عوالم أم مطربات؟
من طقاطيق الحرملك المكشوفة إلى تورية أغنيات الطرب
جزء من الفصل الأول من كتاب فيروز كراوية «كل دا كان ليه؟ سردية نقدية عن الأغنية والصدارة» الذي سيصدر قريبًا عن «ديوان» للنشر، وهذا الجزء مُعنون بـ«عوالم أم مطربات.. من طقاطيق الحرملك المكشوفة إلى تورية أغنيات الطرب». الكتاب مراجعة وتحرير الناقد الموسيقي فادي العبدلله، وتصميم داخلي وغلاف للفنان أحمد اللباد.
القرن التاسع عشر هو نقطة انطلاق حديثنا حول الغناء النسائي في مصر، وكذلك مسار الأغنية المصرية الجماهيرية. ترتبط رحلة النساء في عالم الفن الغنائي تاريخيًّا بتغيّر يحدث في وضعيتهن الاجتماعية بما يسمح لهن باقتحام الممارسة الفنية، ثم انتزاع حيز للمنافسة داخل السوق الغنائي، ثم استكشاف أساليب ومسارب خاصة للتعبير. في هذا الإطار، كان القرن التاسع عشر هو نقطة التقاء (أو اصطدام) محورية لمصر مع مشاريع التحديث السلطوية بصعود محمد علي وأسرته للحكم واستقلاله النسبي عن السلطنة العثمانية منذ بدايات القرن، أو تلك المشاريع الاستعمارية الغربية. فقد شكلت الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) ومن بعدها الاحتلال البريطاني منذ 1882، اللقاء الأول للمصريين مع تصورات عن الحداثة من خارج أفق الإمبراطورية العثمانية والسيطرة المملوكية، وبداية بزوغ خطاب حديث عن الأمة والشعب المصري ككيان مستقل.
هذه المتغيّرات السياسية كان من شأنها أن تضع البلد في موقع مختلف من حيث تحوله لمشروع دولة وطنية بالمعنى الحديث عبر مراحل زمنية طويلة، وأن تؤثر بقوة في عملية التوثيق المؤسسية للمعلومات وجمع البيانات. يضاف لذلك أثر التفات الرحالة الأجانب والمهاجرين من البلاد المحيطة والمستشرقين الوافدين، حيث وثقوا مشاهداتهم داخل البلد الذي شاركوا في حياته الاجتماعية والثقافية والفنية. ومن ثم بات الحديث ممكنًا عن نقطة في التاريخ الحديث كان حراك النساء فيها، ضمن عموم الشعب المصري، محطًّا للانتباه والتغيير والتوثيق والجدل الثقافي الواسع والمضطرب والعنيف.
يبدو المشهد الموسيقي العام منذ بداية القرن التاسع عشر منقسمًا بين مؤديات يتوزعن حسب الوضع الطبقي بين بيوت الأرستقراطية والبورجوازية العليا، وغيرهن ممَن تعملن بين الموالد والمناسبات والشوارع والمقاهي التي بدأت في الظهور، وتقدمن عروضهن للطبقات الشعبية.
تظهر المناسبات الاجتماعية والدينية في القرن التاسع عشر وفق مصادر التوثيق بوصفها المحل الرئيسي لممارسة المؤديات الغنائيات، مثل حالة الموالد الدينية في الدلتا، حيث يُشار لمولد دسوق بوصفه الحدث الأكبر، ولتمركز كبير للمغنين والراقصات في المحلة الكبرى التي ينتقلن منها إلى باقي موالد محافظات الدلتا.[1]
كذلك حلقات الذكر والإنشاد سواء في الحضرات أو البيوت الكبيرة أو المساحات العامة، ثم المناسبات العائلية مثل سبوع المواليد والزواج الذي كانت احتفالاته تستمر لثلاثة أيام تحفل بالطقوس الغنائية (زفة الحمام- ليلة الحنة- زفة العروسة/ ليلة الدُخلة).
بعيدًا عن المساحات العامة، كانت الطبقات العليا التي تنعزل نساؤها داخل الحرملك تستهلك الغناء النسائي الذي تؤديه العوالم المحترفات سواء للتسلية أو في المناسبات. وأخيرًا، هنالك فئة المؤديات والراقصات اللواتي تقدمن عروضهن للطبقات الشعبية في الشوارع والأفراح وأمام المقاهي، وللمسافرين والسائحين أثناء سفرهم بين محافظات الدلتا.
وفقًا لتلك التراتبية، ظهر تصنيف لفنانات الأداء في تلك المرحلة يميِّز بين الغوازي (الراقصات) من جهة، ومن جهة أخرى العوالم، وهن المغنيات العالِمات بفنون كتابة الأشعار والتلحين والارتجال. ترتقين في مجال عملهن إذا اكتسبن المعرفة بالمقامات الشرقية والقدرة على عزف الآلات الموسيقية مثل العود والآلات الإيقاعية. كان لا بد للعالمة أن تمتلك صوتًا حلوًا، ومعرفة جيدة باللغة وقواعد نظم الشعر والتلحين التلقائي لمقطوعات ملائمة للمناسبات، بما يسمح لها أن تغني على سطح مرتفع داخل الحرملك كان مخصصًا للتخت المصاحب لها من ثلاث أو أربع نساء.[2] وقد وصفت بعض المصادر العالمة الراقية التي تغني للنساء داخل الحرملك منذ القرن الثامن عشر تحت حكم المماليك لمصر، وكان يُتاح لرجال الطبقات العليا الاستماع للعالمة التي تبلغ شهرة أكبر من خلف ستار أو من خلف النوافذ، دون أن تؤدي أمامهم أو تخرق الأصول والقواعد، لما تحظى به من تقدير لفنها وجمال صوتها.[3]
العالمة بهذا المعنى هي امرأة خارجة عن الموقع والدور الاجتماعي المُلزم عمومًا للنساء. سيدة تجيد بعض المهارات الفنية وتدير عملها بنفسها وتخرج لأدائه بانتظام. وهي بداية لتكوُّن موقع خاص بالمرأة التي تعمل بالفن (تحديدًا فنون الأداء) أو الفنانة كامرأة. فالجرأة على الأداء وقيادة التخت النسائي المصاحب بين مجتمعات الأرستقراطية تضعها في مكانة صعبة التعريف قياسًا مع باقي النساء، خصوصًا أنها تحقق بعض الشهرة، وتكون صداقات داخل بيوت العائلات الكبيرة، وهو ما قد يكسبها مكانةً وتقديرًا خاصَّين.
أما الغوازي فهن الراقصات اللواتي ترقصن سافرات في الشوارع وأمام المقاهي وفي الموالد وأحيانًا على هامش حلقات الذكر والإنشاد، باستثناء شهر رمضان. وبين الفئتين ظهرت تنوعات لمؤديات الطبقات الشعبية، أو عوالم وغوازي شعبيات، تؤدين الغناء والرقص للفئات الشعبية والعاملة في أحيائها الشعبية ومناسباتها.
إلا أن فنانات الأداء بدأن يواجهن هجومًا أكبر من رجال السلطات الدينية المعروفين في ذلك الوقت بالعلماء وذلك بعد عام 1811 مع صعود محمد علي، حيث زاد اختلاطهن بالأجانب الوافدين ومصاحبتهن لهم خلال سفرهم داخل البلاد بمقابل مادي صار يدر عليهن دخلًا أكبر، وهي الممارسة التي بدأت مع الحملة الفرنسية وازدادت تدريجيًا حتى عُرفت بعضهن بأنهن شبه احتكار للأجانب[4].
أسس الفرنسيون الحانات لتصبح محلًا لتقديم عروض الرقص والغناء غالبًا لمؤديات الدرجة الأدنى، وشجعوا الموالد والاحتفالات لتصبح مناسبة للالتقاء بالنساء ومقاربتهن، ومددوا نظام العمل والضرائب المعمول به في عهد المماليك للعاهرات والراقصات، وسهّلوا عملية الكشف الطبي والتراخيص بغرض التحكم في نطاق عملهن. ويُقال إن العوالم الراقيات هجرن القاهرة في وقت الحملة الفرنسية ورفضن الغناء للفرنسيين. ولكن الفرنسيين تمامًا كالسلطات المصرية وقت محمد علي حاولوا إبعاد الراقصات والعاهرات عن الجيش، إذ اتُّهمن بأنهن مصدر للعدوى بمرض الزهري. وشهد العام 1799 مع انتشار مرض الطاعون وقفًا تامًا لعمل العاهرات والراقصات، وتقرر إعدام الرجل الذي يُعرف أنه التقى بامرأة من الشارع، وإعدام أي من النساء التي يُعرف عن دخولها لمعسكرات الجيش.[5]
صعد محمد علي للسلطة بعد رحيل الفرنسيين في 1801 ودعمته السلطات الدينية المحلية، ثم تمكَّن من وضع نهاية لحكم المماليك في 1811 بعد المذبحة الشهيرة، ليبدأ سلسلة من الإصلاحات بغرض الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية وبناء دولة أكثر تدخلًا في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان. هنا بدأت الضغوط والاحتجاج المتزايد من قِبل رجال الدين على مخالطة النساء المسلمات ورقصهن للأجانب (غير المؤمنين) تشكِّل دافعًا لمحمد علي ليبدأ في تنظيم التعامل معهن، ورفع الضرائب بغرض إفقارهن، وهو ما يتناسب مع توجهه الجديد نحو الغرب وزيادة وفود الزوار الأوروبيين لمصر، إذ لم يرد الحاكم أن تصبح الصورة الأساسية عن العاصمة مصدرها الراقصات والعاهرات.[6] وفي عام 1834 أصدر محمد علي فرمانًا بمنعهن من العمل بالقاهرة، وتُعاقَب المخالفات وفق ذلك الفرمان بـ50 جلدة مع الأشغال الشاقة لسنة أو أكثر. كما أحكم المراقبة على ظهور الراقصات في العاصمة. في ذلك الوقت، بقيت العوالم الراقيات تعملن على نطاق ضيق داخل البيوت في القاهرة، بينما هربت الراقصات خارج القاهرة نحو الصعيد وتمركزن في إسنا وقنا والأقصر التي أصبحت مكان لقائهن بزوارهن من الأجانب.
نتيجة هذه التغيّرات، عانت الراقصات من فقدان المجال المحكم لتنظيم عملهن وحمايتهن،[7] واضطررن لمجاراة رغبات زبائنهن من الأجانب حيث كانوا مصدر دخلهن الرئيسي، وتعرضن في بعض الأحيان لعنف جسدي بالغ وأنواع قاسية من الاعتداء الجنسي والاضطهاد بسبب غياب المنظومة الإدارية. قرب عام 1850، كان اختلاط المعنى بين كلمتي عالمة وغازية في عالم الرحالة الأجانب قد أصبح كبيرًا، إذ زادت أعداد الراقصات سعيًا نحو الدخل في مقابل انحسار نشاط العوالم (المغنيات)، وأصبحت كلمة عالمة موازية لراقصة وعاهرة في كثير من التصورات والروايات المكتوبة عن تلك الفترة.
عادت الراقصات إلى القاهرة بعد رفع المنع في عهد عباس باشا (1849- 1854) بهدف رفع الحصيلة الضريبية بالتوازي مع التمدين المتصاعد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتزايد خروج النساء للعمل في وظائف بسيطة داخل البيوت (مثل تصفيف الشعر) وخارجها (مثل فنون الأداء). قرب نهاية القرن التاسع عشر، كان المشهد في العاصمة يزداد استيعابًا لفنون الأداء المختلفة حيث أصبح حي الأزبكية مركزًا للترفيه والحياة الثقافية والفنية. جرت عليه تطورات كبرى خصوصًا في عهد الخديوي إسماعيل (1863- 1879) الذي استفاد من ارتفاع أسعار القطن في البورصات العالمية خلال الحرب الأهلية الأمريكية 1860، ما شجَّعه على الإنفاق الباذخ على المرافق العامة وبناء القصور وتأسيس المسارح الكبيرة والسيرك والأوبرا في حديقة الأزبكية.[8]
خلال هذا الحراك أصبح وسط القاهرة الخديوية مركزًا زاخرًا بالمقاهي وصالات الغناء والبارات وفرق المسرح التي تقدم عروضًا متنوعة بدايةً من المسرحيات العالمية المتمصرة والمسرح الغنائي وحتى خيال الظل والأراجوز. وشغل الغناء قسمًا كبيرًا من الأعمال المسرحية بناءً على طلب الجمهور وإقباله على الأعمال التي تحوي فقرات غنائية بخلاف المسرحيات الدرامية، وأفسحت المقاهي لروادها مجال الغناء الشعبي للسيرة الهلالية وسيرة عنتر بن شداد وغيرها، وبدأت النساء المصريات من الأقليات اليهودية والمسيحية في العمل بفنون الأداء كالغناء والتمثيل والرقص في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، التحاقًا بالفرق والراقصات الأجانب والفنانات الشوام[9] اللاتي بدأ توافدهن ضمن هجرات الشوام هربًا من الاضطهاد العثماني، والذين استقر بعضهن في مصر حيث كانت أكثر استقرارًا وانفتاحًا لاستقبالهم، ليشاركن بمساهمات كبيرة في الحياة الثقافية وتأسيس مجالات المسرح والصحافة والنشر.
لذا يمكن القول إن مناخ النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد مهّد للمشهد الفني الأكثر ثراءً في بدايات القرن العشرين. بدأت فنون الأداء تعرف شكلًا أكثر احترافية وتنظيمًا اقتصاديًا مع نشأة الفرق المسرحية والغنائية، وتأسيس الصالات المتخصصة والمتنوعة فيما تقدم من عروض، وترافق ذلك مع سعي الإنجليز بعد فرض الحماية على مصر لفصل المجال الفني عن الديني، أي حصر النشاط الفني وتنظيمه، خصوصًا الرقص، في إطار الصالات (بعيدًا عن الشوارع والموالد)، بناءً على منظومة أخلاقية تحاصر التهتُّك والتسيُّب من ناحية، وتسعى لتعظيم الحصيلة الضريبية وإحكام عمليات الترخيص والكشف الطبي من ناحية أخرى.
نتيجة لتلك التحولات، ظهرت المطربات البارزات لنهاية القرن مثل ساكنة التي شجعها الخديوي إسماعيل وعاشت في بيت فخم في وسط القاهرة، ثم ألمظ التي بدأت في تخت ساكنة ثم غنت منفردة ورافقت المغني ذائع الصيت عبده الحامولي أحيانًا في غناء مشترك داخل الحرملك،[10] ثم توقفت عن الغناء بزواجها منه برغم بلوغها شهرة واسعة داخل القطر المصري وخارجه.
الخروج من الحرملك
شهدت العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين خروجًا تدريجيًا ومتزايدًا للنساء من الحرملك لحضور الحفلات العامة والعروض المسرحية. واحتوت دار الأوبرا على شرفات مخصصة للنساء محاطة بنوع من الشبكات بحيث تستطيع النساء متابعة العروض دون أن يراهن باقي المتفرجين.[11] بالمقارنة بالطبقات الشعبية، كانت الطبقات العليا أكثر تشددًا في الفصل بين الرجال والنساء وعزلهن عن المجال العام لآخر وقت ممكن.
أما داخل الحرملك، فقد تخصصت العوالم بغناء الطقاطيق اللاتي تمتعن فيما بعد بشهرة في أدائها وتسجيلها مع ظهور شركات الأسطوانات في بدايات القرن العشرين، وكان منهن نفُّوسة البمباشية، فاطمة البقالة، بمبة العوَّادة، وأسما الكمسارية التي أدَّت إلى جانب الطقاطيق بعض الأدوار[12]والقصائد المرسلة والموقَّعة وظهرت تسجيلاتها في ما بعد مع شركة أوديون للأسطوانات.[13] كما ظهرت مقرئات القرآن القديرات مثل سكينة حسن التي حازت شهرة واسعة وقامت بأداء التواشيح والقصائد إلى جانب تلاوة القرآن، والشيخة كريمة العدلية والشيخة منيرة عبده اللواتي اعتُمِدْن في ما بعد ضمن مقرئات الإذاعة المصرية عند تأسيسها في 1934.[14]
بحكم الانعزال عن سبل التدريب المتاحة للرجال، غنت قلة من العوالم القوالب الأصعب أدائيًّا والتي يغنيها الرجال من قصائد وأدوار ومواويل[15] والتي اعتُبر أداؤها سببًا إضافيًّا لتميز العالمة الراقية. المقارنة إذن بين المطرب والعالمة تبرز فارقًا في القدرة على الأداء والإلمام بالمقامات والنفاذ لمجال خارجي يسمح بالحصول على التدريب الكافي والظهور لجمهور أكبر. كل تلك المجالات ظلت مغلقة على النساء فاكتفت غالبيتهن بغناء الأشعار الخفيفة في الحرملك والتي حمل بعضها بحكم ارتباطها بالأفراح والنطاق النسائي المنزلي طابعًا خلاعيًّا. ففي مجتمع تتحفظ فيه الأسر على الكلام عن الجنس بين أفرادها، وتخجل الأم من رواية تفاصيل عن العملية الجنسية لابنتها قبل زواجها، كانت طقاطيق العوالم وليلة الحنة وطقوس تحضير العروس هي مجال الحديث الجنسي بين النساء؛ عوالم وصديقات وأقارب. لذلك يمكن التمييز بين لغة ما كان يُغنَّى داخل الحرملك المغلق على النساء وبين ما خرج إلى العلن عندما بدأت العوالم في الغناء في صالات وكباريهات الأزبكية، ثم في تسجيلات الأسطوانات فيما بعد من نماذج عديدة من الطقطوقة الخليعة، وذلك مع انتشار الطقطوقة كقالب غنائي بشكل عام ومشاركة كبار مطربي العصر في تقديمها.
تُعتبر الطقطوقة في ظهورها الأول قبل الحرب العالمية الأولى قالبًا من الغناء تأثر بدخول الفرق المسرحية والغناء الدرامي والميوزيك هول الأوروبية للمشهد الفني، إذ سمحت بتناول العديد من الثيمات التي خرجت عن المحتوى العاطفي الكلاسيكي لقوالب الغناء الفصيح مثل الأدوار والقصائد.[16] بدأت الطقاطيق في التنوع تدريجيًّا بين غناء ساخر واجتماعي وغرامي ومجوني/ إباحي ووطني ومسرحي مع التوسع في استهلاكها، وانضم إلى ملحنيها وشعرائها عدد من كبار الفنانين مثل داود حسني وسيد درويش وبديع خيري وأمين صدقي ومحمد يونس القاضي الذين صاغوا قوالب لغوية وموسيقية تحديثية. كانت الطقطوقة أقرب للأغنية القصيرة ذات المذهب الذي يليه لحن موحد للأغصان (الكوبليهات) حتى قدم الملحن الكبير زكريا أحمد الطقاطيق التي تتنوع بها ألحان الأغصان ويختلف بعضها عن بعض، وهو ما مهَّد لظهور الأغنية بشكلها الأحدث. وبدأت الطقطوقة الحديثة إلى جانب المونولوج الغنائي في احتلال مكان الأدوار والمواويل من حيث الإقبال الجماهيري والطلب عليهما من شركات طباعة الأسطوانات في عشرينيات القرن العشرين.
عند ظهور الأسطوانة الموسيقية تقريبًا في 1904، بدأت شركات الأسطوانات في تسجيل الطقاطيق النسائية للعوالم الشهيرات إبَّان الحرب العالمية الأولى، ما يعني ظهورًا أبرز لغناء النساء في المجال العام وبداية حيازة حصة اقتصادية من السوق الغنائي. وانتعشت بعد نهاية الحرب الأولى ظاهرة العالمة التي تمتلك صالة للغناء وتغني أمام جمهور من الرجال كان يقتصر في ذلك الوقت على فئات خاصة مثل الأجانب والأقليات ومرتادي الصالات من بعض أعيان الريف، ثم توسع تدريجيًّا مع انضمام جمهور الطبقة الوسطى الصاعدة. كانت العالمة تغني بوجه سافر، كما أصبحت تدريجيًّا تغني على تخت من الرجال وتسجل أسطواناتها بمصاحبته بعدما كانت تغني على تخت من النساء داخل الحرملك، حيث أعطت صناعة الأسطوانات مكانة خاصة للأسطى (قائدة التخت) ولكن لم تهتم بفرقتها من النساء اللاتي كن يرددن ويعزفن خلفها[17].
حازت العوالم جزءًا كبيرًا من النجاح الجماهيري عبر الطقاطيق التي بدأن في تقديمها مع ظهور الأسطوانة ذات 78 لفة. دعمت الأسطوانات الجديدة انتشار السماع في البيوت التي تمتلك الفونوجراف. واختلط سماع الرجال والنساء بسبب ظهورها. وقيَّد هذا الاختلاط قليلًا الطابع التحرري للطقاطيق بناءً على رغبات شركات الأسطوانات التي أصبحت مسؤولة عن تلمُّس حدود اللغة المقبولة اجتماعيًّا لتنشرها في وسيط يدخل البيوت. مع هذا ظلت الطقاطيق خلاعية الطابع وبقيت فناناتها نموذجًا لهذا المكان المفارق الذي تحتله المرأة المغنية أو العاملة بفنون الأداء، خصوصًا مع تشوش معنى كلمة العالمة واختلاطه بالغازية كما ذكرنا سابقًا. وظلت الأسرة التي تقتني الفونوجراف تتوجس من سماع بناتها للطقاطيق الخلاعية وتفرض عليه نوعًا من الرقابة[18].
بعد اقتحام منيرة المهدية مجال التمثيل والمسرح الغنائي كأول مصرية مسلمة، انفتح الباب لظهور العديد من المطربات واللواتي شاركت منيرة المهدية في تقديمهن أحيانًا (مثل فتحية أحمد) من خلال فرقتها المسرحية التي أسستها في 1915 وكباريه «نُزهة النفوس» الذي امتلكته. كانت فترة ما بين الحربين بداية ظهور جيل من المطربات اللواتي حصلن على مستويات مختلفة من التدريب عبر التعليم الذاتي على يد الملحنين المعروفين أو مشايخ الإنشاد الديني. اعتمدت المطربات مثل أم كلثوم ونادرة أمين وفتحية أحمد وملك محمد على قوالب غناء الرجال من مواويل وأدوار وقصائد بالإضافة للطقاطيق، وهو ما ميَّزهن عن العوالم.[19] لكن كتابة الأدوار كانت بالأساس للرجال. وتحتفظ بضمير المتكلم المذكَّر، وقد أدتها المطربات مثل منيرة المهدية وفتحية أحمد وأم كلثوم ونادرة أمين كما غنَّاها مطربوها الأُوَّل دون تعديل. على العكس من ذلك، في الطقطوقة الخليعة/ التحررية، استخدمت النساء الضمير المؤنث وعبَّرن عن أنفسهن كنساء يغنين للرجال أو عن الرجال بشكل صريح، برغم أن مؤلفي الطقاطيق كانوا أيضًا من الرجال، ربما لأنها بدأت داخل الحرملك واحتفظت مؤدياتها بطبيعة موضوعاتها مع تعديلات أُدخلت عليها بحكم انتشارها في المجال العام.

في فترة صعودها وتألقها، احتلت منيرة المهدية (سلطانة الطرب) مكانة اجتماعية كبيرة تُعزى لموهبة غنائية عالية، إذ غامرت بغناء الليالي والمواويل بنجاح ساحق، وقدمت العديد من الأعمال المسرحية التي أنتجتها عبر فرقتها الخاصة، مصَّرت فيها عددًا من الأوبرات والمسرحيات العالمية كما تعاونت مع أبرز مواهب عصرها من الملحنين مثل داود حسني وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجي. ولكنها حازت أثرًا أقوى بفضل اعترافها بجنسانية أكثر إتاحة وانطلاقًا ظهرت في أسلوب أدائها واختياراتها الغنائية. يُتاح لمنيرة المهدية أن تصبح سيدة قريبة من رجال السلطة، ورجال الأرستقراطية، وتُحكى نوادرها وعلاقاتها بهم كمثال على شخصيتها الكاريزمية واتساع نطاق شهرتها وتأثيرها الذي استثمرته كذلك في ما بعد ثورة 1919 لصالح دعم دعوات الاستقلال وخروج النساء للمجال العام في أغنياتها الوطنية والمسرحية.

خلال العشرينيات كانت صورة جديدة للمطربات تتكون بحكم المشاركة في الأعمال المسرحية وتنوع التسجيلات التي قدمنها في أكثر من قالب غنائي، وهي صورة شاركت في صناعتها فنانات مثل منيرة المهدية ونعيمة المصرية ورتيبة أحمد وفاطمة سرِّي وحياة صبري وفاطمة قدري وسمحة المصرية. كان التغيير يحظى بقبول أكثر لدى فئات صاعدة بدأت تملأ صالات شارع عماد الدين من الأفندية والمتعلمين ولدى بعض الأسر الميسورة التي بدأت تدخل النساء فيها لصالات الموسيقى مع أزواجهن. ومع ازدهار الحركة المسرحية شاركت العديد من المطربات من خلال المسرح في تقديم ألوان مختلفة من الغناء وانتقلن فيما بعد ليظهرن في السينما مثل حالة نجاة علي التي شاركت محمد عبد الوهاب في السينما، وبديعة صادق تلميذة زكريا أحمد.
استثار المشهد الفني المتفجر في بداية القرن العشرين، خصوصًا بنجاح النساء المؤديات في جذب جمهور متزايد من المعجبين، ردة فعل قوية من السلطات والأغلبية الذكورية المحافظة. كان اتساع نطاق الاختلاط بين الأقليات المسيحية واليهودية والجاليات الأجنبية وبين الطبقات العليا والوسطى المسلمة، في وسط القاهرة المزدحم بالكباريهات والمقاهي والمسارح وصالات الغناء، أحد مصادر القلق الكبير خصوصًا في الأوساط النخبوية. وكانت المؤديات مركزًا للهجوم والاتهام بنشر الفاحشة وإفساد الأجيال الشابة التي تحمل لواء معركة الاستقلال والتحرر من الاحتلال. إذ باتت الكباريهات محل إفساد أخلاق المسلمين، أبناء الطبقات العليا، الذين يشربون الخمر المحرَّمة دينيًّا، أو يقامرون بأموالهم في صالات القمار، ويسعون خلف العلاقات المؤثَّمة متأثرين بأخلاق الأجانب وتهتك النساء في الحانات[20]
اختلطت في ذلك الهجوم صورة العالمة المشوهة بصورة الراقصة والعاهرة والممثلة المسرحية دون تمييز[21]، إذ حازت الفنانات مساحة غير مسبوقة من الاستقلالية الاقتصادية وامتلكن الصالات والمسارح والكباريهات، بالإضافة للجماهيرية الكبيرة والنفوذ الاجتماعي. وبرغم أن الكثيرات من العاملات بالكباريهات والصالات كن يتعرضن بطبيعة الحال للاستغلال ويعتمدن على تسليع أجسادهن، تمكَّنت العديدات أيضًا من تطويع المشهد لصالحهن وتحقيق نجاح حقيقي كمغنيات وممثلات بارزات. لذلك عمد الكثيرون من الكتاب في تلك الفترة إلى المبالغات لتشويههن وتقديمهن بصورة تجمع سوء السمعة والاستهلاك المفرط للكحول والكوكايين وممارسة الدعارة.[22]
اتسعت صورة العالمة (الغازية من ناحية والمطربة من ناحية أخرى) لكثير من التمثُّلات التي صنعتها عين الثقافة الأبوية السائدة، والتي ظلت تلاحق صورة الفنانة على مر العصور مع استثناءات قليلة. صورة المرأة الخارجة عن المألوف، المستعدة للانحراف السلوكي، المتحررة من الحياء، التي تتجاور في عملها الموهبة والنجاح مع ملاطفة جمهورها من الرجال، وإمكانية العمل بالجنس أو الاستفادة عبر ممارسة الجنس. وهي صورة رمزية مؤداة بصرف النظر عن مدى قربها أو بعدها عن الحقيقة،[23] وضعت هؤلاء النساء في مكان الاستثناء الخارج عن التنميط المعتاد للنساء في تلك الفترة، في مجال يديره الرجال القائمون عليه وهم أيضًا جمهوره الأساسي. يمتد أثر هذه التمثيلات مجتمعة إلى ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة، التي كانت أقوى الأدبيات التي تركت انطباعًا ساد عن «عصر العوالم»، كعاهرات قليلات المهارة الغنائية، تستقطبن الرجال الميسورين لقضاء ليلهم في بيوتهن، وإقامة العلاقات معهن مقابل إعالتهن ماديًّا، في جو من المرح والرقص وشرب الخمور يبدو فيه الغناء مكونًا هامشيًا، وتغيب عن المشهد حياتهن الفنية خارج النطاق المنزلي، من حيث عروضهن وجماهيريتهن وموهبتهن.
وصف المرأة الجديدة: للإثارة أم للإدانة؟
بين الخطوط العريضة لتاريخ مؤديات الغناء النسائي نحتاج أيضًا لاستيعاب المتغيرات الاجتماعية التي تفاعل معها هذا الغناء، وتحول بدوره لمسايرتها والتعبير عنها. انتخاب نوع الغناء المتصدِّر أو الأكثر رواجًا هي عملية اجتماعية في جانب كبير منها، لا تخضع حصرًا للشروط الفنية. لذلك كان للغناء النسائي ارتباط قوي بصورة المرأة والتحولات السياسية الاجتماعية التي سمحت بخروجها للمجال العام، سواءً للعمل أو الفرجة وحضور الحفلات العامة.
في بداياتها، اعتمدت طقطوقة الحرملك على تقديم نمط من اللغة النسائية تعرض فيه العالمة ما يناسب ليلة عرس على لسان امرأة تصف مزاياها الجسدية لعين الرجل المقبل على الزواج منها. حفلت الأغنيات بألفاظ جنسية صريحة في وصف الجسد تفصيليًّا وامتداح محاسنه، وإشارات مخفية لأعضائه الجنسية، امتدادًا لنهج أغنيات الأفراح الريفية والتي تشابهت مع الطقطوقة في تقسيمها لرصَّات (مقاطع) على نفس الوزن والقافية يجمعها لحن متشابه يتكرر في كل مقطع. كانت تلك الطقطوقة متناسبة مع جمهورها النسائي داخل الحرملك المغلق، ثم أصبحت في عالم التسجيلات والصالات، بعد تهذيبها، متناسبة كذلك مع جمهور الرجال من مرتادي الكباريهات، حيث يتم تقديمها إلى مستمعين يرغبون في المراوحة في مساحة بين السماع والإغواء.

مع دخول العوالم وكبار المطربين والملحنين عالم التسجيلات بدأت الطقطوقة بتقديم لغة تتفاعل مع جمهور أكبر وتنشغل بقضايا مثارة في ساحة الرأي العام. كان موضوع الطقطوقة الحديثة بشكل عام يتنوع بين الغناء الغرامي عن الألم والسعادة في الحب، أو الغناء الذي يتبنى موضوعات ساخرة واجتماعية وسياسية كما في أعمال سيد درويش. من حيث اللغة استخدمت بعض الطقاطيق اللغة الكلاسيكية التي كوّنت قاموس الأدوار والمواويل (سُميت بالطقطوقة الراقية أو المستحدثة) وأخرى بدت لغتها أكثر اقترابًا للعامية المدينية والألفاظ الشعبية وصياغاتها التي صنعت خصوصية النوع المصرية (الطقطوقة الخفيفة).
كانت الطقطوقة الخفيفة تتميز بمساحة مكرَّسة بشكل واضح للتعبير الجنسي الذي يأخذ في اعتباره عملية التفاوض حول صورة المرأة الاجتماعية والأدوار الجنسية بين النساء والرجال، في ما اشتهر تحت اسم الطقطوقة التحررية/ الخلاعية. احتفت الطقطوقة التحررية بالدلع والخفة والخلاعة والأوصاف الجنسية والشتائم العامية ولغة الإغواء وتقديم العروض والدعوة لممارسة الجنس.[24] وهي في ذلك كانت تُغَنّى من موقع مؤدياتها ومؤديها كفنانين يعيشون في أجواء منفتحة، أكثر من كونها تتماهى مع قطاعات لم تبارح بيوتها بعد من النساء أو تعكس ممارسات اجتماعية واقعية، إذ تبدو الفتاة اللعوب التي تتغنج وتدعو للجنس في الطقطوقة بعيدة أشد البعد عن واقع لم يتخلَّ الرجال فيه عن أي من الأفكار السلبية والتقاليد والأحكام المسبقة عن النساء في علاقاتهن الشخصية، بحيث كان ذلك واقعًا ذكوريًا تختفي فيه النساء من المجال العام بشكل شبه كلِّي وتُقمعن في المجال الخاص كذلك، كما رأى المؤرخ والباحث فريديريك لاجرانج في دراسته عن الطقطوقة في العشرينيات.[25] وعلى حد وصفه، لا يمكن للمعنى التحرري أن يكون تحرريًّا إلا إذا ضم الجنسين أو الطرفين المنخرطين فيه، ومن هذا المنظور صاغت الطقطوقة التحررية خيالات عن الحياة اليومية لا تعتمد إلا بشكل هامشي على الواقع.
في النصف الثاني من العشرينيات تحولت الطقطوقة إلى معبِّر فني أكثر حساسية للغة الاجتماعية، بالنظر لموقع العوالم المتقاطع مع جمهور أساسي من الرجال بات احتكاك النساء واطلاعهن على أنماط الحياة الغربية مقلقًا له. تناولت الطقاطيق صورًا عن نساء منحلَّات أخلاقيًّا لأنهن يتشبهن بالغربيات، اللاتي كن في الوقت ذاته موضع اشتهاء الرجال سواء كن راقصات في فرق أجنبية تمتلئ بها المسارح أو فنانات تظهر صورهن في المجلات المتداولة. فحملت الأغاني دعوات ضمنية لاحترام نموذج الأسرة وقيمها، والتحذير من الزواج بالأجنبيات وتفضيلهن على المصريات (ده بقف مين اللي يألس على بنت مصر 1919) وتحذيرات من انحراف سلوك النساء المصريات، وسخرية من تطلعاتهن إلى نموذج منافٍ للتقاليد ومُخل باستقرار المجتمع. على ناحية أخرى، كان خطابها تدريجيًّا يعكس تغيرات في النظر التقليدي إلى مسائل تعدد الزوجات وانتشار الطلاق الشفهي وهجر الزوجات كقيم سلبية، ويسرد متطلبات الزواج السليم والمتكافيء برجل يفي امرأة حقوقها من سكن شرعي ومهر ملائم (غالبًا تقيَّم حسب أصلها العائلي ومزاياها الشكلية). لكن بشكل عام، كانت مقاومة أي تغيير في بنود الأحوال الشخصية أو العادات المستقرة قسمًا ثابتًا من موضوعات الطقطوقة التحررية التي شارك الرجال في غنائها مثل المطرب صالح عبد الحي والشيخ عبد اللطيف البنا.

التقت المؤديات مع المؤدين في أداء هذا النمط في طقاطيق مثل «إوعى تكلمني بابا جاي ورايا» لعزيزة حلمي، «أبوها راضي وانا راضي» لصالح عبد الحي التي تدافع عن الزواج المبكر ضد تقنين سن الزواج، «على عينك يا تاجر» للشيخ عبد اللطيف البنا التي تحذر ضمنيًّا الفتاة الشابة من أن تهب حبها دون ضمانات لأن المرأة تخسر كل شيء عندما تقع في الرذيلة بعد أن يخدعها الرجل، «آدي الجمل وآدي الجمَّال» لرتيبة أحمد التي تشرح مفردات الزواج المتكافىء من زوج يلبي طلبات مادية وزوجة تنفرد بمميزات شكلية أو تسعى لتأمين نفسها في حالة الطلاق. على صعيد آخر، قدمت الطقطوقة الحديثة في ألحان سيد درويش المسرحية صورًا عن الصراع الاجتماعي بخصوص تعليم وعمل النساء وأظهرت أصوات الجماعات الاجتماعية المؤيدة والمعارضة لسفورهن ومشاركتهن في الحياة الاجتماعية والسياسية، كما ظهر في أغنيات «بنت اليوم»[26] و«ده بقف مين اللي يألس على بنت مصر»[27] ولحن السياس المشهور بـ«اوعى يمينك».[28]
في المجمل، عكست الطقطوقة في ذلك الوقت توترات الانتقال لمجال اجتماعي بدأ يمنح خيارات، أو تخيلات عن خيارات، بين التقليد والتحديث. تصعب معرفة مدى تغلغل المشكلات التي تعبِّر عنها الطقطوقة داخل قطاعات واسعة: هل كانت الأغاني معبِّرًا عن ردة فعل تجاه فتيات الطبقة الوسطى اللواتي بدأن في الظهور في المجال العام بشكل أوسع، أم كانت معبِّرًا عن خوف استباقي من تبعات تعليم الفتيات واطلاع النساء على قيم وهيئة النساء الغربيات اللواتي حفلت بصورهن المجلات والصحف التي انتشرت في القاهرة في ذلك الوقت؟
يلتفت لاجرانج إلى مفارقة حملتها الطقاطيق النسائية في فترة رواجها الأكبر من عام 1915 وحتى 1930[29]. إذ رأى أن ارتباط الغناء بسماحية ومزاج جمهور الرجال كان أساسيًّا في نجاح الطقطوقة التي أصبحت في الغالب لسانًا ضد التحرر، ينتقد الإعجاب بتقاليد غربية سواء من حيث اكتساب عادات استهلاكية جديدة، أو الوعي بإمكانية مختلفة لمشاركة المرأة الاجتماعية في التعليم والعمل، أو تغيُّر دور المرأة داخل الأسرة نحو مساواة أكبر بالرجل. يلاحظ لاجرانج أن الطقاطيق الخفيفة تبنَّت في الأغلب وجهة النظر الذكورية على ألسنة مغنياتها من النساء على الرغم من تمتعهن بوضعية أكثر تميزًا من حيث الاستقلالية والكسب الاقتصادي والظهور في المجال العام. وهذا نفس ما يلاحظه الباحث رافاييل كورماك[30] الذي يرى أن الفنانات سبقن ظهور الحركات النسوية باكتساب مساحة واسعة في المجال العام، وحملن على عاتقهن المغامرة باقتحام المجال الفني وسلوك مسارات صعبة وامتلاك المشروعات الفنية في عالم ذكوري قاسٍ، بينما نشأت الحركة النسوية في كنف الحركة الوطنية التي هيمن عليها الذكور ما فرض أن يكون التفاوض بين الطرفين بطيئًا ومتحفظًا، إذ اكتفى الرجال بالتشجيع المجاني في أغلب الأحوال، وتبنى الاتحاد النسائي المصري أكثر المطالبات عمومية وأقلها إثارة للجدل.

بعد ثورة 1919، كان الجدل الاجتماعي بشأن حقوق النساء في المساواة ومفردات حياتهن الشخصية والعامة قد بدأ يتوسع مع صعود الحركة النسوية التي قادتها هدى شعراوي بتأسيس الاتحاد النسائي المصري. كذلك انتشرت الصحف والمجلات النسائية التي وسّعت دائرة الاهتمام والمطالبات بتحسين وضع النساء من حيث الالتحاق بالتعليم وتطوير قوانين الأحوال الشخصية وتوقيف انتهاكات مثل الزواج المبكر والطلاق الشفهي.
في غالبية طقاطيق العشرينيات تستعير المؤديات لسانًا اجتماعيًّا أو ذكوريًّا، بعيدًا عن الموقع الاستثنائي والمتميز نسبيًا الذي تحتله المؤدية في مجتمعها. فيبدو أن السؤال عن ذاتية نسائية أو البحث عن مفرداتها لم يكن متبلورًا بعد. لكن بغض النظر عن المحتوى الذي يختفي خلف اللسان الذكوري السائد، ستصبح المؤديات شريكات في المشهد الفني، بصوتهن وصورتهن، وستصبح تعبيراتهن التحررية مدخلًا مثيرًا للفضول والقلق، عن المعطى الجديد في الحياة الاجتماعية بدخول النساء وارتفاع أصواتهن، حتى إن استعرن لسان الرجال. في هذا المكان الملتبس لامرأة تتمثل مخاوف الرجال، وتُعبّر عنها بلغة عامية طليقة، ثم تسخِّرها لتنظر إلى جنسها وتحكم على سلوك نفسها، سوف تستقر المُخيِّلة الغنائية النسائية لوقت طويل.
صارت الوضعية الخاصة للنساء في الغناء مجالًا لخطاب مخاتل، يغري بالتحرر ويمتلىء بالصور الخلاعية ويؤدَّى بأساليب متغنجة مغوية، ولكنه يُضمِّن أغنياته رسائل عن نموذج من النساء دون أن يسعى إلى مقاربة حقيقة الوضع القائم بالنسبة إلى قطاعات كبيرة من بنات جنسهن ولا إلى التعبير عنهن. وكأنه كان يميز نوعًا غامضًا من النساء، سلوكهن متشبه بالغرب أو موصوف بالانحراف (تختلط الدلالات هنا في الكلمات والإحالات المستخدمة)، ويتمتعن بصيغة خاصة في العلاقات تتسم بالمبادرة والانفتاح. هؤلاء النساء هن غالبًا المؤدية ذاتها التي لا تدَّعي أنها تتمثل فتيات الواقع. تُلهب أحلام الرجال فيما تغازل مخاوفهم، وتؤكد على امتلاكهم لمفاتيح الحكم الأخلاقي والتحكم في معايير المقبول والمستهجن. بهذا تصبح النجمة المغنية، أيًّا كان حالها الواقعي فمنهن مَن كن يعشن حياة أسرية تقليدية، حاملة لصورة متجاوزة لحالها هذا، حيث تُجاري هواجس جمهورها من الرجال القلقين إزاء شروط واقع مفتوح، تتزايد احتمالاته غموضًا بفضل زيادة الاختلاط بين الجنسين كما بين المصريين وأبناء الجاليات المتعددة من ذوي الثقافات والعقائد المختلفة.
كان الجدل الفائر حول ما يمكن أن تقود إليه الخطابات النسوية وانفتاح الأعين على النموذج القيمي الغربي ومساواة النساء بالرجال قانونيًا واجتماعيًا إحدى الجبهات المشتعلة دائمًا في فترة العشرينيات. ومن الممكن الربط بين القلق الاجتماعي المهووس بوضعية المرأة ومعنى الابتذال الفني الذي اتُّهمت الطقطوقة أنها تروج له، خصوصًا بعدما سيطرت بقوة على عالم الأسطوانات المسجلة واقتربت من إزاحة الأدوار نهائيًا من سوق الغناء وأرباحه.
وفي عام 1922 كتب إسكندر شلفون المطرب والموسيقي ومؤسس مجلة «روضة البلابل» الشهرية:
«نزور مئات العائلات فنجد الصبية أمام البيانو أو بيدها العود أو سواه من الآلات وكل همتها منصرفة إلى حفظ الطقاطيق ذات الألفاظ الساقطة التي تهدم الفضيلة وتفسد الأخلاق وتهدد الشرف وتوقظ في النفس حواس أثيمة وتملأ المخيلة بمشاهد مخجلة. ألم يكن الأجدر بهن نبذ هذا النوع المملوء بجراثيم فساد الأخلاق، والإقبال على الأنواع التي جعلت الموسيقى فنًا من أرقى الفنون وعلمًا من أكبر العلوم ولغةً من أبلغ اللغات؟
فلتذهب الموسيقى إلى قرارات الجحيم إذا كان لا يُستَملح فيها إلا ما كان من نوع الطقطوقة. وأولى بالأمم والشعوب أن تعيش بلا موسيقى من أن تدَّعي أن لها فنًا ويكون فنها هادمًا لدعامة فضيلتها وشرفها وأخلاقها[31].»

كان القلق الذكوري من معاصرة الطقطوقة وإشارتها للتغيرات الاجتماعية عصيًا على التهدئة، حتى لو كان خطابها ضمنيًا يحذر من انهيار المجتمع وانحراف النساء بسبب التقليد الأعمى للغربيات أو الطلب على قواعد جديدة للأحوال الشخصية. يلتقي هذا الخطاب النقدي الموسيقي ضد انتشار الطقطوقة الخليعة مع خطاب تيارات سياسية وثقافية محافظة انهالت بالهجوم ضد دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة التي تلتها خطوات الحركة النسائية وصدور مجلاتها وصحفها باللغات الأجنبية ثم العربية، حتى نجحت في إحداث تغييرات طفيفة في قوانين الأحوال الشخصية ضد الزواج المبكر والطلاق الشفهي، وتعميم التعليم الإجباري للفتيات مثل الصبيان.
ويمكن كذلك الربط بين هذا القلق المحافظ والهجوم النقدي على الطقطوقة وظهور جهاز للرقابة على المصنفات الفنية في مصر. في عام 1926، اشتعلت المعركة الصحفية ضد الشيخ محمد يونس القاضي (الكاتب الأشهر للطقطوقة) حول الألفاظ والتعبيرات الإباحية/ الخلاعية التي ملأت الطقاطيق المعاصرة. وكتب الشيخ ردًا على مهاجميه مستخدمًا عدة حجج تنوعت بين رفضه للهجوم ومحاولة التهدئة، واصفًا أغنياته بأنها تعرض السلوك السيء بغرض ملاحظته وتقويمه، وأنها محاولة لتحذير السلطات للقيام بواجبها لوقف هذا التيار الذي يجتاح المجتمع. في أبريل 1926، بعدما نفدت حججه، كتب ساخرًا في مقاله الأسبوعي بمجلة «المسرح» يدعو لتعميم الرقابة على المجتمع كله وليس فقط الأغاني إن كان هذا يحل المشكلة. ومضى يقترح في مقاله إغلاق صالات الرقص، ومراقبة أماكن لقاءات المحبين لحماية قيم العائلة، ويطالب بوقف البوليس المجاهرين بالانحلال في مقاهي روض الفرج، ويؤمم العوامات النيلية، ويمنع قراءة الروايات وارتداء الفساتين[32].
وجاء الرد على دعوة القاضي بعدها في نفس المجلة، عبر افتتاحية نارية لرئيس تحريرها عبد المجيد حلمي يدعو فيها لفرض الرقابة القَبلية على الأغاني والنصوص المسرحية كما تُفرض على الصحف. وفي عام 1927 تأسست الرقابة على المطبوعات، واستقبلت مجلتا «روز اليوسف» و«المسرح» في مقالات مديح طويلة قرار رئيسها عبد الرحمن بيه الجميعي بفرض الرقابة القَبلية على الأغاني والنصوص المسرحية، «بغرض تطهير البلاد من القاذورات التي تطال بيوتها الشريفة»، كما ذُكر في تلك المقالات.[33]
على عكس الشائعة المنتشرة، لم يتولَّ يونس القاضي منصب الرقيب على الأغنية ولا سعى عبر مقالاته إلى التقرُّب من دوائر السلطة، إذ كانت دائرة عمله وكسبه مرهونة بشركات الإنتاج والفرق المسرحية، ونهمه الفني والمادي المرتبط باستمرار اللون الذي يقدمه، كما يؤكد لاجرانج. والأدق أنه كان يدعو لفكرة الرقابة الذاتية للكاتب على أعماله، ولا يثق بفرض الرقابة من قِبل الدولة التي يرى أثرها عكسيًا ومستفزًا. ظهرت تلك الشائعة على لسان الكاتبة نعمات أحمد فؤاد التي رجَّحت أن وزير الحكم المحلي في ذلك الوقت، محمد محمود باشا، كان وراء تأسيس قلم المطبوعات للرقابة على النصوص المنحرفة، نظرًا لأصوله الصعيدية التي كانت تنفر من ذلك النوع من الأغاني.
ربما كان القاضي مَن أوائل من صاغوا المنطق الذي تبناه عديد من الفنانين في ما بعد في مواجهاتهم مع تدخلات السلطات الرسمية والدينية والاجتماعية في عملهم وحدوده. فهو من ناحية يفهم أن المساحات الجذَّابة في العمل الفني تنشأ عن تجاوز الخيال الاجتماعي السائد في اللفظ والمضمون، ولا يريد أن يتخلى عن نطاقات اكتسبها وحققت شهرته الواسعة في مجال كتابة الطقطوقة والأغنية المسرحية. وفي الوقت نفسه، كان عليه أن يسعى لتقديم خطاب لتلك السلطات يوجد فيه أساسًا أخلاقيًّا وراء كتاباته، ويضع نفسه في موقع الغيور على القيم والتقاليد في تماهٍ واضح مع أدوار الرقابة والسلطة.
هذا المنطق يتضح في فقرة أخرى من مقاله لمجلة «المسرح» يشرح فيها أن التحاقه بالعمل في شركة بيضافون مكَّنه من إقناع الملحنين والمطربين بالالتحاق بالتطورات الحديثة فيما يتعلق بالنساء. كذلك يرى أنه حاول أن يجعل تعبيرات الطقطوقة التحررية أكثر ميلًا للكناية بدل التصريح، وأن تحتوي الصياغة على تورية بحيث يتواجه ضمير المستمع مع قناعاته، ويختار ما يود أن يفهمه[34].
قرب نهاية الثلاثينيات، بدأت الطقطوقة الخليعة بالانحسار، عندما اتجهت شركات الأسطوانات إلى إنتاج المونولوج الغنائي والطقطوقة الحديثة التي اشتهر بأدائها وتلحينها كبار قامات العصر. وكذلك عندما أصبحت صورة المطربات ونجاحهن التجاري علامة على انصهار الأشكال الغنائية للحقبة السابقة في ما سيصبح اللون الغنائي الجديد على يد ملحني وشعراء مرحلة جديدة.

يُمكن النظر لذلك الاستيعاب الذي حدث للطقطوقة وموضوعاتها كانتصار لهجوم محافظ وسلطوي، ولكن الهجوم لم يكن ليحرز أهدافه لو لم ينجح شعراء وملحنو الأغنية الجديدة في اجتذاب جمهور أوسع لألوان غنائية خلت من الطابع الإباحي للطقطوقة. وهي الجدلية الدائمة التي تصاحب تراجع موجة غنائية كانت الأوسع انتشارًا في وقت من الأوقات. هل كان تراجعها استجابة لاحتياجات مختلفة وظهور موجة جديدة، أم أن تراجعها كان مسبوقًا بخطوات وإجراءات وخطاب عام يتشكَّل لردعها، وتوقيفها عن استكشاف إمكانياتها من داخلها؟
في قلب التحولات الاجتماعية، كان دخول النساء بكثافة لمجال الاستماع سببًا تجاريًّا للتغيرات الفنية في اتجاه أكثر محافظة. تغيّرت أماكن استهلاك الموسيقى، وأصبحت في متناول الطبقات العليا ثم الطبقة الوسطى التي توسعت مع التحديث. لم يعد السماع يقتصر على الأسطوانات والنوادي الخاصة أو الصالات التي تستضيف الرجال حصرًا. ازداد الاختلاط بين الجنسين من جمهور الغناء، ما استدعى نوعًا غنائيًّا يلائم ذلك الجمهور، ويسعى لتشجيع مزيد من النساء على الانضمام له دون أن يتحسبن لصورتهن الاجتماعية أو يتخوف الرجال من اصطحابهن إلى الحفلات العامة.
تصلح بدايات أم كلثوم في عالم الغناء منذ استقرارها في العاصمة كمثال على هذه الجدلية التي تتحرك فيها عدة مسارات على التوازي. فقد مرَّت بمرحلة من التخبط بشأن النهج الغنائي الذي يضمن لها النجاح بين منافساتها ويحتفظ لها بشخصيتها الفريدة. وحتى عام 1926 تضمَّن غناؤها بعض الطقاطيق الخفيفة ضمن برنامجها على نهج معاصراتها، مثل طقطوقة «الخلاعة والدلاعة مذهبي» التي تدخَّل الشاعر أحمد رامي لتبديل بعض كلماتها عندما توطدت علاقته بأم كلثوم. بعدها ستخطو برعاية رامي نحو تدشين مسيرتها، أو بالأحرى شعار مسيرتها كما صاغته بأثر رجعي: في سبيل إعلاء قيمة الفن الغنائي وتنقيته من صورة متردية ولفظ وأداء متهتك ميَّز أسلوب المؤديات وصورتهن.
لذلك كان نجاح أم كلثوم في احتلال الصدارة مسوغًا لإعادة صياغة السردية التاريخية عن زمن العوالم والطقاطيق في وقت لاحق، ضمن التأريخ للفترة التاريخية بشكل عام. يصف الناقد كمال النجمي، في إحدى شطحاته، هذا الفن بأنه كان غناءً عثمانيًّا غجريًّا في اتجاه واضح لإلحاقه بهيمنة تركية متخيَّلة وربطه بالانحلال الخلقي، ونزع طابعه المحلي الصرف الذي صنعه مؤدون ومؤديات وشعراء وملحنون مصريون بالكامل تقريبًا.
في مسيرة أم كلثوم ورامي، يبدأ الاقتران بين القيمة الأخلاقية والقيمة الفنية وصورة المؤدية. يتخلى التقليد التحرري للطقطوقة ومعاصرتها للمتغيّرات الاجتماعية والسياسية عن مكانه، ويقل الحديث عن اليومي باصطلاحاته العامية ولغته الشعبية في الأغنية الجماهيرية الجديدة. استمرارًا لما ألمح إليه يونس القاضي من اتجاهه للتورية في الطقطوقة النسائية، لن يكتفي رامي باستخدام التورية بدلًا عن التصريح، ولكنه سيفتح عالمًا رمزيًا باطنيًا للتعبير، تتخفى وراءه الذاتية النسائية وتجلياتها الجنسانية بين الرموز والعلامات وأساليب الأداء، داخل قوالب جديدة من الأغاني القصيرة والسينمائية والطويلة. يستفيد رامي في صناعة عالمه الغنائي من مدرسة الإحياء والبعث الشعرية ورموزها الشاعر محمود سامي البارودي والشاعر أحمد شوقي، ويستوحي تأثيرات الرومنطيقية الأوروبية والشعر العُذري العربي ليؤسس تخيلًا جديدًا للغرام. ستُترجم الرسالة الجديدة لرامي بجانبيها التطهري والتحديثي، والتي حملتها أم كلثوم، في اختيارات لغوية وموسيقية صاغت عالمًا غنائيًا جديدًا، ووُصفت لاحقًا بأنها «حافظت على قوميتنا الموسيقية!»[35]
هوامش ومراجع
[1] Nieuwkerk, Karin. 1996. «A Trade Like Any Other: Female Singers and Dancers in Egypt.« «Chapter One: 19th Century.» The American University in Cairo Press.
[2] Lagrange, Frederic. «Quand L'Egypte se Chantait : Taqtiq et Chansons Légères au Début du XXe Siècle. » PDF: http://mapage.noos.fr/fredlag/taqatiq.pdf
[3] Nieuwkerk, Karin. 1996. «A Trade Like Any Other: Female Singers and Dancers in Egypt.» «Chapter One: 19th Century.» The American University in Cairo Press.
[4] المصدر السابق.
[5] المصدر السابق.
[6] المصدر السابق.
[7] بخلاف العوالم اللاتي حظين بدخل مرتفع بفضل تصنيفهن المتميز، كانت الغوازي وراقصات الشوارع هن الأكثر احتقارًا من حيث التصنيف الاجتماعي والأقل مكسبًا، يتعرضن لحملات تفتيش من البوليس، ويدفعن ضريبة شهرية أو أسبوعية تحصلها الكيانات التجارية التي نشأت بهدف تسهيل جمع الضرائب في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وكانت الغوازي ومغنيات الدرجات الأقل تقعن تحت حماية شيخ الحارة الذي يحصل لهن على رخص الأداء في الحفلات وتصاريح العمل ويتفاوض بخصوص أجورهن وضرائبهن.
[8] Cormack, Raphael. 2021. «Midnight in Cairo: The Divas of Egypt's Roaring '20s.« «Chapter I: Pardon Me, I’m Drunk.« Publisher: W. W. Norton & Company.
[9] الجيل الأول من الفنانات الشوام اللاتي احترفن التمثيل المسرحي بمصر كان لهن فضل الريادة في اقتحام النساء لهذا المجال بالرغم من النظرة الاجتماعية المحافظة والقيود التي أحاطت بظهور النساء في المجال العام بمصر في ذلك الوقت. من بينهن الفنانة مريم سماط وهي سورية تدين بالديانة اليهودية وتُعد من أوائل الفنانات اللاتي عملن بالتمثيل خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، والوحيدة التي دوّنت مذكراتها عن عملها المسرحي في تلك الفترة، كذلك الفنانات ملكة سرور، وهيلانة بيطار، ولبيبة ماللي وشقيقتها مريم ماللي، وميليا ديان، ووردة ميلان، وماري صوفان، وأبريز أستاتي وشقيقتاها ألمظ وإيزابيل أستاتي، وفاطمة اليوسف، وبديعة مصابني. إلى جانبهن ظهرت مجموعة من الفنانات المصريات اليهوديات (من بينهن: أديل ليفي، وصالحة وجراسيا قاصين، واستر شطاح، ونظلة مزراحي، وسرينا إبراهيم وهي الشقيقة الكبرى للممثلة المشهورة نجمة إبراهيم، وهنريت كوهين، وفيكتوريا كوهين وشقيقتها سمحة كوهين، فيكتوريا موسى)، وذلك قبل ظهور جيل جديد من الفنانات المصريات (كان عددهن في البداية قليل جدا وفي مقدمتهن: لطيفة عبد الله، منيرة المهدية، دولت أبيض، زينب صدقي، فاطمة ، أمينة رزق، زكية إبراهيم، عقيلة راتب).
الفنانات السابق ذكر أسمائهن كن تقريبًا نجمات جميع الفرق المسرحية منذ ظهور المسرح العربي في مصر وحتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين، حيث تحملن مسؤولية تجسيد الشخصيات النسائية بالفرق الكبرى، وفي مقدمتها فرق: سليمان القرداحية، وسليمان الحداد، وإسكندر فرح، والشيخ سلامة حجازي، وجورج أبيض، وأبيض وحجازي، والأوبريت الشرقى لمصطفى أمين، وعزيز عيد، وعبد الرحمن رشدي، وعمر وصفي، ومنيرة المهدية، وأولاد عكاشة، ونجيب الريحاني، وأمين عطا الله، وعلى الكسار، وأمين صدقي، وصدقي والكسار، وسيد درويش، وفكتوريا موسى. والجدير بالذكر أن الفرق الشامية التي قدمت عروضها خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر بمصر - للتغلب على مشكلة غياب العنصر النسائي- قد اعتمدت خلال مرحلة البدايات على مشاركة بعض الرجال الشوام الذين تخصصوا في تمثيل أدوار النساء، ثم بعد ذلك على مشاركة بعض الفنانات من الشام. ويُذكر أن الممثلة الشامية اليهودية لبيبة ماللي -أو مانلي- كانت أول ممثلة تظهر كبطلة لعدة فرق مسرحية في أواخر القرن التاسع عشر مثل: فرقة سليمان القرداحية، وفرقة أبو خليل القباني، وفرقة إسكندر فرح.
المصدر: مجلة مسرحنا- الهيئة العامة لقصور الثقافة- مصر. https://www.gocp.gov.eg/Masr7na/articles.aspx?ArticleID=22818
[10] Nieuwkerk, Karin. 1996. «A Trade Like Any Other: Female Singers and Dancers in Egypt.» «Chapter One: 19th Century.» The American University in Cairo Press.
[11] Cormack, Raphael. 2021. «Midnight in Cairo: The Divas of Egypt's Roaring '20s.» «Chapter I: Pardon Me, I’m Drunk.» Publisher: W. W. Norton & Company.
[12] الدور قالب غنائي يعتمد على نص مكتوب بالعربية الفصحى أو العامية. يؤديه المطرب بمعاونة البطانة المكونة من أربعة إلى خمسة مذهبجية ومصاحبة عازفي التخت الشرقي. يبدأ الدور بارتجالات التخت أو بقطع آلية بغرض «سلطنة» المقام لدى المطرب الذي يبدأ الغناء تقليديًا بتغريد على كلمات «يا ليل يا عين» ثم يقدم المذهب الأساسي من أربع شطرات شعرية على نفس المقام. بداية من المقطع الثاني يظهر الميلودي المشابه للمذهب على كلمات مختلفة ثم يبدأ المطرب باستعراض غنائي مطوّل من الارتجالات والتنويعات الطربية مظهرًا قدرته على السباحة داخل المقام والتفريعات المقاربة له، وكذا إمكانياته الصوتية. ثم تبدأ محاورة تُسمى بالهنك والرنك، وتليها آهات بين المطرب والبطانة تمثل ذروة جديدة للدور الذي ينتهي عادة بمقطع ختامي على لحن المذهب.
[13] Lagrange, Frédéric. «Les Almées.» Foundation for Arab Music Archiving and Research AMAR: https://www.amar-foundation.org/les-almees-frederic-lagrange/
[14] في كتابه «ألحان السماء»، أكد الكاتب الراحل محمود السعدني أنه رغم منع المقرئات عن تلاوة القرآن، تدفقت المئات من خطابات الاحتجاج على إبعاد القارئات، في الوقت الذي تميّزت فيه مصر بضم العشرات من السيّدات القارئات، أمثال كريمة العدلية، منيرة عبده، نبوية النحاس، وبجانب هؤلاء كانت هُناك العديد من القارئات في الأحياء الشعبية والريف أيضًا. تُعد الشيخة سكينة حسن، مواليد سنة 1892 والتي لا تتوفر عنها معلومات كثيرة، أول قارئة في عصرها تُسجل آيات الذّكر الحكيم بصوتها على أسطوانات في مطلع القرن العشرين. وعقب ثورة 1919، أصبح المجال مفتوحًا للسيدات لدخول الإذاعة كقارئات للقرآن الكريم، وقد بدأت رحلة الشيخة كريمة العدلية مع الإذاعة عن طريق الإذاعات الأهلية فوصل صوتها إلى العالم العربي كله، وظلت كذلك حتى مُصرت الإذاعة، وظلت تذيع القرآن الكريم بصوتها إلى فترة الحرب العالمية الثانية. تزوجت الشيخة كريمة العدلية بالشيخ علي محمود، بعد قصة حب جمعتهما، وكانا كفيفين، وأصبحا يقرآن القرآن سويًا في الإذاعة المصرية. الشيخة منيرة عبده قرأت أول مرة القرآن في عام 1920، وكانت حينها فتاة صغيرة في الثامنة عشرة من عمرها. وكانت كفيفة أيضًا. وحين أُنشئت الإذاعة الرسمية في القاهرة 1934، كانت الشيخة منيرة عبده في طليعة الذين رتلوا القرآن من خلال موجات الإذاعة وكانت تتقاضى أجر خمسة جنيهات، في الوقت الذي كان يتقاضى الشيخ محمد رفعت عشرة جنيهات. اختفت القارئات عن الساحة القرآنية قبل الحرب العالمية الثانية، حين أفتى بعض المشايخ بأن صوت المرأة عورة، فأبعدن عن الإذاعة المصرية، وتوقفت إذاعتا لندن وباريس عن إذاعة أسطواناتها خوفًا من غضب المشايخ الكبار.
[15] الموّال هو غناء يجمع الطابع الكلاسيكي والشعبي بمصاحبة موسيقية بسيطة. عادة لا تصاحبه إيقاعات ولا يحدّه لحن محدد. وهو ذو طابع ارتجالي مرن يبدأ من نغمة واضحة بكلمات مثل «يا ليل يا عين» ثم يرتحل المطرب بعدها مرتجلًا ومنوعًا للمقامات والتحويلات الموسيقية. بعد ظهور الأغنية المصرية الحديثة أخذ الموّال شكلًا موقّعًا وأكثر تحديدًا من حيث اللحن.
[16] Lagrange, Frederic. «Quand L'Egypte se Chantait : Taqtiq et Chansons Légères au Début du XXe Siècle. PDF : http://mapage.noos.fr/fredlag/taqatiq.pdf
[17] المصدر السابق.
[18] المصدر السابق.
[19] Lagrange, Frédéric. 2009. «Women in the Singing Business, Women in Songs.» History Compass 7/1 (2009) : 226–250.
[20] Cormack, Raphael. 2021. «Midnight in Cairo: The Divas of Egypt's Roaring '20s.» «Chapter I: Pardon Me, I’m Drunk.« Publisher: W. W. Norton & Company.
[21] تتحدث الممثلة السورية مريم سماط في مذكراتها بغضب شديد عن حملات التشويه وإطلاق الشائعات ضد الفرق المسرحية، واتهام المسرح بأنه بيت الرذيلة والتهتك الأخلاقي والدعارة. وتذكر في ذلك السياق أن جزءًا من أسباب ذلك الهجوم هو حضور بعض النساء للفرجة على المسرح دون حجاب بملابس مكشوفة وزينة مبالغ فيها، وهو ما استغله أصحاب النوايا المريضة تجاه المسرح. ثم راحت تؤكد أن المسرح مكان للترفيه البريء والنهضة الفنية والأخلاقية، لا يجب أن نخلط بينه وبين طقوس الحانات الموجودة في وسط المدينة.
المصدر:
Cormack, Raphael. 2021. «Midnight in Cairo : The Divas of Egypt's Roaring '20s.» «Chapter I: Pardon Me, I’m Drunk.« Publisher: W. W. Norton & Company.
[22] Lagrange, Frédéric. «Les Almées.» Foundation for Arab Music Archiving and Research AMAR: https://www.amar-foundation.org/les-almees-frederic-lagrange/
[23] بعض العوالم الشهيرات عشن حياة تقليدية، وأحيانًا كن يعملن بالغناء بالأساس كمصدر للرزق في أوقات الحاجة ويفضلن التوقف عنه إذا تزوجن وتوفر الزوج المنفق عليهن. مثال على ذلك نجمة التسجيلات والصالات نعيمة المصرية التي أتت من عائلة ميسورة لأب تاجر من أصول مغربية، لكنها تزوجت في عُمر خمسة عشر عامًا، وطُلقت بعد إنجابها ستة عشر طفلًا. لذلك اضطرت بعد طلاقها للعمل والإنفاق. تعلمت ودرست الغناء في حلب (1911- 1914) ثم عادت للقاهرة لتصير نجمة في 1920، ولا تهجر المهنة إلا بعدما فرض زوجها الخامس عليها حياة متقشفة ومنعزلة، ويطلب منها أن تتخلص من صورها وأسطواناتها وأي وثائق تشير لماضي عملها الفني.
المصدر:
Lagrange, Frédéric. «Les Almées.» Foundation for Arab Music Archiving and Research AMAR: https://www.amar-foundation.org/les-almees-frederic-lagrange/
[24] من الأغاني المشهورة في هذا الإطار تسجيلات ملكة الأسطوانات الست نعيمة المصرية التي اشتهرت في أوائل العشرينيات، وكان أساطين ذلك الزمان من الملحنين يتسابقون للتلحين لها، مثل داوود حسني وزكريا أحمد ومحمد القصبجي، وكان لها مسرحها الخاص (الهامبرا) .تعاون معها سيد درويش وعلمها غناء القصيدة والموال، حيث قدمت أول أسطوانة لها من ألحانه. سجلت أكثر من 150 أسطوانة لشركات ميشيان وبوليفون وبيضافون، ومن أهم أغانيها «البوسطجي»، و«تعالى يا شاطر نروح للقناطر»، و«وأنا نايمة»، و«غالي والطلب رخيص»، و«يا ميت مسا»، و«يا بلح زغلول»، و«يا عزيز عيني»، و«والنبي لآيس وياك يا غزال.»
[25] Lagrange, Frédéric. 2009. «Women in the Singing Business, Women in Songs.» History Compass 7/1 (2009) : 226–250.
[26] من أغاني مسرحية «الانتخابات» لفرقة علي الكسار 1923. كلمات أمين صدقي، وألحان سيد درويش. غنّتها رتيبة أحمد، واستعادتها المطربة بديعة صادق كأغنية منفصلة.
[27] طقطوقة «بنت مصر» التي قدمها الثنائي بديع خيري وسيد درويش في رواية «قولوله» التي قدمتها فرقة نجيب الريحاني في خضم الأحداث الثورية عام 1919.
[28] لحن «السياس» والمعروف بـ«إوعى يمينك إوعى شمالك» كتبه بديع خيري، ولحنه وغناه سيد درويش ضمن رواية «إش» والتي قدمتها فرقة الريحاني في عام 1919.
[29] Lagrange, Frédéric. 2009. «Women in the Singing Business, Women in Songs.» History Compass 7/1 (2009): 226–250.
[30] Cormack, Raphael. 2021. «Midnight in Cairo: The Divas of Egypt's Roaring '20s.» «Introduction: The Past Is a Set of Old Clothes.« Publisher: W. W. Norton & Company.
[31] «الموسيقى المصرية: تقرير عن حالتها في سنة 1922.» بقلم إسكندر أفندي شلفون، محرر مجلة «روضة البلابل» الشهرية ومدير المعهد الموسيقي المصري.
[32] محمد يونس القاضي. مجلة «المسرح» في 26 أبريل 1926. ترجمة بتصرف عن دراسة فريديريك لاجرانج:
Lagrange, Frederic. «Quand L'Egypte se Chantait : Taqtiq et Chansons Légères au Début du XXe Siècle. » PDF: http://mapage.noos.fr/fredlag/taqatiq.pdf
[33] تختلف الرقابة على المطبوعات، ومنها النصوص المسرحية والأغاني عن الرقابة على المصنفات الفنية التي صدر القانون الأول المتعلق بها من وزارة الداخلية في 1911 (لائحة التياترات) وكان يتعلق بالمسرح، ومُد فعله إلى السينما حال ظهورها، وقد تضمنت اللائحة ضابطين، هما: النظام العام والآداب، وبموجب المادة العاشرة منها فإنه «ممنوع ما كان من المناظر أو التشخيص أو الاجتماعات مخالفًا للنظام العام والآداب، وللبوليس الحقُّ في منع ما كان من هذا القَبِيل وإقفال التياترو عند الاقتضاء». وظل الالتباس ملازمًا لتفسيرات المقصود بالتعبيرين. حتى حين سُنّ قانون العقوبات المصري (1937)، متضمنًا المفهومين، لم يُبين أو يضع معيارًا محددًا لذلك، ولم يُقدّم أحد تعريفًا قانونيًا إجرائيًا، إلى أن قدّم عبد الرازق السنهوري؛ باعتباره المحرر الرئيس للقانون، توضيحاته وشروحه على القانون المدني، الصادر عام 1948. ورغم اجتهاده بالغ الدقة، إلا أنه بدوره قدَّم مفاهيم قانونية عامة، فقد خلص إلى أن «الآداب، في أمة معينة، وفي جيل معين، هي مجموعة من القواعد وجد الناس أنفسهم ملزمين باتباعها طبقًا لناموس أدبي يسود علاقاتهم الاجتماعية».
مقال «زوبعة القبل»- ناصر كامل- المدن، فبراير 2022.
[34] المصدر السابق
[35] نقلًا عن الدكتور حسين فوزي وردت الجملة في كتاب «أم كلثوم وعصر من الفن» للدكتورة نعمات أحمد فؤاد. الهيئة المصرية العامة للكتاب. الطبعة الثانية. 1983.
تقارير ذات صلة
أطياف التمرد والدروشة والتطهر في «سر» مريم صالح
ينتظر مريم صالح وفريقها تحدٍ موسيقي كبير في تحويل هذا الألبوم بكل طبقاته إلى لايف
الأغنية في أفلام داود عبد السيد
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن