عامل عظمة في المونتاج
#244|دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
العمل شرّ لا بد منه، يعمل الإنسان لأسباب مادية، لكن لا أحد يهتم بحكاية العامل ورأيه الشخصي فيما يفعل دون الرجوع لتقييم الإتش آر أو معرفة تقدير مديره له من عدمه، لهذا نركز هنا على العظمة التي يقوم بها العامل، وأول كُتّاب العظمة هو ميشيل يوسف شفيق عما يعمله في فن المونتاج.
#دليل
جدتي، واسمها أم شنودة، كانت تأتي لنا بالقصب والبرتقال في الشتاء، والبلح والجوافة في الصيف. ثم تجمعنا حولها ونحن أطفال لتحكي لنا عن المعزة العياطة التي لم يأكل أولادها الذئب، والشاطر حسن وحكايات أخرى. صوتها الرخيم وإيقاع كلماتها المنغمة، كان لهما وقع السحر على أذني. بعد سنوات أمسكتُ نفسي أتذكر تلك الكلمات وذلك الإيقاع وأنا أحاول بناء أحد المشاهد في فيلم كنت أُمنتجه.
بدأ المونتاج في عام 1918 مع تجربة ليف كوليشوف الشهيرة. أربع لقطات: واحدة لرجل ينظر، وثلاث لقطات أخرى لطبق حساء، وطفل في كفن، وفتاة مثيرة تستلقي على أريكة. ثم وضع كوليشوف لقطة الرجل قبل كل لقطة من الثلاث الأخرى. في محاولة لتحليل لماذا ظهر المونتاج في روسيا وفي هذا الوقت تحديدًا، عزت إحدى التنظيرات ذلك لشهرة فن الفسيفساء الذي يعتمد على تجميع قطع صغيرة جدًا من المواد لتكوين صورة أكبر.
قبل البداية
«ياريت نفكر برّه الصندوق»
تعبير استُهلك لكنه يعبّر -باختزال مخل- عن طريقة عمل المخ البشري الذي يصنف المعلومات ويضعها في صناديق وخانات بداخله ليسهل عملية استدعائها. ومن هنا تأتي أهمية مرحلة تنظيم وترتيب المواد المصورة قبل بداية المونتاج لخلق نظام حتى يصنف المونتير تلك المواد بشكل منظم يساعده على تنظيم التفكير فيها، خصوصًا عندما نتحدث عن الأفلام التسجيلية -والتي تمثل الجزء الأكبر من حصيلة أعمالي- فقد تصل تلك المواد إلى 250 أو 300 ساعة. ودون تصنيفها وفقًا لنظام دقيق، يصعب على أي أحد استيعابها والتعامل مع المراحل التالية في المونتاج.
في المرحلة التالية لتنظيم المواد المصورة نبدأ في مشاهدتها. ندوّن الكثير من الملاحظات بغرض التعرف على المواد أولًا، ثم نتحدث كثيرًا أنا والمخرج/ـة في شتى الموضوعات المتعلقة بالفيلم أو بغيره. هي أشبه بمرحلة التعارف التي تسبق العلاقات أيًا كان شكلها. والتعارف هنا ينطبق على علاقتي بالمواد المصورة من ناحية، والمخرج/ـة من ناحية أخرى.
المخرج والمونتير
«ميشو بيعرف يرمي إفيهات حلوة»
هكذا رد المخرج والصديق، تامر عزت، على سؤال المنتج، معتز عبد الوهاب، عند سؤاله عن رأيه بالعمل معي. بالطبع ضحكنا ثم قلت له: «يعني هي دي أحسن حاجة في شغلي؟!» كان الرد به قدرًا من الاستنكار ومحاولة مني لسماع مديح في قدراتي التقنية أو الفنية. ولكن بعد قليل من التأمل وجدت أن رد عزت يعبّر بشكل واضح عن أهم عوامل علاقة المونتير بالمخرج وهي الثقة والراحة.
يصل المخرج إلى الغرفة المُقدسة منهكًا تمامًا بعد رحلة طويلة مرهقة من محاولات إنتاج فيلمه أيًا كانت الوسيلة سواء بالبحث عن منتج أو تمويل، مرورًا بمرحلة التصوير بكل ما تحمله من صعوبات سواء بالتعامل مع عدد كبير من العناصر البشرية من ممثلين وطاقم فني في الأفلام الروائية، أو طول مدة التصوير في الأفلام التسجيلية التي تصل في بعض الأحيان إلى سنوات، وفي أقل التقديرات إلى شهور. بالإضافة إلى مشاهدته لكل أخطاء التصوير، أو ما لم يدره أو يخرجه بشكل جيد. في تلك المرحلة كل ما يحتاجه المخرج/ـة هو الثقة والاستماع إلى الآراء الإيجابية أولًا، وأن تصل إليه بوضوح قدرتي على مساعدته في إنهاء الفيلم بشكل يحقق له طموحه الفني ثانيًا.
هذه العلاقة شديدة الحساسية والصعوبة، ولها تأثير مهم ومباشر على شكل الفيلم النهائي، ولا يجب أن تدخل فيها صراعات تختلط فيها الأمور الفنية بالشخصية. فالفيصل هنا هو الفيلم، لأن السينما عمل جماعي.
القواعد الست
«المشاعر - القصة - الإيقاع - تتبع عين المتلقي Eye trace - الخط الوهمي - وحدة المكان»
المونتير الأمريكي، والتر ميرتش، والذي قدم روائع سينمائية مثل «الأب الروحي» و«يوم القيامة الآن» و«المريض الإنجليزي»، وضع تلك القواعد الست الأساسية للمونتاج في كتابه In the blink of an eye والذي يُعتبر واحدًا من أهم ما كُتب عن مهنة المونتاج، إن لم يكن الأهم على الإطلاق. قد يجد البعض عند قراءته أن ما يذكره ميرتش أمر بديهي قد مر بتفكيرنا عند العمل، وهنا تكمن أهمية الكتاب؛ ترتيب ما هو بديهي ليبقى دائمًا في أولويات التفكير.
المشاعر
في أول مرة عرضت تجربة كوليشوف السابق ذكرها على الجمهور، شعر بأن الرجل جائع وهو ينظر إلى طبق الحساء، وحزين وهو ينظر إلى الطفل في الكفن، وشبق وهو ينظر إلى السيدة المثيرة المستلقية على الأريكة. أي أن ترتيب اللقطات خلق مشاعر مختلفة لدى المشاهدين، رغم عدم تغير انفعال وجه الرجل قبل اللقطات الثلاث الأخرى.
How to pick your moment
دأب أستاذي الأول المونتير، محمد سمير، على تكرار هذا التعبير لي في بداية تعليمي المونتاج. كان المقصود هنا هو دور المونتير في التقاط التفاصيل من المواد المُصوَّرة وصياغتها بشكل يكفل توصيل أكبر وأوضح قدر من المشاعر داخل إطار قصة الفيلم. حين حاولت أن أفهم بشكل علمي كيف تولد المشاعر داخلنا، وجدت تفسيرات متباينة ومختلفة. وكان أكثر التفسيرات فائدة بالنسبة لي ما يعزوها إلى عمل المخ على استدعاء ذكريات شخصية تشبه ما يشاهده المتلقي معها، فيستدعي نفس الحالة التي كان فيها. لذلك فإن المونتير يجب أن يعي ذلك تمامًا مع المخرج، بل قد يسبقه أحيانًا باعتباره المشاهد الأول للعمل. كيف يؤثر على المتلقي، وما المطلوب استدعاؤه أو إثارته من ذكريات، وبالتالي تتحول إلى مشاعر لدى المتلقي.
تقديم ميرتش للمشاعر كأول قاعدة أمر بديهي لكنه مهم جدًا، لأن المشاعر على تنوع منطلقاتها وأسبابها شبه موحدة عند جميع البشر.
أُطلق على السينما «الفن السابع» لأنها جاءت بعد كل الفنون الأخرى، وجمعت بين أغلبها -إن لم يكن كلها- وأصبحت الفن الأكثر انتشارًا، لأنها الأكثر والأقوى تأثيرًا على مشاعر الجماهير دون أي عوائق لغوية أو تقنية أو ثقافية تتطلبها فنون أخرى.
المشاعر هي التي تبقى بداخلنا، ونعبّر عنها، ونتحرك بها بعد مشاهدة الفيلم. ولو حاولت مراجعة أكثر اللحظات التي علقت بذهنك من أفلام شاهدتها، ستجد نفسك تتذكر أولًا كل ما هو مرتبط بالمشاعر، حتى ولو كان مجرد إفيه في فيلم كوميدي خفيف أضحكك كثيرًا.
القصة
«الفيلم هو قصة مصورة»
التعريف المبسط الأولي الذي كتبه المخرج كريم حنفي، أستاذي في السيناريو بمدرسة السينما، فالقصة هي التي تجعل المشاهد يجد شيئًا ما يتابعه ويرتبط به ويكمل من أجله الفيلم.
في أحد الأفلام التي منتجتها، أخبرتني مخرجته عن حيلة تلجأ إليها عندما لا تعرف كيف تصيغ القصة، وهي استخدام العبارة السحرية once upon a time والتي يقابلها في تراثنا «كان يا ما كان». وهذا فسّر تردد كلمات جدتي أم شنودة في أذني خلال بنائي للمشاهد.
الإيقاع
دخل أحد العاملين باستديو المونتاج ذات يوم ليقابل ذلك المونتير الذي يرتدي الشورت ويربط شعره بوني تيل، ليسأل عن تلك الموسيقى الكلاسيكية التي تصدح في الخلفية كل صباح يأتي فيه للعمل. ليُفاجأ المسكين بالإجابة تأتي بلهجة صعيدية صرفة: «دي مجطوعة الفصول لربعة لفيفالدي سعادتك!» كنتُ ملتزمًا بنصيحة سمير بضرورة ألا تفارق الموسيقى أذني قدر الإمكان. وحين سألته وقتها أي نوع من الموسيقى رد قائلًا: «كل الأنواع، لكن ركز تحديدًا على الموسيقى الكلاسيكية». ظننت أن الغرض من ذلك يرتبط بالإيقاع، لكنه قال لي إنه الهارموني وعلاقة الآلات ببعضها، وقدرتها على خلق حالة درامية شعورية. استيعابي لفكرة الهارموني عمّق فهمي لمفهوم الإيقاع، وخلق قدرًا أكبر من التناغم والتجانس بين عناصر المشهد البصرية والصوتية باعتباره الوحدة الأساسية في بناء الفيلم، وبين المشاهد المتتالية، وما بينها من انتقالات، وبالتالي الفيلم ككل في إطار طريقة السرد التي اختُيرت للفيلم. الإيقاع هو المسؤول عن ضبط تدفق القصة والأحداث، بل يضبط تدفق المشاعر التي تحملها القصة للمتلقي. وكلما كان اختيار الإيقاع مناسبًا، كان نقل المشاعر إلى المتلقي أسهل وأكثر سلاسة.
القواعد الثلاث الأخيرة
«تتبع عين المتلقي Eye trace، الخط الوهمي، وحدة المكان»
تعبّر هذه القواعد عن الجانب التقني من العمل أو ما يُطلق عليه الصنعة دون أن يكون الالتزام بها حرفيًا معوقًا للقواعد الثلاث الأولى. فجوهر تلك القواعد هو الوصول لقطع أكثر سلاسة وغير مزعج للمتلقي، حتى يتسنى له متابعة مريحة لأحداث الفيلم.
لا تقل أهمية الجانب التقني للمونتاج عن الفني، بل يدعمه ويعززه. المقصود هنا ليس فقط إتقان استخدام تطبيقات المونتاج على أهميته أو حلول المشكلات التقنية التي من الممكن أن تظهر في أثناء تحويل المواد المصورة أو إخراج الفيلم لمراحل التلوين والمكساج وهي شائعة وكثيرة. والصنعة هنا هي تراكم خبرات لإيجاد حلول لمشكلات بناء المشاهد من الناحية التقنية.
قد يكون المخرج حاول تصوير المشهد بطريقة معينة ولم ينجح بالقدر الكافي أيًا كانت الأسباب أو أخفق في اختيار أو توجيه ممثل، أو حدثت مشكلات في أثناء التصوير وهي كثيرة خاصة في الأفلام التسجيلية، حيث لا تحدث سيطرة على كل عناصر التصوير كما في السينما الروائية. هنا تبرز أهمية الصنعة في إيجاد الحلول لإنقاذ تلك المشاهد المهمة.
في أحد الأفلام التي منتجتها، كان إيقاع أداء أحد أبطال/بطلات الفيلم أبطأ مما كان يتوقعه المخرج/ـة في لقطات عديدة، تناقشنا في هذا الأمر كثيرًا، فبحثت واستخرجت كل مناطق البطء الممكنة في أداء الممثل/ـة، حتى وإن جاءت سابقة أو لاحقة للقطات نفسها، واستخدمتُها بكثرة حتى تحول الأداء البطيء وكأنه أسلوب تمثيل يتماشى مع طبيعة الشخصية التي يلعبها الممثل/ـة. ومن المفارقات التي تحدث كثيرًا أن نتيجة تلك الحلول التي يكون الغرض منها فقط إنقاذ موقف هو خلق مشهد يحمل طابعًا سينمائيًا وإبداعيًا يظن البعض أنه مقصود سواء من المخرج أو المونتير. قد أتفق مع المخرج على صياغة رد يؤكد تلك القصدية إذا سُئلنا عن هذا الاختيار الفني، لكننا في النهاية نعرف الحقيقة، وأنها كانت إحدى الهدايا التي يمنحها لنا المونتاج، أو كما أحب تسميتها دي بركة دعاكي يا أمه!
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن