«عايزين نموت مع أولادنا».. حكايات غزاوية عالقين في شمال سيناء
وصل أحمد مخيمر إلى معبر رفح، الثلاثاء الماضي، قادمًا من تركيا في طريقه للعودة إلى زوجته وأطفاله في مسقط رأسه بقطاع غزة، غير أن قصف الطيران الإسرائيلي للمعبر وإغلاقه حال بينه وبين العودة، ليتوجه إلى الشيخ زويد، في شمال سيناء، حيث استضافته، وآخرين من العالقين، عائلات في المدينة التي تبعد عن غزة أقل من 15 كيلومترًا.
قبل يومين هاتف مخيمر زوجته، واتفقا على عدم نزوح العائلة عن منزلهم في غزة، حتى لو كان الثمن هو مقتلهم، ما برره بأن ما سيلاقونه عقب النزوح سيكون الموت أهون منه، عاهدته زوجته على ذلك وأكدت أن هذا قرارها وأهلها.
فجر اليوم، الأحد، تلقى مخيمر نبأ قصف الطيران الإسرائيلي منزل أسرته، ومقتل زوجته وأطفاله، الذين لم يعد يستطيع حتى رؤيتهم لمرة أخيرة.
مخيمر هو واحد من عشرات العالقين الفلسطينيين من أبناء قطاع غزة الذين تقطعت بهم السبل عقب توقف معبر رفح عن العمل، والذين توزعوا بين مدينتي العريش والشيخ زويد، وسط ظروف عصيبة، بدءًا من التفكير في مصائر عائلاتهم في القطاع، وصولًا إلى أوضاعهم غير المستقرة ونفاد أموالهم في الأراضي المصرية، والتي كان أكثرهم فيها لإجراء عمليات جراحية في القاهرة، قبيل اندلاع الحرب.
هاجمت المقاومة الفلسطينية، السبت 7 أكتوبر، مواقع عسكرية إسرائيلية ضمن عمليتها «طوفان الأقصى»، فيما ردت إسرائيل بقصف جوي هو الأعنف في تاريخ المواجهات بين الجانبين تحت مسمى «السيوف الحديدية».
ووصل عدد الضحايا في القطاع منذ بدء العدوان إلى 2450 قتيلًا، و9200 جريحًا، بخلاف 55 قتيلًا وأكثر من 1200 جريح في الضفة الغربية، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.
يقيم في الشيخ زويد حاليًا نحو 85 عالقًا فلسطينيًا من المُرَحَلين، أحدهم هو سامح*، الذي يفسر لـ«مدى مصر» أنهم من «الفلسطينيين الذين يصلون مطار القاهرة بهدف دخول غزة، دون دخول الأراضي المصرية، وبذلك لا يحصلون على تأشيرة دخول مصرية في المطار».
ويضيف أن الأمن المصري يقوم في اﻷحوال العادية بتجميعهم في حافلات بعد سحب جوازات سفرهم، لينقلهم إلى معبر رفح تحت حراسة أمنية حتى إدخالهم للجانب الفلسطيني، مؤكدًا أن هذا إجراء روتيني لا يعد مشكلة بالنسبة لهم.
بحسب سامح، اختلف الوضع هذه المرة نتيجة إغلاق المعبر، إذ تم نقلهم إلى الشيخ زويد، حيث يستضيفهم عدد من أسرها، في حين لا يُسمح لهم بالخروج من الحي الذي يقيمون فيه، بناءً على تعليمات أمنية لتلك الأسر.
يثمن سامح دور العائلات المستضيفة في توفير الطعام والشراب لهم، وإن لام على بعضهم تحدثه أحيانًا بشكل غير لائق لمنعهم من الخروج من الحي.
يدرك سامح حساسية موقفهم في ظل عدم حملهم تأشيرة دخول للأراضي المصرية، واحتفاظ اﻷمن المصري بجوازات سفرهم، لكنه يشدد أن كل ما يريدونه هو الوصول للصيدلية القريبة من الحي، لشراء اﻷدوية، بالإضافة لحاجتهم لشراء شرائح تليفون مصرية ليتمكنوا من التواصل مع أسرهم في غزة، التي انقطع اتصال معظمهم معها، بعد نفاد أرصدة شرائح التليفون الدولية التي يحملونها، باستثناء أحدهم الذي أوشك رصيد هاتفه على النفاد.
في وضع مماثل يقيم عشرات العالقين الفلسطينيين في مدينة العريش، وإن اختلف وضعهم الأمني نظرًا لحملهم تأشيرة دخول لمصر، بعدما دخلوها عبر معبر رفح قبل أيام من اندلاع الحرب، فيما يجمعهم مع أقرانهم من العالقين في الشيخ زويد أزمة نفاد الأموال، وانقطاع الاتصال مع أسرهم في القطاع.
قبل ثلاثة أيام من الحرب دخلت الحاجة سميحة* وزوجها إلى مصر لإجراء فحوصات طبية في القاهرة، ومع تلقيها أنباء «طوفان الأقصى»، وما تلاها من قصف إسرائيلي، قطعت رحلة العلاج وعادت إلى المعبر في مساء اليوم نفسه، وظلت تنتظر العبور إلى الجانب الفلسطيني، حتى توقف المعبر عن العمل ظهر الثلاثاء الماضي.
تقول الحاجة سميحة إن ما كان بحوزتها هي وزوجها من أموال أوشك على النفاد، بعدما أنفقا معظمه على رحلات الذهاب والعودة ما بين العريش والمعبر، قبل إغلاقه، بالإضافة إلى حجز الغرفة في الفندق، وتضيف: «دخلت مصر للعلاج معايا غيارين واحد باغسلُه والتاني بالبسُه».
انقطع تواصل الحاجة مع أسرتها في غزة، في آخر اتصال معهم علمت أنه تركوا منزلهم بعدما قُصف المنزل المجاور له وقُتل كل من فيه.
امتلأت فنادق العريش، بغرفها القليلة وإمكانياتها المحدودة، ما اضطر خالد* إلى استضافة أسرة غزاوية أخرى في غرفته، بعدما قضوا ليلتين في إحدى كافيتريات الشيخ زويد، لعدم وجود مأوى لهم.
دخل خالد إلى مصر لإجراء عملية جراحية لطفلته في القاهرة، أجرت الصغيرة الفحوصات التجهيزية، قبل أن تعود مع أبيها للمعبر بعدما وصلته أخبار عملية المقاومة والقصف الإسرائيلي، انتهى الحال بالأب وابنته مع باقي الغزاوية العالقين في العريش انتظارًا لفرصة مرور إلى باقي أسرته على الجانب اﻵخر من الحدود.
يقول خالد إن بعض الأسر العالقة اضطرت للرحيل من الفندق بعدما لم تتمكن من دفع تكاليف الغرف، مؤكدًا أن هذا المصير بات قريبًا منه، إذ سيضطر لبيع هاتفه المحمول لدفع تكاليف الغرفة، الهاتف هو الوسيلة الوحيدة التي تسمح له أحيانًا بالاطمئنان على مَن بقي من أسرته في غزة.
«انقطع اتصال بعضنا مع أسرهم، ولم نعد نعلم عنهم شيئًا»، يقول سامح، مشيرًا إلى أن معظمهم تلقى أخبارًا بتفجير منزله، أو مقتل أحد أفراد أسرته على اﻷقل، قبل أن يوضح أنهم حاولوا العودة لغزة عقب اندلاع الحرب «لأن لنا أسر تحت القصف والجوع معرضين للموت، لا يمكننا تركهم».
يطلب سامح أن تسهل مصر دخولهم إلى غزة إذا جرى اتفاق بخصوص إدخال المساعدات الإنسانية مقابل إخراج حاملي الجنسية المزدوجة.
أما الحاجة سميحة، التي اجتاز عمرها السبعين عامًا، فتصف ما تشهده غزة حاليًا من دمار وموت جراء القصف بأنه أبشع من مجازر «صبرا وشاتيلا»، ورغم ذلك تقول: «نريد الدخول إلى غزة عبر أي ممر يفتح، حتى لو هنعيش جوه في خيمة، عايزين نموت شهداء مع أولادنا».
* جميع الأسماء مستعارة بناء على طلب المصادر.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن