شادي لويس: ثورة كبيرة وثورات صغيرة
ربما أكثر ما نفتقده في الثورة، منذ خفوت زخم أيامها أو شهورها الأولى، ليس جانبها الأكثر بروزًا كالمسيرات والاعتصامات واحتلال الميادين، وإنما ما خلقته من حوار متواصل بين أفراد الشعب وبعضهم البعض.
كل من تواجد في ميدان التحرير مثلًا، أو غيره من الميادين المصرية، بعد 25 يناير وحتى أواخر عام 2011، قضى معظم الوقت في حوارات ونقاشات، وأحيانًا جدالات حادة، مع من كان موجودًا حوله. كان الحوار المتواصل سبيل الثورة إلى «اكتشاف ذاتها» والعقبات التي تنتظرها.
نحاول في الحوارات والشهادات المضمنة في هذا الملف العودة للحدث الثوري ومساءلة إمكانية استخدامه في تحقيب الحركة الأدبية. نفعل ذلك من خلال نفس هذا الجو التحاوري الذي خُلق مع الثورة وتجاوزها.
بعد مرور 11 عامًا على 2011، طرحنا عددًا من الأسئلة على بعض الكتاب المصريين، انطلاقًا من سؤال رئيسي شكل نقطة البدء «ماذا فعلت الثورة بالكتابة؟»
وكذلك، استنادًا إلى تجربة بعض الأسماء المشاركة، التي كتبت عن الثورة بالفعل، أردنا معرفة التغيرات التي قد تحدث في رؤية العلاقة بين الكتابة والثورة إذا أرادت تلك الأسماء الآن أن تقدم أعمالًا أخرى عنها. ما المساحة الجديدة التي سترغب في اكتشافها والأفكار أو الموضوعات التي تود مناقشتها؟ كيف ننظر إلى الإتاحة أو حالة السيولة الحالية كما يسميها البعض؟ هل تعمل على إثراء الثقافة أم إضعافها؟ ما الجماليات أو الأنواع/الأنماط الأدبية التي ساهمت الثورة في خلقها؟ ما هي العلاقة بين ثورتي الاتصالات و25 يناير من حيث تأثيرهما على الأدب والحياة والثقافية، وإلى أي منهما يمكننا أن ننسب أو نرجع أي تغييرات أو ظواهر أدبية جديدة، إن وجدت؟ وكيف تصيغ الثورة العلاقة بين المتن والهامش وكذلك بين المركز والأطراف في الحياة الثقافية المصرية؟ أو: هل قامت الثورة بتقويض سلطة «المركز» ومعه سلطة المعيار الأدبي؟ أم أن هذا الخرق كان سمة للثقافة العالمية المعاصرة بشكل عام؟
جاءت الاستجابة للأسئلة متنوعة. هناك من أراد أن يجيب على الأسئلة كتابًة، وهناك من فضّل أن تأخذ مداخلته شكل الحوار الحي. وأيضًا كانت الأسئلة محرضة على كتابة «نص سردي» يتناص معها.
لقراءة الإجابات السابقة:

تقودني هذه الأسئلة، أو أي حديث مشابه، إلى كلمة ألقاها أبو الأدب الصيني الحديث، لو شون، عن الأدب في زمن الثورة سنة 1927. والحقيقة، الكلمة مثيرة للاهتمام لأسباب كثيرة تتعدى مجرد مضمونها. الكلمة كانت أمام طلبة أكاديمية وامبوا، الأكاديمية العسكرية للجمهورية الصينية، وهي مكان غريب فعلًا للحديث عن الأدب. بدأ لو شون كلمته بتعليق أغرب، بأنه لا يعرف الكثير عن الأدب، ولا يبدو الشخص المناسب للحديث عن الموضوع. المهم، وسط مجموعة من المقولات الكثيرة شديدة التناقض في الكلمة، يقول ببساطة عدة أمور مهمة.
أولًا: عندما تحدث الثورة، لا يكون هناك أدب. الحدث الثوري، أو كما يسميه المد الثوري، يبتلع الجميع، وهو بشكل عملي تمامًا حدث معطل للأدب بشكل مؤقت. يقول لو شون أيضًا: «الأدب في زمن الثورة يختلف تمامًا عن الأدب في الأوقات العادية. عندما تكون هناك ثورة، تتغير ملامح الأدب نفسه. ومع ذلك، فقط الثورة الحقيقية هي التي تستطيع تغيير الأدب، والثورات الصغيرة لن تفعل هذا، لأنها لا تُحدث ثورة في أي شيء، وبالتالي لا يمكنها تغيير الأدب». يمكننا القول إن الثورة هُزمت أو فشلت أو لم تنجح، أو نختلف على ده، لكن الأكيد هو أنها لم تنجح في تغيير بنى المجتمع بشكل جذري أو حتى سطحي، بل وفي أغلب الأمور أخذت منحى رجعي على كل المستويات، وبالتالي أي تغيير في الأدب لا يبدو مرتبطًا بالثورة بشكل مباشر.
في 1924، وقبل تلات سنين من كلمة لو شون، كان الثوري الروسي، ليون تروتسكي، قد أصدر كتاب «الأدب والثورة»، ومش متأكد إن كان لو شون اطلع على الكتاب أم لا، لكن يبدو أنه متأثر في كلمته بأفكار تروتسكي عن الثورة الدائمة بالعموم. فبيرجع لو شون ويعيد الاعتبار للثورة الصغيرة في فقرة لاحقة في كلمته، ويقولنا بشكل ضمني إنه ربما نبحث عن الثورة في المكان الغلط.
«أقول إن الثورة ليست شيئًا مميزًا. كل شعب... يشارك بجدية في ثورة على أساس يومي، حتى لو كانت مجرد ثورة صغيرة». هنا تبدو حالة الثورة دائمة ويومية ومعها يحصل تغييرات تدريجية ودائمة. وهذا ما أعتقد أنه حدث في الحقل الأدبي ويحدث باستمرار في مصر، بغض النظر عن الثورة ذاتها كحدث سياسي. المدهش أن أفكار لو شون كان لها تأثير كبير على ماو بشكل مباشر، وتم توظيفها لاحقًا في الثورة الثقافية، ليثبت لاحقًا أنه حتى ثورة منتصرة أو كبرى وتغيير المجتمع بشكل جذري لا تقود بالضرورة لتغيير في الأدب، بل ربما لقمعه من سلطة الثورة نفسها، وتجميده في دور البروباجندا.
عشان كده، أعتقد إنه أي تغيير حدث في الأدب كانت بوادره قد بدأت قبل الثورة. التغيير في طرق إنتاج النصوص وتدويرها مع توفر خدمة الإنترنت بشكل واسع في العقد الأخير من عصر مبارك، التسامح النسبي والبنية القانونية الجديدة اللي أتاحت وجود جرائد وقنوات مستقلة وخاصة، واللي أنتجت كُتّاب جدد أو أتاحت الفرصة لكُتّاب موجودين بشكل أكبر، وبحبوبة اقتصادية استفادت منها شرائح بعينها في الطبقة الوسطى كان عندها طموح للإنتاج والاستهلاك الثقافي بشكل عام.
كل ده ساهم بشكل أو بآخر في اندلاع الثورة وفي تغيير الأدب ونواحي تانية من الثقافة.
مع هذا، لا أرى تغيير جذري أو لافت جدًا في شكل الإنتاج الأدبي بعد الثورة، ولا في علاقته بالهامش والمركز. الحقيقة المجال الأدبي هو كله هامش وكل ما حدث أنه اتسع شوية بس مع الثورة، وربما رجع ينحسر تاني بعديها. في النهاية لو نظرنا للأسماء اللي على الساحة الأدبية اليوم، سنجد إما أنها من جيل التسعينات أو امتداده أو من أجيال أحدث جاية من الأساس من جهة الصحافة الأدبية، «أخبار الأدب» وغيرها. والاستثناءات اللي جاية من بره الوسط الأدبي، فهذا ليس قاصرًا على بعد الثورة، كان دايمًا هناك القادمين من بره الأوساط الأدبية تمامًا.
سلطة المركز أعتقد تداعت بشكل تدريجي، مع تراجع الدولة في دعم الثقافة والهيمنة عليها عمومًا في آخر عشر سنين من حكم مبارك، لأن قبلها كانت وزارة الثقافة هي المركز الحقيقي. وأصبح هناك مراكز متفرقة وكثيرة، سلطة الجوائز الخليجية مثلًا، والدعم الثقافي من المؤسسات الغربية، نشاط في حركة الترجمة، انتعاش دور النشر الخاصة وظهور عدد كبير منها، وأيضًا ظهور ورش الكتابة وانتشار واسع للمواقع الإلكترونية ومنتديات القراء الإلكترونية.
باختصار، أعتقد أنه فيه تغيير حصل في الحقل والإنتاج الأدبي، لكنه تدريجي وسابق على الثورة، وأعتقد الثورة ربما حفزته بشكل لحظي، لكن بنظرة أوسع أعتقد أنها عطلته في العموم، ودلوقتي يبدو التأثير الأكبر للثورة هو في تبعات هزيمتها. هناك بوادر ما زالت في بداياتها لكتابة أدب سجون وأدب من المنفى وعن المنفى وأدب يتناول موضوعات أخرى كثيرة، لكن يسيطر عليه هذا الشعور بالخسارة.
تقارير ذات صلة
لا يُنسى.. مع صُنع الله وأدبه ورفضه
هذا النص ضمن رحنا وشفنا 15# «مُنتهى الأدب»
كنتُ صغيرًا حين قامت ثورة
ذاكرتي لا تحتفظ بصورة أو حدث، لكن ما يترسب في قاعها أثر الكلمة: «ثورة»
علاء خالد: الثورة مجاز للفكرة
الثورة أباحت بشكل أوسع مما كان قبل حدوثها
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن