تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
طُعم الدراما المصرية

طُعم الدراما المصرية

#129 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: هلال شومان 11 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

علاقتنا بالدراما معقدة، ننتقدها ونسخر منها، لكننا لا نملها. نراكم رمضان وراء الآخر مخزونًا دراميًا، يجعلنا نمنح الدراما فرصة، هكذا نبتلع الطُعم، نتركه يشبك قلوبنا. عن هذا الطعم يكتب مشاهد مسلسلاتنا الأمين، الروائي اللبناني هلال شومان هذا الديتوكس.

#مشاهدة

في ليالي الحرب الأهلية اللبنانية، عاش لبنان فوضى قنوات تلفزيونية، حتى كان لكل جماعة فيه تقريبًا تلفزيونًا. تزاحمت قنوات مثل تلفزيون المشرق، وكيليكيا، وسيغما 90، وC33، وICN، وCVN، وأليسار على موجتي الـVHF والـUHF. وكان يمكن لعائلتي التي كانت تسكن في غرب بيروت أن تلتقط القناتين السورية والمصرية بتوجيه الهوائيات الخارجية إذا ما ساعد الطقس. كان ذلك عصر الفوضى الإعلامية السابق لعصر الفضاء وقنوات الباقات والصحون اللاقطة واشتراكات القنوات الفضائية ومنصات البث.

 

في البدء: ألف ليلة وليلة وفوازير

في ثمانينيات البلد المنهك حربًا وتقسيمًا، تحدَّد رمضان التلفزيوني عندنا بفوازير نيللي وشريهان والانتاجات المصريَّة من «ألف ليلة وليلة». كانت الفوازير تُعرَض متأخرة سنة أو سنتين عن زمن إنتاجها، بينما تُبَثّ المسلسلات الدرامية على مدار العام. وإذا كان الطابع المنوعاتي قد منح الفوازير رخصة ما عند جماهير من خلفيات طائفية مختلفة، فإنَّ المسلسلات الدرامية التي تملك ملمحًا اجتماعيًا كـ«الراية البيضا» و«الشهد والدموع»، وسياسيًا كـ«دموع في عيون وقحة» و«رأفت الهجان» و«ليالي الحلمية»، ظلت أسيرة مشاهدة الجمهور الآتي من خلفية عروبية وقومية، ومنها عائلتي. وساهم في ذلك الأسر، التركز المنوعاتي والسياساتي المحلي للقناة الأكثر انتشارًا مثل «أل بي سي» التي أنشأتها القوات اللبنانية في منتصف الثمانينيات.

عرضت قناة «أل بي سي» بضعة مسلسلات مصرية منها الأجزاء الأولى لـ «ليالي الحلمية» نفسه، لكن ذلك لم يكن اعترافًا بثقافة جمهور شديد الصلة بمصر أكثر من كونها إيماءة رأس خفيفة واعتراف بجماهيرية هذه الأعمال، ومحاولة للحفاظ على سمعتها كالقناة الأولى، وكان ذلك متسقًا تمامًا مع لبنان بشير الجميِّل المغتال، الذي نشأت القوات اللبنانية على أطلاله: لبنان مسيحي الأصل مع اعتراف بعلاقات عربية لا تنفي مكانة البلد «الغريب» في محيطه، بحسب تلك الرؤية.

وفي بلد انقطاع الكهرباء والقصف غير متوقع التوقيت، حيث لا يمكن الجزم بالقدرة على المتابعة اليومية لحلقات المسلسلات، كنا نتحايل على هذه الصعوبات باستئجار أفلام الـVHS من نوادي الفيديو في الأحياء. هكذا تابعنا حلقات «رأفت الهجان»، وانتظرنا مستأجرين آخرين ليعيدوا فيديوهات الحلقات لنكمل المشاهدة. وكان المسلسل ناجحًا لدرجة أن أفراد وأصدقاء العائلة صاروا يتبادلون رواية صالح مرسي بلونيها الأزرق والأحمر، وعادوا لقراءة «دموع في عيون وقحة» في الملاجئ، واطلعوا على كتب مرسي الباقية مثل «الحفار» و«سامية فهمي».
​​

caption

 

السلم الأهلي: تلفزيون المستقبل ينافس أل بي سي

في الميثاق الوطني اللبناني كان لبنان بلدًا «ذا وجه عربي، (..) ذا طابع خاص»، وفي وثيقة الوفاق الوطني التي أفضت إلى دستور الطائف، دستور الجمهورية الحالية، بات لبنان «عربي الهوية والانتماء». ومع حسم هوية البلد، وتسليمه لنظام حافظ الأسد، سكتت المدافع، وبدأت مسيرة «السلم الأهلي» المظفرة.

في 1992، مع ترؤس رفيق الحريري أول حكومة في سلسلة الحكومات التي ألّفها، جاء الرجل صاحب النعل الذهبي (بحسب وصف عمر أميرالاي له في فيلمه) مع مشروعه الإعلامي: قناة تلفزيونية بطاقم من مختلف الطوائف، انطلقت في 1993، تحت اسم «تلفزيون المستقبل»، لتواكب شعار شركة إعمار بيروت سوليدير، المملوكة للحريري نفسه: «بيروت.. مدينة عريقة للمستقبل»

caption

الواقع السياسي الذي رزح لبنان تحته، ومحاولات التحايل على نقاشات الذاكرة والحرب ومعنى السلم الأهلي والإعمار، كان يفترض ردة عروبية ثقافية وفنية ما تحمي هذا التحايل، وتشكُّل الموسم الرمضاني بتركزه على الأعمال المصرية لاءم هذا الخيار. فبدأ «تلفزيون المستقبل» نشاطه بسلسلة من البرامج الثقافية والفنية والنقل المباشر لسهرات الخيم الرمضانية التي كان يُدعى إليها من القاهرة الممثلون والمغنون المصريون، وبثَّ «المستقبل» فوازير «أم العريف» لنيللي، مواجهًا فوازير «حاجات ومحتاجات» لشريهان على «أل بي سي»، التي استثمرت أيضًا في عرض مسلسل «دموع صاحبة الجلالة» (الشهير بمنصور عجب)، وحاولت أن تسترجع -فاشلةً- مجد «رأفت الهجان» بمسلسل «الثعلب»، الذي كان يفتتح مقدمته بخطبة متكررة للسادات يشيد فيها بالقوات المسلحة، وهو شخصية لم تكن محببة عند عائلتنا، وعموم المشاهدين من ذوي الصلة بمصر عبد الناصر. 

في مارس 1994، مع النزاع بين سمير جعجع والنظام السوري، وبعد تفجير كنيسة سيدة النجاة، اتخذ مجلس الوزراء اللبناني قرارًا بحل حزب القوات اللبنانية، وتعليق كل الأخبار والبرامج السياسية في وسائل الإعلام اللبنانية الخاصة، وحوصر منزل سمير جعجع لأيام حتى تم اعتقاله في 21 أبريل من العام نفسه ليُحاكم بتهمة تفجير الكنيسة.

قبلها بشهر ونصف، وفي عبث أصيل في لبنانيته، استثمرت «أل بي سي» في شراء المسلسلات المصرية، فعرضت على شاشتها «أرابيسك» الذي يتحدث عن ماهية الهوية المصرية، و«أيام المنيرة» الذي يقدم رواية دولتية عن «النزاعات السياسية» التي حدثت بمصر في السبعينيات والثمانينيات، وفوازير «إحنا فين» التي فشلت فشلًا ذريعًا، والأهم: «لا»، المسلسل الذي يتحدث عن عبد المتعال محجوب (يحيى الفخراني) الذي يُسجَن من دون إثبات تهمة، وعندما يخرج، يجد نفسه وقد سجلته دولته في عداد الوفيات، في انتقاء بدا مقصودًا من القناة.

في 1995، عرضت «أل بي سي» مسلسلين مصريين هما «العائلة» (بتأخير عام عن سنة إنتاجه) الذي يتحدث عن ظاهرة الإرهاب الديني، و«علي بابا والأربعين حرامي» الذي قدِّم تحت عنوان «ألف ليلة وليلة». نجح المسلسلان في المشاهدة، مع تحفظ إسناد دور مغتصب الشخصية الأساسية التي لعبتها ليلى علوي لممثل ناشئ اسمه جمال عبد الناصر. كتبت مجلات فنية ذات مواقف ناصرية أنَّ شخصية علوي ترمز لمصر، وأن انتقاء الممثل باسمه هذا مقصود، ويُراد منه الترويج لعهديْ السادات ومبارك. 

من جهته، حاول «تلفزيون المستقبل» أن يتلمَّس شكل برمجته الرمضانية عبر عرض مسلسل «الفرسان» الذي نجح نجاحًا كبيرًا، لكنَّ الجمهور اللبناني الرمضاني كان متجهًا بغالبيته لمتابعة الجزء الخامس من «ليالي الحلمية»، الذي حظيَت برخصة عرضه قناة تلفزيونية متواضعة كانت مختصة بعرض الفيديوكليبات والأغاني وبرامج المنوعات، هي «سيغما 90»، بالإضافة إلى عرضها مسلسل «السقوط في بئر سبع».

1996 كان عامًا مفصليًا في حسم المواجهة الرمضانية بين «المستقبل» و«أل بي سي»، لصالح الأول. رسَّخ المستقبل موقعه الرمضاني بمسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» الذي نجح نجاحًا ساحقًا، ومعه «الحفار»، كمحاولة استعادية لرأفت الهجان في إطار بطولة جماعية، وهي محاولة تعرضت للتندر مع تلوين وجوه الممثلين باللون الأسود خلال أحداث المسلسل وضعف الإمكانيات الفنية. بينما قررت «أل بي سي» أن تعرض مسلسل «نصف ربيع الآخر»، الذي تابعته عائلتنا حبًا بتايورات إلهام شاهين، ولأنَّ مصفف شعر يسكن حيَّنا سافر إلى مصر ليصفف لشاهين شعرها في المسلسل. هذا العام شهد أيضًا اختلافًا جوهريًا عن المواسم السابقة تلخص في برمجة مسلسلات سورية عدة، فعرض «تلفزيون المستقبل» المسلسل المثير للجدل «إخوة التراب» لنجدت اسماعيل أنزور الذي اعترضت عليه الدولة التركية وطالبت بمنع عرضه إذ كان يتعرض لفترة حكم العثمانيين لبلاد الشام وصولًا إلى أساليب التعذيب التي كانوا يتبعونها، ومنها الخازوق. كما عرض مسلسل «خان الحرير» الذي كان يتطرق لحراكات فترة الوحدة المصرية السورية في حلب وتأثيرها على تجار الحرير. أما تلفزيون لبنان الرسمي فكان يروج لعودة دريد لحام  في مسلسل «أحلام أبو الهنا» في أول شخصية كوميدية له بعد غوار الطوشي.

في 1997، أكمل «تلفزيون المستقبل» في عرض ثنائية نور الشريف مع عبلة كامل، فانتقى مسلسل «الأمير المجهول (هارون الرشيد)»، بينما قررت «أل بي سي» أن تقوم بمغامرة غريبة لتقدم مسلسل «أوراق الزمن المر»، وهو مسلسل معاصر بطاقم ممثلين لبنانيين وسوريين يتحدثون الفصحى، ومن إخراج مخرج «إخوة التراب». وأطلقت القناة برامج المسابقات الرمضانية، فظهر طوني خليفة في «بتخسر إذا ما بتلعب» مسببًا أزمة اتصالات يومية.

نهاية التسعينيات: الدش يحكم

في الأعوام التسعيناتية اللاحقة، استمر «تلفزيون المستقبل» في برمجة تزاوج بين الأعمال المصرية والسورية، فعرض أعمالًا مصرية شهيرة مثل أجزاء «هوانم جاردن سيتي» و«زيزينيا»، وأخرى سورية من إخراج هيثم حقي ونجدت أنزور وباسل الخطيب. أما «أل بي سي» فانكفأت عن زخم عرض المسلسلات باتجاه برامج المسابقات والمنوعات من دون أن توقف محاولاتها الغريبة لصناعة مسلسل رمضاني لبناني / سوري، هذه المرة مع «رماد وملح» الذي قدمته في 1998 للمشاهدين كأول مسلسل يعالج الحرب الأهلية اللبنانية من دون مواربة الأسماء الهجينة والواقع، فكان رواية أمينة لسردية نظام السلم الأهلي عن الحرب الأهلية مع إطناب لمآثر نظام حافظ الأسد في «منع ووقف» الحرب. وبالتوازي مع «رماد وملح»، عرضَت القناة تجربة لاقت قبولًا عند الجمهور اللبناني هي «امرأة من زمن الحب» بصفته أول مسلسل مصري يضمن في طاقمه ممثلين لبنانيين ويتخد موقفًا إيجابيًا من مقاومة حزب الله، قبل التحرير في 2000.
لم يتكرَّر نجاح «لن أعيش في جلباب أبي» في البيوت اللبنانية إلا بعد سنوات، مع بثّ مسلسل «أم كلثوم» الذي حظي بمتابعة حثيثة ونقاشات في الجلسات العائلية والصحف، لينقسم الجمهور بين محب لأم كلثوم، ومتعاطف مع محبيها الذين تتلاعب بهم كوكب الشرق، (تحديدًا محمد القصبجي وأحمد رامي)، وليُعاد اكتشاف أغنية «رق الحبيب» من جديد.

بالتوازي، ومنذ 1996، كانت تجربة المشاهدة قد بدأت بالتغيُّر لدى المشاهد اللبناني، فانتقل من متابعة القنوات المحلية إلى الاشتراك في خدمات الدش التي تضمنت قنوات المنوعات والمسلسلات المتخصصة، ومنها قنوات أوربت وراديو وتلفزيون العرب art. وبلغت التجربة ذروتها في 1998، فلم يعد الموسم الرمضاني أسير برمجة القنوات المحلية المتنافسة. ولحاقًا بتغيُّر تجربة المشاهدة، صار المسلسل المصري يواجه منافسة حادة من المسلسلات السورية التي كانت تستثمر في النصوص والتصوير الخارجي البعيد عن الاستديوهات مدعومةً بانتاج شركات سورية خاصة والشركات الرديفة لأوربت وراديو وتلفزيون العرب (سانيلاند فيلم مثلًا)، وقنوات دبي وأبو ظبي وقطر، وكان أولى ضحايا هذا الاستثمار الإنتاجي المسلسل التاريخي المصري الذي صار يبدو فقير الصورة مقارنة بنظيره السوري حتى انكفأ تمامًا. هذه المنافسة السورية/المصرية انعكست مناوشات كلامية في الصحف والمجلات بين صانعي أعمال مصرين وسوريين، لا يزال صداها مسموعًا حتى الآن، وجذرها على الأرجح سياسي لا فني، ويتعلق بموقع البلدين في الواقع العربي المتكئ على أدوار سياسية سابقة وحالية.

الألفية: دراما مقاوِمة؟

في 2003، ثلاث سنوات بعد التحرير، انشغل اللبنانيون بمتابعة «زمن الأوغاد»، المسلسل الأول الذي يتطرق لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في تجربة «محلية» ثانية بعد «رماد وملح» تفترق نوعًا ما عن مواضيع الإنتاج الدرامي المحلي التي تتفادى المواضيع السياسية. للمفارقة، قامت بإنتاج المسلسل شركة سانيلاند السعودية (وهي شركة رديفة لشركة راديو وتلفزيون العرب)، ونجح المسلسل نجاحًا واسعًا رغم رداءة مستواه الفني المتكئ على الميلودراما.

مع 2011، وبعد محاولات سابقة لعرض مسلسلات ذات طابع تاريخي تلائم خطاب المحطة («فارس بلا جواد» المروِّج لبروتوكولات حكماء صهيون لمحمد صبحي، ومسلسل «الشتات» السوري الذي ينفي عن نفسه الترويج لتلك البروتوكولات)، ومسلسلات أخرى مصرية أعملت فيها يد الرقيب التلفزيوني حذف مشاهد وموسيقى تصويرية، ورسم أكمام على ذراعات الممثلات المصريات (مسلسل «كشكول لكل مواطن»، و«الفنار» وكلاهما من بطولة صابرين)، واتكاءً على إرث مسلسل «زمن الأوغاد»، بدأت قناة «المنار» التابعة لحزب الله بعرض إنتاجات درامية لمركز بيروت الدولي، تعارف على توصيفها باسم «دراما مقاوِمة». كانت الباكورة مع مسلسل «الغالبون» بجزئيه وأتبع بمسلسلات أخرى مثل «قيامة البنادق»، و«ملح التراب»، و«درب الياسمين»، وهي مسلسلات موجَّهة لجمهور الحزب تحديدًا، وتلتزم بقواعد محددة في المضمون والشكل واللغة وتقدِّم صورة واحدة ووحيدة للمجتمع. 

حاليًا، تعرض قناة المنار مسلسل «ظل المطر» الذي أنتجه مركز بيروت الدولي، ويشرح لمشاهديه بشكل مباشر أن انهيار الجمهورية الثانية الاقتصادي هو نتاج الحصار على حزب الله وبيئته، أما انتفاضة «17 تشرين» الشعبية فهي محاولة لتجييش المجتمع اللبناني ضد الحزب، وتحمل شعارًا إسرائيليًا: «كلن يعني كلن»

لقد واكب تشكُّل الموسم الرمضاني المصري/ السوري في لبنان صعود نشاط قطاع الإنتاج المصري، والشركات الإنتاجية على حافته، والشركات السورية الخاصة، وخيارات القنوات المتخصصة الخليجية، واستفاد من معطيات لبنانية محلية، لم تلبث أن استنفدت نفسها. لكنَّ تجربة المشاهدة تغيّرت من استقبال العرض لانتقاء العرض نفسه. اختلفت صيَغ الإنتاج، ومات مضمون المشروع الدولتي الثقافي (ممدوح الليثي وقطاع إنتاجه مثالًا مصريًا، وشركة سورية الدولية مثالًا سوريًا). 

إذا حاولتُ أن أتذكَّر المسلسلات التي تابعها الجمهور اللبناني في الأعوام العشرة الأخيرة، ستحضر في ذهني أعمال هجينة تتفادى المواضيع الاجتماعية والسياسية وحتى التاريخية، تنتجها شركات لبنانية محلية مثل شركتي الصباح وإيغل فيلمز لصالح العرض على «شاهد» و«أم بي سي». لا يجمع بين هذه المسلسلات إلا المحاولات الحثيثة لتقديم شخصية رئيسية بقيَم رجعية (تتخطى بما لا يُقاس الخطاب الأخلاقي والعائلي لمسلسلات التسعينيات) في نصوص مهلهلة. مجرد ملاحقة أدوار الممثلين اللبنانيين والسوريين المشاركين في هذه الأعمال، مثل نادين نجيم وتيم حسن، وقصي خولي، وعابد فهد، وسيرين عبد النور، وماغي أبو غصن، تُشعِر بفراغ ما، وهو على الأرجح فراغ يشبه متطلبات زمن ما بعد 2011: إما أن لا تقول أي شيء (مسلسلات pan arab فقيرة الكتابة التي تقدِّم شخصيات بلازمات يوَدُّ تكرارها على الألسنة في أكثر من بلد عربي كمقياس للنجاح)، أو أن تقول الكثير المباشر بشكل بالغ الفجاجة (بروباغندا الأنظمة).

خاتمة:

ما الذي جعلني مشاهدًا أمينًا للدراما التلفزيونية بشكل عام والمصرية خاصةً؟ أظن أن هذا «الالتزام» بدأ كعادة عائلية، ثمَّ تطوَّر مع تشكُّل الموسم الرمضاني وغياب الفوازير والحضور المضطرد للمسلسلات المصرية. فضلًا عن ذلك، ما يزال افتراض الريادة المصرية السياسية/الثقافية ومعها موقع مصر في المخيال الاجتماعي -الذي نشأتُ في أجوائه- حاضرًا. وبينما كان لبنان التسعينيات رازحًا تحت سيطرة النظام السوري، فإنَّ مصر بمحافظتها على بُعدها عن السياسة اللبنانية اليومية، أبقت عندنا على هذا الموقف الموروث الذي يشوبه نوستالجيا لا ينفيها أحد. بمعنى آخر، عرض المسلسل السوري كان انعاكسًا لعلاقة نظام السلم الأهلي بالنظام السوري، وانتاجه كان ابن التوافق الخليجي السوري في مرحلة ما. لا ينفي ذلك، أنه، وضمن هذا التوافق صنِعَت أعمال اجتماعية مسيَّسة مميزة لهيثم حقي وحاتم علي. وبالمعنى نفسه، فإنَّ العزف الخليجي عن تمويل المسلسل السوري الاجتماعي/السياسي هو أيضًا نتيجة للنزاع بين الطرفين الخليجي/السوري النظامي. أما المسلسل السوري/اللبناني المشترك الهجين فارغ المضمون الاجتماعي/السياسي (الذي تروِّج له المنصات والتلفزيونات الخليجية) فهو أيضًا ابن انهيار النظام السوري وانسحابه من لبنان، وهو انعكاس آخر للمطلوب تفاديه بعد الثورات العربية. 

لكن في زمن يعيش فيه المواطن اللبناني انهيارًا معيشيًا، أغلقت فيه الصحف وتضاءلت موارد التلفزيونات الإعلانية، وتوقفت شركات الإحصاء عن إبراز نسب مشاهدات المسلسلات، وصارت معظم المسلسلات تنتَج للبيع لمنصَّات بعينها، يصير السؤال: ما معنى الموسم المسلسلاتي الرمضاني؟ وجواب السؤال هو نفسه كما في التسعينيات، كما في أي مكان: فتِّش عن الخطاب والمشروع حتى في قصديَّة غيابهما. ففي النهاية، السلطات الحاكمة في انحداراتها نحو الرثاثة، لا تقبل إلا بسردية واحدة فجة عن الذي حدث، أو لم يحدث، في أمس قريب.

#وسلام.

عن الكاتب

هلال شومان

هلال شومان هو روائي لبناني الجنسية، وُلد في بيروت عام 1982. نُشِرَ له بالعربيّة ثلاث روايات: “ما رواه النوم” (دار ملامح – 2008)، و “نابوليتانا”(دار الآداب – 2010)، و “ليمبو بيروت” (دار التنوير – 2012).…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن