تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
س و ج حول الصراع النووي بين إيران وإسرائيل 

س و ج حول الصراع النووي بين إيران وإسرائيل 

كتابة: رنا ممدوح 16 دقيقة قراءة
مفاعل نطنز النووي الإيراني

منذ أن أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في فبراير الماضي، أن إيران تمتلك كمية من اليورانيوم عالي التخصيب تكفي نظريًا لصناعة ست قنابل نووية، تصاعدت التحذيرات من أن استهداف منشآتها النووية بات مسألة وقت. وزاد هذا التوتر مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي، غير أن الأخير خالف التوقعات وأرسل، في مارس الماضي، رسالة غير مسبوقة إلى المرشد الإيراني، علي خامنئي، دعاه فيها إلى تجاوز الخلافات وفتح قنوات جديدة للحوار والتفاوض.

وبالفعل، شهد شهر أبريل انطلاق جولة أولى من المحادثات، غير المباشرة، بين واشنطن وطهران بوساطة عمانية. لكن إسرائيل قطعت هذه الجهود بعدما شنّت ضربة عسكرية استهدفت منشآت في عمق الأراضي الإيرانية، قبل ساعات من الجولة السادسة التي كانت مقررة في سلطنة عمان الأحد الماضي (16 يونيو الجاري). وبينما امتنعت واشنطن عن تبني العملية، لم تُخفِ دعمها الضمني لها، ما أعاد خلط الأوراق وطرح تساؤلات جديدة حول نوايا الأطراف.

وفي ظل معركة عض الأصابع المستمرة بين طهران وتل أبيب وواشنطن، تبرز تساؤلات بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني، ومحاولات ردعه، وما تمتلكه اسرائيل من قوى نووية في المقابل، وتهديدات إيران لها، وتداعيات ذلك على احتمالات الكارثة العابرة للحدود.   

ما الفرق بين الاستخدامات السلمية والاستخدامات العسكرية للطاقة النووية؟

بحسب أستاذ الهندسة النووية بهيئة الطاقة الذرية والرئيس الأسبق لمركز الأمان النووي، كريم الأدهم، الاستخدامات السلمية تنحصر في فرعين رئيسيين: الأول هو المفاعلات النووية لتوليد الطاقة (مثل الكهرباء وتحلية المياه)، والثاني هو استخدام النظائر المشعة في تطبيقات حياتية متنوعة كالطب والصناعة والزراعة. أما الاستخدامات العسكرية، فهي تتمثل بشكل أساسي في صناعة الأسلحة والقنابل النووي.

مصدر القلق من البرنامج النووي الإيراني يأتي من امتلاكها منشآت تخصيب يورانيوم متقدمة (أجهزة طرد مركزي)، ونجاحها في الوصول إلى درجة تخصيب تبلغ 60%. هذه النسبة قريبة جداً من نسبة الـ90% اللازمة لصناعة سلاح نووي، بينما لا تحتاج مفاعلات الطاقة السلمية إلا لوقود مخصب بنسبة تتراوح بين 3% إلى 5% فقط. الخطورة تكمن في أن الانتقال من 60% إلى 90% خطوة سريعة وسهلة تقنيًا مقارنة بالجهد المطلوب للوصول إلى 60% من البداية. هذا ما يجعل إيران «قاب قوسين أو أدنى» من امتلاك المادة اللازمة لصنع قنبلة.

ما هو تاريخ برنامج إيران النووي؟

بدأ البرنامج النووي الإيراني قويًا في عهد الشاه محمد رضا بهلوي منتصف الخمسينيات، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، ضمن مبادرة «الذرة من أجل السلام» التي أطلقها الرئيس الأمريكي، دوايت أيزنهاور، نهاية 1953، خلال كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، أشاد خلالها بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية في الزراعة والطب وتوليد الطاقة، واقترح إنشاء وكالة دولية للطاقة الذرية تروّج للتطبيقات المدنية. وفي عام 1957، وقّعت واشنطن وطهران اتفاقية تعاون نووي مدني لمدة عشر سنوات، حصلت بموجبها إيران على مساعدات فنية وكمية صغيرة من اليورانيوم المخصب لأغراض بحثية.

في العام نفسه، نُقل معهد العلوم النووية من بغداد إلى طهران تحت إشراف حلف بغداد، وهو تحالف سياسي وعسكري تأسس سنة 1955 بين تركيا والعراق وبريطانيا وباكستان وإيران لمواجهة النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة. ورحّب الشاه بهذه الخطوة، مؤكداً اهتمامه الشخصي بالطاقة النووية. بعد زيارته لفرنسا وإطلاعه على أحد المفاعلات هناك، شكّل لجنة خبراء لدراسة إمكانية بناء مفاعل نووي إيراني، وبدأ اتصالات موسعة مع فرنسا وألمانيا الغربية.

في عام 1968، انضمت إيران إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصادقت على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1970. 

وبعد حرب 1973، استفادت إيران من العائدات النفطية، ما مكّنها من الانتقال من مرحلة البحث إلى التطبيق. وفي عام 1975، اتفقت مع ألمانيا الغربية على بناء مفاعلين نوويين في بوشهر والأهواز، بقدرة 1200 ميجاوات لكل منهما. كما وقعت اتفاقًا مع فرنسا لبناء أربعة مفاعلات نووية عام 1977، وساهمت ماليًا في مشروعي تخصيب يورانيوم فرنسيين، «يورديف» و«كورديف». وامتلكت حصة بنسبة 10% في شركة بريطانية لاستخراج اليورانيوم من جنوب إفريقيا. في عام 1978، حصلت إيران على أجهزة ليزر أمريكية ضمن مساعيها لتطوير تقنية التخصيب بالليزر. 

لم يقتصر تعاون إيران النووي على الدول الكبرى، بل شمل الأرجنتين، الهند، أستراليا، والدنمارك. فقد وقّعت اتفاقات تعاون مع الأرجنتين عام 1974، ومع الهند عام 1975، بينما اتفقت مع جنوب إفريقيا عام 1976 على تزويدها بـ700 مليون دولار من اليورانيوم، مقابل تمويل إيراني لبناء محطة تخصيب هناك.

وبعد سقوط نظام الشاه عام 1979، واجه البرنامج النووي الإيراني توقفًا شبه كامل، إثر انسحاب الدعم الأمريكي وتجميد التعاون مع فرنسا وألمانيا. كما جُمّدت مساهمات إيران في مشاريع تخصيب اليورانيوم الأوروبية مثل «يورديف» و«كورديف». وداخليًا، أبدت القيادة الجديدة، بقيادة آية الله الخميني، تحفظًا على التكنولوجيا الغربية، معتبرة أنها غير ضرورية لإيران الإسلامية.

لكن مع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية عام 1980، أعادت طهران تفعيل برنامجها النووي، وفي العام التالي، أعادت تقييم عمل منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وشدّدت على أهمية بناء مفاعل نووي وتطوير أنظمة الوقاية. ورغم ظروف الحرب، ركّزت إيران على استكمال محطة بوشهر النووية، وإعادة تأهيل بنيتها التحتية النووية، واستقطاب الخبرات والكفاءات العلمية. وفي عام 1987 وقّعت اتفاقية نووية مع باكستان وظهرت معلومات عن معاونة العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان إيران في برنامجها النووي. كما سعت إيران للتعاون مع الصين، وخلال زيارة الرئيس هاشمي رافسنجاني لبكين عام 1992، تفاوض على شراء مفاعلين نوويين. 

لكن الأزمة النووية انفجرت عام 2002، حين كشفت المعارضة الإيرانية وجود منشآت نووية سرية تحت إشراف الحرس الثوري، وهو القوة العسكرية المهيمنة في إيران. وفي 2003، أكد الرئيس محمد خاتمي نية إيران تطوير دورة وقود نووي كاملة، مما أثار قلقًا دوليًا متزايدًا. ومع وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة عام 2005، تمسك بحق إيران في التخصيب، وأوقف التعاون مع مفتشي الوكالة الدولية في مارس 2006.

ما الذي نعرفه عن تاريخ إسرائيل مع السلاح النووي؟

يرى بعض المحللين أن سعي إسرائيل لتطوير برنامجها النووي بدأ كرد فعل مباشر على الصفقة العسكرية المصرية-التشيكية عام 1955، والتي حصلت مصر بموجبها على طائرات ودبابات وعدد كبير من المدافع والعربات المدرعة من الاتحاد السوفيتي بقيمة 80 مليون دولار، ما اعتبرته تل أبيب تحولًا استراتيجيًا قد يُرجح كفة القوى التقليدية لصالح الدول العربية. كما أثار صعود الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، وتحالفه مع الاتحاد السوفيتي مخاوف إسرائيلية من تعرضها لما أسمته بـ«هولوكوست جديدة». في المقابل، يُرجع اتجاه آخر هذا التحول إلى تداعيات حرب 1956، التي هاجمت خلالها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر كرد فعل على قرار الرئيس عبد الناصر بتأميم قناة السويس، حيث أدركت إسرائيل صعوبة تحقيق نصر حاسم في مواجهة تقليدية مع الدول العربية. فقد وجدت نفسها تحت ضغط دولي كبير، خاصة من الاتحاد السوفييتي، الذي طالبها بالانسحاب من قناة السويس وهددها بشكل مباشر بإجراء عسكري قد يصل إلى استخدام السلاح النووي في حال رفضت تنفيذ القرار.

بخلاف المتوقع، لم تكن الولايات المتحدة أول من قدم الدعم لإسرائيل في مجال الأبحاث النووية العسكرية، بل فرنسا، التي تعاونت سرًا مع تل أبيب في بناء برنامجها النووي. حرصت إسرائيل على إخفاء هذا المشروع عن واشنطن، ولم تكتشفه الإدارة الأمريكية إلا في عام 1958، حين التقطت طائرات تجسس من طراز U2 صورًا لمفاعل ديمونة.

وفي أواخر 1960، نقل موظف أمريكي معلومات تفيد بوجود خبراء فرنسيين يعملون على بناء مفاعل نووي بقدرة 60 ميجاوات قرب بئر السبع. دفعت هذه المعلومات الخارجية الأمريكية إلى إصدار توجيهات للسفارة في تل أبيب بالتحقيق، لكنها لم تمنح الأمر أولوية قصوى، بل أدرجته ضمن «التحريات الروتينية».   

وفي عام 1968، أكدت الخارجية الأمريكية، في تقرير سري، أن إسرائيل بدأت بالفعل في إنتاج أسلحة نووية. التقرير استند إلى معلومات قدمها أحد أبرز علماء السلاح النووي الأمريكي، إدوارد تيلر، بعد نقاش مع مسؤول في وكالة الاستخبارات. ورغم إبلاغ الرئيس ليندون جونسون، لم تُعرض نتائج التقرير على وزيري الدفاع والخارجية. أكد بيتر ستوكتون، عضو اللجنة الفرعية للرقابة والتحقيقات في الكونجرس الأمريكي، أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، حتى إدارة بوش، تعمّدت إخفاء نتائج أي تحقيقات تتعلق بالبرنامج النووي الإسرائيلي أو السعي لوقفه منذ بداياته. 

كان ذلك الموقف انعكاسًا لموقف كل من البنتاجون والخارجية الرافضين آنذاك تزويد إسرائيل بتكنولوجيا عسكرية أميركية، خاصة طائرات الفانتوم، ما لم توقّع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. هذا الرفض دفع السفير الإسرائيلي، في واشنطن إسحاق رابين، إلى الاستعانة برجل الأعمال اليهودي أب فاينبرج، الذي سبق له تمويل البرنامج النووي الإسرائيلي. وتدخل فاينبرج مباشرة لدى الرئيس جونسون، متجاوزًا المؤسستين العسكرية والدبلوماسية، وحصل لإسرائيل على طائرات فانتوم دون شروط.   

وفي سبتمبر 1979، التقط القمر الصناعي الأميركي «فيلا» إشارات لانفجارات نووية في القطب الجنوبي، يُعتقد أنها نُفّذت بالتعاون بين إسرائيل وجنوب إفريقيا. ورغم امتلاك الخارجية والمخابرات الأميركية لأدلة قوية، فضّلت إدارة الرئيس جيمي كارتر، كغيرها من الإدارات السابقة، التغطية على الحدث بدلًا من محاسبة المسؤولين عنه.

هكذا استمرت واشنطن في سياسة غضّ الطرف، رغم التقارير المتزايدة التي تؤكد اقتراب إسرائيل من امتلاك السلاح النووي. ومنذ تشغيل مفاعل «ديمونة»، بقرار منفرد من وزير الدفاع الإسرائيلي، موشيه ديان، سنة 1968، تبنّى البيت الأبيض نفس السياسة.

كتب وزير الدفاع البريطاني السابق، دينيس هيل، في مذكراته أن الملف النووي الإسرائيلي كان ولا يزال محصنًا من أي رقابة دولية أو أمريكية، مضيفًا أن الولايات المتحدة، رغم إدراكها الكامل لامتلاك إسرائيل ترسانة نووية، حرصت على إنكار ذلك رسميًا، واعتبرت أنه لا ضرورة لإطلاع الرأي العام على هذه الحقائق. وبحسب هيل، فإن واشنطن لم تكتفِ بالتستر، بل ساهمت بشكل مباشر في دعم الأبحاث النووية الإسرائيلية، من خلال تمويل معاهد علمية مثل «وايزمان» و«فايتسا»، الذي حصل من الولايات المتحدة على جهازي «سوبر كمبيوتر» مخصصين لمحاكاة التجارب النووية. كما تلقّى علماء إسرائيليون تدريبات متقدمة في المنشآت النووية الأمريكية، وجرى تزويدهم بمواد نووية أولية تم تهريبها إلى إسرائيل عبر شركات أمريكية، من بينها «الشركة التعاونية للمواد والتجهيزات النووية» في أبوللو، بنسلفانيا.

هذا الدعم تُوّج باتفاق سري أُبرم في 1969 بين الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك، جولدا مائير. نص الاتفاق على التزام إسرائيل بعدم الإعلان رسميًا عن قدراتها النووية، مقابل تعهد واشنطن بعدم الضغط عليها للانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي أو السماح بعمليات تفتيش دولية. بموجب هذا التفاهم، أصبحت إسرائيل قوة نووية فعلية تمتلك قنابل نووية وهيدروجينية ووسائل إطلاق متطورة، مع مركز قيادة محصّن ومجهز لمواجهة أي تهديد نووي أو هجوم بأسلحة الدمار الشامل. 

وقد جدّد الرئيس باراك أوباما هذا الموقف خلال لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 6 يوليو 2010، حين قال: «نظراً لحجم إسرائيل وتاريخها والموقع الذي توجد فيه، فإن متطلباتها الأمنية فريدة. يجب أن تكون قادرة على الرد على التهديدات، ولن نطلب منها اتخاذ أي خطوة تُقوّض أمنها».

ما هي أنماط استهداف البرنامج النووي الإيراني؟

واجه البرنامج النووي الإيراني سلسلة من الهجمات والضغوط الدولية والإقليمية، لعرقلة مسار طهران نحو امتلاك أسلحة نووية. وقد تنوّعت أشكال الاستهداف بين العقوبات الاقتصادية المشددة، وعمليات الاغتيال، والهجمات السيبرانية.

في ديسمبر 2006، فرض مجلس الأمن أولى حزم العقوبات على إيران بسبب رفضها تعليق تخصيب اليورانيوم، لتتوالى بعدها قرارات أكثر تشددًا شملت حظر تصدير الأسلحة والتكنولوجيا النووية، وتجميد أصول شخصيات ومؤسسات، قبل أن تتوسع العقوبات الأمريكية والأوروبية بدءًا من 2010 لتشمل القطاع النفطي والبنك المركزي، وحظر طهران عن نظام التحويلات المالية الدولية (SWIFT).

بالتوازي، شهدت إيران حملة اغتيالات طالت عددًا من أبرز علمائها النوويين. ففي يناير 2007، توفى أردشير حسين بور، أحد مؤسسي مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية، في ظروف غامضة. ثم قُتل مسعود علي محمدي، الخبير في فيزياء الجسيمات، في يناير 2010. تلاه اغتيال الدكتور مجيد شهرياري، في نوفمبر من العام نفسه، وكان متخصصًا في تكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي. وفي يوليو 2011، قُتل داريوش رضائي نجاد، وهو مهندس يعمل في مشاريع بحثية مرتبطة بوزارة الدفاع، تلاه اغتيال مصطفى أحمدي روشن، في يناير 2012، وكان يشغل منصبًا إداريًا رفيعًا في منشأة نطنز النووية. وتبع ذلك اغتيال كبير العلماء النوويين الإيرانيين محسن فخري زاده في نوفمبر 2020، في عمليات نسبها مسؤولين إيرانيين وغربيين لإسرائيل.

عام 2010، تعرض البرنامج لهجوم سيبراني استهدف منشأة نطنز النووية عبر فيروس «ستاكس نت» يُعتقد أنه نتاج تعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ما عطّل قرابة ألف جهاز طرد مركزي، وعطّل معه الطموح الإيراني.

وفي الأعوام التالية، شهدت منشآت نووية إيرانية عدة عمليات تخريب وانفجارات غامضة، أبرزها في «نطنز» و«فوردو»، وصفت طهران بعضها بـ«العمليات الإسرائيلية السرية». كما كشفت إسرائيل في 2018، عبر رئيس وزرائها  المستمر حتى الآن، بنيامين نتنياهو، عن الاستيلاء على ما قال إنه «أرشيف نووي سري» من قلب العاصمة الإيرانية، في واحدة من أبرز الضربات الاستخباراتية ضد إيران.

ما هو تاريخ المفاوضات مع إيران بخصوص البرنامج النووي؟

مع انتخاب الرئيس حسن روحاني، في 2013، تم التوصل، في نوفمبر من نفس العام، إلى اتفاق مؤقت في جنيف جمدت فيه إيران بعض أنشطتها مقابل تخفيف محدود للعقوبات.

وبعد مفاوضات مكثفة امتدت لأكثر من عامين، وقّعت، في 14 يوليو 2015، اتفاقًا مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ومعهم ألمانيا، وبموجب الاتفاق التزمت  طهران بتقييد برنامجها النووي وقبول رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع تدريجي للعقوبات الدولية. وقد اعتُبر الاتفاق حينها إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا، لكنه ظل محل جدل إقليمي ودولي، خصوصًا بشأن ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي الإيراني.

ومع انسحاب أمريكا من هذا الإتفاق، وإعلان  ترامب، في أغسطس 2018، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام ،2015 وإعادة فرض العقوبات عليها، تراجعت إيران عن التزاماتها النووية تدريجيًا، وبحلول العام الجاري، أظهرت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تمتلك حوالي 275 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو ما يكفي نظريًا لصنع 6-7 أسلحة نووية إذا تم رفع التخصيب إلى 90%. كما استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو، التي كانت محظورة بموجب الاتفاق النووي عام 2015.

ما هو دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مسألة امتلاك إيران لسلاح نووي، في مقابل إسرائيل؟

بحسب الأدهم، لا خلاف على وجود تناقضات عميقة في النظام الدولي الخاص بالرقابة على الأنشطة النووية، وتسييس بعض تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لأن معاهدة حظر الانتشار النووي التي تحكم الأمر عالميًا قسمت العالم إلى فئتين: دول تمتلك أسلحة نووية وهي أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين (الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن)، ويحظر عليها تزويد الدول الأخرى بالأسلحة أو معدات التفجير النووي، ودول غير نووية. كل دول العالم تقريبًا أطراف في المعاهدة ما عدا ثلاث دول هي الهند وباكستان وإسرائيل، بينما انسحبت منها كوريا الشمالية في 2003 وأعلنت  في 2006 نجاحها في تصنيع سلاح نووي.

الدول الأطراف تلتزم بعدم السعي لامتلاك السلاح النووي، وفي المقابل تخضع جميع أنشطتها النووية السلمية لرقابة وتفتيش الوكالة الدولية. أما الدول غير الموقِّعة، فهي لا تخضع لهذا النظام. هذا الوضع يخلق ازدواجية في المعايير، حيث تمتلك إسرائيل برنامجًا نوويًا خارج أي رقابة دولية، بينما تُحاسب إيران، وهي دولة موقعة على المعاهدة، على كل خطوة.

فضلًا عن ذلك، فإن تقارير الوكالة وقراراتها قد يكون فيها أحيانًا جزء «مسيّس»، وتعتمد على «لعبة الكلمات» (jeu de mots). على سبيل المثال، قد يفتش فريق الوكالة ولا يجد دليلًا على نشاط غير معلن، لكن التقرير قد يصاغ بطريقة توحي بالشك، كأن يقول: «لم نجد دليلًا، لكن هذا لا ينفي وجوده». هذا الأسلوب يفتح الباب للتأويلات السياسية، ولكن ورغم ذلك لا يمكن تحميل مسؤولية ضرب إيران للوكالة لأنها في النهاية جهة رقابية لا تملك العقاب، فضلًا عن أن نية إسرائيل وأمريكا لمواجهتها عسكريًا قديمة. 

مع تصاعد حدة المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، هل دخلنا مرحلة الخطر الإشعاعي؟

وفقا للأدهم: يجب أن نميز أولًا بين أنواع المنشآت المستهدفة. إسرائيل ركّزت ضرباتها على منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران، وتحديدًا في منطقتي «نطنز» و«فوردو». هذه المنشآت هي التي تخدم برنامجًا للتسلح النووي، وفي حال تعرضها لضربة، فإن أي تسرب إشعاعي محتمل سيقتصر تأثيره محليًا على المنشأة ومحيطها المباشر بسبب البعد الجغرافي. بناءً على ذلك، فإن الخطر المباشر معظم الدول المجاورة من استهداف هذه المنشآت يكاد يكون ضعيفًا.

ولكن لو الاستهداف شمل منشآت نووية أخرى مثل مفاعل «بوشهر» الإيراني المستخدم في توليد الكهرباء، فدرجة الخطورة تختلف تمامًا. «بوشهر» وغيره من مفاعلات توليد الكهرباء تحتوي على كميات كبيرة من المواد المشعة والوقود المستنفد، وإذا تعرض لضربة قوية، قد يؤثر بشكل كارثي على دول الخليج العربي من خلال تلويث مياه الخليج التي تعتمد عليها محطات التحلية لديهم.

عامة، مفاعلات القوى السلمية لا تمثل عادةً هدفًا عسكريًا، لأن تداعيات ضربها لا تؤثر على الدولة الموجود بها المفاعل وإنما تمتد إلى دول الجوار، مما يخلق ردود فعل دولية واسعة. 

أما في حال استهداف مفاعل «ديمونة» الإسرائيلي المستخدم في أغراض عسكرية، والأقرب جغرافيًا لمصر، حيث يبعد حوالي 70 كيلومترًا عن الحدود المصرية، فدرجة الخطورة تحددها عوامل كثيرة منها حجم الضرر بالمفاعل. فلو تحول لركام بكامله، تحد بنية المفاعل الخرسانية السميكة من انتشار المادة المشعة. كما أن سرعة الرياح واتجاهاتها تحدد نسب التسرب. وحسب حجم التسرب، تضع هيئة الأمان النووي في الدول المحيطة خططها للتعامل مع كل حالة على حدة. وبالنسبة لمصر، حتى وإن كنّا خارج دائرة الخطر المباشر الأكبر، لكن حدوث أي تسرب إشعاعي في المنطقة سيتطلب منا رصدًا دائمًا ومستمرًا للمستويات الإشعاعية واتخاذ الإجراءات اللازمة. 

 هل تستطيع إسرائيل إعادة برنامج التسلح النووي الإيراني إلى الخانة صفر؟ 

يقول الأدهم إن إيران لديها منشآت لتخصيب اليورانيوم في موقعين رئيسيين: «نطنز» و«فوردو». في «نطنز»، توجد منشآت فوق الأرض وأخرى تحت الأرض، بينما تقع منشآت «فوردو» بالكامل تحت الأرض، ما يجعل استهدافها أكثر تعقيدًا. الضربة الأخيرة التي تعرضت لها منشأة «نطنز» تسببت في دمار واسع في البنية التحتية الواقعة فوق سطح الأرض، مع غياب المعلومات عن حجم الضرر الفعلي.

لكن يبقى أن امتلاك إيران للبنية التحتية النووية والمعرفة التقنية اللازمة لتصنيع سلاح نووي يجعل من الصعب الحديث عن القضاء الكامل على برنامجها النووي. وحتى مع اغتيال عدد كبير من العلماء الإيرانيين، يظل هناك كوادر الجيل الثاني من الخبراء موجودين، كما أن التصاميم والتكنولوجيا الأساسية ما زالت محفوظة. وبالتالي متوقع أن العمليات الإسرائيلية، وإن كانت قادرة على إبطاء وتيرة التقدم الإيراني، إلا أنها لن تُلغي البرنامج بالكامل. وستظل إيران قادرة على استعادة جزء كبير من قدراتها  بمجرد توقف العمليات العسكرية والضربات المستهدفة.

ما هي أنماط البرامج النووية في المنطقة، وجدواها؟ وإلى أي مدى تختلف عن برامج إيران وإسرائيل؟

وفقًا للأدهم، الإمارات تمتلك حاليًا محطة براكة للطاقة النووية، التي تضم أربعة مفاعلات من الطراز الكبير، اثنان منها يعملان بالفعل، والثالث قيد التشغيل، والرابع في مرحلة الإعداد النهائي، وتنتج حاليًا 40 تيراواط/ساعة من الكهرباء النظيفة سنويّا، وهو ما يمثل 25% من احتياجاتها من الكهرباء. 

أما مصر، فقد بدأت بالفعل تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية بالتعاون مع روسيا، ويجري العمل حاليًا على بناء أولى وحداتها من مفاعلات الجيل الثالث المطور (Gen III+)، وهي مصممة بأعلى معايير الأمان الذاتي، التي تجعل احتمالية وقوع حادث كبير شبه مستحيلة، هذا بالإضافة إلى منظومة الأمن المادي لتأمين المحطة ضد أي اعتداء خارجي. محطة الضبعة هي محطة قوى، تتكون من أربعة مفاعلات نووية كبيرة، هدفها الرئيسي هو توليد الكهرباء، مع إمكانية استخدام الطاقة الحرارية الناتجة في تحلية مياه البحر. هي مشروع سلمي تمامًا لتلبية احتياجات مصر المتزايدة من الطاقة والمياه. ومن المقرر أن تنتج محطة الضبعة بمجرد تشغيلها عام 2030 نحو 4800 ميجاوات/ساعة من الكهرباء، بما يوفر أكثر من سبعة مليارات متر مكعب من استهلاك الغاز سنويًا في إنتاج الطاقة الكهربائية في البلاد. 

مصر لن تقوم بعمليات تخصيب. الوقود اللازم لتشغيل محطة الضبعة سيأتي مخصبًا وجاهزًا للاستخدام مباشرة من روسيا، وفقًا للعقد المبرم. عملية التخصيب معقدة ومكلفة جدًا، والجدوى الاقتصادية منها لا تظهر إلا عند امتلاك برنامج نووي ضخم يضم عشرات المفاعلات. بالنسبة لمحطة واحدة، من الأوفر والأسهل استيراد الوقود جاهزًا، تمامًا مثلما تذهب بسيارتك إلى محطة الوقود بدلًا من بناء مصفاة تكرير خاصة بك. وبالنسبة لأي برنامج نووي مدني، سواء في مصر أو الإمارات، لا توجد نية أو خطة لتصنيع الوقود النووي محليًا، كما أن هذه الدول لا تمتلك تقنيات التخصيب، التي عند وصولها للحد معين، قد تستخدم في تصنيع القنابل. 

أما الوضع في إيران وإسرائيل، فهو مختلف تمامًا. إسرائيل تسعى إلى الحفاظ على وضعها كقوة نووية وحيدة في المنطقة، وتمتنع عن التوقيع على معاهدة عدم الانتشار النووي، في حين أن إيران هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي امتلكت أنشطة نووية قد تُقرّبها نظريًا من امتلاك سلاح نووي، وهو ما أثار مخاوف المجتمع الدولي وأدى إلى التوتر القائم حاليًا.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن