تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عبد الخالق فاروق يتذكر ذلك الصيف الملتهب:  في أيام زكي بدر وزمن مبارك.. «أبو زعبل» مرة ليست أخيرة

عبد الخالق فاروق يتذكر ذلك الصيف الملتهب:  في أيام زكي بدر وزمن مبارك.. «أبو زعبل» مرة ليست أخيرة

الحلقة الرابعة عشر من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار» 

كتابة: محمود الورداني 12 دقيقة قراءة

بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.

برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.

أود أن أؤكد أن التجارب التي توقفت عندها ليست كل التجارب بالطبع، وشهادات المعاصرين لتلك التجارب ليست هي كل الشهادات، لهذا كان لا بد من الاختيار، والحرص على أن يكون الاختيار ممثلًا للصورة العامة التي أسعى من أجل توضيحها والإحاطة بها. 

في الحلقة الأولى تناولت مؤامرة شبرا، التي اتهم فيها شباب بالتخطيط لقتل الجناب الخديو عام 1912. وفي الثانية والثالثة اخترت كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق. وفي الرابعة والخامسة تناولت تجربة «الواحات»، منطلقًا من كتابين هما «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، وكتاب «الحياة الثقافية في سجن الواحات» لعلي الشوباشي. وبالموازاة اخترت للحلقتين  السادسة والسابعة «مذكرات إنجي إفلاطون التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة «الواحات»، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به من الشهادات. وللحلقة الثامنة تناولت تجربة نادرة لم تتكرر، حين هرب اثنان من السجناء من معتقل الواحات. وفي الحلقة التاسعة تناولت شهادة لآخر قادة التنظيم الخاص للإخوان المسلمين. 

ومن الحلقة العاشرة انتقلت للسبعينيات، حين شهدت الحركة اليسارية نهوضًا واضحًا، وأعقبها بطبيعة الحال حملات اعتقال طالت العديد من المثقفين والأدباء والفنانين. وبدأت بكتاب «رسوم الزنزانة» لعز الدين نجيب، ثم في الحلقتين الحادية والثانية عشر، عدت لكتابي «الإمساك بالقمر»، الذي سجلت فيه تجربتي اعتقال جرتا في ثمانينيات القرن الماضي. وفي الحلقة الثالثة عشر تناولت تجربة «الجماعة الإسلامية» من خلال كتاب«الخروج من بوابات الجحيم» لماهر فرغلي.

وأخيرًا أتوقف هنا عند عام 1989 الذي شهد واحدة من تجارب الاعتقال الفاضحة لنظام حسني مبارك وسجّلها عبد الخالق فاروق في كتابه «أبو زعبل 1989».

هذه هي الحلقة الأخيرة في سلسلة طالت، في محاولة لرسم صورة بانورامية لعلاقة المصريين بالسجن. وحاولتْ قدر الإمكان أن تقدّم موقف أغلب التيارات السياسية، والعلاقة بينها وبين السجن منذ مطلع القرن الماضي، في قضية مزعومة تم فيها اتهام صبي بمحاولة اغتيال أعلى سلطة فى البلاد، وليس انتهاءً بما جرى في صيف 1989 في «أبو زعبل».

بطبيعة الحال ملف «المصريون والسجن» لم يغلق بعد صيف 1989 الدامي، ولن يغلق، وأتمنى أن يواصل كُتّاب وباحثون غيري فتح الملف والتنقيب في تفاصيله، فهو ليس ملف السجن وحده، بل ملف الحرية والعدل وحقوق الإنسان وحق التنظيم المستقل، وهو أيضًا ملف التيارات السياسية والفكرية، والحوار أو الصراع بين السلطة الحاكمة ومختلف القوى السياسية، وبلا شك فإن السجن في مصر أحد تجليات تلك العلاقة بين الجانبين، ومظهر من مظاهر الصراع المحتدم والذي لم يتوقف.

ـــــ

على أي حال، كان صيف 1989 ملتهبًا على غير العادة، ولم يكن الطقس أو درجة الحرارة هي المشكلة، فقد كانت هناك غيوم سياسية تنعقد في الأفق، منذ بدأ إضراب مصنع الحديد والصلب في حلوان بسبب تدني الأجور ومطالب اقتصادية أخرى. لم يكن هذا جديدًا أو نادرًا فهو أمر عادي ويحدث بين الحين والآخر ويتم التعامل معه بطرق مختلفة من جانب الأمن، قد تكون بالاستجابة لبعض المطالب، أو بلجوء الأمن لحلول أكثر خشونة، وهناك تراث طويل بين سُلطة يوليو تحديدًا والعمال، فبعد أسبوعين فقط من نجاح انقلاب الضباط الأحرار في يوليو 1952 نظم عمال مصنع  الغزل والنسيج بكفر الدوار اعتصامًا احتجاجًا على تدني الأجور، فبادرت قوات الأمن باقتحام المصنع وفض الإضراب بالقوة ومحاكمة وإعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري في مكان الاعتصام نفسه.

لكن الجديد في إضراب 1989 تمثّل في توقيع مجموعة من المثقفين على بيان يطالب بالاستجابة لمطالب العمال. أما أجهزة الأمن فلم تنتظر طويلًا وحسمت أمرها بالتدخل فورا لفض الاعتصام بالقوة، وعلى نحو وحشي أدى إلى موت أحد العمال على يد قوات الأمن.

كانت مصر آنذاك تعيش زمن زكي بدر الذي يعد من أسوأ وأبشع وزراء الداخلية الذين تولوا هذا المنصب بسبب تطاوله المتواصل على كل القوى السياسية، ومبادرته بالهجوم اللفظي والمفردات القبيحة علنًا. لم يكن الرجل أكثر من بلطجي أصيب بالجنون، وطبّق سياسة الضربات الوقائية المتواصلة لإجهاض أي تحرك سياسي محتمل، ووصل الأمر إلى توجيه شتائم علنية لإحدى القيادات الوفدية في البرلمان، مما أدى إلى اشتباك أحد النواب من أعضاء حزب الوفد معه بالأيدى. واستمرت معاركه الصغيرة والكبيرة واستخدامه لبعض الصحف للتحرش وتوجيه الشتائم، وواصل استهتاره بكل القوى السياسية وإظهار عدم اكتراثه بها واستخدامه الدائم لسياسة العصا الغليظة.

في هذا السياق يمكن النظر إلى التطورات التي أعقبت الإضراب. أجهزة الأمن لم تكتف باقتحام المصنع، بل ألقت القبض على 52 كاتبًا ومهندسًا وصحفيًا ونقابيًا ممن تعاطفوا مع عمال الحديد والصلب ووقّعوا على بيانات تضامن معهم، وعلى الفور تم تلفيق تهمة تأسيس وإدارة وتنظيم سري لقلب نظام الحكم، وهي تهمة جاهزة وتستخدم دائمًا في أوقات الاحتقان والاحتدام السياسي.

          ــــــــ

هذه الأحداث كان أحد شهودها عبد الخالق فاروق الكاتب والصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية والاستراتيجية، وكان شارك في التضامن مع العمال، وتعرّض للاعتقال والتعذيب الوحشي على مدى عدة أشهر. وبعد مرور 12 عامًا على تلك الأحداث المشئومة، أصدر فاروق كتابه «أبو زعبل 1989» ونشرته جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان.

كتاب «أبو زعبل 1989»

وعبر 80 صفحة فقط من القطع الصغير، يواجه القارئ بواحد من أبشع سجلات التعذيب والاعتداء على حقوق الإنسان. اختار الكاتب أن يروي تجربته على نحو أدبي كأنه يكتب رواية، منذ اقتحام العشرات من جنود وضباط الأمن المركزي والعمليات الخاصة لشقته الصغيرة، وتفتيشهم بهمجية شديدة لأوراقه وكتبه وحجرة نومه وتحطيم سرير طفله الصغير، وعندما حاول الاعتراض على ما يجري، قام الضباط بضربه بوحشية أمام زوجته وطفله الصغير، ثم عصبوا عينيه، وقادوه إلى سجن أبو زعبل (وهو السجن نفسه الذي شهد أحد أقسامه، قبل قرابة 60 عامًا، تعذيب المناضل اليساري شهدي عطية الشافعي حتى الموت).

وبمجرد ولوجه مع زملائه باب السجن، بدأت حفلة الاستقبال. كانت الخطة أعدّ لها جيدًا، حيث تحرش أحد الضباط بواحد من المعتقلين، ثم اقتاده أحد الجنود خارج الصفوف للاعتداء عليه والتنكيل به منفردًا، فتقدم عبد الخالق فاروق ومعتقل آخر لمنع التنكيل بزميلهما، وحدث الهرج المعتاد، وانتهى بإعادة زميلهم الذي كان الضابط ينوي الانفراد به وضربه. وبعد التفتيش الاستفزازي ومصادرة الأدوية والأوراق والأقلام، سُجّلت الأسماء وأودع المعتقلون الزنازين، وتم حشر كل عشرة في زنزانة.

كانت الزنازين بائسة وقذرة. هبطت أرضياتها، والأبواب الخشبية لدورات المياه منزوعة تمامًا، وفوق كل ذلك لم تكن هناك مراتب أو بطاطين، وهو ما تكفله لوائح مصلحة السجون لكل المحبوسين تحت التحقيق. وظل الأخيرون يطالبون بحقهم في المراتب والبطاطين حتى المساء، وفي النهاية أبلغهم ضابط مباحث السجن:

لا توجد بطاطين.. ناموا على الأرض.. هذه تعليمات جهات عليا.

تذمروا بالطبع وواصلوا احتجاجهم، فبدأ إرهابهم على الفور، وسمعوا صيحات جنود الأمن المركزي وهم يستعرضون بملابس الميدان، وفي الوقت نفسه تم جلد أحد المساجين الجنائيين على قدميه بصورة وحشية. وعلّق فاروق على ذلك بأن جهاز الأمن أراد إرسال رسالة واضحة لهم: هذا هو ما ينتظركم. وجاء الرد واضحًا أيضًا من جانب المعتقلين، حيث أعلنوا لإدارة السجن أنهم يحتجون على سوء المعاملة وسيبدأون إضرابًا تصاعديًا عن الطعام للمطالبة بحقوقهم طبقا للوائح بوصفهم مساجين سياسيين.

ـــــ

الصفحات التالية تحيل القارئ إلى ما كان يجري في أقبية تعذيب العصور الوسطى. في الصباح استيقظت كل زنازين الطابق الثالث بالسجن على أصوات الكلاب البوليسية وعشرات الجنود. كانوا يفتحون كل زنزانة ، وبدأوا بالمساجين الجنائيين، فيما يشاهد المسجونون السياسيون ما يجري من نوافذ أبواب زنازينهم الضيقة، حيث كانوا يخرجون المساجين وينهالون عليهم ضربًا بالعصي وهم عزّل، ويفتشون الزنازين ويصادرون كل ما يجدونه أمامهم، ثم يُدخلون المساجين إلى زنازينهم مرة أخرى واحدًا واحدًا وهم ينهالون عليهم بالضرب.

اعتقد المعتقلون السياسيون أن ما يجري أمامهم هو مجرد إرهاب لتخويفهم، لكن الجلادين استمروا في طريقهم: يفتحون كل زنزانة وينهالون بالضرب والشتائم على الأطباء والصحفيين والكتاب والمهندسين والمحامين. كان حفلًا همجيًا أطلق خلاله الجلادون لأنفسهم العنان للضرب والركل والصفع في كل مكان وأي اتجاه. وفوق كل ذلك اختاروا من بينهم 12 معتقلًا لحفل أكثر خصوصية، حيث أوقفوهم في العنبر الكبير وراحوا يضربونهم  بشكل جنوني وقد حاصروهم بحيث تكون وجوههم للحائط.

من بين هؤلاء المختارين كان الدكتور محمد السيد سعيد الكاتب والمفكر الراحل، والذي كان آنذاك نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ورئيس تحرير مجلة أحوال مصرية. وأمام عنف الضربات والصفع والركل والشتائم، سقط محمد السيد سعيد مغشيًا عليه بعد أن سحلوه على أرضية العنبر وجردوه من ملابسه. وقبل أن يسقط سمعه فاروق يصرخ في جلاديه بشجاعة:

اقتلوني.. أنا بادرّس لأساتذتكم .. اقتلني لو عندك شجاعة.

محمد السيد سعيد

ثم ذهب بعدها في نوبة إغماء ولم يستجب لمحاولات إفاقته عن طريق إلقاء جرادل الماء عليه.

بالمصادفة، وبعد أقل من ساعة على المذبحة، كان مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين حصل على تصريح من النيابة بزيارة الصحفيين المحبوسين بحكم منصبه.

كتب فاروق:

«روّع المنظر مكرم محمد أحمد، فآثار التعذيب ما زالت طازجة على جسد ووجه محمد السيد سعيد ومدحت الزاهد ومصطفى السعيد الصحفيين والدم ينزف منهم. أصبح الموقف صعبًا أمام نقيب الصحفيين وليس هناك سوى خيارين كلاهما يحمل وجهًا للمكسب والخسارة معا، فإما الإقرار بالتعذيب والعمل على وقفه وإعلان وجوده بصراحة مما يزيد من قبح النظام أمام الرأي العام العالمي، وإما إنكار وجود التعذيب وخيانة الضمير الصحفي والإنساني».

ويضيف:

«اختار مكرم محمد أحمد موقفًا أمينًا ومشرّفًا، وقال الزملاء الذين حضروا المشهد العاصف بين النقيب ومأمور سجن أبو زعبل إن مكرم محمد أحمد أعلن احتجاجه وأن ما يجري هو عودة للعصر المملوكي وأنه سيرفع الأمر لرئيس الجمهورية».

من جانب آخر، انتشرت اخبار التعذيب خارج السجن وقُدّمت بلاغات للنائب العام، ولعبت صحيفة «الوفد» دورًا مهمًا ساهم في إنقاذهم، عندما نجح مصور الصحيفة في التقاط صور لهم وهم في طريقهم للتحقيق في النيابة، وكانت الصور وحدها تنطق بكل شيء، فملابسهم ممزقة وآثار الضرب واضحة على وجوه المعتقلين.

ــــــــــ

ما جرى بعد ذلك يعكس الدور المركزي الذي تلعبه أجهزة الأمن، وهو دور يتجاوز كل السلطات والمؤسسات. والمعروف أن الجلادين مجرد أدوات تعذيب تنفّذ التعذيب الذي تأمر به المستويات القيادية العليا في أجهزة الأمن. بعبارة أخرى فإن الأوامر كانت قد صدرت بضرورة تلقين هؤلاء المثقفين درسًا لا ينسوه، حتى لو سقط بعضهم جرحى أو حتى قتلى، وذلك لكي لا يتكرر التلاحم والتضامن بين المثقفين والعمال، لأن هذا معناه أن يتضامن كل منهم مع الآخر ويستطيعون تنفيذ مطالبهم.

وعلى الرغم من تعاطف وكلاء النيابة الذين حققوا مع المعتقلين حول تعذيبهم، وتبين لهم بالمعاينة ما يجري لهم، إلا أنهم واجهوا ما هو أكثر بشاعة عند عودتهم للسجن، وتم إيداعهم في زنازين التجربة. والمعروف أن أغلب السجون في مصر تنقسم إلى ثلاث درجات أو مستويات. الأول هو الزنزانة العادية التي تضم عددًا من المسجونين، ثم زنازين التأديب لمن ارتكب جرمًا بسيطًا داخل السجن، وأخيرًا زنازين التجربة الانفرادية لمن ارتكب جرمًا أشد. أي أن المستوى الأخير الذي أودعوا فيه يمثل أشد عقوبة يمكن أن بتعرّض لها مسجون.

وهكذا، وبدلًا من تحسين المعاملة بعد تحقيق النيابة وزيارة نقيب الصحفيين والاستجابة لتدخل وبلاغات المحامين تم إيداع المعتقلين السياسيين في المستوى الثالث الأكثر فظاعة.

إلى هذا الحد تتمتع أجهزة الأمن بالقدرة على تجاوز كل السلطات والضرب عرض الحائط بالصحافة والمحامين بل والنيابة ذاتها!

كتب المؤلف وهو يصف اللحظة الأولى لدخوله زنزانة التجربة الانفرادية:

«المكان مظلم تمامًا فلا أستطيع أن أرى يدي أمامي. رائحة البول والبراز تزكم الأنوف، وأسفل قدميّ أشياء تتحرك وتقفز دون أن أستطيع تحديد ماهيتها، وفوق رأسي مباشرة حشرة بشعة تطير ويسبب أزيزها الرهبة والخوف، أخذت أطاردها بيدي في الظلام دون جدوى، أتوجه إلى حيث الصوت فتصطدم رأسي بالحائط. أقفز من هنا وهناك في محاولة لتجنب الفئران على ما يبدو والتي تجري بين قدميّ. بدأت قدماي تنهار ولا تقوى على حملي. كدت أصرخ وأطرق الباب بعنف».

كانت الزنازين تغلق على مدى 24 ساعة، ولا تفتح إلا لقضاء الحاجة وتسلم الوجبة الغذائية.. واستمر هذا الجحيم اليومي وبدا أن لا فجر هناك يمكن أن يشرق، خصوصًا وأن العزلة التي فرضت على المعتقلين كانت كاملة تمامًا.

وفي الخارج بدأت الضغوط تتزايد. في فرنسا نُظمت مظاهرات احتجاجية أمام السفارة المصرية في باريس وكذلك في إيطاليا. وفي الداخل مارس المحامون ضغوطًا متزايدة مما أدى إلى انتقال  نيابة أمن الدولة إلى السجن ودخول الزنازين ومعاينة الأوضاع اللاإنسانية على الطبيعة.

أما المعتقلون فقد أمضوا 17 يومًا في تلك الظروف الوحشية. عزلة كاملة ومعاملة سيئة وتجاهل لأبسط الحقوق التي تكفلها نظم السجون، إلى جانب التهديد بالتعذيب والاستفزاز الدائم بالسب والشتم والضرب.

ــــ

جاء الفرج أخيرًا بعد زيارة نيابة أمن الدولة، حيث تم نقل المسجونين إلى زنازين المستوى الأول، ثم بدأت زيارات الأهالي. بعد ذلك تم الإفراج عن المعتقلين على دفعات دون صدور قرار اتهام أو أية أوراق تفيد وجود قضية، أي أن الأمر كله لم يكن إلا تمثيلية، فلا الاتهامات بتكوين تنظيم سري  لقلب نظام الحكم صمدت، ولا الاتهامات الأخرى بالتحريض استطاعت الصمود طويلًا، واضطرت النيابة للإفراج عنهم جميعا.

أي إن ما جرى كان مجرد تلقين درس قاس للمثقفين الذين وقفوا إلى جانب عمال مصنع الحديد والصلب، وهذا الدرس كان ممكنًا أن يؤدي إلى موت البعض من جراء التعذيب، لكن هذا ليس مهما في نظر أجهزة الأمن!

وإذا كان المؤلف قد اختار الصياغة الأدبية لتجربته، ونجح بالفعل في كتابة التجربة، إلا أن الكتاب مع ذلك ينقصه توثيق القضية برمتها، منذ بدايات التحرك العمالي في مصانع الحديد والصلب، ويوميات التضامن مع ذلك التحرك، ثم تطوره وتطور أشكال التضامن حتى اقتحام قوات الأمن للمصنع لفض الإضراب والاعتصام بالقوة.

وأخيرًا كتب المؤلف في تقديمه لكتابه الكلمات التالية شديدة الدلالة:

 ليس هذا بلاغًا للنائب العام. وليست هذه شكوى إلى إحدى منظمات حقوق الإنسان. إنها رسالة ضمير إلى كل صاحب ضمير في هذا الوطن.

والحقيقة أنني -كاتب هذه السطور- لا أفهم لماذا لا يكون الكتاب بلاغًا للنائب العام لفتح التحقيق وتوجيه الاتهام للجلادين المجرمين ومحاسبتهم حتى لا يتكرر هذا الامتهان للكرامة الإنسانية؟! 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن