تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ضجيج الهيدروجين الأخضر في مصر

ضجيج الهيدروجين الأخضر في مصر

كتابة: حبيبة فؤاد 14 دقيقة قراءة

عندما افتُتح مصنع جديد للأسمدة عام 1963 في أسوان، سرعان ما أصبح مشروعًا رائدًا على مستوى العالم. تدفقت الطاقة الكهرومائية الرخيصة من سد أسوان، وأنتِج منها الهيدروجين الأخضر الذي يُستخدم لصنع الأمونيا الخضراء، والتي بدورها تُستخدم في صُنع الأسمدة. كان ذلك في إطار السياسة الوطنية الهادفة إلى الاكتفاء الذاتي، في ذلك الوقت.

يقول استشاري الهيدروجين ومدير منصة Hydrogen Intelligence، أسامة فوزي، إن امتلاك مصنع كيما في ذلك الوقت لمؤهلات إنتاج الطاقة الخضراء كان بمثابة «مصادفة»، حيث أن الأمر ببساطة كان متعلقًا بقرب مصنع الأسمدة من مصدر الطاقة الكهرومائية الرخيص نسبيًا في مصر. ومع ازدهار قطاعي الغاز الطبيعي والنفط خلال السبعينيات، تدهورت المُعدات المُتخصصة في «كيما»، إلى أن تم تحويل المحطة عام 2019 لتعمل بالغاز الطبيعي الأرخص.

بالتوازي مع هبوط نجم مصنع كيما كمصنع أسمدة قائم على الطاقة المتجددة، أخذ الهيدروجين الأخضر يحتل صدارة التخطيط المستقبلي لاستخدام طاقة بديلة على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، حيث رشحته أوروبا كمصدر واعد لانطلاق تحوّلها الأخضر. يمكن استخدام الهيدروجين لتشغيل الصناعات الثقيلة كثيفة استهلاك الطاقة، مثل إنتاج الصلب والحديد، وهي الصناعات التي عليها الالتزام بأهداف الاتحاد الأوروبي بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، إما بتحويل الإنتاج جذريًا أو وقفه نهائيًا. في هذا السياق، لدى الهيدروجين القدرة على تسهيل التحول المتوافق مع الأهداف المناخية، حيث يمكن تصنيعه بالكامل من مصادر الطاقة المتجددة، كما كان يحدث من قبل في أسوان.

ظهر الالتزام بوعود الهيدروجين في أوروبا تحديدًا عام 2020، عندما وقّعت 26 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد على خارطة طريق صناعية بقيمة 400 مليار يورو تتضمن خططًا، ليس فقط لإنتاج الهيدروجين الخاص بها، ولكن أيضًا لشراء 40 جيجاوات من الهيدروجين المُنتج في دول شمال إفريقيا. ثم أدى هجوم روسيا على أوكرانيا إلى مُضاعفة اهتمام الاتحاد الأوروبي بمستقبل الطاقة الهيدروجينية، بعد أن اتخذت موسكو قرارًا بوقف تصدير الغاز الطبيعي ردًا على العقوبات الموجهة ضدها، ما دفع الاتحاد إلى إسراع وتيرة التحوّل للطاقة الخضراء في إطار برنامج .Repower Europe

بالعودة إلى مصر، وبعد عامين فقط من توقف إنتاج الهيدروجين الأخضر في مصنع أسوان، أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي طرحه على الأجندة. بعدها، غمرت وسائل الإعلام أخبار عن اتفاقيات أوليّة بين الحكومة وشركات دولية لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، حتى أن وزير الكهرباء محمد شاكر حدّد عام 2022 «عام الهيدروجين الأخضر». بدأ العمل خلف الأبواب المغلقة، كما لاحظ خبراء في المجال وباحثون، على وضع استراتيجية وطنية للهيدروجين سيتم إطلاقها قريبًا، بقيمة 40 مليار دولار أمريكي. وبينما يتوجه العالم إلى شرم الشيخ في نوفمبر المُقبل لحضور قمة المناخ «كوب 27»، تعتمد مصر في سعيها للاستفادة من الاهتمام الأوروبي بالهيدروجين على تلك الاستراتيجية.

يقول عدد من المصادر من الخبراء والعاملين في مجال الهيدروجين الأخضر لـ«مدى مصر» إن الضجة بخصوص الهيدروجين تسعى من خلالها مصر إلى تضخيم اهتمامها ودورها لضمان تفاعل المهتمين بالصناعة في الخارج. ولكن، حذّر البعض من جدوى تبني مصر لصناعة هيدروجين أخضر وطنية مستدامة، مشيرين إلى أن قدرة البلاد على إنتاجه في الوقت الحالي منخفضة للغاية. وعلى الرغم من أن الإقبال على الوقود الأخضر في أوروبا قد يمثل فرصة لجذب الاستثمارات في مصر، إلا أن التساؤل يبقى حول إسهام صناعة الهيدروجين الأخضر في التحول الأخضر داخل مصر وتنميتها بشكل عام.

caption
تصوير: دراسة مرصد شركات أوروبا والمعهد الدولي

يوصف الهيدروجين الأخضر بأنه وقود المستقبل. هو العنصر الأكثر وفرة في الكون، خفيف الوزن، قابل للتخزين، وتنتج عنه طاقة بكثافة دون انبعاثات مباشرة من الملوثات أو الغازات الضارة.

بالرغم من وفرته في الكون، لا يتواجد الهيدروجين نقيًا، بل يتطلب طاقة أولية لاستخراجه، إما من الوقود الأحفوري أو من الماء، أو من مزيج منهما. لكن تطور إنتاج الهيدروجين مؤخرًا ليعتمد على تيار كهربائي قوي يمر عبر خزان ماء يقسم جزيئات الماء إلى عنصريها الأساسيين، الهيدروجين والأكسجين، في عملية تُعرف بالتحليل الكهربائي. أما الطاقة اللازمة لاستخراجه فيمكن أن تكون من مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية أو الغاز الطبيعي والفحم والنفط. 

تُستخدم الألوان للتعبير عن مصدر الطاقة المستخدمة لإنتاج الهيدروجين، والتي تختلف في تأثيرها على البيئة. أغلب الإنتاج العالمي حاليًا من الهيدروجين -المعروف بالهيدروجين الرمادي- يعتمد على استخدام الغاز الطبيعي بما يعادل ثلاثة أرباع الإنتاج البالغ نحو 70 مليون طن، وهو ما يمثل 6% تقريبًا من الاستخدام العالمي للغاز. ولكن، برغم كون الغاز الطبيعي أحد أفضل أنواع الوقود الأحفوري قليل الانبعاثات، ما زال يساهم بنسبة كبيرة في التلوث العالمي. 

تنتج مصر حوالي 1.8 مليون طن من الهيدروجين سنويًا، ومعه انبعاثات الكربون من «الهيدروجين الرمادي» الناتج عن حرق الوقود الأحفوري، أي الغاز الطبيعي. يُستخدم الهيدروجين الرمادي حاليًا لتشغيل الصناعات المحلية مثل الحديد والصلب والأسمنت، أو يتم تحويله إلى أمونيا، والتي يمكن تخزينها ونقلها واستخدامها بشكل أكثر أمانًا في صناعة الأسمدة أو كوقود للنقل الثقيل مثل الطيران والشحن البحري.

وقد رفعت مصر نسبة مصادر الطاقة المتجددة المُستخدمة في مزيج الطاقة لديها هذا العام إلى 22%، بما يتماشى مع أجندة 2030، لكن هذا لا يعني أن أيًا مما تنتجه من الهيدروجين الرمادي يمكن وصفه بالأخضر، بحسب صبري*، المتخصص في الهيدروجين الأخضر. وبحسب معايير الاتحاد الأوروبي، يجب أن يُظهر مصنع ينتج الهيدروجين دليل سحب الطاقة من الشبكة الوطنية فيما يسمى «الارتباط الزمني»، أي إضافة مصادر الطاقة المُتجددة إلى الشبكة في نفس الوقت تقريبًا الذي تستهلك فيه محطة الهيدروجين تلك المصادر، بحسب صبري. 

ولكن، يلفت صبري إلى أن الشبكة الوطنية الحالية في مصر لا تتمتع بالقدرة أو المرونة لنقل كميات كبيرة من الطاقة المتجددة، ناهيك عن الكميات الهائلة اللازمة لتشغيل محطات إنتاج الهيدروجين كثيفة الاستهلاك للطاقة. كما أن إمدادات الطاقة المُتجددة متقطعة وغير مُتسقة بطبيعتها، بسبب التقلبات الموسمية الطبيعية في سرعة الرياح أو شدة ومدة التعرض للشمس. دون إضافة سعة تخزين ضخمة لمخزون الطاقة المتجددة من أجل استهلاكه عندما يحل الظلام أو عندما تقل قوة الرياح، يظل من الضروري دعم مصدر طاقة الشبكة بالغاز الطبيعي أو الفحم. وبحسب دراسة لمرصد شركات أوروبا والمعهد الدولي، نُشرت في سبتمبر الماضي، فإن تكلفة الطاقة المستهلكة في إنتاج الهيدروجين الأخضر تبلغ 11 مرة ضعف تكلفة الطاقة في حالة إنتاج الغاز الطبيعي.

لذا، يشير صبري وغيره من الخبراء في المجال خلال حديثهم لـ«مدى مصر» إلى أنه من غير المُجدي إذن أن تقوم مصر بتحويل مصانع الهيدروجين الرمادي الموجودة لديها لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتوقعوا أنه من أجل تفعيل أيّ من الصفقات الأوليّة المُعلن عنها، يجب أن تُبنى محطات الهيدروجين الأخضر خارج شبكة الطاقة، وذلك عن طريق منشآت طاقة مُتجددة خاصة بهذه المحطات في الموقع أو بالقرب منه، وعلى الأرجح في المناطق الساحلية لتسهيل شحن الصادرات.

ونتيجة لذلك، فإن أحد المُتطلبات الرئيسية للاستراتيجية الوطنية هو التزام الدولة بتوفير مصادر الطاقة المُتجددة أو أراضٍ لبناء مصادر الطاقة المتجددة اللازمة لتشغيل إنتاج الهيدروجين الأخضر، كما يشير صبري. ويضيف أن حوالي 7600 كيلومتر مربع، وهي مساحة تبلغ عشرة أضعاف مساحة دولة البحرين، مخصصة لمشاريع الطاقة المتجددة، ويجب أن تكشف استراتيجية الهيدروجين الأخضر التي يجري وضعها عما إذا كان سيتم تخصيص المزيد من الأراضي لتوليد الطاقة المُتجددة لصنع الهيدروجين الأخضر، أم سيتم تخصيص جزء من مساحة الأرض -المُخصصة بالفعل لمشاريع الطاقة المتجددة- لإنتاج طاقة خضراء.

من ناحيته، يقول عاصم قريطم، المدير العام للعمليات والصيانة في فرع مصر لشركة توتال إرين الفرنسية للطاقة المتجددة، إنه في ظل الغموض بشأن تخصيص مصادر الطاقة المتجددة، فإنه من المستحيل على الشركات المُهتمة وضع خطط عمل، لأن السعر لكل واط توفره الحكومة من الطاقة المتجددة، عُرضة للتغيير.

كما تعاني مصر من الإجهاد المائي، بينما تتطلب عملية التحليل الكهربائي للمياه لإنتاج الهيدروجين حوالي تسعة لترات من الماء لإنتاج واحد كجم من الهيدروجين الأخضر. لا يمكن استخدام مياه البحر مباشرة لأنها يمكن أن تؤدي إلى إنتاج الكلور والأضرار المسببة للتآكل للمحلل الكهربائي، ولكن يمكن أن تكون تحلية مياه البحر حلًا لتجنب استخدام المياه العذبة من نهر النيل. وحتى إن اتجهت مصر للاعتماد على تحلية مياه البحر، فسيتحتم عليها النظر في مصادر الطاقة اللازمة لتحلية المياه، لتجنب استخدام الطاقة الناتجة من محطات الوقود الأحفوري للالتزام بمعايير البصمة الكربونية.

هناك أيضًا تحديات الشحن. بحسب دراسة مرصد شركات أوروبا والمعهد الدولي، «تستغرق عملية تسييل الهيدروجين ثلاثة أضعاف الوقت اللازم لتسييل الغاز الطبيعي، كما أن الناقلات يمكنها حمل كمية هيدروجين تبلغ 27% فقط من كمية الغاز الطبيعي التي يمكن أن تستوعبها. فضلًا عن المذكور، فالهيدروجين يستهلك ثلاثة أمثال الطاقة اللازمة لنقل الغاز الطبيعي/الأحفوري عبر الأنابيب (نظرًا لكثافته الأقل)، ما يعني مضاعفة تكاليف الطاقة اللازمة للنقل عبر الأنابيب ثلاث مرات».

المصدر: دراسة مرصد شركات أوروبا والمعهد الدولي عن الهيدروجين الأخضر

لذلك، وبحسب الخبراء الذين تحدثوا لـ«مدى مصر»، على الرغم من توقيع الحكومة على مجموعة من الاتفاقيات الأولية لإنتاج الهيدروجين الأخضر، إلا أن عقدًا واحدًا فقط هو الذي قد يصبح عقدًا نهائيًا، ومن المتوقع أن يكون هناك تشغيلًا جزئيًا على الأقل بحلول مؤتمر «كوب 27» في نوفمبر.

في مارس الماضي، وقّع صندوق مصر السيادي عقدًا مع شركة سكاتيك Scatec النرويجية للطاقة المتجددة وشركة فيرتيجلوب Fertiglobe المملوكة لكل من شركة «أوراسكوم إن في» Orascom NV وشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، لتطوير محطة هيدروجين بقدرة 100 ميجاوات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بهدف إنتاج ما يصل إلى 90 ألف طن متري من الأمونيا الخضراء سنويًا. تكلفة المشروع، بحسب تقديرات أولية، خمسة مليارات دولار. المشروع الجديد سيحول مصنع الأمونيا الحالي الذي يعمل بالغاز الطبيعي، والتابع للشركة المصرية للصناعات الأساسية في العين السخنة، والمتمركز على ضفة قناة السويس، مما يسهل من شحن الهيدروجين الأخضر.

ظروف استثنائية جعلت مشروع سكاتيك-فيرتجلوب قابلًا للتنفيذ، ومنحته الأولوية مقارنة بمشروعات أخرى. يقول صبري، إنه بينما تحتاج معظم مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر إلى بناء محطاتها المُتجددة المخصصة في الموقع، يحصل مصنع سكاتيك-فيرتجلوب على إذن خاص من جهاز تنظيم مرفق الكهرباء المصري لشراء الطاقة المتجددة لإنتاج الهيدروجين من المحطات الحالية بدلًا من بناء محطة جديدة.

في 31 أغسطس الماضي، أعلن مجلس الوزراء عن منح مواقع في محطة بنبان للطاقة الشمسية وفي حقول الرياح في خليج السويس لمشروع سكاتيك-فيرتيجلوب. كما يوضح صبري أنه لضمان استيفاء لوائح الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالهيدروجين الذي يتم تعريفه على أنه «أخضر»، سيقوم جهاز تنظيم مرفق الكهرباء بإصدار شهادة خضراء لإثبات أن الهيدروجين الذي يُنتجه المصنع في العين السخنة جاء من مصدر متجدد.

ومع ذلك، يتساءل خبراء الهيدروجين الأخضر عن التقدم في مشروع سكاتيك-فيرتجلوب، الذي من المتوقع أن يُعرض جزء منه في «كوب 27»، قبل الافتتاح الكامل عام 2025، نظرًا لنقص المعلومات المُتعلقة بكيفية قيام سكاتيك وفيرتجلوب بتوفير التمويل اللازم للمشروع وكيفية ترتيب نقل وإمداد الطاقة للمشروع.

يقول فوزي إن شركة فيرتجلوب كانت قادرة على التحرك بسرعة، بالنظر إلى أنها تستخدم معمل أسمدة قائم تملكه شركة أوراسكوم لإنتاج الأمونيا الخضراء، بينما يشير صبري إلى أن المشروع لم يكن لديه مشكلة في زيادة الموارد المالية، وأنه على الأرجح قام بتمويل ذاتي، نظرًا لأنه تابع لـ«ثلاثة كيانات قوية». من المُحتمل أن يكون قد تم تسريع المشروع لأن الحكومة حريصة على إنشاء وتشغيل بعض المشاريع الرائدة بحلول «كوب 27»، يقول قريطم، مضيفًا: «قبل المؤتمر هو الوقت الأمثل للمستثمرين لعرض أفكارهم، لأن الحكومة ستشتري هذه الأفكار».

لذا، قد يمثل مشروع سكاتيك-فيرتجلوب حالة خاصة، مع اتفاق المصادر على أن تحقيق ما تبقى من الاتفاقات الأوليّة يعتمد على مدى جدية الاستراتيجية الوطنية الحكومية في تحفيز الاستثمار.

بالتوازي مع التعاقد مع «سكاتيك» و«فيرتجلوب»، أبرمت القاهرة مذكرات تفاهم مع شركتي سيمنز وتيسينكروب الألمانيتين، وشركة إيني الإيطالية، وشركتيّ إي دي إف رينيوبال وتوتال إنيرجيز الفرنسيتين، ومجموعة ديمي DEME البلجيكية، بينما عقد السيسي محادثات مباشرة مؤخرًا مع شركة فورتسكيو فيوتشر الأسترالية وشركة مايرسك الدنماركية. جزء من اتفاق يونيو الماضي بين إسرائيل ومصر لتعزيز صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا يتضمن أيضًا بندًا فضفاضًا ينص على أن مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي «سوف يسعون» لتشجيع التعاون على «تحقيق أهداف الطاقة الخضراء ومكافحة تغيّر المناخ» في مجالات تشمل الهيدروجين. يشير حليم*، باحث الدكتوراه في الطرق البديلة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، إلى أن قيمة كل هذه الاتفاقيات «سياسية»، حيث تعمل على «وضع مصر على الخريطة» كمُنتج مُحتمل قادر على التصدير في وقت حرج.

بحسب التقرير، ضريبة حدود الكربون الأوروبية يمكن أن تقلص من مكاسب مصدري البترول والحديد ولب الخشب بنسبة تتراوح بين 10% و65%. تعتبر مصر من البلاد ذات القدرة المتدنية على التكيف وفقًا لهذه المنظومة.
تصوير: تقرير وزارة الخارجية الهولندية ووكالة هولندا للشركات

ترجمة وضع مصر على الخريطة إلى ميزة طويلة الأمد هو محل تساؤل. يشير حليم إلى أنه في الوقت الحالي لا يوجد التزام باستخدام الهيدروجين الأخضر داخل مصر، فجميع الخطط مُخصصة للتصدير للخارج. ويشير إلى مؤتمر حضره في المملكة المتحدة، واصفًا الشركات الأوروبية بأنها «صريحة بشأن العثور على موقع تكون تكلفة الإنتاج فيه أرخص». كانت الشركات المشاركة في المؤتمر حاسمة في رفض اعتبار «استخدام أصول [شمال إفريقيا] لمنفعتها الشخصية» نوع من أنواع الاستعمار الجديد، وهو ما عبر عنه بحث «مرصد شركات أوروبا» والمعهد الدولي.

الباحث في وحدة العدالة البيئية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد يونس، يُثمّن اتجاه مصر لإنتاج الهيدروجين الأخضر، ولكن يرى أن «في حالة الهيدروجين تحديدًا، تحتفظ الدول المتقدمة بأسرار تصنيعه والتكنولوجيا اللازمة لذلك من خلال براءات الاختراع، وهو ما يعني صعوبة توطين تلك التكنولوجيا في مصر، بالرغم من اتفاقيات باريس للمناخ التي تنص على أهمية نقل تكنولوجيا التصنيع من الدول المتقدمة إلى الدول النامية».

بالإضافة إلى ذلك، يشير يونس إلى أن سهولة إنتاج الهيدروجين الأخضر بالمقارنة مع -مثلًا- الغاز الطبيعي أو البترول، يوفر فرصة ذهبية للحكومة المصرية لإشراك المجتمعات المحلية في عملية الإنتاج، عن طريق توظيف العمالة المتوفرة بالقرب من المحطات أو المساهمة في تنمية المجتمع المحلي بجوارها، وهو ما يجب على الحكومة العمل عليه، من خلال نشر محطات الهيدروجين الأخضر بمختلف المحافظات -حال توافر العوامل اللازمة للإنتاج- بدلًا من التركيز على إنشاء تلك المشاريع في المناطق الاستثمارية فقط.

إلى جانب التوظيف، يمكن لمصر أن تجني فوائد أكبر لاقتصادها وبيئتها على نطاق أوسع إذا لم تقصر آفاق استراتيجيتها الوطنية على الصادرات فقط. الإيرادات التي ستحصل عليها مصر من إنتاج الهيدروجين للتصدير إلى أوروبا ستكون «مجرد فتات»، كما يصفها فوزي، مقارنة بما يمكن أن تحصل عليه من خلال الارتقاء في سلسلة القيمة وبيع المنتجات الصناعية من الهيدروجين الأخضر، مثل الأسمدة الخضراء أو الحديد الصُلب الأخضر.

قد يكون هذا أحد أكبر عيوب المسار الحالي للاستراتيجية الوطنية، كما يقول فوزي، نظرًا لأن صناعات الهيدروجين الرمادي، وما تسببه من تلوث شديد في الداخل، ستستمر في إطلاق حجم هائل من انبعاثات الكربون، ما يلحق أضرارًا بالغة بالبيئة، بينما تستفيد أوروبا من الهيدروجين الأخضر. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن إنتاج مصر من الهيدروجين الرمادي يُمثل ما يصل إلى 6% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في البلاد. وتعبر دراسة مرصد شركات أوروبا والمعهد الدولي عن تخوفها من تحويل الإقبال على الهيدروجين الأخضر إلى «باب خلفي» للتوسع في استخدام الوقود الأحفوري مع زيادة الطلب.

دون استراتيجية طويلة الأجل، فإن مصر تُخاطر بمستقبلها أيضًا. قد يؤدي تعديل اتفاقية «حدود الكربون»، آلية تجنب تسرب الكربون خلال سلاسل توريد الإنتاج الصناعي، إلى توقف الاتحاد الأوروبي عن شراء المنتجات الصناعية من البلدان ذات معايير أقل فيما يخص الانبعاثات، ومنها مصر. وبالنظر إلى أن 25% من إجمالي حجم التجارة المصرية في 2020 كان مع الاتحاد الأوروبي، فإذا تم تفعيل آليات اتفاقية «حدود الكربون»، فقد تفقد مصر الكثير من عائداتها التصديرية إذا فشلت في تخضير صناعاتها الثقيلة. إدخال الهيدروجين الأخضر في القطاع الصناعي سيسمح للصناعات التحويلية مثل الأسمدة والصلب والألمنيوم والأسمنت بالازدهار وجني المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر، بحسب حليم*، الذي يؤكد أن دعم وتمويل البحث والتطوير للصناعات الثقيلة هو المفتاح لتسهيل التحول الأخضر لمصر.

ويحذر صبري من أن مصر تفتقر إلى الأموال اللازمة للاستثمار في تحويل صناعاتها الثقيلة في الوقت الراهن، فكمية الطاقة المتجددة التي تولدها هي 22% فقط مما يتطلّبه تحويل إنتاج الهيدروجين الرمادي للبلد بأكمله إلى هيدروجين أخضر. على المدى القصير، يمكن أن تُسهم إيرادات تصدير الهيدروجين إلى أوروبا في توفير الأموال التي يمكن استخدامها في نهاية المطاف لتحويل الصناعة الوطنية في مرحلة لاحقة إلى الهيدروجين الأخضر؛ كما يقترح زكي*، الخبير العامل في شركة هيدروجين خضراء أوروبية.

لكن حتى الآن، لا يزال الغموض يخيم على المسار الذي ستتخذه الحكومة فيما يخص الهيدروجين الأخضر. تم تشكيل لجنة لإعداد الاستراتيجية في نوفمبر 2020، لكن عملها اتسم بالبطء، وتأخر موعد الإطلاق الأولي للاستراتيجية الذي كان مقررًا في يونيو الماضي. يتحدث فوزي عن ضغوطات لإدراج خبراء استشاريين في مرحلة مبكرة من صياغة الاستراتيجية، لكن الأمر استغرق حوالي عام لتأمين التمويل لتوظيفهم.

في مارس الماضي، وقّعت لجنة مكونة من مسؤولين من وزارتي البترول والكهرباء اتفاقًا مع البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير لتمويل التحليل التنظيمي وتقييم التغييرات «اللازمة لدعم تطوير الهيدروجين». ويتوقع فوزي أيضًا أن يقدم «اتحاد شركات التكنولوجيا البلجيكية» -المكون من شركات ديمي، وأنتويرب بورت، وفلوكسيس- لمصر دراسة استغرق إعدادها ثلاثة أشهر، بهدف استخدامها كنقطة مرجعية للاستراتيجية الوطنية. ولكنه يقول إن خطوات دمج الخبرات الدولية اتُخذت بعد فوات الأوان، وأن «الدولة تفتقر إلى الرؤية»، في سياق من سباق الزمن لاحتواء الطلب على الهيدروجين الأخضر.

في المقابل، يشيد فوزي بعدد من الخطوات التي تم اتخاذها حتى الآن لتحفيز الاستثمار في المجال. في مارس الماضي، تم دمج إنتاج وتخزين وتصدير الهيدروجين الأخضر ومنتجاته (الأمونيا الخضراء) ضمن استراتيجية التنمية الاقتصادية للدولة، وصدر قرار بالسماح لمشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء بالاستفادة من دعم الدولة، في شكل إعفاءات ضريبية، بموجب قانون الاستثمار الحالي. يصف فوزي هذا بأنه «ركيزة أساسية»، لكنه يرى أن القانون لا يزال غامضًا ولن يكون كافيًا لتحفيز الاستثمار بشكل جدي.

ويشير العديد من الخبراء الذين تحدث «مدى مصر» معهم إلى أن القطاع الخاص سيُراقب أيضًا كيف تخطط الحكومة لدخول القطاع، حيث سيحدد ذلك مدى المنافسة. وبحسب آخر بيان أدلى به رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، فإن ما بين 20 إلى 25% من الاستثمارات المتوقعة في المرحلة الأولى لمصر من مشروعات الهيدروجين الأخضر، والتي تصل إلى 41.5 مليار دولار بحلول 2030، ستأتي من الدولة.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت الاستراتيجية قادرة على جذب المستثمرين، وتستطيع في نفس الوقت إضفاء قيمة تتجاوز واردات الصادرات لمصر، وتحافظ على «الصُدفة» التي أدّت إلى توليد الهيدروجين الأخضر في أسوان قبل نصف قرن من الزمان.

* فضّل بعض خبراء المجال والباحثين الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» في هذه القصة عدم الكشف عن هويتهم. تم تخصيص أسماء مستعارة لهم من أجل الوضوح في السرد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن