ظهور بطة رَخْمَاءُ في بحيرة قارون
لاحظ أحمد منصور، مرشد السياحة البيئية ومراقب الطيور في قرية تونس في الفيوم، أثناء جولة مع أحد السياح في بحيرة قارون، وجود طائر غريب لم يره من قبل. قام بتسجيل تفاصيل الطائر بدقة والتقط بعض الصور له من خلال التليسكوب وعاد ليتأكد من نوعه في المراجع العلمية الخاصة بالطيور. اتصل منصور أيضًا ببعض المتخصصين والمهتمين بمراقبة الطيور في مصر، وبالفعل توجه بعضهم في الأيام التالية إلى بحيرة قارون.
اجتمعوا على أن الطائر المرصود هو البطة الرخماء (Oxyura leucocephala). البطة الرخماء هي طائر مُهدد بالانقراض من فصيلة الإوزيات حيث وصل تعدادها في العالم إلى 19,000 فرد فقط في 1991، وبقت أعدادها في تناقص مستمر بسبب تدمير موائلها الطبيعية (مواطنها)، وتعرّضها المستمر للصيد الجائر. تعيش البطة الرخماء في البحيرات الضحلة ذات القصب، والبحيرات غير العذبة، وطبقًا لقائمة طيور مصر (جودمان ومينينجر، 1989) فتلك أول مرة يُرصد الطائر النادر في مصر منذ 1925. وقد قامت العديد من جمعيات حماية الطيور في أوروبا بأنشطة ومشروعات مختلفة لحمايتها.

«أذكر اليوم جيدًا، الخميس 25 فبراير [الماضي]، كنت مع سائح أمريكي وذهبنا سويًا للنقاط المُعتادة لمشاهدة الطيور على بحيرة قارون، وهي مستنقعات حول البحيرة والشاطئ الرملي لها. كانت الساعة 8 ونصف صباحًا تقريبًا، وشاهدنا كالمعتاد طيور الغُر وبعض الغطاسات، والبط، فلفت نظري وجود طائر مختلف ذي خد أبيض، لم أر مثله من قبل»، يقول منصور.
«طلبت من السائح بعض الوقت للتركيز مع الطائر والتعرّف عليه بدقة. للأسف لم يكن معي كاميرا احترافية لتصويره، وكان يغطس في الماء كثيرًا. ظهر الطائر وبقى فوق الماء لمدة حوالي ربع ساعة بينما كنت أحاول تصويره من خلال التليسكوب بالتليفون. كنت أريد فقط صورة توضيحية لأستخدمها كمرجع للتأكد من نوع الطائر. بعد البحث، تيقنت أنها أنثى بطة رخماء (White Headed Duck)، واتصلت فورًا ببعض الأصدقاء والمصورين الذين أتوا فورًا إلى الفيوم لتصوير تلك البطة النادرة. واتصل بي الدكتور شريف بهاء الدين، الذي حضر أيضًا للفيوم للتأكد من تسجيل الطائر».
يتابع منصور: «هذا النوع من الطيور موجود في الجزائر وتونس [الدولة]، حيث يوجد حوالي 600 فرد منه هناك. كان يبدو لي بوضوح تنافر أنواع الطيور الأخرى منها، ولكن مع متابعتي اليومية لها وجدتها تتآلف مع بعض الطيور الأخرى. أراها كل يوم في البحيرة حوالي الساعة 8 صباحًا».
في مكالمة مع شريف بهاء الدين، خبير الطيور المصري ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لحماية الطبيعة ورئيس اللجنة الخاصة بتسجيل الطيور النادرة في مصر، أكد أن طائر البطة الرخماء لم يُسجل في مصر منذ 1925، أي ما يقرب من مئة عام، ومن المنتظر أن يُضاف هذا التسجيل في النشرة القادمة للجنة.
كما أوضح أن اختفاء الطائر في مصر طوال تلك المدة كان بسبب قلة أعداده عالميًا. ويمكن أن يكون لتدهور حالة الأراضي الرطبة في مصر وتغيّر المناخ دور في ذلك، وبالتالي تقل فرصة مشاهدته في مصر. يقضى الطائر فصل الصيف في مواطن تكاثره شمال البحر المتوسط في دول مثل تركيا واليونان وسوريا والعراق، ويهاجر إلى الجنوب شتاءً بحثًا عن الدفء والغذاء.
أكد بهاء الدين أن تسجيل طائر واحد قد يعني وجود المزيد، ولكن ذلك ليس كافيًا لاعتبارها عودة دائمة للطائر إلى مصر، وعلينا أن نتابعه في السنوات القادمة لتأكيد الأمر، وربما ستكون إشارة جيدة إذا استطعنا أن نسجل ذكر البطة الرخماء في البحيرة أيضًا.
كما أعرب بهاء الدين عن سعادته البالغة بدور المجتمع المحلي في الفيوم على حماية الطيور وموائلها الطبيعية والجهود المحلية لرصد طيور مصر وتوثيقها.
يتابع منصور عن مشاهدته للطائر النادر٬ «التعرف على الطيور من خلال الصوت مهم جدًا، لأن هناك العديد من الطيور الخجولة التي يصعب مشاهدتها. لذا بدأت في التركيز مع أصوات الطيور في الفيوم، لأنها من الأمور التي تهم السائح المهتم بالطيور، فلا بد أن يكون عندك فكرة واضحة عن النقاط التي يتواجد بها الطائر، أو يفضلها في معيشته، والأوقات التي يحبها. وبالاضافة للصوت، عليك أن تعلم الاختلافات في الشكل بين الذكر والأنثى وفي مواسم التزاوج. أكثر الطيور التي يطلب السياح مشاهدتها في الفيوم هي الفلامنجو (البشاروش)، لا يعرف البعض أن هناك فلامنجو في مصر، يحبه الأطفال جدًا وتكون دائمًا مشاهدته مفاجأة سارة للجميع».
ويحكي منصور عن رحلته مع مشاهدة الطيور التي باتت أحد أهم الأنشطة البيئية في مصر التي يتزايد أعداد المهتمين بها من السياح والمصريين.
«أنا من السكان المحليين لقرية تونس بالفيوم، وأعمل منذ 18 عامًا كمراقب للطيور. كانت البداية عام 2002، حين بدأ مشروع هولندي لتنشيط السياحة البيئية في قرية تونس. أذكر سيدة اسمها نينا بورخاستا قابلت مدام إيڤيلين صاحبة مدرسة الفخار، وطلبت منها مساعدتها في تكوين مجموعة من السكان المحليين ليتدربوا على أنشطة السياحة البيئية مثل العمل كدليل في الصحراء أو مراقبين طيور، وذلك لقرب القرية من المحميات الطبيعية (وادي الريان، ووادي الحيتان، وبحيرة قارون) في محافظة الفيوم».
«سمعتُ عن مجموعة مراقبة الطيور، فألحيت على أحد أقربائي ليوصلني بالسيدة نينا حتى تجري لي مقابلة للانضمام إلى مجموعة مرشدي مراقبة الطيور. وبالفعل جاءت لزيارتي في محل البقالة الخاص بي بالقرية، وشجعتني وعرفتني على الأستاذة ميندي بهاء الدين (الناشطة البيئية) التى كانت تتولى عملية التدريب»، يتابع منصور.
«حين بدأت تدريب مراقبة الطيور كان عمري 33 سنة. قبل ذلك كنت أعمل بين الزراعة ومحل البقالة الخاص بالعائلة. كنا خمسة أفراد في التدريب، اثنين منهم كانوا بالأساس أبًا عن جد، صيادين طيور. كان هدفهم من الانضمام إلى التدريب هو تجنب مضايقات السيدة ميندي لهم، وخوفًا من ضغطها لمنع صيد الطيور في البحيرة. في نهاية المشروع وبعد مقابلة مع السفير الهولندي ومحافظ الفيوم، تم إصدار تراخيص مرشدين محليين لنا من هيئة تنشيط السياحة، ألحقنا المشروع ببعض الدورات التدريبية في اللغة الانجليزية وطرق التعامل مع السياح وإعداد البرامج والمسارات السياحية لمشاهدة الطيور».
يستكمل منصور حديثه «استغرقني الأمر حوالي خمس أو ست سنوات حتى بدأ عملي كمراقب طيور في إدرار أي دخل. تعرّضت لمضايقات عديدة لتعطيلي عن العمل، سألني الجميع أنت معندكش حاجة تعملها، بتتفرج على طيور؟ وطالني هذا الاستهزاء في البداية من بعض أفراد عائلتي أيضًا، وتحدث بالطبع خلافات دائمة بين مشاهدي الطيور والصيادين في المنطقة».
وينهي منصور حديثه عن المخاطر البيئية في الفيوم: «أكبر المخاطر على الطيور في الفيوم هي الصيد الجائر، والقضاء على البيئات الطبيعية بالانشاءات، وزيادة الضوضاء. بحيرة قارون من أفضل الأماكن لمشاهدة الطيور في مصر، ولا بد من الحفاظ على ما تبقى فيها من المستنقعات، ولابد أن يتم ذلك من خلال التنسيق مع وزارة البيئة».
تقارير ذات صلة
كيف تصحرت أجود الأراضي الزراعية في مصر؟
تدهور جودة الأراضي وارتفاع نسبة ملوحتها أدى إلى اندثار أشجار الجوافة التي اشتهرت بها إدكو
حكاية بحيرة.. المنزلة التي ضاقت بالرزق والحياة
تطوير «المنزلة» بالمليارات وشكاوى الصيادين مستمرة
أنت كثير التلوث.. أخلع تيشيرتك المصنوع من البوليستر حالًا
الحلول المستدامة التي تخص الموضة حاليًا ليست هي ما نحتاجه
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
