شح الدولار وحمى الذهب
بعد أسابيع من ارتفاع غير مسبوق في أسعار الذهب، تدخل البنك المركزي قبل يومين في محاولة للسيطرة على الأزمة.
قرر «المركزي» حدًا أقصاه عشرة أيام لتحصيل المدفوعات الدولارية الناتجة عن عمليات تصدير الذهب. وفي حالة تجاوزها، سيقوم «المركزي» بإدراج المُصدّر والأطراف المُرتبطة به إلى «قوائم الإخفاق»، ما يعني شطبه من قوائم المسموح لهم بتصدير الذهب.
جاء القرار بعدما وصل سعر جرام الذهب (عيار 21) إلى 1900 جنيه قبل يوم من القرار، بزيادة تقترب من 150% مقارنة بأسعار يناير الماضي.

لكن القرار لم يكن فقط من أجل السيطرة على ارتفاع أسعار الذهب، وإنما الأهم السيطرة على سوق الدولار، والتي تواجه فيه مصر أزمة معقدة ونقصًا حادًا دفعها لتقليص الاستيراد والتحكم في حركة النقد الأجنبي قدر الإمكان طوال الشهور الماضية. أزمة نقص الدولار هذه كانت إحدى أسباب ارتفاع أسعار الذهب أصلًا.
لكن كيف يحدث هذا؟ كيف يتسبب نقص الدولار في جنون أسعار الذهب؟ كيف أصبحت تجارة الذهب طريقًا لتوفير الدولارات وإتمام عمليات الاستيراد المتعثرة؟ وكيف تسببت الأزمة في تغيير طبيعة سوق الذهب نفسه؟
تعاني مصر من أزمة عملة عنيفة، مع اشتعال الحرب الروسية، بعد تخارج مستثمري الأموال الساخنة بحوالي 25 مليار دولار، وارتفاعات أسعار الفائدة الأمريكية والأوروبية الأكبر منذ عقود، والتي تسببت في ابتعاد تجار الديون -الذين اعتمدت عليهم مصر بشكل كبير في الأعوام الماضية- عن الأسواق الناشئة. في المقابل، لدى مصر فجوة تمويلية تصل إلى 16 مليار دولار خلال الأعوام الأربعة القادمة. كما ارتفعت أسعار السلع الأساسية عالميًا، ما وضع ضغوطًا كبيرة على النقد الأجنبي المتوافر في مصر، والتي تعتمد على الاستيراد في كثير من السلع الأساسية والمواد الخام.
تسبب كل هذا في نزيف الدولار المتوافر. حاول البنك المركزي السيطرة على هذا النزيف عبر وضع قيود مشددة للغاية على كثير من عمليات الاستيراد. أحد أهم هذه القيود تمثلت في اشتراط أن تكون الدولارات المستخدمة في إتمام أي عملية استيراد قادمة من عملية تصدير مقابلة، وليس من خارج النظام المصرفي الرسمي.
كذلك سعت الحكومة للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي للحصول على قدر من الدولار، والأهم إعادة ثقة تجار الديون في السوق المصري.
وفي نهاية أكتوبر الماضي، استجاب «المركزي» لأحد أهم اشتراطات الصندوق، وأعلن تحرير سعر صرف الجنيه ليصل إلى 24.60 قرشًا خلال أيام قليلة. عند هذه النقطة، على ما يبدو، تدخل «المركزي» بشكل غير رسمي لوقف تدهور قيمة الجنيه والحفاظ عليه عند هذا المستوى. لكن ومع استمرار نقصه، ارتفع سعر الدولار في السوق السوداء ليتجاوز 30 جنيهًا. وكذلك استمرار ترقب «تعويم» آخر قد يقفز بالسعر الرسمي إلى 30 جنيهًا بحسب توقعات البعض.
ووسط هذا الارتباك، وجد البعض في الذهب مخرجًا.
يسترشد سعر الذهب محليًا بشكل مبدئي بأسعار الذهب المُقومة بالدولار في البورصة العالمية، كما يشرح رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، هاني ميلاد، لـ«مدى مصر». لكن هذا لا يتعدى الاسترشاد. في النهاية، يستجيب السعر محليًا لأي تغيرات مفاجئة في العرض والطلب. هذا هو ما حدث خلال الأسابيع الماضية، حيث تجاوز سعر الذهب محليًا السعر العالمي بأكثر من 20%.
المدير التنفيذي لإحدى منصات تداول الذهب، سعيد إمبابي، قال لـ«مدى مصر» إنه إذا كان السوق في حالته الطبيعية، لا يُفترض أن يتجاوز سعر جرام الذهب (عيار 21) حاجز 1400 جنيه. لكن الفارق بين هذا السعر والمستويات التي وصلت إليه، والتي اقتربت فيها من 2000 جنيه للجرام، جاء بسبب زيادة أخرى غير معتادة في الطلب.

بحسب مصادر مختلفة من سوق الذهب، هذه الزيادة غير المعتادة في الطلب حدثت لسببين.
الأول، لجوء بعض المستوردين لعملية معقدة تعتمد على تصدير الذهب يحصلون عبرها على دولارات يمكنهم استخدامها لإتمام عمليات الاستيراد.
يشرح أحد كبار تجار الألماس والذهب في مصر، والذي تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه، هذه العملية. لنقل إن أحد المستوردين يحتاج مليون دولار في حسابه البنكي، تكون قادمة عبر عملية تصدير كي يتمكن من استخدامها في عملية استيراد مقابلة التزامًا بقيود «المركزي».
يبدأ تعاون بين المستوردين وتجار الذهب الذين يحوزون رخصة تصدير ذهب: يطلب المستورد من تاجر الذهب تصدير ذهب بقيمة المليون دولار التي يحتاجها. يتفق المستورد مع تاجر الذهب على قيمة الدولارات التي سيحصل عليها بالجنيه. يحصل التاجر على ما يساوي مليون دولار هنا، ويقوم بتصدير كمية من الذهب بقيمة مساوية بعد اقتطاع هامش ربحه طبعًا. بعد التصدير، يتم تحويل الأموال مقابل الذهب الذي تم تصديره إلى حساب المستورد هنا. رسميًا، هذه الأموال هي مقابل عملية تصدير فعلًا (تصدير الذهب)، وبالتالي يمكن استخدامها في الاستيراد.
أثبتت هذه الطريقة كفاءة كبيرة في توفير الدولارات، لدرجة أن بعض المستوردين قرروا إضافة نشاط تصدير الذهب إلى نشاط شركاتهم، وقاموا بعمليات واسعة لشراء الذهب من السوق لتصديره بأنفسهم وتوفير الدولارات، متجاوزين تجار الذهب كوسيط، بحسب مستشار قانوني لأحد شركات الاستيراد، لم يرد ذكر اسمه.
ليس هذا فقط. هذه الطريقة الأخيرة سمحت بتجاوز عقبة أخرى وضعها «المركزي» على الاستيراد، لأنه حتى إذا توافرت أموال قادمة من عملية تصدير، إلا أنها لا تزال خاضعة لتقديرات «المركزي» حول أولويات الاستيراد الأخرى. لكن مع هذه الطريقة، حين يقوم التاجر بتصدير الذهب بنفسه فإنه يحصل على مقابلها بالدولار في الدولة التي استوردت الذهب منه. يعني هذا أن المليون دولار التي يحتاجها أصبحت بالفعل خارج مصر، وبالتالي لا رقابة للبنك المركزي عليه، بحسب المستشار القانوني. يستطيع المستورد استخدام هذه الأموال لدفع ما يحتاج لاستيراده من الخارج مباشرة، وبالتالي يصبح الإفراج الجمركي عن السلع بعد وصولها إلى مصر أكثر سهولة لأنها أصبحت خالصة الثمن دون تدخل مصري فيها.
طبقًا للمستشار القانوني، فإن هذا هو السبب الذي دفع «المركزي» لإصدار قراره الأخير، بعدما لاحظ خروج كميات من الذهب دون دخول حصيلتها الدولارية كما هو متوقع.
لكن، هذا لم ينعكس على الأسواق، التي لم تستجب بشكل جاد لقرار «المركزي» في اليوم الأول لتطبيقه أمس. لم تتراجع أسعار الذهب اليوم سوى بشكل محدود، حيث تراوح سعر الجرام (عيار 21) بين 1600-1700 جنيه. ونفى نائب رئيس الشعبة العامة للذهب، وديع أنطون، اليوم، لـ«مدى مصر»، ما تردد عن توقف محلات الذهب عن التداول، أو تراجع الأسعار بنسبة كبيرة. بالنسبة لأنطون، يحتاج قرار «المركزي» وقتًا حتى يبدأ في الانعكاس على الأسعار بشكل كبير.
صحيح أن هذا القرار يغلق الباب أمام الطريقة الأخيرة التي لجأ إليها المستوردون، لكن الباب لا يزال مفتوحًا أمام الطريقة الأولى التي تعتمد على تجار الذهب. إلى جانب هذا، هناك السبب الثاني الذي ساهم في رفع الطلب على الذهب ودفع سعره للارتفاع، والذي لا يتأثر بهذا القرار. هذا السبب هو اتجاه البعض لتخزين ثرواتهم في الذهب في انتظار استقرار سعر الدولار في السوق، كما يشرح إمبابي.
يشير إمبابي إلى دخول شريحة جديدة إلى الطلب بسبب هذا التوجه، وهي شريحة أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، والذين يتجهون في المعتاد إلى الدولار لتخزين ثرواتهم في أوقات اضطراب سعر الجنيه. لكن بسبب عدم وجود دولارات كافية، توجهت هذه الشريحة إلى شراء الذهب.
دخول هذه الشريحة دفع الأسعار لأعلى من خلال قوة الطلب التي خلقتها شريحة تمتلك القدرة على شراء الذهب أيًا كان سعره، بحسب إمبابي، ما شجع كبار تجار الذهب والمتحكمين بشكل رئيسي في الأسعار يوميًا إلى رفع السعر.
بسبب هذه الشريحة، تحولت العلاقة في سوق الذهب من علاقة بين تجار ومستهلكين (business to customer) إلى علاقة بين التجار وبعضهم (business to business). صغار المستهلكين أصبحوا خارج الصورة في كل الأحوال مع مستويات الأسعار مؤخرًا.
انعكس هذا على طبيعة سوق الذهب نفسه. في الحالات العادية، يعتمد العرض في سوق الذهب على الذهب المُستعمل (يُسمي «الكسر») والاستيراد. ويعتمد الطلب على بيع المشغولات محليًا وتصدير الذهب الخام إلى الخارج. لكن مع التغيرات الأخيرة، سيطر شراء السبائك والجنيهات الذهب على السوق، فيما تراجع الطلب على المشغولات بنسبة 60%، بحسب رئيس شعبة الذهب، وصفي أمين.

هذا التغيير في طبيعة الطلب أثر على سوق الذهب بأكمله. يقول أحد موزعيّ الذهب بسوق سليمان جوهر بحي الدقي بالجيزة، اشترط عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر»، إن دور الموزع يتمحور في المعتاد حول تجميع الذهب المستعمل الذي يبيعه الأفراد لديه، وإرساله إلى تاجر ومُصنع الذهب لاستبداله بمشغولات أخرى بنفس الوزن. في الغالب، يحصل الموزع على ما يحتاجه من مشغولات مقدمًا مع دفع المصنعية نقدًا.
لكن مؤخرًا، بحسب الموزع، امتنع كبار التجار عن توريد الذهب للموزعين، وهي النقطة التي أشار إليها إمبابي عن انخفاض ما تُنتجه المصانع من مشغولات ذهبية بشكل كبير. «بعدما كانت المصانع [تورد] شغل للموزعين بحوالي 100 كيلو شهريًا على سبيل المثال، الآن يكتفون بعشرة كيلو فقط بسبب تحول الطلب على السبائك والاتجاه التصدير»، يقول.
وبسبب الطبيعة الجديدة للسوق، ارتفع الطلب المدفوع بالتصدير وشراء الأفراد والمستثمرين، دون أن يقابله نمو في المعروض من الذهب، بسبب توقف الاستيراد (مثل باقي السلع)، وإحجام الكثير عن بيع ذهبهم المستعمل في انتظار ما يحدث في السوق.
كل هذه العوامل تسببت في الزيادة غير المسبوقة في أسعار الذهب، وفتح الباب أمام مضاربات سعرية. الآن أصبح هناك فروقات في أسعار الذهب بين محلات الذهب نفسها، بحسب الموزع.
ينعكس هذا التخبط على أهم أسواق الذهب في مصر في شارع الصاغة بمصر القديمة، حيث تقع عشرات المحلات المملوكة لعدد قليل من كبار التجار. علقت بعض المحال لافتات على واجهاتها توضح عدم وجود سبائك ذهب أو جنيهات، ولم يتوافر لدى بعض المحال سوى سبائك 30 أو 50 جرامًا، بينما اختفت باقية الأوزان الصغيرة من السبائك من السوق، مؤكدين أنها لن تتوفر في القريب العاجل.
أجمعت المصادر على أن توقف الارتباك الذي يشهده سوق الذهب الآن يعتمد على رفع قيود الاستيراد، واستقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار. وفي انتظار أن يحدث هذا، تحول النشاط الأساسي في سوق الصاغة من بيع المشغولات الذهبية إلى شرائها. في الشارع أمام المحال، يتهافت العشرات من العاملين فيها على المارة لسؤالهم «معاكي ذهب؟»، «عايزة تبيعي ذهب؟»
تقارير ذات صلة
السيطرة على الأسعار بـ«التهويش»
لا وجود لجريمة تدعى «التلاعب في الأسعار» في أي من القوانين المصرية
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
هكذا اشتعلت الأسعار واختفى «الدخان»
لماذا اختفت السجائر وماذا حدث في السوق؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن