تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
العبور للجانب الآخر من المتوسط.. حلم أبراش وكابوسها

العبور للجانب الآخر من المتوسط.. حلم أبراش وكابوسها

كتابة: محمد طارق 13 دقيقة قراءة

حتى الثانية عشر ظهرًا، تخلو شوارع أبراش من المارة، والمحال مغلقة، لا يبدو نهار الإثنين كيوم عمل عادي في القرية الواقعة في محافظة الشرقية بالدلتا، مقارنة بعدد سكانها البالغ 62 ألفًا و731 نسمة، طبقًا لتعداد السكان عام 2017. انتهت الدورة الزراعية وحصدت المحاصيل في أغلب غيطان القرية، وترك الفلاحون أراضيهم لترتاح، ويرتاحون هم أيضا.

عند المدخل الجنوبي لأبراش، يسير جرار على مهل، يسحب عربة على شكل صندوق سيارة نقل كبيرة، حاملًا عن آخره سباخ تتساقط على الأسفلت ناشرة في الهواء رائحة خراء، ولم يبد أحد المارة من القرية بالًا بتساقط السباخ على الأسفلت، أو بتنبيه سائق الجرار الذي صاحبته ابتسامة هادئة طوال الطريق، يبدو من خلالها أنه حصل اليوم على عمل لم يتوقعه.

لا يوجد منزل في القرية يشبه الآخر، ويتفاوت تمام تلك البيوت كثيرًا في الشارع الواحد. بعض العائلات كست جدران بيوتها بالسيراميك، وبعضهم شيدوا سلالم دائرية خارج المنزل كواجهة مميزة لتبدوا منازلهم كالقصور. لكن تلك الفخامة لا تسود كل بيوت القرية.

الفارق يكمن في من عبر البحر المتوسط ووصل إيطاليا وعمل هناك، وأرسل نقودًا أو عاد بنفسه وأنشأ بيتًا. 

caption

يعيش مصطفى أحمد (16 عامًا)، مع أمه وجدته وأخته في شقة متواضعة بعمارة من ثلاثة أدوار على أحد الترع التي ردمت داخل القرية. أما محمود الشريف، ابن خالته، بالكاد اشترت عائلته بيتًا في حارة صغيرة على بعد ثلاثة كيلومترات من القرية نفسها.

غادر مصطفى ومحمود أبراش في رحلة هجرة إلى أوروبا في 16 مايو 2023. تسللا من الحدود المصرية الليبية إلى مدينة طبرق، وانتظرا ركوب قارب هجرة من هناك إلى إيطاليا.

بعد شهر من بدء الرحلة، لم تنجح محاولاتهما في عبور «المتوسط». فُقد محمود في مركب غرقت على سواحل اليونان يوم 14 يونيو من العام الماضي، في واحدة من أكبر حوادث غرق المهاجرين في البحر المتوسط على مدار السنوات الأخيرة. أما مصطفى، فقد نجا من ركوب المركب بعد إخفاق أسرته في تدبير تكلفة سفره، وعاد من ليبيا إلى أبراش حاملًا معه ذكريات لن ينساها. مع الذين نجحوا في العبور للجانب الآخر من البحر والعمل وتجميع الأموال وتعمير البيوت، يحكي فشله هو في العبور التفاصيل العصيبة لرحلة الرهان على الحياة لمستقبل أفضل.

محمود الشريف

للقرية تاريخ طويل مع الهجرة إلى إيطاليا يعود إلى أواخر التسعينيات، وتسبب ذلك التاريخ في ألا ينتظر محمد جابر، أحد المفقودين في المركب الغارق أمام السواحل اليونانية، دعوة عمه الذي يعيش في إيطاليا منذ 20 عامًا ويعمل هناك، ووعد محمد بأن يرسل دعوة له للذهاب إلى إيطاليا حين يبلغ 18 عامًا، «لم يحب الانتظار.. وزمايله ضغطوا عليه وقرر يروح معاهم»، يقول والد محمد، الذي كان يدرس في مدرسة ثانوية مهنية، وينتظره نفس مستقبل والده الذي يعمل في مصنع شركة ايديال للأجهزة المنزلية، ويتقاضى أربعة آلاف جنيه شهريًا. بجانب العمل بالزراعة والمعمار بقرية أبراش، هناك مصنعان وحيدان على مسافة 50 كيلو مترًا من القرية، عند الظهير الصحراوي لمحافظة الشرقية. 

أما محمود عايد إبراهيم، أحد المفقودين في نفس القارب، فقد بدأ مجموعة من أقاربه السفر إلى إيطاليا منذ 15 عامًا، بحسب حديث أخيه محمد لـ«مدى مصر». سافر محمود على المركب مع أقاربه يوسف ناصر (20 عامًا)، وإبراهيم سلطان (22 عامًا)، ولم ينج أحد منهم. «فضلوا السفر إلى أوروبا عن طريق البحر عن السفر إلى دول الخليج بعقود عمل لصالح فرق العملة»، يقول الأخ، مضيفًا أن العمالة المصرية تستطيع ادخار 600 يورو شهريًا. في المقابل كان محمود لا يجني مالًا يذكر من عمله في المعمار وقد بلغ 27 عامًا، ومتزوج ولديه طفلة عمرها شهرين.

دفعت هذه البيئة بسهولة مصطفى ومحمود للتفكير في هجرة أبراش، خصوصًا أنهم من عائلات قليلة متبقية لم يجرب أحد منها السفر، بحسب مصطفى في حديثه مع «مدى مصر». «ما الناس كلها بتسافر. هما صغيرين؟» تقول جدته التي كانت تجلس بجانبه على أرض البيت.

في الخلفية، يمتلئ موقع يوتيوب بفيديوهات مقابلات مع مراهقين مصريين من قرى مختلفة سافروا إلى أوروبا عن طريق البحر. أحد هذه المقاطع ظهر به خمسة أصدقاء مصريين يحكون عن قسوة الرحلة برًا من مصر إلى ليبيا ثم عن طريق البحر إلى إيطاليا. يظهرون اعتزازا بأنفسهم عندما يتحدثون عن المخاطرة بحياتهم والنجاة من موت السفر عبر البحر. الأمر عندهم بسيط، «سعوا لحلمهم».

قبل أشهر من بداية الرحلة، كان مصطفى ومحمود على اتصال بأصدقاء لهم من أبراش نجحوا في رحلة الهجرة نفسها إلى إيطاليا، وقد أقنعوهما بسهولتها باستثناء فترة الإقامة في ليبيا. عاونهما على السفر وسيط على فيسبوك اسمه «محمد أبو سلطان»، أنشأ حسابه في مايو 2022، وعرف نفسه على صفحته بأنه أحد وكلاء الهجرة غير الشرعية في ليبيا. وذاع صيت صفحة «أبو سلطان» داخل قرية أبراش منذ بداية 2023 كمحقق أحلام الشباب للسفر إلى إيطاليا.

يقول مصطفى إن «أبو سلطان» يعرف أن يطمئن من يتصل به جيدًا. عندما تواصلا معه من خلال الصفحة، أعطاهما رقمه على واتساب. شجع محمود وطمأن مصطفى عبر رسائل استمرت أسابيع بينهم، وعرض عليهما المساعدة في خطوات السفر من مصر إلى ليبيا عبر الحدود، ودعاهما ليكونا ضيفين عنده في ليبيا حتى يدبّر أهلهما «فاتورة ركوب المركب».

كان محمود أجرأ في اتخاذ قرار السفر، بحسب مصطفى، حتى أنه باع تليفونه الآيفون بستة آلاف جنيه لتساعدهما الأموال على السفر إلى ليبيا. مصطفى، في المقابل، كان خائفًا «أول مرة قلت لأ. لأن الموضوع خطر شوية. لكن لما شفت الناس بتوصل اطمنت».

caption

ركب الاثنان ميكروباصًا من قرية أبراش إلى مدينة الزقازيق ليلة 16 مايو، ثم آخر إلى الإسكندرية، ومنها إلى مرسى مطروح بواسطة ميكروباص أيضًا. صحبهما في تلك الرحلة صديقان من قريتهما هما: إبراهيم أحمد ويحيى صالح، اللذان توفيا في المركب غرقًا، وبالصدفة قابل الأربعة في موقف الإسكندرية أربعة آخرين من جيرانهم في القرية عرفوا أنهم ذاهبين إلى «أبو سلطان». كانوا خلال الطريق يرسلون إلى «أبو سلطان» على واتساب تحديثًا بمكانهم. وعندما اقتربوا من مرسى مطروح، أخبرهم أن يطلبوا من السائق النزول عند مصنع الطوب.

كانت الساعة السادسة صباحًا، عندما وصل مصطفى ومحمود وأصدقائهم أمام مصنع طوب قبل مدخل محافظة مطروح مباشرة. جاء لهم شاب وأدخلهم إلى غرفة داخل المصنع. انتظروا فيها، وتوافد عليهم آخرين أغلبهم أطفالًا من قرى أخرى بالدلتا والصعيد. تجاوز عددهم بالغرفة 30 شخصًا. 

عند الساعة الثانية ظهرًا، أتى ميكروباص، أخذهم من المصنع ومشى بهم في طريق الصحراء جنوبًا. بعد ساعة، توقف الميكروباص، ونزلوا عند سيارة تويوتا نصف نقل صندوقها مغطّى، وحولها مجموعة من البدو، أحدهم ساومهم على دفع 300 جنيه لكل فرد كي يعبرون بهم الحدود من مصر إلى ليبيا، وقال من لا يمتلك المبلغ يعود إلى الإسكندرية. يقول مصطفى «كنا ثمانية بلديات من قرية أبراش، جمعنا من بعضنا 2100 جنيه، وتبقى صديق لنا لم يكن معه المبلغ، عرض عليهم موبايله فأخذوه منه».

أدخلهم البدو في صندوق السيارة النصف نقل، وانطلقت بهم في صحراء جنوب السلوم حتى توقفت بهم وقت غروب الشمس، نزلوا من السيارة التي غادرت سريعًا، وبقى معهم دليلان من بدو المنطقة كانا يركبان بجوار السائق، أحدهما لم يتجاوز عمره 16 عامًا. 

عند حلول الليل، ناموا ليلتهم الأولى في العراء على الرمال.

بحسب التقويم القمري لذلك اليوم، كان القمر محاقًا. عند الثانية صباحًا، أيقظهم الدليلان وأخبروهم أنهم سينطلقون عبر الحدود سيرًا على الأقدام. قادهم الدليل الصغير في المقدمة، والآخر ظل يتابعهم من الخلف. يعرفان الصحراء جيدًا، والتوقيت الكافي للتسلل من الحدود دون أن يلاحظهم أحد. يسرّعان خطواتهم في الأراضي الوعرة، وفي الرمال الناعمة يجريان دون توقف. سارت المجموعة على قمم هضبية يخرج من بين صخورها أشواك بالكاد يستطيعون رؤيتها عندما يستخدمون كشاف الموبايل. امتلأت قدم مصطفى ومحمود بتلك الأشواك. شتم الدليل الأكبر شابًا بدا عليه الإرهاق من الجري. قال الدليل: «مدّ يا ولد القحبة»، وأظهر الشاب غضبًا من الدليل ورد له الإساءة بلكنته الصعيدية ودفعه بيديه. توقف الاثنان وأحاط بهم قليلون كانوا قريبين منهم، أما الآخرون فتابعوا السير وراء الدليل الصغير. هدد الدليل الآخرين بعصا كانت معه، وأمسك حجرًا كبيرًا من على الأرض، وضرب به الصعيدي على رأسه، فمات. لم يجرؤ أحد من المهاجرين على الاعتراض مع الكلام الذي كان يصيح به الدليل في وجههم ولا يفهموا من لكنته شيء. تسلل الرعب في نفس مصطفى والآخرين معه، ومضوا صامتين كالخراف وراء الدليلين.

مع حلول ضوء الفجر، وجدوا أنهم ليسوا المجموعة الوحيدة التي تسير في الصحراء، إذ كان على يمينهم ويسارهم مجموعات أخرى يقودها أدلة آخرين تاركين مسافة جيدة بينهم. عبروا السلك الحدودي الشائك بين مصر وليبيا، وأخيرًا، دخلوا إلى ليبيا. 

اختبأ الجميع في غرفة صغيرة مبنية بالطوب في وسط صحراء بعد السلك الحدودي، أطلق عليها الدليلان الاستراحة في مكالماتهما الهاتفية مع ليبيين يعملون مع «أبو سلطان»، والذين أتوا بعد ساعة وتسلموهم، وسجلوا أسمائهم في كشوف.

بعد ذلك، اصطحبوهم إلى مزرعة «أبو سلطان». كانت أرض مهملة لها سور أسمنتي مرتفع، ولها مساحة شاسعة، وبها خيم وغرف أسمنتية كبيرة مجهزة كمزارع للدواجن، بداخلها يُحتجر مئات المهاجرين منتظرين تدبير ذويهم أجر السفر لاستقلال المركب. يطلقون عليها المخازن، لأنهم يُخَزَنون فيها حتى موعد الرحلة.

أكلوا وشربوا واستراحوا في المخزن، وجلس مصطفى ومحمود وأصدقائهم الأبراشيين في ركنٍ مع بعضهم، ضمن مئات من المصريين والسوريين والسودانيين وآخرين من إريتريا وتشاد وباكستان وبنجلاديش ودول آسيوية أخرى. كانت المخازن أشبه بمقرات احتجاز. مسلحون يطوفون المخزن، يسبون أحيانًا أحد المحتجزين دون سبب سوى إرهاب الآخرين. يحصل كل محتجز منهم على وجبتين في اليوم، مكرونة مسلوقة وفول ورغيف عيش. 

بعد أربعة أيام من بداية الرحلة، أي السبت 20 مايو 2023، ظهر «أبو سلطان» للمرة الأولى، دخل عليهم المخزن، وقال إن من دفع أهله فاتورته سيركب باخرة مغادرة الليلة. نادى أسماء بعض المحتجزين، وتمنى للآخرين اللحاق بالرحلة القادمة. 

دخل من نادوا أسمائهم إلى ثلاجة سيارة نقل كبيرة توقفت داخل المخزن وغادرت بهم إلى ميناء طبرق. وفقًا للمنظمات العاملة في الهجرة، غادرت بالفعل شواطئ ليبيا يوم 21 مايو باخرة، وبعد أسبوع أنقذت ركابها سفينة تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود قرب جزيرة صقلية، جنوب إيطاليا. وخلال الأسبوع نفسه، انطلق قارب صغير آخر من طبرق يحمل 88 مهاجرًا، وأنقذته السفينة Humanity 1 ship.

بعد عدة أيام من إنقاذ السفينتين المبحرتين من سواحل طبرق في الأسبوع الأخير من مايو، دخل «أبو سلطان» إلى المخزن، وأمر الحراس أن يخلوا المخازن من المهاجرين لأن الشرطة الليبية ستأتي في أي لحظة. خرج مصطفى ومحمود وشباب قرية أبراش مع باقي المهاجرين إلى المزرعة وقفزوا من فوق سور عالي. انكسر موبايل مصطفى الذي استطاع الاحتفاظ به بعيدًا عن أعين الحرس طوال تلك المدة. ركبوا سيارات نقل كبيرة وانطلقت بهم إلى وسط الصحراء. يقول مصطفى: «نمنا في الجبل حوالي يومين في منطقة كان كلها شوك يدخل في جسمنا. محدش معاه بطاطين. وبعد يومين رجعنا على المخزن تاني».

تتفق رواية مصطفى مع بيان أصدره «الجيش الوطني الليبي»، المسيطر على الجزء الشرقي للبلاد، في الأول من يونيو، بخصوص قيامه بحملة على مدار عشرة أيام على المخازن في إحدى أكبر حملاته المناهضة للهجرة في شرق ليبيا في السنوات الأخيرة، بحسب وكيل وزارة الداخلية الليبية، فرج أقعيم. ونتاجًا للحملة، نُشرت فيديوهات لتحرير المحتجزين من المخازن الليبية. قُدر عدد المهاجرين الذين عثر عليهم بأربعة آلاف مهاجر، بحسب اللواء إبراهيم الشهيبي، رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبي، جميعهم أجبروا على عبور الحدود الليبية المصرية عبر منفذ أمساعد البري سيرًا على الأقدام، وأعادت سلطات حرس الحدود المصرية نحو ألفين منهم إلى ليبيا، بعد أن ثُبت دخولهم إلى ليبيا بشكل رسمي. 

أتت العملية الأمنية بعد ثلاثة أسابيع من زيارة قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، لإيطاليا في مطلع مايو من العام الماضي، حيث التقى برئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، ووزراء الخارجية والدفاع والداخلية بحكومتها. بحسب صحيفة «ريبوبليكا» الإيطالية، ناقشت ميلوني مع حفتر أسباب الزيادة غير المسبوقة في وصول المهاجرين إلى الشواطئ الإيطالية من شرقي ليبيا، والمقدرة بـ26 ألف و800 مهاجر من ليبيا وتونس في الثلاث أشهر الأولى من عام 2023 وفقًا لأرقام الأمم المتحدة. وكان «مدى مصر» نشر منذ عام تقريرًا حول تورط ضباط الجيش الوطني في إدارة وتسهيل شبكات التهريب.

وتعد شبكات التهريب في مركز التعاون الأوروبي مع مصر وتونس وليبيا لمواجهة الهجرة غير المنظمة الوافدة عبر المتوسط إلى سواحل اليونان وإيطاليا وغيرها من دول أوروبا المطلة على المتوسط، وهو ما أشار له جوزيف بوريل، مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، في رده عبر الإيميل على أسئلة «مدى مصر» بعد حادثة اليونان. تحدث بوريل عن حرص الاتحاد الأوروبي على العمل مع مصر على مكافحة التهريب، وذلك عن طريق إنشاء نظام مستدام وآمن للهجرة، وتعطيل نموذج أعمال شبكات تهريب البشر والاتجار بهم، مضيفًا: «أن محاربة هذه الشبكات الإجرامية مسؤولية عالمية لا يمكن لدولة واحدة أو منطقة واحدة أن تتصدى لها».

caption

رغم ما كان يحدث في ليبيا، كان أهالي شباب قرية أبراش في مصر يدبرون أموال الرحلة لـ«أبو سلطان». كل واحد فيهم مطالب بجمع 140 ألف جنيه لابنه. رهنت أم محمود بيتها الذي اشترته في شهر مارس الماضي بـ630 ألف جنيه مقابل 140 ألفًا، واتفق «أبو سلطان» مع شقيق محمود أن يرسل لهم أحد مندوبيه إلى أبراش لاستلام المبلغ. يقول أخو محمود لـ«مدى مصر»: «اتصل بي المندوب ودعاني لمقابلته في الأراضي المزروعة خارج القرية. جاء لي رجل بموتوسيكل وأخذ مني المبلغ ثم غادر بالموتوسيكل سريعًا».

أما والدة مصطفى، التي كانت تتواصل مع «أبو سلطان» عبر تطبيق ماسنجر، فلم تستطع تدبير المبلغ لابنها. خلال الرسائل التي اطلع «مدى مصر» عليها، قالت له إن كل ما يمكنها جمعه 50 ألف جنيه فقط. اتفق مصطفى مع «أبو سلطان» أن يدفع له 50 ألفًا ويكتب له شيك بـ90 ألفًا، لكن أم مصطفى لم تدبر سوى 30 ألف جنيه من الـ50.

قضى مصطفى مع محمود ابن خالته أيامهما معًا في المخزن حتى اليوم السابق على مغادرة مركب اليونان. دخل «أبو سلطان» مجددًا إلى المخزن ونادى على «من دفع أهله فاتورة سفره». ودّع محمود مصطفى على أمل أن يلتقيا مجددًا في إيطاليا. دخلت سيارة نقل إلى المزرعة وحملت مجموعة من الشباب، كان من بينهم محمود و35 آخرين من أبناء قرية أبراش. بحسب مصطفى، جمع «أبو سلطان» من المخزن 150 شخصًا فقط، و650 من مخزن آخر يتبع شقيقه. تحركت السيارة ليلة الخميس من المخزن وركبوا الباخرة فجر الجمعة، 9 يونيو 2023، وانطلقت من ميناء طبرق قاصدة سواحل إيطاليا.

كان مصطفى لا يزال محتجزًا في انتظار أن تجمع أمه الـ50 ألف جنيه، لكن بقاؤه وحيد في المخزن بعد مغادرة محمود وأصدقاء القرية جعلته يشعر برغبة في العودة إلى مصر وعدم انتظار المركب القادم، خصوصًا أن كل ما دبرته والدته 30 ألفًا، قبل بهم «أبو سلطان» مقابل عتق مصطفى من المخازن.

أرسلت أم مصطفى لـ«أبو سلطان» عدة رسائل، وبكت له في التليفون. تقول: «صعبت عليه قالي هنزل مصطفى بـ30 ألف». سلمه أحد أقارب «بو سطان» مع مجموعة أخرى من الذين قرروا العودة أيضًا إلى عربيتين ملاكي. كانوا ثمانية أشخاص، أوصلوهم إلى بوابات الجمارك الليبية، وعبروا من البوابة الأولى والثانية في الجمارك الليبية دون أن يعترضهم أحد، ثم توقفوا في البوابة الأخيرة المسماة ببوابة الشاويش عطية في ليبيا. حققوا معهم وسلموهم إلى الجمرك المصري. بقوا في مقر احتجاز هناك ثمانية أيام، كانوا 149 مواطنًا في مقر احتجاز في السلوم. حقق بعض الضباط معهم، ثم أخلى سبيل مصطفى في النهاية.

caption

لم ينج من أبناء أبراش الـ36 الذي صعدوا إلى القارب سوى ستة، من بينهم عادل أبو الدهب. في فيديو مسجل مع أبو الدهب من اليونان بعد أسبوع من إنقاذه، أخبر أهالي قريته ممن ينتظرون مكالمة من أبنائهم أن يدعوا لهم بالرحمة.

قبل عامين من ركوب أبو الدهب المركب، دخل في جمعية حصل منها على 100 ألف جنيه في عام 2021. فتح محلًا تجاريًا في أبريل 2022 لبيع أحذية مقلدة. اشترى عشرات الموديلات المستوردة اديداس ونايك وفانس، واستأجر محلًا على طريق ميت معلا جنوب القرية. افتتح المحل بالتزامن مع انحدار قيمة الجنيه المصري، وانخفاض حركة البيع والشراء معه. دفعه ضعف حركة الشراء في القرية إلى الهروب من ديونه تاركًا مشروعه وبضاعته ومقعدان أمام المحل لا يزال يتجمع عليهما أصدقائه.

يقول أحمد الديب، أحد أصدقاء أبو الدهب الذين يتولون إدارة المحل الآن، «الناس هناك تقدر توفر ألف يورو في الشهر. لما واحد من القرية يسمع رقم زي كده مش يجيله جنان؟ في عيال عندها 17 سنة وبتشتري أرض هنا دلوقتي».

يشير سائق توك توك كان جالسًا أمام محل أبو الدهب إلى فيلا صغيرة أمام المحل، خلفها خمسة أفدنة مزروعة بمحصول البامية. يقول إن الفيلا بيعت بخمسة ملايين جنيه، متسائلًا: «من معاه خمسة مليون في البلد يدفعهم في بيت إلا لو له حد في إيطاليا». بدا أن الجميع متفقين على أن هذه هي الطريقة الوحيدة لكسب المال هنا في قرية أبراش، وعادة تنتهي تلك الأموال القادمة من إيطاليا بشراء أراضي أو بناء بيوت متفردةً في التصميم والبناء.

في الوقت نفسه، لا يزال يتذكر أهالي القرية أسماء بعض أبنائها الذين فقدوا في عام 2002 على سواحل تونس غرقًا من مركب انطلقت حينها من زوارة غربي ليبيا، وبقت ذكراهم مجرد أسماء مكتوبة على جدران بعض بيوت القرية.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن