عامل بلا حماية في مواجهة الغلاء
فقد سعيد* عمله مع عشرات من زملائه، في مايو 2022، على خلفية نشاطهم في تشكيل نقابة في إحدى شركات القطاع الخاص. تمتع سعيد بعقد عمل مفتوح المُدة وقع عليه قبل 18 سنة، وخسر عمله بعد دعوى طلب فصل تقدم بها صاحب العمل للمحكمة العمالية، التزامًا بقانون العمل، لكن صاحب العمل لم يلتزم بالقانون الذي ينص على وقفه عن العمل مع استمرار صرف الراتب الأساسي. وبالتالي بقى سعيد شهورًا طويلة بلا مورد رزق، حتى صدر، في ديسمبر الماضي، حكمًا لصالحه من المحكمة العمالية برفض دعوى الفصل وتعويضه، لكن الحكم لم يُنفذ، ولم يُعوض سعيد، واستأنف صاحب العمل الدعوى. وبذلك، فقد هزمت الشهور الطويلة سعيد كما هزم الأمر الواقع حقوقه كعامل المنصوص عليها بقانون العمل.
اتجه سعيد للعمل في شركة أمن خاصة تتولى تأمين مستشفى حكومي كبير٬ يمتد عمله 12 ساعة لستة أيام أسبوعيًا مقابل 2400 جنيه شهريًا، وذلك دون تأمينات اجتماعية أو تأمين صحي.
سعيد٬ الأربعيني٬ الذي يبدو أكبر من سنه بسبب ضعف جسده الضئيل أسفل ملابس عمله الموحدة التي تمنحه صورة «عامل أمن» لا يمثل التأمين الصحي بالنسبة له رفاهية في ظل معاناته من أمراض مزمنة في الكبد والرئة أُصيب بها خلال عمله السابق الذي كان يتضمن تعاملًا مباشرًا مع كيماويات ضارة.
مع عمله بشركة الأمن٬ وقع سعيد عقدًا لا يملك صورة منه، وبالتالي فالفصل من العمل، وهو أمر متكرر في الشركة، هو شبح يحوم حول سعيد وزملائه. هذا الشبح يردع الرغبة اليومية برفع العمال لأصواتهم طلبًا لزيادة الأجر مع الارتفاع الكبير في الأسعار. كما وقع سعيد شيئًا آخر: إيصال أمانة مقابل عهدة ملابس العمل الموحدة والتي تحمل اسم الشركة التي يعمل بها، لكنه يقرّ بأنه يجهل قيمة هذا الإيصال.
يصنف محمد جاد٬ الباحث الاقتصادي٬ في ورقة سياسات صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان «كيف يمكن حماية العمالة الهشة في مصر أثناء الأزمات؟» الفئات الهشة في سوق العمل المصري إلى ثلاث «تعمل الأولى بشكل غير رسمي، أي بدون تعاقد قانوني وتغطية تأمينية، والثانية تعمل بصفة رسمية ولكن بعقود مؤقتة و/أو حسب الطلب، والثالثة تعمل بصفة رسمية، ولكن في مهن ذات طابع مؤقت مثل أعمال البناء والأنشطة الخدمية ذات الطابع الموسمي مثل أعمال السياحة وغيرها»، بحسب نص الورقة التي صدرت ضمن مشروع «الملتقى العربي للحماية الاجتماعية من كوفيد»
هذا الاتساع الكبير في العمل غير الرسمي «وصل إلى تقديرات بلغت 60% من قوة العمل في مصر٬ تبعًا لبيانات صادرة عن منظمة العمل الدولية»٬ حسبما يقول جاد لـ«مدى مصر» الذي يحدد تلك النسبة بصورة أدق: «23% من سوق العمل عمالة غير رسمية في القطاع الخاص خارج المنشآت، و16% عمالة غير رسمية في القطاع الخاص داخل المنشآت، و11% عمالة غير رسمية تعمل داخل المنشآت بدون أجر (كما يحدث على مستوى العائلات) و13% عمالة غير رسمية خارج المنشآت (مثل عاملات المنازل مثلًا) بدون أجر٬ تبعًا لبيانات مسح القوى العاملة الصادر عن منتدى البحوث الاقتصادية بالاشتراك مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والذي يعود لعام 2018».
بحسب ورقة جاد وتجربة سعيد في عمله السابق في قطاع رسمي والحالي في قطاع غير رسمي مرتبط بالرسمي٬ فإن هشاشة العمل تتجاوز الأفكار التقليدية التي تربطها بسوق العمل غير الرسمي.
في المقابل٬ يقرّ تقرير صادر عن لجنة الشباب والرياضة في مجلس الشيوخ في يناير الماضي بـ «هشاشة أوضاع العمالة غير الرسمية»، لكن التقرير الذي اطلع عليه «مدى مصر» وحمل عنوان «الشباب وسوق العمل غير الرسمي: مخاطر راهنة ومقاربات واعدة» ربط بين تلك الوظائف والعمل في القطاع غير الرسمي.
يعرّف التقرير الاقتصاد غير الرسمي باعتباره «كافة الأنشطة المولدة للدخل غير المرخص بها، والمتحصلة من إنتاج السلع والخدمات المشروعة مثل: الورش، والمحلات التجارية، والمصانع غير المرخصة وأعمال الأجرة، والعقود من الباطن غير الموثقة، والدروس الخصوصية، وغيرها» بحسب نص التقرير.
يقترح التقرير لحل مشكلة العمل غير الرسمي «تعزيز العمل على إصلاح القوانين التي تجعل من الأسهل توظيف العمال من خلال عقود مرنة» دون تحديد المقصود بهذه المرونة.
ولكن كمال عباس٬ المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية٬ يرى أن العقود في قانون العمل الحالي «مرنة للغاية بالفعل، وتُتيح الفصل بمنتهى السهولة لأنها لا تشترط تثبيت العمالة إلا بعد مرور أربع سنوات على العمل عبر عقود تتجدد سنويًا، وهو ما يُتيح لصاحب العمل الالتفاف حتى على هذا النص عبر إنهاء العقود وتحرير عقود جديدة خلال هذه الفترة وهي ممارسة شائعة للغاية»، مضيفًا أن «أي إقرار لقواعد أكثر مرونة يعني المزيد من الهشاشة لسوق العمل إجمالًا».
ما يشير إليه عباس، يسميه جاد في ورقته بـ«العمل الرسمي المؤقت»، ومن أبرز عيوبه عدم منح العامل «ميزة التصاعد التدريجي في الدخل، فالقانون يضمن للعامل الدائم علاوة بنسبة 7٪ من الأجر سنويًا تُضم للأجر الأساسي، أما العامل الذي يوقع عقدًا جديدًا كل سنة لا يتمتع بهذه الميزة» بحسب الورقة.
يبدو هنا أن هشاشة العمل متجاوزة للرسمية المقننة: لدينا عمالة رسمية تعاني من مرونة شروط قانون العمل على نحو يسمح بالتلاعب بالزيادات السنوية، وعمالة غير رسمية داخل المنشآت محرومة تمامًا من أي زيادة، وعمالة غير رسمية خارج المنشآت أيضًا، لا يختلف حظهم كثيرًا.
الصورة التقليدية للعمالة غير الرسمية٬ الـ13٪ من قوة العمل بحسب تقديرات منتدى البحوث الاقتصادية٬ تتجسد في محمود*٬ وتشير لنمط آخر من الهشاشة. محمود٬ سائس سيارات، يتحدر من خلفية ريفية لن تميزها في مظهره على الإطلاق بعد خمسة عشر عامًا قضاها في القاهرة يعمل بشارع مزدحم في أحد أحياء العاصمة الراقية. يوفر محمود وشقيقه وابن عمه ركنات لزبائنهم أصحاب السيارات في مساحة تشغل ثلث الشارع المزدحم تقريبًا، وهي مساحة ثمينة لكونها بشارع مزدحم يتواجد به مقهى نصف شعبي يقبل عليه الكثير من الزبائن الراغبين في خدمات محمود وزميليه.
يقدر محمود مكسبه الشهري بحوالي أربعة آلاف جنيه، لأن متوسط إيراده اليومي 200 جنيه، لكن أيام عمله لا تزيد عن 20 يومًا بالشهر. ويوضح كيفية عمل نموذج أعماله كالآتي: «أقضي عشرة أيام شهريًا في قريتنا، وكذلك أخي وابن عمي بالتناوب فيما بيننا بحيث يعمل اثنان منّا ثماني ساعات يوميًا في الوقت الذي يقضي الثالث فيه إجازته وهكذا». بالنسبة لمحمود، يمكن للدخل أن يتحرك بمرور الوقت، ولكن على نحو بطيء للغاية غير محسوس تقريبًا، وقائم فقط على «ذوق الزبائن»، مضيفا: «بعضهم في غاية اللطف، والبعض الآخر لا يرى لعملي مبررًا، ويرفض التعامل معي، بالرغم من أن الزحام الشديد الذي يجبر الزبائن على ترك مفاتيح سياراتهم معي لإعادة تبديل مواقعها بشكل دائم». ثم يستدرك متساءلًا: «شغل ده، ولّا مش شغل يا أستاذة؟».
ولأن الرزق يرتبط بالزحام الذي يرتبط بدوره بزبائن المقهى، فقد انقطع رزق محمود تمامًا لمدة ثلاثة شهور كاملة حين أغلق المقهى أبوابه مع تفشي كورونا واضطره للعودة للعمل الزراعي -غير الرسمي أيضًا- المتقطع بشدة وضعيف الأجر للغاية.
بالنسبة لمحمود، كان يُمكن لو أحيت الدولة نظام إعانة بطالة أن تحمي ظهره وقت الأزمة، وهو ما يقترحه جاد في ورقته، قائلا إن إعانة البطالة «موجودة في التشريع المصري منذ عقود، لكنها تُطبق على نطاق محدود ونادر للغاية، لذا فإن هناك حاجة لتيسير سُبل التقدم لطلب هذه الإعانات [مثل] نشر الوعي بين العمال، وتوفير طرق ميسرة للتقديم مثل الجهد الذي بذلته الحكومة في التعريف بإعانات العمالة غير الرسمية خلال كوفيد٬ كذلك زيادة قيمة الإعانة في أوقات الأزمات الكبيرة على غرار التجارب الدولية في هذا الصدد».
وكانت وزارة القوى العاملة قدمت خلال أزمة كورونا سياسة منح مالية للعمالة غير المؤمن عليها، تمثلت في إعانة شهرية بقيمة 500 جنيه، قُدمت لمدة ستة أشهر خلال الأزمة، واستفاد منها نحو مليوني عامل، وفقًا لتصريحات وزير القوى العاملة السابق محمد سعفان في أبريل 2021. وبالرغم من أن محمود غير مؤمن عليه، لكنه لم يستطع الاستفادة منها كما يقول لأن الموظفين في مركز حكومي تتبعه قريته أبلغوه بأن امتلاك والده فدان ونصف الفدان يمنعه من الاستفادة من المنحة، بحسب ما رواه لنا محمود.
وحتى بعد إعادة فتح المقاهي، فقد تسبب القرار الحكومي بمنع الشيشة٬ ضمن الإجراءات الاحترازية وقتها٬ إلى انخفاض حاد في عدد زبائن المقهى، وتراجع الزحام في الشارع ما أدى لقلة رزق محمود، «لكن الأسعار مكانتش كده» في إشارة لموجة التضخم الحالية.
الحل الوحيد الذي يبدو ممكنًا الآن هو الحصول على معاش «تكافل وكرامة»، كما يقول محمود، وهو زوج وأب لطفل عمره ثلاث سنوات فضلًا عن مولود سيصل للعالم قريبًا. لكن حتى إن حصل محمود على هذا المعاش فإن قيمته «ثابتة ولا تزيد سنويًا» كما يذكرنا جاد.
«تكافل وكرامة» هما برنامجا تحويلات نقدية مشروطة أطلقتهما وزارة التضامن الاجتماعي 2014-2015، في توجه للتوسع في الدعم النقدي سار مع التحول الحاد لتخفيض دعم السلع البترولية والكهرباء والمياه. ويستهدف «تكافل» الأسر الفقيرة التي تضم أطفالًا، في حين يشمل «كرامة» الأسر الفقيرة التي تضم مسنين.
*اسم مُستعار.
تقارير ذات صلة
حرية الظهور
ياسر علوان يصور، وجون مولينو ينظّر، وأشرف عمر يترجم
حد أدنى للأجور مع إيقاف التنفيذ
إسكات مطالب العمال بالقبضة الأمنية وتقاعس «العمل» عن إنفاذ قرار الحد الأدنى للأجور
ساعة «العمل المؤقت».. أدنى من «الحد الأدنى»
في فبراير الماضي أقر المجلس القومي للأجور حدًا أدنى لأجور العمل المؤقت عند 28 جنيهًا للساعة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن