان، وطلب الاستعداد لتسلم الشحنة وإرسال موافقة نهائية.

وعلى الفور توجه عشماوي إلى قطب في منزله، وفرح الأخير وابتهج وأخذ يعطيه بعض النصائح والتعليمات عن كيفية نقل السلاح وتخزينه. ومع ذلك ظهر خلاف مفاجئ داخل التنظيم حول حدود استخدام السلاح، وضرورة معرفة رأي الأعضاء قبل الموافقة على نقل السلاح. هنا وأمام اتساع الخلاف، سارع قطب بإنكار معرفته أو موافقته، وهو الأمر الذي أفقد عشماوي الثقة تمامًا في سيد قطب، ولم يكن يتصور مطلقًا أن يلجأ قطب للكذب والإنكار، وبدأ منذ هذه اللحظة يشعر بالندم والتورط، وفكّر جديًا في مغادرة التنظيم.

*

وعلى الرغم من كل ذلك إلا أن عجلة الإعداد للتنفيذ لم تتوقف. ومن بين ما  يشير إليه عشماوي أن هناك ضابطًا من الحرس الخاص لعبد الناصر كان عضوًا في الجماعة، وكان له دور أساسي في تنفيذ الاغتيال، وكان من الهدافين الذين لا يخطئون الرماية وهو إسماعيل الفيومي. كما يشير إلى إعداد كشوف الاغتيالات وتخزين المفرقعات والترتيبات اللازمة لتخريب المنشآت. ويشير كذلك إلى قيام ز وزير الداخلية آنذاك، كريا محيي الدين، بزيارة الهضيبي مرشد الإخوان في منزله وطلب منه السماح لشباب الإخوان بالانضمام للحزب الحكومي -وهو الاتحاد الاشتراكي- لمواجهة المد الشيوعي المنضم للحزب، لكن الهضيبي رفض.

على أي حال كانت أجهزة الأمن أسرع وبادرت بالقيام بحملة اعتقالات واسعة، وعندما أودع عشماوي في السجن الحربي، شاهد حفلات التعذيب المروعة، كما تم تعذيبه بقسوة بالتعليق والجلد والضرب حتى الغياب عن الوعي، وتتكرر حفلات التعذيب كلما أفاق منها الذي يتعرض للتعذيب. واعترف عشماوي في نهاية الأمر، ودلّهم على شقتين تستخدمان لتخزين السلاح، فضلًا عن اعتراف الكثيرين عليه بقيامه بتدريبهم.

       *

وفي النهاية صدر حكم بالإعدام على ستة من القادة من بينهم سيد قطب ونًفّذ الحكم بالفعل في ثلاثة، ثم صدر عفو رئاسي على الثلاثة الآخرين وكان من بينهم عشماوي.

الشهور التالية أمضاها عشماوي في بذل جهود مضنية لتنفيذ اتفاق تم بينه وبين فؤاد علام، أحد كبار المسؤولين الأمنيين، بضرورة الإفراج عن الإخوان المسلمين، بعد أن طالت فترات اعتقالهم، وطلبت الدولة في مقابل ذلك تعهدًا مكتوبًا من كل معتقل بالتوقف عن أي نشاط والاعتراف بالخطأ. لم يكن ذلك سهلًا، فقد اتهم عشماوي بالعمالة والخيانة وبيع زملائه، بل وتم مقاطعته من جانب البعض وتعرض للتهديد بالقتل، والأشد والأنكى أنهم أجبروا زوجته على زيارته في السجن بصحبة مأذون وتم طلاقها منه بالفعل.

وبعد شهور نجحت جهوده، ووافق الجميع على كتابة التعهد قبل أن يخرجوا من سجونهم.. ومضت نحوعشر سنوات قبل أن يعود النشاط مرة أخرى عندما بدأت بوادر ما أطلق عليه الصحوة الإسلامية.. لكن تلك قصة أخرى.    

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن