يوم الجمعة الماضي، أُطلقت أغنية على يوتيوب للموسيقي المصري رامي عصام. الأغنية، "عشان تاخدوه" أخرجها الفنان التشكيلي ورسام الجرافيتي الناجح "جنزير". تراك شبه پانك غاضب مليء بجمل الجيتار الكهربائي الأوڤردرايڤ والإيقاعات الصاخبة، جنبًا إلى جنب مع صوت رامي المعتاد بخصائصه الجنسية الواثقة مع لمسة إضافية من صرخات ميتال معذبة.
أصبح عصام مشهورًا خلال أيام الاعتصام الـ 18 في ميدان التحرير في 2011. لاحقًا واجه هجمة مرتدة ضده من آراء كثيرة ساخطة على فنه الذي رآه كثيرون يأخذ حجمًا أكبر مما يستحق ويستفيد فقط من الزخم حول كل ما هو ثوري في تلك الفترة. لم يعجبني ما غنّاه في الميدان كثيرًا لكن بدا لي منطقيًا أن التجريب الموسيقي المستمر في الميدان بالهتافات وما شابه لا بد وأن يتحول في النهاية إلى آداء ترفيهي منظم. شخصنة الفعل الثوري في صورة الفنان الفرد الشاب بهي الطلعة كانت أيضًا منطقية في سياق الطبيعة الرومانسية لتاريخ النضال الثوري والسياسي. ربما كنت غير مرتاح قليلًا للخلط بين دوافع شخصية أساسية كتلك (كاريزما وطموح رجل واحد) وصراع حقيقي من أجل البقاء يموت فيه الناس. لكن الناس دومًا سيحبون الحياة والجنس أكثر من الموت والرصاص المطاطي.
بعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣، الكثير من الأصوات "الثورية" شعرت بالتهديد والحصار سواء من المضايقات الحكومية الرسمية أو من جو التشكك العام. العديد من الفنّانين الذين تمتعوا بمساحة لفعل، تقريبًا، كل ما يريدون فعله عليهم الآن أن يتعاملوا مع الخفوت العام للجو الثوري. يريد الناس الاستقرار وتريد السلطات أن توحي بأن الاستقرار يحدث. عصام كان واحد من الذين أحسوا بالخطر، ربما رأى أن تاريخه من الأغاني التي تحتقر السلطات بشكل مباشر بلغة قوية قد يضعه في مكان مميز على قائمة الملاحقة. مُنح ما يسمى "إقامة آمنة" لمدة عامين من بلدية مالمو في السويد، وفقًا لصفحته على ويكيبيديا. من هناك استمر في صنع الأغاني بلغة أقوى وهجوم أكثر مباشرة على من يديرون الأمور في مصر والطريقة التي يديرون بها الأمور، ومن يشترك معهم في ذلك.
في الكليب السابق يسخر عصام من "عهد العـ*ص"، مرددًا، مع لقطات راقصة من كليب "بشرة خير" المؤيد للسيسي، (هيّصوا للعـ*ص). كان بوضوح يلوم جموعًا من المصريين اشتركت بوعي أو بدون في الحملة الدعائية العملاقة لتسويق عبد الفتاح السيسي كرئيس للجمهورية. التورط الشعبي في التحول المضاد للثورة بعد انفجارها بثلاثة أعوام أحبط وأصاب الكثير من مؤيدي الثورة بالاكتئاب. هناك نقاشات عدة مفتوحة الآن حول مستوى التواصل بين النشطاء والأغلبية، من يُلام وكيف يمكن تقييم اشتراك مواطن عادي في نشاط سياسي رجعي أخلاقيًا. لكن كليب "عهد العـ*ص" لم يكن مثيرًا للجدل بقدر "عشان تاخدوه".
بصراحة، لا أدري أين أبدأ. ربما العنوان، بتلميحه الجنسي الصريح. لا أدري على من تعود الـ"ـوه" في هذا العنوان. هل هم أي شخص غير عصام ومن اشترك معه في صنع الكليب؟ هل هم كل من اختلف مع عصام في الرأي؟ في الأغنية السابقة عندما غنّى عصام "ولبسنا العـ*ص" كان معنا في هذه المحنة كمصري، وكنا جميعًا "لبسنا العـ*ص". هل لم يعد عصام معنا؟ ما الذي لدى عصام وأصدقاءه وليس لدينا مما يجعلنا مجموعتين مختلفتين.
الفكرة الأساسية وراء الكلمات هي: طالما أن العدالة غائبة (اكتشاف متأخر للغاية) البندقية هي الحل (يا له من استنتاج!). الكلمات لـمصطفى إبراهيم، الشاعر الشاب اللامع الذي كان، وما زال، صوتًا مدمجًا في الجدلية الثورية، بأحلامها وتخبطها مثل معظمنا. كتب إبراهيم على صفحته بعد إطلاق الأغنية أنه لم يسمح لعصام باستخدام الكلمات، وأنه بالرغم من ذلك استخدمها ضد رغبته. هل رأى عصام أنه لا مشكلة في استخدام الكلمات بالرغم من رفض مصطفى؟ هل كان الأمر برمته سوء تفاهم؟ أم أن أناركية الموضوع أهم من حقوق الملكية وهذا الهراء.
بحلول يوم السبت، تمت إزالة الأغنية من على يوتيوب. ما زال يمكنك العثور عليها على يوتيوب بالرغم من ذلك، مرفوعة من حساب مختلف، لأن المفاجأة! أن هذا ما يحدث عندما تضع الأشياء على الانترنت! ستظل هناك للأبد!
حل البندقية
الكليب، هو رامي عصام بالأبيض والأسود بشعر طويل مجعد يلوّح بجيتار كهربائي، ممنتچ مع لقطات شهيرة من الثورة مزيّنة برسوم جنزير الغاضبة المهتزة. علامات البرق والانفجارات تنبثق من الجيتار ومن وجه عصام الغاضب، بالونات الكلام ملزوقة فوق وجوه المتظاهرين. هناك رسمة لبندقية يكرر جنزير وضعها في الكليب أكثر من مرة، محتفية ومحتفلة برسالة الأغنية والنداء المباشر الذي تُحرّض عليه.
إذا كان الميزان مقلوب
فيبقى العرض حقه الدم
ولو ما نفعشي حدف الطوب
فتبقى البندقية أهم
يا إما تشمروا الاكمام
عشان تاخدوه
يا إما توطوا على قدام
عشان تاخدوه
إذن، في بلدٍ تنتخب رئيسًا عسكريًا بعد ٣ سنوات من الاضطراب. في منطقة من العالم تغرق في نزاعات طائفية مسلحة. بعد شهور من البروباجاندا المؤيدة للنظام في التليفزيون وغسيل المخ والتخويف من الأجانب، فنّانان يعيشان خارج مصر (جنزير يعيش الآن في الولايات المتحدة) يصنعان ڤيديو يخبران الناس فيه أن الوسيلة الأفضل لاستعادة العدالة هى من خلال حمل السلاح. أو، الانحناء والتعرّض للاغتصاب. أنا غير قادر على رؤية الرمزية الفنّية أو التشبيه في رسالة مثل تلك. لا أظن أن هناك أي رمزية في هذا العمل.
ربما هذا العمل هو نتيجة طبيعية لعلاقة عاطفية ساذجة مع الثورة منذ بدأت. علاقة تم فيها ابتذال الهتافات والجمل الرنانة والقيم حتى فرغ كل شيء من معناه. القيَم الإنسانية التي أكسبت الثورة التعاطف تم تسويقها وتسليعها وتسطيحها حتى أصبح الناس يصنعون أغاني عن حمل السلاح بدون حتى التفكير فيما يعنيه ذلك. نعم، لأن "السلاح" هنا لا يعني بالضرورة "السلاح"؟ أليس كذلك؟ تمامًا مثلما لم تعد كلمة "شهيد" تعني شخص ما له حياة وعائلة واختيار بقدر ما تعني الملكية العامة لمعنى وفاة هذا الشخص.
لا بد في رأيي من دراسة هذا التسويق غير المفيد للقيم، جنبًا إلى جنب مع المحاولات الفاشلة للحصول على تعاطف الناس من خلال لومهم. الابتزاز العاطفي وتبادل الذنب الدائم يجب أن يوضع على نفس الطاولة مع الإخفاقات الثورية والفهم الضعيف للمحيط السياسي. المسئوليات الثورية نفسها ومكاسب وطموحات النشاط السياسي لا بد أن تُناقش حتى يمكن إقناع من لا يرون في الأمر سوى أسطورة نجاح وفشل، أن للأمر أبعاد أكبر وأن حدثًا بهذا الحجم يمتد ويؤثر على إطار زمني أكبر بكثير.
"عشان تاخدوه" إذن يفتح نقاشات هامة حول أسئلة مترددة بالفعل حول الخطاب الثوري وحول ما يُسمي نفسه بـ "الـفن الثوري". ماذا يعنيه هذا المسمى في المقام الأول؟ هل أنت فنّانًا ثوريًا إذا كنت على جانب المعارضة؟ هل يعني هذا أن بروباجندا الإخوان المسلمين فنًّا ثوريًا؟ هل شارة رابعة فنٌ ثوري؟ هل يمكن فقط اعتبار شارة رابعة فن ثوري إذا كان مصممها على علاقة جيدة بمؤسسات فنّية عالمية ويتحدث الإنجليزية بطلاقة؟
يبدو أن "الفن الثوري" لديه مشكلة طوال الوقت مع الرجعية والمحافظة. الفنان الثوري يريد دائمًا أن يدفع الحدود ويغير الأشياء. في "عشان تاخدوه" هناك بالونة كلام مكتوب فيها بخط اليد "ممكن تتغيروا لو سمحتوا؟"، أشعر بإهانة بالغة من الانفعال المكبوت في هذه الجملة. لا أحب أن تُقدم لي النصيحة من شخص زهقان إلى هذا الحد من كيف أنني أسوأ منه.
ما مدى نجاح هذا الڤيديو من هذه الزاوية؟ كم من هذا الڤيديو عن ما يحدث هنا في مصر؟ وكم منه عمّا يحدث في حيوات من صنعوه؟
تقارير ذات صلة
يأس وأمل بلا شفاء.. الثورة والمكتوب
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
المسارات المتعددة لرحلة مصطفى النجار
النجار خاض طريقًا طويلًا في العمل السياسي ربما سقط من الأذهان مع طول اختفائه
مسار العدالة البطيء: بعد أكثر من عقد.. اللجنة الإفريقية تطالب مصر بتعويض ضحايا «كشوف العذرية»
الاعتراف بكشوف العذرية جاء من اللواء عبد الفتاح السيسي عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 2011
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن