تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سقوط الفاشر: «جرح دارفور الذي لم يندمل»

سقوط الفاشر: «جرح دارفور الذي لم يندمل»

كتابة: حسان الناصر 13 دقيقة قراءة

لم يكن سقوط الفاشر بيد قوات الدعم السريع مجرد حدث عسكري عابر في حرب السودان الطويلة، بل نقطة تحوّل كبرى تعيد رسم ملامح الإقليم وربما مستقبل الدولة نفسها. المدينة التي كانت لوقت طويل آخر خطوط الجيش في دارفور، تحوّلت بين ليلة وضحاها إلى فضاء مغلق يعيش تحت الخوف والجوع، بعدما أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على أحيائها ومخيماتها. في الداخل أكثر من 800 ألف مدني عالقون بين القصف والمجاعة والانتهاكات، بحسب بابكر حمدين، وزير الصحة بحكومة سلطة إقليم دارفور.

منظمات إنسانية كانت حذّرت منذ شهور من أن الحصار المفروض على المدينة يهدد بوقوع كارثة، لكنّ التحذيرات لم توقف الانهيار. اليوم، تُغلق الطرق المؤدية إلى المخيمات، وتُنهب المساعدات أو تُوزع وفق الولاء القبلي، فيما تتحول المستشفيات إلى أطلال، بينما يعمل الأطباء في غرف مغلقة بلا أدوية أو كهرباء، بحسب مصدر طبي بشبكة أطباء السودان.

على المستوى العسكري، يعني سقوط الفاشر أن دارفور باتت، فعليًا، خارج سلطة الدولة المركزية. كانت المدينة آخر عاصمة إقليمية لم تدخل تحت سيطرة الدعم السريع. وبتحوّلها إلى قبضة حميدتي، تكتمل خريطة السيطرة على الإقليم بأكمله. هذا التطور لا يغيّر موازين المعركة فحسب، بل يفتح الباب أمام واقع جديد أقرب إلى الانفصال الفعلي لدارفور. السيطرة على الفاشر تمنح الدعم السريع منفذًا استراتيجيًا نحو الحدود مع تشاد وليبيا، وتؤمّن له خطوط إمداد ثابتة من السلاح والوقود، كما تعزز من قبضته على مناجم الذهب وشبكات التجارة غير الرسمية التي تموّل الحرب. في المقابل، يتراجع الجيش في غرب البلاد إلى مواقع محدودة ومعزولة، بينما يفقد نفوذه السياسي في الإقليم لصالح سلطة أمر واقع تنشأ على أنقاض الدولة.

في المحصلة، وبسقوط الفاشر، أصبح انفصال دارفور واقعًا قائمًا بحكم السيطرة، وأن عودة دارفور إلى سلطة الخرطوم باتت تحتاج إلى تسوية سياسية كبرى، لا إلى معركة عسكرية فقط. وهكذا يدخل السودان مرحلة جديدة من التشظي الجغرافي والسياسي، حيث لم تعد الحرب تدور على من يحكم الخرطوم، بل على من يملك الأقاليم.

يعكس التركيب الاجتماعي للقوات المشتركة في دارفور تاريخ الانقسام القبلي في الإقليم، ويكشف في الوقت نفسه عن حدود الولاءات داخل الحرب السودانية الحالية. فهذه القوات، التي نشأت في بدايات النزاع كتحالف محلي للدفاع عن المدن ضد تمدد قوات الدعم السريع، تضم مزيجًا من عناصر الجيش النظامي، ومقاتلين سابقين في الحركات المسلحة التي وقّعت اتفاق جوبا للسلام عام 2020، إلى جانب مجموعات أهلية مسلّحة تدين بولائها لقبائل الزغاوة والفور والمساليت وبعض بطون البرقد والتنجر، القبائل الإفريقية التي كانت على خلاف تاريخي مع القبائل العربية. هذه التركيبة جعلت «القوات المشتركة» أشبه بتعبير اجتماعي-سياسي أكثر من كونها كيانًا عسكريًا متجانسًا، إذ تتداخل فيها دوافع البقاء القبلي مع الانتماء الوطني والشخصي.

يقول ضابط رفيع بالقوات المشتركة من الناحية البنيوية، إن «الزغاوة» يمثلون العمود الفقري لهذه القوات، سواء عبر كوادر متمرسة من مقاتلي حركة العدل والمساواة أو من ضباط سابقين في الجيش. هذه الخلفية جعلت «الدعم السريع» ينظر إلى القوات المشتركة كامتداد لخصومه التاريخيين في حركات التمرد الدارفورية، خصوصًا أن «الزغاوة»، إلى جانب كونهم من أكثر المجموعات تعليمًا وتنظيمًا في الإقليم، يحتفظون بذاكرة مواجهة قديمة مع الجنجويد الذين تحوّلوا لاحقًا إلى «الدعم السريع» في العام 2016. ومع اشتداد القتال حول الفاشر، تحوّلت هذه الهوية القبلية إلى عامل تعبئة متبادل. يقول عبد الله أحمد بحر، عضو شورى «الزغاوة»، إنهم يعتبرون دفاعهم عن المدينة دفاعًا عن آخر حضورهم في الإقليم، بينما ترى القوات التابعة لـ«الدعم السريع» في المواجهة مع القوات المشتركة معركة لتصفية حساب تاريخي مع جماعة كانت خصمًا سياسيًا واجتماعيًا منذ 2003.

يضيف قيادي ميداني ثاني بالقوات المشتركة أن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد ثنائية «زغاوة مقابل عرب». فالقوات المشتركة تضم أيضًا عناصر من قبائل عربية صغيرة تضررت من تجاوزات «الدعم السريع»، وكذلك مقاتلين من «الفور» و«المساليت» الذين فقدوا مدنهم في غرب دارفور وانضموا إلى القتال في الشمال. لكن مصدر سابق بمستشارية الدعم السريع (2020-2022) يضيف بأنه يبقى الطابع الزغاوي غالبًا، ما جعل الدعم السريع يستخدم الخطاب القبلي لتبرير هجماته على الفاشر، معتبرًا إياها «مدينة للزغاوة» وليست عاصمة لكل الدارفوريين. يقول عبد الله بحر إن هذا الخطاب غذّى بدوره مخاوف الأهالي من أن سقوط الفاشر سيفتح الباب أمام حملات انتقام جماعية ضد «الزغاوة» وسكان القرى المتعاطفة معهم، على غرار ما حدث في الجنينة حين استُهدفت مجموعات «المساليت» بعد انسحاب الجيش منها.

من جهة أخرى، فإن العلاقة بين القوات المشتركة والدعم السريع تحمل طبقات من التناقض. فعدد من قادة «الدعم السريع» الميدانيين ينتمون بدورهم إلى قبائل دارفورية غير عربية، وبعضهم قاتل إلى جانب الحركات المسلحة في مراحل سابقة قبل أن ينضم لاحقًا إلى الجنجويد أو يُدمج في الدعم السريع تحت إغراء المال والمكانة. هذا التداخل العرقي-المصلحي جعل خطوط القتال أحيانًا ضبابية، وأتاح لقوات الدعم السريع استقطاب أفراد من داخل القبائل ذاتها التي تواجهها، مستفيدة من الانقسامات الداخلية داخل «الزغاوة» و«الفور» و«المساليت» أنفسهم.

في المحصلة، لا يمكن فهم الصراع بين القوات المشتركة و«الدعم السريع» بمعزل عن الانقسام القبلي العميق الذي يعيد إنتاج الحرب في دارفور منذ عقدين. القوات المشتركة تمثل «الوجه الأهلي» للجيش في الإقليم، وتستند إلى تحالف قبائل كانت تاريخيًا ضحية مشروع الجنجويد، بينما يجسّد «الدعم السريع» تحالف القبائل العربية المدعومة بشبكات اقتصادية وعسكرية تمتد عبر الحدود. ومع سقوط الفاشر، يتخذ هذا الانقسام بعدًا وجوديًا: صراع على الأرض والهوية والذاكرة، أكثر من كونه مواجهة بين جيش ومليشيا. هو باختصار استمرار للحرب القديمة في ثوب جديد، تُحركها نفس القبائل، ولكن تحت رايات مختلفة.

بدأت حرب دارفور في مطلع عام 2003، لكنها كانت تختمّر منذ عقود في باطن السياسة السودانية والإهمال التنموي، حين انفجرت التناقضات القديمة بين المركز والهوامش في شكل تمرّد مسلّح ضد السلطة في الخرطوم. في ذلك العام، أعلنت حركتان -حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وحركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم- تمردهما على الحكومة المركزية متهمين إياها بتهميش إقليم دارفور وتركه للفقر والعطش والحرمان من السلطة. ردّت حكومة عمر البشير حينها بعنف مفرط، مستخدمة الطيران الحربي وميليشيات قبلية عربية سُمّيت لاحقاً بـ«الجنجويد»، وهي النواة التي تطورت في ما بعد إلى قوات الدعم السريع.

بين عامي 2003-2008، تحولت دارفور إلى مسرح لأوسع عمليات تطهير عرقي شهدتها إفريقيا في العقدين الأخيرين. القرى أُحرقت، والسكان من إثنيات الفور والزغاوة والمساليت تعرّضوا لحملات قتل جماعي واغتصاب وتهجير. الأمم المتحدة قدّرت عدد الضحايا بما يزيد عن 300 ألف قتيل وأكثر من 2.5 مليون نازح، بينما أُحيل ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت في 2009 مذكرة توقيف بحق الرئيس البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

ورغم توقيع عدة اتفاقيات للسلام، أبرزها اتفاق أبوجا عام 2006 ثم اتفاق الدوحة عام 2011، إلا أنها لم تُنهِ الصراع فعليًا، إذ بقيت دارفور مقسّمة بين مناطق سيطرة الحركات المسلحة والحكومة، وبينهما قبائل متنازعة ومليشيات خارجة عن السيطرة. ومع مرور الوقت، أعادت السلطة المركزية هيكلة الجنجويد تحت مسمى «قوات الدعم السريع»، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وجعلتها جزءًا رسميًا من المنظومة الأمنية تحت إشراف جهاز الأمن والمخابرات، قبل أن تتحول إلى قوة مستقلة ذات نفوذ اقتصادي وعسكري ضخم.

خلال العقد اللاحق، تراجع التمرّد المسلح تدريجيًا بفعل إنهاك الحركات المسلحة ومخاطبة المصالح القبلية حيث حاول نظام البشير عقد صفقات مع قيادات أهلية من أجل إبعاد أي تأثير للحركات المسلحة على القبائل، لكن الإقليم لم يعرف سلامًا فعليًا. ظلت النزاعات القبلية والعنف الأهلي قائمة، تفاقمها الصراعات حول الأراضي الزراعية ومناجم الذهب، في ظل ضعف الدولة وانهيار المؤسسات. ومع سقوط نظام البشير في 2019، عاد ملف دارفور إلى الواجهة، لكن هذه المرة من بوابة الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بعد انقلاب 2021 وما تبعه من حرب شاملة اندلعت في أبريل 2023.

في هذه الحرب الجديدة، تحوّلت دارفور إلى ساحة مركزية للصراع، إذ أعاد الدعم السريع نشر قواته في الإقليم الذي يُعدّ معقله التاريخي. فبعد أن سيطر على نيالا والجنينة وزالنجي والضعين، بقيت الفاشر آخر مدينة كبرى في الإقليم خارج قبضته حتى عام 2025. ومع سقوطها، تكون دارفور قد انتقلت بالكامل إلى سلطة «الدعم السريع»، في مشهد يُذكّر ببداية التمرّد قبل أكثر من عقدين، لكن بأدوار معكوسة: فالقوة التي كانت ذراع النظام أصبحت الآن خصمه، والإقليم الذي شهد الإبادة صار قاعدة لقوة تُهدّد بتمزيق السودان نفسه.

تاريخيًا، ظلّ مسار حرب دارفور مرتبطاً بفشل المركز في بناء عقد سياسي واجتماعي يوازن بين التنوع والعدالة. كل جولة من الحرب كانت تبدأ بمظلومية وتتحول إلى تصفية جماعية، وكل اتفاق سلام كان ينتهي إلى إعادة إنتاج الحرب نفسها. واليوم، مع تكرار المأساة في الفاشر، يبدو أن دارفور لم تخرج يومًا من الحرب، بل كانت تنتظر فقط لحظة أخرى لتذكّر السودان والعالم بأن جذر أزمته لم يكن يومًا في الجغرافيا، بل في غياب الدولة التي تُنصف أبناءها على قدم المساواة.

يقول دكتور الاقتصاد بمعهد الدوحة للدراسات العليا، حامد علي، إن العلاقات بين المكونات العربية والإفريقية في دارفور هي المفتاح الأعمق لفهم سقوط الفاشر، بل لفهم طبيعة الحرب السودانية الراهنة بأكملها. فالإقليم الذي كان لعقود نموذجًا لتعايش هشّ بين المزارعين من القبائل «الإفريقية» (مثل الفور والمساليت) والرعاة من القبائل «العربية»، تحوّل تدريجيًا منذ مطلع الألفية إلى ساحة صراع وجودي يغذّيه التفاوت في السلطة والموارد والتمثيل السياسي، ثم انتهى إلى حرب هوية مفتوحة لا تقف عند حدود الجغرافيا.

يشير محمود ممداني في كتابه «منقذون وناجون: السياسة والحرب على الإرهاب» إلى أنه منذ اندلاع حرب دارفور عام 2003، أعادت الحكومة المركزية في الخرطوم تشكيل هذا الانقسام التاريخي عبر تسليح القبائل العربية لمواجهة التمرد الذي قادته الحركات المسلحة ذات الغالبية الزغاوية والفوراوية. وبذلك، انتقل الصراع من كونه مواجهة بين الهامش والمركز إلى مواجهة داخل الهامش نفسه. تكوّنت «الميليشيات العربية» التي أُطلق عليها لاحقًا اسم الجنجويد، لتتحول لاحقًا إلى قوات الدعم السريع تحت قيادة حميدتي، في حين ظلت المكونات «الإفريقية» مرتبطة بالحركات المسلحة المناهضة للنظام. هذا التقسيم العنيف أُعيد إنتاجه في الوعي الجمعي الدارفوري، حيث صار الانتماء القبلي يحدّد الموقف السياسي والعسكري.

المحامي والقانوني عبد الباسط الحاج يقول سقوط الفاشر اليوم يأتي كذروة لهذا المسار. فالمدينة تمثل رمزاً لوجود المكونات غير العربية في شمال دارفور، إذ يسكنها مزيج من «الزغاوة» و«الفور» و«البرقد» إلى جانب مجموعات عربية، لكنها في المخيال الدارفوري ارتبطت تاريخيًا بالزغاوة تحديدًا، الذين شكّلوا العمود الفقري للقوات المشتركة المدافعة عنها. لذلك، حين تقدّمت قوات الدعم السريع نحوها، لم يُنظر إلى الأمر باعتباره معركة عسكرية بين جيش ومليشيا، بل كحملة «فتح قبلي» تستعيد فيها المكونات العربية السيطرة على مدينة يُنظر إليها كآخر معقل للزغاوة. هذا البعد الرمزي جعل الحرب على الفاشر تتجاوز الحسابات الاستراتيجية لتتحول إلى اختبار للهيمنة الاجتماعية في دارفور.

يقول أحد القادة السابقين  في الجيش السوداني إنه من الناحية الميدانية، استفاد «الدعم السريع» من شبكة تحالفاته القبلية الممتدة عبر الإقليم -خصوصًا مع قبائل الرزيقات والمعاليا وبعض بطون العرب الرحّل- التي وفّرت له المقاتلين والتموين والممرات اللوجستية، بينما كانت القوات المشتركة تعتمد على دعم محدود من الجيش وبعض وحدات «الزغاوة» و«الفور». ومع كل بلدة تسقط، كانت الكفة الاجتماعية تميل أكثر نحو القوة المهيمنة ذات البنية العربية المتماسكة، فيما تتشتت القوى الإفريقية بين حركات سلام منزوعة السلاح ومجتمعات نازحة فقدت قدرتها على المقاومة.

يضيف القائد أن العلاقة بين المكونات العربية والإفريقية لم تكن دائمًا عدائية محضة. ففي فترات سابقة، نشأت تحالفات موضعية بين الطرفين ضد تدخلات المركز أو لحماية القرى من النهب، كما حدث في مناطق جنوب دارفور خلال 2015-2017. ويقول إن الحرب الأخيرة دمّرت هذه المساحات الرمادية، إذ نجحت قوات الدعم السريع في فرض خطاب تعبئة يقوم على «استعادة السيطرة» و«تأمين الأرض»، وهو خطاب وجد صداه في شعور تاريخي بالغبن لدى بعض القبائل العربية التي رأت نفسها مهمّشة من قبل الدولة المركزية وحركات التمرد في آنٍ واحد.

ويختم القائد بأن سقوط الفاشر يعيد إذن ترسيخ حدود الانقسام: العرب في موقع المنتصر، والمكونات الإفريقية في موقع الضحية. لكنه أيضًا يفتح الباب أمام دورة جديدة من الانتقام والاقتتال الأهلي. فالمجازر والانتهاكات التي رافقت السيطرة على المدينة ستولّد بالضرورة رغبة في الثأر لدى المجتمعات المهزومة، ما يعني أن الإقليم مقبل على موجة عنف مضاد قد تتخذ شكل تمردات محلية أو تصفيات قبلية في القرى والفرقان البعيدة عن أعين الإعلام. وهكذا، يصبح سقوط الفاشر ليس فقط سقوط مدينة، بل لحظة إعلان رمزي لانهيار آخر ما تبقى من توازن هشّ بين المكونات العربية والإفريقية في دارفور، توازن كان يضمن، ولو بالحد الأدنى، إمكانية التعايش.

بالنسبة لثلاثة من الفاعلين في منظمة مشاد، وهي منظمة معنية بالحقوق في إقليم دارفور، فإن جوهر الأمر، لا يمكن النظر إلى ما حدث في الفاشر كواقعة عسكرية أو سياسية معزولة، بل كبنية ممتدة لصراع طويل حول من يملك الأرض والذاكرة والسلطة في دارفور. وحين تؤول الكلمة للسلاح، كما حدث الآن، يصبح الانتماء القبلي بديلًا عن الانتماء الوطني، وتتحول المدن إلى خرائط دمّ جديدة تُعيد تقسيم الإقليم بين غالب ومغلوب. بهذا المعنى، لم يكن سقوط الفاشر مجرد نتيجة لحرب السودان الراهنة، بل استمرارًا لجرح دارفور القديم الذي لم يندمل قط، بل يتجدّد كل مرة بأسماء جديدة ورايات مختلفة.

يقول مصدر في «مشاد» إن قوط الفاشر يبعث بإشارات مقلقة على انزلاق دارفور إلى دورة جديدة من العنف الأهلي. القوات المشتركة التي كانت تقاتل إلى جانب الجيش تتكوّن في غالبيتها من أبناء قبيلة الزغاوة، ما يجعلهم الهدف المباشر لعمليات انتقام واسعة. ثمة مخاوف من أن تحول السيطرة إلى غطاء لحملات تصفية أو تهجير قسري بحق «الزغاوة» في مدن شمال دارفور وقراها، تكرارًا لسيناريوهات التطهير القبلي التي شهدها الإقليم في العقدين الماضيين. في المقابل، تتهيأ القبائل العربية المرتبطة بالدعم السريع لملء الفراغ، مستندة إلى القوة والسلاح والمكاسب الاقتصادية التي توفرها الحرب. بهذا المعنى، لا يقتصر الأمر على سقوط مدينة، بل على تفكك ما تبقى من نسيج اجتماعي هشّ، كان بالكاد يحتمل الصراع القديم بين المزارعين والرعاة، ليُستبدل اليوم بمنطق انتصار قبيلة وهزيمة أخرى، وما يصاحبه من إعادة رسم للخريطة السكانية والمصالح المحلية.

مصدر سابق بمستشارية «الدعم السريع» يقول إن سقوط الفاشر يفتح الباب أمام تحولات سياسية عميقة، تتجاوز الإطار العسكري إلى إعادة صياغة الخريطة السياسية للسودان، وربما إعلان واقع انفصالي فعلي في دارفور، حتى إن لم يُعلن رسميًا. فمع سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، وهي آخر المدن الكبرى في الإقليم التي كانت تحت سيطرة الجيش، يكون الإقليم -للمرة الأولى منذ ضمّه للسودان الحديث عام 1916- قد خرج بالكامل من يد السلطة المركزية في الخرطوم.

مصدر بتحالف القوى المدنية الديمقراطية (صمود) فضل حجب هويته يقول إنه على المستوى السياسي، يمكن القول إن الدعم السريع أصبح يمتلك اليوم مقوّمات كيان سياسي-إداري متكامل: سلطة أمر واقع تسيطر على الأرض، جهاز عسكري منضبط، شبكات تمويل ذاتية، وغطاء قبلي واسع يمتد عبر حدود الإقليم إلى تشاد وإفريقيا الوسطى والنيجر. هذا الواقع سيتيح له الانتقال إلى مرحلة إدارة الحكم في دارفور، سواء عبر إعلانه لحكومة مدنية موازية أو عبر تشكيل «إدارة إقليمية مؤقتة» تتولى إدارة الشؤون الإنسانية والخدماتية تحت شعار «الفراغ الإداري» الناتج عن غياب الدولة.

مصدر دبلوماسي سوداني يقول الدعم السريع يعمل منذ أشهر على إنشاء بنية حوكمة محلية في الإقليم، تشمل تعيين ولاة محليين، وإعادة إحياء الإدارات الأهلية التقليدية، وتأسيس «مجلس تنسيق دارفور»، وهو ما قد يُستخدم الآن كمنصة لإعلان كيان سياسي تحت رعاية حميدتي. لكن الدعم السريع سيحاول على الأرجح تجنّب إعلان الانفصال صراحة في هذه المرحلة، مفضّلاً خطاب «الإدارة الذاتية» أو «الحكم المحلي» لتجنّب عزلة دولية، خاصة أن الدول الإقليمية مثل تشاد وليبيا لا تزال تتحسّس من فكرة انفصال دارفور لما قد يخلّفه من أثر مباشر على توازناتها الداخلية.

في المقابل، فإن الجيش السوداني يجد نفسه اليوم أمام معادلة جديدة. فقد سقط آخر معقل رئيسي له في الغرب، ما يعني أنه فقد السيطرة العسكرية على الإقليم الممتد على خمس ولايات. 

يضيف مصدر سابق ببعثة السودان بالأمم المتحدة أنه بالنسبة إلى المجتمع الدولي، فإن الموقف سيظل حذرًا. فحتى لو بات الدعم السريع الحاكم الفعلي في دارفور، فإن الاعتراف به كسلطة شرعية سيظل مشروطًا بإمكانية الوصول الإنساني، وضبط الانتهاكات، وتقديم التزامات سياسية واضحة. مع ذلك، ستجد بعض الدول الغربية والإقليمية نفسها مضطرة للتعامل معه كـ«شريك أمر واقع» لتأمين مرور المساعدات واحتواء الفوضى الأمنية.

يضيف أيضًا في حال مضى الدعم السريع في خيارات حكومة مدنية في كامل الإقليم -وهو احتمال قائم إن استقر الوضع الميداني خلال الأسابيع المقبلة- سيحاول حميدتي تقديمها كخطوة «لإدارة الإقليم مؤقتًا إلى حين الحل السياسي الشامل»، لكنه في الواقع سيكون قد دشّن انفصالًا فعليًا لدارفور عن الدولة المركزية. ومع مرور الوقت، قد تتكرّس هذه الوضعية عبر مؤسسات محلية وإدارية وأمنية جديدة، لتتحول دارفور إلى كيان شبه مستقل مرتبط بالخرطوم اسميًا فقط.

في نهاية المطاف، تبدو الفاشر اليوم مرآةً مكبّرة لما آلت إليه الحرب في السودان: مدينة تُحتلّ باسم «التحرير»، لكنها في الواقع تُختطف من أهلها، وإقليم يُدار بقوة السلاح والعصبيات، بينما تنهار الدولة المركزية إلى حدود وهمية. ومع كل خطوة يتقدمها الدعم السريع، تتراجع فكرة السودان الواحد، ويصبح الحديث عن وقف الحرب ترفًا في بلد تُعاد صياغته على أنقاض مدنه المنكوبة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن