طب مين يقول يا ليل؟| الأغنية الشعبية منسية في زمن «كورونا» والمهرجانات
قبل أن يحل زمن «كورونا» بفترة وجيزة، كانت الأغنية الشعبية التقليدية وصلت إلى ذروة تألقها وانتشارها، بوجود تنوع في الأصوات الشعبية واستحواذها على معظم وسائل العرض التجارية والجماهيرية، بداية من الأفلام السينمائية إلى الأفراح والإعلانات، وكان المتوقع أن تواصل صعودها، بعد أن أثرت على سوق البوب أيضًا، وكان نجومه يسعون لملاحقة نجومها، وأحيانًا تقليدهم أو الاستعانة بهم في دويتوهات للاستفادة من شعبيتهم، وفي مقدمتهم محمود الليثي ومن بعده عبد الباسط حمودة وأحمد شيبة وبوسي. ولم يكن في الحسبان أن تتلقى الضربة الأكبر قبل عام ونصف، بسبب الصعود السريع للراب والمهرجانات وكذلك أزمة الإنتاج السينمائي وفترة توقف «كورونا» أصبح نجوم الطرب الشعبي القدامى أول الجالسين في المنزل، ومن بعدهم نجوم البوب.
«قالوا غنّي مهرجانات وأنا عايز أقول مواويل.. لو أغني مهرجانات طب مين يقول يا ليل؟»
يرى عدد من نجوم الأغنية الشعبية في مصر أن السبب الرئيسي في تردي أحوالها هو صعود أغاني المهرجانات، ومنهم محمود الليثي الذي سخر بالكوبليه السابق في اسكتش غنائي ببرنامج «سعفان في التلفزيون»، من وقف حال المطربين الشعبيين بسبب انتشار المهرجانات وأغاني الراب، شاكيًا من صعود ألوان موسيقية لا تعتمد على قوة الأصوات، وساخرًا من أبرز رموز الجيل الجديد مثل حمو بيكا وويجز ومروان بابلو وحسن شاكوش. ويعلن بصراحة ساخرة وجود أزمة عمل لدى زملائه، من نفس الفئة «راح أغني مهرجانات وأحط أوتوتيون/ خلاص بقى الأصوات ماعدش ليها زبون» ولكن هل المهرجانات والراب هما السبب الوحيد في خفوت بريق الأغنية الشعبية التقليدية؟
هناك أسباب متعددة لأفول نجم الأغنية الشعبية، وساهمت فترة إغلاق «كورونا» في كشف هشاشة الأساس الإنتاجي لها، وسرعة انهياره أمام التغيرات السريعة في السوق وذوق الجماهير. بحوارات مع المغني محمود الليثي والمنتج السينمائي أحمد السبكي والملحن والشاعر عزيز الشافعي، نحاول الوقوف على تلك الأسباب.
المهرجانات تلتهم ما تبقى من الأغنية الشعبية
كان السؤال المتكرر في بداية ظهور المهرجانات: هل تصنف كأغنية شعبية؟ وحاول نجوم اللون الغنائي مثل عبد الباسط حمودة ومحمود الليثي الفصل بينها وبين المهرجانات، وإبعادها عن طريقهم باعتبارها موجة مؤقتة وستنتهي، خاصة أنها لا تعتمد على القدرات الصوتية والطربية. لكن مر ما يقارب 12 عامًا على صعودها، وما زالت في الصدارة، ولم تتوقف عن ضخ نجوم جدد في المجال.
رغم السيطرة الواضحة للمهرجانات على السوق، إلا أن محمود الليثي، أبرز نجوم الأغنية الشعبية في الوقت الحالي، يثق أن «الأغنية الشعبية محدش ظهر لها عشان حد ينافسها» ويقول في حديثه معنا «دول حبة ناس بتوع مهرجانات ليهم مجالهم وشغلهم ونجاحهم، موجودين من شريط عصفورين -من 17 سنة- والناس بتحبهم وملهمش دعوة بالأغنية الشعبية.»
يرى الليثي أن محبيهم ممكن أن يكونوا خمسة إلى عشرة ملايين وسط 120 مليون، يحبون هذا النوع بعلته و«قلة أدبه» و«مالناش دعوة بيهم» هم مجرد ذائقة وسط ذائقات متعددة للجمهور المصري: «فيه بيسمع أندرجراوند وفيه بيسمع شعبي وعمرو دياب وحماقي وموسيقى عربية وكلاسيك وعدوية ومهرجان شاكوش وحمو بيكا والكلام ده.»

ويرى الليثي أن سبب تراجع الأغنية الشعبية مؤخرًا هو احترام منتجيها للجمهور في فترة أزمة «كورونا»، ويقول: «كل ما في الأمر أن إنت بتحترم رأي الناس وبتحترم حب الناس ليك، وبتحترم الناس اللي وقفت في ضهرك 17 سنة بيحبوك.. فيما معناه إنك مبتقدمش أي فن وأي حاجة، والناس تعبانة وعندها كورونا وناس منها بتموت ومتبقاش الناس حزينة وأنت جاي بتضحك لهم تبقى أنت إنسان سلبي. لا أنت لازم هما يفرحوا تفرح معاهم يحزنوا أنت تحزن معاهم»
ويتوقع الليثي أن تنتهي المهرجانات وتبقى الأغنية الشعبية، لأن «المهنة بتاعتهم دي ملهاش أساس، وأي حاجة ملهاش أساس هتطلع وهتنزل بسرعة بدليل مين؟ كان فيه أوكا واورتيجا هما اللي اخترعوا اللعبة دي وعملوها، هما فين أوكا وأورتيجا دلوقتي؟»
الأرقام والإعلانات وتترات المسلسلات
كلام الليثي يتناقض مع أرقام الواقع، التي تقول إن الطلب قلّ على نجوم الأغنية الشعبية في الإعلانات وتترات المسلسلات والأفلام، وجه القياس الأبرز لجماهيرية الألوان الغنائية ومقدميها، بجانب أرقام مشاهدات يوتيوب.
ففي مجال الإعلانات، كان حضور نجوم الأغنية الشعبية قبل ذلك قويًا بجانب نجوم المهرجانات والبوب، من خلال معادلة «مطرب شعبي+ مطرب مهرجانات أو مطرب بوب» ولكن بعد صعود نجوم الراب بقوة هذا العام، تحولت التوليفة إلى «مغني راب+ مغني مهرجانات» وتحول مغنون مثل عمر كمال وحسن شاكوش من نجوم مهرجانات إلى مطربين شعبيين في هذه المعادلة، بسبب قدرتهما على تقديم اللونين في الوقت نفسه. ولكن ظلت بعض الوجوه القديمة محافظة على وجودها في الإعلانات مثل عبد الباسط حمودة، الذي قدم هذا العام فقط ما يقارب من خمس حملات إعلانية، مقابل إعلانين لمحمود الليثي، أمام 13 حملة إعلانية تقريبًا من تقديم نجوم المهرجانات والراب.

وفي تترات المسلسلات، لم يمثل نجوم الأغنية الشعبية في الموسم الدرامي الماضي سوى رضا البحراوي في مسلسل «النمر» بأغنيتين، أمام طوفان من أغاني البوب والمهرجانات في تترات المسلسلات وداخلها، فعمر كمال بمفرده قدم ست أغاني تقريبًا في أربعة مسلسلات، من بينها «الاختيار 2» وظهر كممثل أيضًا في مسلسل «بين السما والأرض» بالإضافة إلى مشاركة فرقة «المدفعجية» وعدد آخر من نجوم المهرجانات في أعمال متفرقة.
غابت السينما فغابت الأغنية الشعبية
على خلاف الليثي، يعترف أحمد السبكي، المنتج السينمائي وحجر الأساس للأغنية الشعبية الفترة الأخيرة، بوجود أزمة حقيقية، وتساءل في بداية حديثه «إنت شايف أن الأغاني الشعبية بتاكل دلوقتي؟» ويلقي بدوره اللوم على المهرجانات «السبب أن الناس بتتغير، بتروح لهوجة المهرجانات شوية وبعدها يرجعوا للشعبي تاني، عشان الشعبي ده هو الأساس، ومستقبل الأغاني الشعبية موجود، ودي هوجة شوية الناس رايحة لها وخلاص.»

غابت الأغنية الشعبية تمامًا عن موسم أفلام الصيف الحالي، وهو المجال الذي كانت تنفرد به، خاصة مع أفلام السبكي، الأكثر نشاطًا. أنتج السبكي هذا العام فيلمًا وحيدًا؛ «ديدو» روّج له بأغنية مهرجانات وأخرى بصوت بطل الفيلم كريم فهمي، في حين قدم نجم المهرجانات أوكا أغنية فيلم «الإنس والنمس»، ولأول مرة يقدم مروان موسى، ممثلًا لجيل الراب، أغنية فيلم «موسى»
لا يمكن أن نعتبر أحمد السبكي مجرد منتج سينمائي فقط، ولكن الفترة الأخيرة أثبتت أنه صاحب دور محوري في الحفاظ على الأغنية الشعبية التقليدية وتجديدها والترويج لها، من خلال عادته الثابتة في الاستعانة بنجومها في أفلامه، للدرجة التي وصلت إلى تقديمهم كأبطال لهذه الأفلام. وهو المنتج الوحيد الذي اهتم بصناعة أفلام غنائية شعبية خالصة، مثل «عليا الطرب بالتلاتة» (2006) و«قصة الحي الشعبي» (2006) و«حصل خير» (2012) وغيرها.
من خلال أفلامه، قدم السبكي العديد من الأشكال الغنائية والاستعراضية الشعبية، وفرض رؤيته التجارية عليها. وكان له الفضل في اكتشاف عدة مواهب غنائية وإعادة اكتشاف البعض الآخر، فهو مخترع ثنائيات «سعد الصغير ودينا» و«محمود الليثي وبوسي». وتعامل مع الأغاني برؤية منتج موسيقي وليس سينمائي فقط، بتدخله في اختيار المطربين والكلمات والألحان وإشرافه الفني على الأغاني، واهتمامه بالمحتوى البصري والاستعراضي المصاحب لها. وكلها عناصر كانت تجعل أغاني تلك الفترة ضاربة دائمًا لدرجة قد يفوق نجاحها الأعمال السينمائية التي تروج لها.
حاول شقيقه محمد السبكي السير على خطاه في بعض أفلامه، ولكن بطريقة غير منهجية وبدرجة أقل. ولكن يُحسب له تقديم أحمد شيبة بأغنيته الأشهر «آه لو لعبت يا زهر» في فيلم «أوشن 14»، وإعادة تقديم حكيم في زمن المهرجانات بأغنية «حلاوة روح» في الفيلم الذي حمل نفس العنوان.

أحمد السبكي المنتج الأول للأغنية الشعبية
ورغم تاريخه الطويل مع إنتاج الأغاني الشعبية في أفلامه، إلا أن أحمد السبكي لا يصنف نفسه كمنتج موسيقي بالمعني الحرفي، هو فقط يحب الأغنية الشعبية «أنا بحب الأغاني الشعبية جدًا.. أنا أكتر واحد في العالم قدمتها، ملك الأغاني الشعبي. بحبها وبعرضها وبفهم فيها، والحمد لله ربنا بيوفقني في اللي أنا بختاره»
أثرى السبكي العديد من المسيرات الفنية لنجوم اللون الغنائي، وأبرزهم محمود الليثي، الذي يعتبر حالة فريدة بسبب ميله الطاغي إلى إعادة استخدام الفلكلور والأعمال الكلاسيكية والشرقية وحتى الصوفية والراي في أدائه الغنائي وألحانه. وقدم رؤيته الجديدة للأغنية الشعبية في تجارب إنتاجية ضعيفة في بداياته الفنية في نهاية عصر الكاسيت بألبومات مثل «عصفورين» (2004) و«يا رب» (2005)، ولكن مع السبكي لم يحتج الليثي إلى الألبومات -بالمناسبة طرح الليثي ألبوم بعنوان «علي بابا» في 2018 مع شركة «هاي كواليتي» وربما لم يسمع عنه أحد- وكان كل موسم سينمائي بالنسبة له ألبوم متكامل ومصور ومضمون النجاح.

واصل الليثي تطوره مع السبكي، وقدم مستوى متطورًا من رؤيته لشكل الأغنية الشعبية في عدة أعمال، مثل حفاظه على المواويل وإعادة تقديم القديم في أغاني «أطاوع» و«عم يا صياد» و«إذا كان قلبك كبير»، وتوظيف الموسيقى الصوفية والذكر مثل أغاني «زاهد الدنيا» و«مدد يا دسوقي» و«مولد سيدنا الحسين» في فيلم «الليلة الكبيرة» (2015)، وإلى الأغاني الحديثة الأقرب للمهرجانات مثل «بونبوناية» و«سوق البنات» وغيرها. ووصلت جرأة المنتِج إلى استخدامه صوته في أفلام جادة للتعبير عن مواقف درامية مثل موال «يا دنيا فيكي العجب» في فيلم «من ضهر راجل» (2015)، الذي كان ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان القاهرة السينمائي. ولم يتوقف وجود المطربين الشعبيين في أفلام السبكي على الأعمال الاستعراضية والكوميدية فقط، ولكن حتى في التجارب السينمائية الاستثنائية له، مثل فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» (2016) للمخرج يسري نصر الله، لم يغب عنه الليثي أيضًا.
ومثل تجربته مع الليثي، كرر السبكي مع زملائه نفس اللعبة من الجرأة في الإنتاج والتنوع، وقدم محطات فارقة في تاريخ الأغنية الشعبية مثل «أنا مش عارفني» لعبد الباسط حمودة التي كانت السبب في إعادة تقديم «حكمدار الأغنية الشعبية» للجمهور الشاب ومعرفة تاريخه، و«سيجارة بني» لمحمود الحسيني، و«الحنطور» لأمينة، و«العنب» لسعد الصغير وغيرها. واختتم السبكي مسيرته الجريئة في الإنتاج الغنائي الشعبي بجمع أقطاب الأغنية الثلاثة محمود الليثي وعبد الباسط حمودة وأحمد شيبة في أغنية «حملوني» من فيلم «صابر وراضي» في نهاية العام الماضي، وكأنها حفلة وداع للأغنية الشعبية التقليدية ورموزها، رغم أنها تبدو حيلة إنتاجية لعمل أغنية واحدة بمقام ثلاث أغاني لإرضاء واستغلال الجميع.

تجاهل يوتيوب والإنتاج الحديث
شعبية الراب والمهرجانات الفترة الأخيرة لم تكن فقط بسبب كونهما لونين غنائيين جديدين، كما يعتقد البعض من الجيل القديم، ولكن بسبب وجود أساس إنتاجي يتمثل في الاهتمام الكبير بيوتيوب ومنصات الاستماع ومواقع التواصل وتيكتوك، بالإضافة لسهولة العملية الإنتاجية الخاصة بهم، وتكلفتها القليلة، وعدم اعتمادها على المنتجين أو الأطراف الخارجية، فهي أقرب إلى الإنتاج الذاتي والعمل الفردي أو التشاركي الجماعي. لذلك لم يتأثروا بفترة التوقف في ظل أزمة «كورونا»، بل ازدادوا نشاطًا، بزيادة أوقات بقاء الجميع على الإنترنت، وأصبحوا الصوت الوحيد وسط صمت الساحة الغنائية التقليدية وانتظارها عودة الحياة لطبيعتها.
فصدق أو لا تصدق أن محمود الليثي وبوسي وعبد الباسط حمودة لا يمتلكون قنوات نشطة على يوتيوب، في زمن يوتيوب. وفي فترة يكثر فيها الحديث عن مستقبل الإنتاج الغنائي ما بعد يوتيوب، فإن أصحاب الأغاني الأكثر انتشارًا واستماعًا، لا يملكون أصلًا حقوقها، ولا يعرفون طريقة الإنتاج الحديث وأهمية طرح الأغاني على يوتيوب وسبوتيفاي وأنغامي والترويج لها على السوشيال ميديا وغيرها من الطرق التي باتت تقليديةً حاليًا.
تتفرق إنتاجات نجوم الأغنية الشعبية المصرية بين قناة أحمد السبكي، والمنتجين الآخرين غير الدائمين، وقنوات شركات الاتصالات والقنوات المجهولة وغير الرسمية على يوتيوب. فقناة محمود الليثي على يوتيوب عليها ستة مقاطع فقط جميعها نُشر العام الماضي، وقدم هذا العام ما يقارب أربع أغاني جديدة فقط، كلها ليست من إنتاجه، وأنشأت بوسي قناتها منذ أسبوعين فقط بدون فيديوهات غنائية، ولا يملك عبد الباسط حمودة قناة من الأساس.

يعتقد الليثي أن جمهور «يوتيوب» ليس جمهوره الأصلي، ويبرر غيابه بـ«مين اللي هيسمعك على يوتيوب؟ وأنت معاك حبة ناس أساسًا مش فاهمين، لو نزلت عاليوتيوب دلوقتي مش هيبقوا فاهمينك أنت هتقول إيه، فإنت خليك على تاريخك الحلو اللي عملته.» يرى الليثي أنه الوحيد في مصر والوطن العربي صاحب الثلاث مليارات و600 مليون مشاهدة لكل أعماله، وهذا بناءً على أنه «20 سنة بربي في حاجة كويسة.. أنا برسم وبرتب أموري على حاجة واحدة بس: إننا نصلح من حال الشباب ونربيهم على مزيكا كويسة.» وهو مقتنع أن الأرباح من يوتيوب ليست هي المقياس «لأن لما واحد فيهم يعمل غنوة وتعمله ألف دولار ولا حاجة دي بالنسبة له أملة. هو أساسًا كان قاعد عالقهوة ومش لاقي نص جنيه يجيب شاي بلبن»
غياب الأفراح
اعتمدت الأغنية الشعبية التقليدية على معادلة تقديم منتِج سينمائي لأغنية جديدة، تروج لفيلمه الجديد، مقابل أجر عنها، لكن الأهم أنها بمثابة دعاية للمطربين كي يزيد الطلب عليهم في حفلات الزفاف، مصدر رزقهم الأساسي. لذلك بعد فترة توقف «كورونا»، انقطع مصدر رزق نجوم الأغنية الشعبية بغياب المنتجين وإلغاء حفلات الزفاف.
غياب الأفراح لم ينتج عنه فقط غياب النجوم القدامى، ولكن تأثيره امتد إلى غياب الوجوه الجديدة. فالأفراح الشعبية كانت بمثابة برنامج لاكتشاف المواهب ومسرح مفتوح للأصوات الجديدة، بداية من المغنيين الشعبيين إلى نجوم البوب، والذين كانت بدايات معظمهم في فقرات الأفراح المفتوحة. وبتغير طريقة إقامة حفلات الزفاف واحتلال الدي جي والمهرجانات وعازفي الأورج لها، انقطع الأمل في إنتاج نماذج مشابهة لليثي وشيبة وبوسي وطارق الشيخ وأمثالهم. وفي الوقت نفسه باتت فكرة الاعتماد على الأفراح كمصدر رئيسي للدخل للنجوم الحاليين مهددة ومجال بلا مستقبل.
اختفاء الأصوات النسائية في الأغنية الشعبية
وتطور آخر خسرته الأغنية الشعبية في العامين الماضيين، هو اختفاء أصواتها النسائية. فبعد الصعود الصاروخي للمطربة بوسي ونجاحها الفني والجماهيري الكبير بعد «آه يا دنيا» في 2012، وتفوقها في المقارنة مع المطربة أمينة، التي تراجعت جماهيريًا بعد صعود بوسي، وكسرت الأخيرة حالة الجمود والذكورية في الأغنية الشعبية، وأثبتت تفوقها في ألوان غنائية أخرى مثل الأغاني الدرامية والرومانسية بالإضافة إلى الاستعراضية، ولكنها غابت قبل فترة «كورونا» بسبب عدة أزمات قضائية وشخصية وتراجعت جماهيريتها أيضًا بعد غيابها الطويل، وباتت الأغنية الشعبية بلا صوت نسائي حاليًا.

حكيم ومصطفى حجاج نموذجان لمواكبة التطورات.. ولكن
لم يفلت من الأزمة الأخيرة في الأغنية الشعبية إلا بعض النماذج التي استوعبت صناعة التريند والسوشِال ميديا سريعًا، وكذلك أضافت تطورات إلى شكل الأغنية التقليدية، وكسبت مساحات جديدة بالمزج بينها وبين البوب، كنموذج حكيم قديمًا ومصطفى حجاج ورضا البحراوي حاليًا، أو المغنيين الذين مزجوا المهرجانات بالأغنية الشعبية كعمر كمال وحسن شاكوش في الوقت الحالي.
قدم حكيم منذ بدايته رؤية عصرية للأغنية الشعبية بمزجها بالبوب، سواء في الموسيقى أو الأداء أو في طريقة التعامل مع السوق الغنائي، كاهتمامه بالكليبات وطرح الألبومات وعمل دويتوهات غنائية مع مطربين أجانب، والتعاون مع موسيقيين من خارج الأغنية الشعبية التقليدية، وتخلص من تأثير أحمد عدوية على أجيال الأغنية الشعبية بعده. كما ازداد نشاطه واهتمامه بيوتيوب ومواقع التواصل في فترة «كورونا»، مستلهمًا التجربة من طريقة نجوم المهرجانات في الترويج للأغاني، والاهتمام بنسب مشاهدتها واستماعها، وكذلك طريقة التفاعل مع شخصيته على السوشِال ميديا.

حكيم كان الأكثر مرونة أيضًا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد مرحلة «حلاوة روح» التي انتقل بها إلى المعسكر الشعبي الرائج بدلاً من الشعبي الموجه إلى جمهور البوب، مثلما كانت بداياته. وظل حريصًا على مواكبة التريند، فهو أول مَن تعاون مع جيل الأندرجراوند في فترة سطوعه بإحياء حفل مع فرقتي «كايروكي» و«ووسط البلد»، قبل أن يتجه مؤخرًا إلى تقليد المهرجانات وأغاني محمد رمضان، في أغانيه الأخيرة، وأبرزها أغنية «صحاب أونطة». ويعتبر أيضًا الأكثر نشاطًا من بين جيل الأغنية الشعبية هذا العام، إذ طرح ما يقارب ست أغاني جديدة، بالإضافة إلى عشرات الفيديوهات من حفلاته وبروفاته وكواليس أعماله القديمة لتنشيط قناته بيوتيوب.
ويعتبر مصطفى حجاج الأقرب لنموذج حكيم في الأغنية الشعبية من الجيل الجديد، ويتشاركان في نفس الاهتمامات بتنفيذ أغنية بمواصفات البوب ولكن تحمل الروح الشعبية.
ويعتبر الملحن والشاعر عزيز الشافعي، شريك مصطفى حجاج في أغانيه الأشهر مثل «خطوة» و«يا منعنع»، أن تجاربه مع حجاج لا تصنف أغاني شعبية، ولكن «أغاني مصرية» هو الوصف الأدق لها، وتحدث عن موقع حجاج من الأغنية الشعبية «الأغنية الشعبية بدعها عبد المطلب وبعده رشدي وعدوية، وبعدها كل الناس بدأت تقلد عدوية، وهي أغاني مصرية واتسمت شعبية عشان منتشرة بين الشعب.. لو الناس بره حبوا يصنفوا أغنية مصرية هيختاروها. وممكن نعتبر مصطفى حجاج امتداد وتطور عن الشكل ده من الأغاني ورضا البحراوي برضو.»

ورغم نجاة شريكه نسبيًا من براثن الأزمة، إلا أن الشافعي يدرك أن الأغنية الشعبية في مأزق بسبب المهرجانات «الإنتاج قليل عشان المهرجانات، الجيل الغنائي كله عنده مشكلة أنه اتزنق بين موجة الأندرجراوند اللي بدأت في 2011 وماتت في 2013 وبين موجة المهرجانات اللي قعدت أكتر بس بتموت دلوقتي، وطلع بعدها الراب الجديد، وده واخد من المراهقين جزء كبير.»
كما يدرك الشافعي حجم تأثير فترة توقف «كورونا» على أرباح المطربين الشعبيين فمثلًا «مصطفى حجاج أنتج السنة دي والليثي نزل أغاني لكن النجاح محصلش لأن الجمهور بتاعهم اتاخد منه أكتر وراح للمهرجانات والناس الإكستريم قوي والشعبي جدًا كجرأة في الألفاظ.»
ويرى الشافعي إن كثرة إنتاج أغاني المهرجانات يرجع لقلة تكلفتها، فالأغنية الواحدة قد تكلف 2000 جنيه فقط، لذلك فالأغنية الشعبية تأثرت أكثر من البوب، ولكنه يعتبر ذلك موجة في السوق الغنائي، مثل عشرات الموجات التي حدثت من قبل وانتهت، ولكن ستبقى الأغنية المصرية المعتمدة على الطرب والكلمات والألحان باقية «عندي اقتناع أن ده مشروع جذوره عميقة والودن الشرقي محتاجة تسمع غنا، والطرب هيفضل جزء من ذوقنا وحياتنا كعرب، غير قابل للانتهاء، قابل للضعف والاضمحلال عشان إحنا مش مركزين أو كويسين، لكن أول ما نعمل حاجة حلوة بنركب، ونبقى موجودين. إحنا عمرنا أطول، بس شوية ثقة فينا إحنا كصناع وموسيقيين.»
تقارير ذات صلة
من جراج الأوبرا إلى السعودية.. هوامش على حفلة «مشواري»
هنا صنعنا قائمة موسيقية بديلة من تسجيلات قديمة لمحمد منير
عوالم أم مطربات؟
من طقاطيق الحرملك المكشوفة إلى تورية أغنيات الطرب
أثر الفراشة في استقالة هاني شاكر
ثورة الطبالين العشوائية على نقيب الموسيقيين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن