تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
شهادات الكربون في «كوب 29».. خطوة للأمام أم حل وهمي؟ 

شهادات الكربون في «كوب 29».. خطوة للأمام أم حل وهمي؟ 

كتابة: ندى عرفات 5 دقيقة قراءة

افتتحت قمة المناخ كوب 29 في عاصمة أذربيجان، باكو، أمس، بتوصّل المفاوضين إلى اتفاق تاريخي لإقرار أول معايير رسمية لتداول شهادات الكربون عالميًا، وهي آلية تهدف لتحقيق التنمية وخفض الانبعاثات في الوقت نفسه، إلا أن الشكوك بشأن فعاليتها على خفض الانبعاثات لا تزال قائمة. 

ثاني أكسيد الكربون، أو الكربون، هو من أكثر الغازات تلويثًا للبيئة، ويساهم في الاحتباس الحراري الذي يرفع حرارة الكوكب مسببًا ما يُعرف بالتغير المناخي. لذلك كان العالم أمام معادلة واضحة: تخفيض انبعاثات الكربون يساوي الحد من التغير المناخي. لكن الواقع أكثر تعقيدًا، فمعظم الصناعات تطلق الكربون، سواء مباشرة خلال التصنيع أو عبر سلاسل التوريد والاستخدام وحتى النقل.  

من هنا خرجت فكرة شهادات الكربون كوسيلة لخفض الانبعاثات، عبر ما يشبه تذاكر تُمنح للشركات مقابل الحد من انبعاثات الغازات التي تلوث الجو، مثل غاز ثاني أكسيد الكربون. يعتبر البعض هذه العملية بمثابة لعبة «تبادل الهواء النظيف». الشركات التي تنجح في تقليل تلويث البيئة بنسبة ما عن أقرانها يمكنها أن تبيع هذه النسبة لشركة أخرى مستمرة في التلويث مثل شركات البترول والغاز الطبيعي مثلًا، لتتمكن الأخيرة من الإدعاء بأن أموالها استخدمت في التقليل من الانبعاثات. تكرر الشركات الملوثة هذه العملية لتصل في النهاية إلى القول إنها لا تُصدر أصلًا انبعاثات حال تمكنها من شراء شهادات تغطي كامل الملوثات التي تطلقها في الهواء، أو ما يُعرف بـ«صافي صفر».

لكن تواجه منظومة شهادات الكربون انتقادات لأنها لا تقلل فعليًا حجم الانبعاثات، هي فقط تعطي الضوء الأخضر للشركات العالمية الملوثة بالاستمرار في تلويث الكوكب، بشرط أن تدفع القليل من الأموال لشركة أخرى يُمكنها الإدعاء أنها تساهم في تقليل الانبعاثات، كشركات الطاقة الشمسية التي تبيع شهادات كربون تعادل قدر الانبعاثات التي كانت ستُطلق في الهواء حال استخدام وقود تقليدي لإنتاج الطاقة. 

فبدلاً من تخفيض الانبعاثات داخل أراضيها، تلجأ الدول والشركات لشراء غابات في دول أخرى، كما تفعل الإمارات في بعض الدول الإفريقية، إذ تُعد الغابات أدوات طبيعية لامتصاص الكربون من الهواء. وبهذه الطريقة تُظهر الدول كأنها تلتزم بخفض انبعاثاتها على الورق عن طريق تمويل مشاريع لا تخصها انبعاثاتها، فيما تظل الانبعاثات الحقيقية دون تخفيض فعلي. 

شهد سوق الكربون نموًا ملحوظًا بعد اتفاقية باريس في 2015؛ التي تضمنت في مادتها السادسة قسمين رئيسيين لتشجيع التعاون في خفض الانبعاثات؛ يسمح القسم الأول للدول بإبرام اتفاقيات ثنائية لتبادل أرصدة الكربون، فيما ينشئ القسم الثاني نظامًا مركزيًا لإدارة تداول الكربون، تحت إشراف الأمم المتحدة، ومتاح للدول والشركات. 

يُسهّل هذا النظام إنشاء سوق عالمية، حيث يمكن للدول والشركات تعويض انبعاثاتها من خلال تمويل مشاريع صديقة للبيئة مثل التشجير أو تركيب مصادر طاقة متجددة في مناطق أخرى، مما يساهم في تحقيق أهداف اتفاقية باريس بتكلفة أقل. ظل القسم الثاني من المادة غير مُفعل لسنوات، حتى قمة المناخ 26 في جلاسكو، حيث اتفق المفاوضون على مجموعة عامة من القواعد لتنظيم تجارة أرصدة الكربون، واستكمال المناقشات في وقت لاحق.

وفي قمتي شرم الشيخ ودبي، اُستكملت المفاوضات دون الانتهاء منها. في غضون ذلك؛ قررت بعض الدول مثل اليابان وإندونيسيا المضي قدمًا في إبرام اتفاقات ثنائية دون المعايير التنظيمية. تقول الأمم المتحدة إنه تم إبرام 91 اتفاقًا بين 56 دولة منذ اتفاقية باريس وحتى أكتوبر الماضي. 

ستنظم المعايير الجديدة عمليات التداول بشكل أفضل، إلا أنه رغم هذا التقدم، أثار الاتفاق جدلًا؛ إذ عبّر العديد من النشطاء عن قلقهم من الاتفاق الذي اعتبروا معاييره فضفاضة. 

وقالت خبيرة السياسات البيئية في منظمة «جرين بيس» الدولية، آن لامبرختس، في بيان اطلع عليه «مدى مصر»: «هذا الإتفاق يُنشئ منطقة رمادية عبر إقرار معايير غير مكتملة وكأنها نهائية، ما يدفع بأسواق الكربون إلى الأمام تحت مبررات زائفة. لكن لنكن واضحين، أسواق الكربون هي ثغرات خطرة تتيح للملوثين مواصلة إضرارهم بالمناخ، وقد يتم التلاعب بها كحل وهمي لسد فجوة تمويل المناخ. نحن بحاجة إلى تمويل حقيقي لأعمال مناخية حقيقية». 

من جانبه، اعتبر رئيس القمة، مختار باباييف، القرار بأنه «أداة فارقة» لتوجيه الموارد نحو الدول النامية، والتي غالبًا ما تتأثر بتغير المناخ رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات العالمية.

مصر التي كانت جزءًا من سوق الكربون منذ 2005، وكانت ثاني دولة إفريقية تبيع أرصدة الكربون عن طريق الشركات الخاصة، تستعد لتوسيع مشاركتها في هذا السوق، وفي أغسطس الماضي؛ أنشأت أول سوق كربون طوعي في البلاد. وتسعى بعض شركات الاستثمار الزراعي في مصر للدخول إلى سوق شهادات الكربون، إذ كانت أول عمليات تداول للشهادات في السوق المصري لصالح شركات مثل «إيزيس» التابعة لمجموعة سيكم القابضة للزراعة العضوية، وشركة «دالتكس» أحد أكبر منتجي ومصدري البطاطس في مصر. 

كبير مفاوضي مصر والقارة الإفريقية في مفاوضات المناخ، السفير محمد نصر، أعتبر التوسع في شهادات الكربون ضرورة ملحة، حسبما قال لـ«مدى مصر»، في وقت سابق. «بعض المجالات ليست جاذبة للاستثمار، أو لا تتنافس بالقدر الكافي مع مثيلاتها في دول متقدمة أخرى، لذلك أنت مُجبر على توفير دعم مادي عن طريق السماح ببيع أرصدة الكربون لمساعدة المستثمرين. بخلاف أرصدة الكربون المبنية على الطبيعة، مثل الغابات أو المحيطات، فإن الخلاف العالمي ليس ما إذا كانت أرصدة الكربون جيدة أم لا، وإنما عن كيفية التعامل معها».

ويظهر النقاش حول المسؤولية التاريخية لتغير المناخ، إشكالية كبيرة؛ حيث تتحمل الدول الصناعية مسؤولية أكبر بسبب مساهماتها الطويلة في التلوث، بينما تُطالب الدول النامية، مثل مصر، بدفع تكاليف التأقلم مع الأضرار البيئية. لذلك يرى الخبراء أن دخول مصر سوق الكربون يجب ألا يطغى على مطالباتها بتعويضات أكبر تُمكنها من بناء بنية تحتية مستدامة، بدلًا من الاعتماد على مشاريع صغيرة قد لا تكون كافية لتحقيق نمو صناعي حقيقي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن