سر الجبنة الضاني
#جو عام
لا يقدم مُحب سمير أسرار صنعة الجبنة فحسب، بل يستعيد زمنًا طيبًا حين كان بيتهم في قرية البرشا بملوي في محافظة المنيا خلية إنتاج لصفائح تحوي الواحدة منها 12 كيلو جبنة، والتي ذاع صيتها من ريف المنيا حتى أسيوط. وهذا الديتوكس يدلنا على أسرار الصنعة، بل ونشم ونتذوق طعمها.
#دليل
كواحد من أبناء ريف الصعيد، تربيتُ وتغذيتُ على الأجبان منزلية الصنع. لم تعرف طفولتي ومراهقتي غيرها، لكن ما يميزني في هذا عن أي قروي زميل أن والدي بجوار كونه فلاحًا، كان تاجر «جبنة ضاني». وهي غير مصنوعة من لبن الأغنام كما تعتقد لأول وهلة من كلمة «ضاني»، بل تعني في قاموسنا المنياوي أنها بخيرها، كاملة الدسم وبلا مواد صناعية. تُعرف أيضًا بـ«جبنة ملوي»، وهو المنتج الذي تشتهر به قريتي البرشا، بجانب الحامض الذي يُصنع منه «الكِشك الصعيدي». وما أشهى طبق كِشك بالسمن البلدي مع قطعة جبنة من خزين طوبة، فالمثل الصعيدي يؤكد أن «اللي ماتخزنش جبنة وسمنة طوبة تبقى ست معيوبة»، فشهر طوبة أفضل توقيت لتخزين جبنتنا وإنتاج الزُبد.
عشرون شتاءً حُرمت فيهم من طقوس صناعة وتجارة الجبنة في بيتنا، بسبب غربتي في العاصمة. اعتدتُ عيشة المدن، وغموسها، لكني لم أعتد أجبانها المعلبة، لم أحبها بكل أنواعها وأشكالها وألوانها، لم تغرني رغم هضم معدتي لمئات العُلب منها، المستوردة في أيام الرخاء، والمعلبة الرخيصة في أيام الشُح وهي كثيرة، وفي السجن كانت الأجبان المُعلبة الرخيصة هي الوجبة الرسمية لنا كمساجين، وهذا سبب كافٍ لكرهي لها للأبد. وازدياد شوقي لجبنة أمي في بيتنا الفسيح.
كنت أنتظر ما ترسله أمي لي ولإخوتي من جبنتنا، عبوة كبيرة كل شتاء. مَن يسافر البلد فينا لإجازة مع عودته للقاهرة يحمل معه الجبنة لباقي إخوته بجوار اللحمة والكفتة بالأرز وحبات من فواكه حديقتنا الصغيرة. ولمّا كان أصدقائي أبناء المدن يجربون جبنتنا في زياراتهم لي ويدهشهم مذاقها، أعتدل في جلستي لأقص عليهم بزهو العارفين قصة جبنة البرشا. وبفخر حامل أسرارها، وسحر مذاقها المختلف تخرج الكلمات من فمي. قال لي صديق يومًا بعد التهامه نصف قالب في عشر دقائق إن هذه الجبنة تشعر أنها «طيبة».. هكذا لخص علاقتي بجبنتنا بعدما لهطها.
***
البرشا شتاء 87، نُربي جاموسة وبقرة وثلاث عنزات في حوش بيتنا.
تحلب أمي لبن الجاموسة لتنفيح الجبن، أما لبن البقرة للزبد. كل صباح ومساء، أرى أمي وهي تصنع الجبن بنفسها من لبن جاموستنا. حَلبِة الصباح، بعد أن تفطر البهائم، تأخذ من اللبن ملء وعاء، وتضعه ليغلي فوق المنقد بعد أن تصفو نار قوالح الذرة بجوفه، لنشرب منه قبل ذهابنا إلى مدارسنا.
باقي اللبن، تأخذه أمي وتضعه على الباجور «أبو شرطان»، وبعد غليه تذيب مقدار ملعقة واحدة من المنفحة على «تلت اللبن» والمنفحة هي بكتريا نافعة، تخرج من بطن العجل الصغير تُخلط باللبن ليتحول إلى جُبن. تترك أمي الخليط لبضع ساعات، يتحول خلالها اللبن إلى ما يُشبه الزبادي في هيئته، بعدها تقوم بتفريغه في قطعة طويلة من الشاش الأبيض الرفيع جدًا، مثل الشاش الطبي، يمر من جانبيها بالطول عصايتي جريد تحملان الشاش والجبن بداخله، ويُرفع عن الأرض. تضع أمي قالبي طوب متباعدين بطول قطعة الشاش، وتترك الجبن ليتماسك قليلًا. وتضع أسفله وعاءً أو أكثر لتصفي الجبنة من «المِهلة»، وهو الشرش قبل أن يُضاف له الملح.
كل صباح، أقف أنتظر تصفية «المهلة» لآخذ منها لكي أسقي كلبًا صغيرًا وجدته ضالًا وأنا ألعب مع أقراني في الجبل، وأحضرته لبيتنا. جرو بلدي ذكر كما أخبرتني أمي، لونه أصفر جميل. تحب الجراء والقطط الصغيرة «المهلة»، وتغذيها جيدًا.
تُقطع أمي الجبن بعد أن يتماسك قليلًا، ويمكنها تقطيعه وحمله خارج الشاش في أوعية. ترش عليه الملح وتغرقه في الشرش ليشتد قوامه أكثر، ويمكننا تخزينه في الصفائح. في المساء تعيد أمي نفس الكرة مع حَلبِة المغربية، وهو ما تفعله كل فلاحات قريتنا.
وفي أسبوع عيد الميلاد المجيد، نصحو من النوم على نواح أمي على بقرتنا الجميلة، التي لم تفلح معها محاولات عم فوزي العساس طوال الليل في معالجتها.
«البقرة دخل عليها دم» يقول أبي قبل ذهابي للنوم. يمسك العساس بشفرة موسي جديدة، وبيده الأخرى يمسك أذن البقرة الممددة أمامنا، يشرم أذنها. يعطيها أبي جربان الذرة الناشفة لتأكلها، فترفض. يسقيانها الشَربة التي وضعها لها العساس في سرنجة كبيرة. البقرة ممددة على جانبها في حوش بيتنا الفسيح، وحولها نار موقدة لتدفئتها.
تجلس أمي بالخارج تبكي، وأبي والرجال حول البقرة يتشاورون، يحسم عم فوزي العساس الأمر، «بيعها وقيع لأي جزار». بعدها بيومين، يخبر الجزار أبي أنه وجد في أمعاء البقرة إبرة معدن وهي التي تسببت في وفاتها، وأن لحمها كان أحمر وبلا عيب، مبرئًا الحُمى كما افترض الجميع. لكن أبي يرفض أن نأكل منه. ويبيع الجاموسة بوليدها -بعد أن وضعت بنهاية الشتاء- ويكتفي بتجميع الجبن من الفلاحين لتجارته المزدهرة. ومن يومها يقلّ الخير في بيتنا، بحسب أمي.
***
رائحة الجبنة الشرش تملأ بيتنا كل ليلة، طوال أشهر الشتاء القارس، حيث موسم صناعة الجبنة، فهذه الوصفة تفسد في حر الصيف، ويصبح الجبن «مفشش»، أي ممتلئ بالشرش وغير متماسك ودسامته أقل. بينما جبنة الشتاء، خصوصًا شهر طوبة هي الأجمل. تؤكل وهي طازجة طرية بخيرها، يكون ملحها خفيفًا، ودسمة لا تشبع من أكلها. بينما تُخزن في صفائح طيلة ستة أشهر لبيعها قديمة لمحبي الجبنة الحادقة. تكون الجبنة خلال هذه الفترة قد تشربت الملح واشتد قوامها أكثر وتفرز زبدها وقشطتها لتتحول قطعة الجبن إلى قالب كريمي ناعم متماسك، طعمه كالقشد أو الزبد المملح.
الفلاحون وزوجاتهم، وأطفالهم المعلقون في ذيول الأمهات، يملأون المشاية في بيتنا. متلفحون بشيلانهم وتلفيحاتهم الصوف العريضة. الرجل يجلس بجوار أبي على كنبته الخالدة، يلف سيجارة من علبته الصفيح الممتلئة بالتبغ، يحكي الرجل عن سقية القمح أو البرسيم، التي تعفرت وأصبحت الخَلفة/الحزمة الكبيرة بشلن. امرأته في الطرقة على يساره، بصحنها البلاستيك الكبير الممتلئ بالجبن، ومغطى بأحد شيلانها البيضاء الخفيفة، تقبع أمام أمي، وبينهما الميزان الحديدي الكبير. تزيح المرأة الغطاء عنه، وتضع قطع الجبن من صحنها في كفة الميزان الفارغة المخرمة لتصفية الشرش، وتنتظر أن ترى الميزان يطُب أمام الوزن الذي تضعه أمي في الكفة الأخرى. 2 كيلو في الوزنة الواحدة، وفي النهاية تجمع أمي عدد الكيلوات وتضربها في السعر، وتجمعها لتعرف ثمن الإجمالي، وتقيد الرقم في نوتة صغيرة يحتفظ بها الفلاح أو زوجته في جيب أحدهما. وتعيد كتابة نفس الأرقام في دفترها الكبير، لمعرفة الحساب طيلة عام. أمي هي المسؤولة عن حساب الفلاحين مع أبي لأنها عكسه تجيد القراءة والكتابة.
تملك دفترًا كبيرًا كالذي يستخدمه الموظفون، وكل صفحة منقوش عليها اسم أحد الفلاحين، على رأس الصفحة مثلًا اسم عم حنس أبو فلان، ومقسمة إلى ثلاثة أعمدة بالطول، الأول مدون فيه عدد كيلوات الجبنة الواردة، وفي خانة أخرى التاريخ، والأخيرة للفلوس التي سحبها الفلاح. خط كبير وواضح ومنظم وجميل أيضًا، ترسم الأرقام والأحرف بقلمها الرصاص الذي تحبه.
إحدى الكراسات كانت تحتوي على 350 اسمًا لفلاحين يتعامل معهم أبي في جمع الجبنة الضاني وتعبئتها في صفائح وبيعها في مدينة أسيوط.
***
بينما أنا وإخوتي نلتف حول المنقد نتابع التلفزيون، ونتمنى أن يخلو البيت لنسمع صوت أبطال المسلسل. أعبر من خلف المرأة الجالسة لأذهب لشرب مياه من القدرة، فتخترق أنفي رائحة المنفحة، رائحتها قوية ونفاذة، فسبحان مَن يجعل مثل تلك المادة سببًا رئيسيًا في صنع جبنتنا التي ليس لها مثيل، ويعطيها رائحة مميزة تعبق المكان، كأغلب الأجبان المخزنة، بفعل البكتريا النافعة المتغلغلة في المنفحة، وهي أحد أسرار المذاق الشهي لكل هذه الأجبان.
يشارك كل بيتنا في مراحل عمل الجبنة وتعبئتها في الصفائح. أتذكر جلوس أمي وبجوارها أختي الكبيرة بالساعات في مسح صفائح السمن والعسل الفارغة، التي كان يشتريها أبي لتعبئتها بالجبن، بعد تنظيفها جيدًا بـ«كُهن» قديمة، وهي عملية شاقة ومملة، خصوصًا في الصيف، بسبب إذابة بقايا السمن والعسل من الصفائح على النار، وتصفيتها ومسحها وهي ساخنة بالخرق، ثم غسلها بالماء الساخن والصابون، وتركها لتجف في الشمس. تنظف أمي وأختي 80 صفيحة في اليوم الواحد، وذلك قبل أن يريحهما أبي، ويريحنا جميعًا، بشراء صفائح جديدة غير مُستعملة، حتى لو بسعر أغلى.
بعدها تأتي مرحلة تعبئة الجبن في الصفائح، بعد وضع كيسين شفافين من البلاستيك في الصفيحة حتى فمها. وتُوضع قطع الجبن وتُرص في قاع الصفيحة من أسفل إلى أعلى بانتظام وحرص شديدين. كل صفيحة مُعبأة بـ12 كيلو. وقبل ربط الأكياس وإغلاق الصفيحة بغطائها، تأتي مهمتي في وضع قرني فلفل في كل صفيحة، وإمساك المصفاة السلك الكبيرة ليصب أحد إخوتي الشرش في كل الصفائح واحدة تلو الأخرى، ومن ثَم إغلاقها ورصها بجوار الحائط استعدادًا للحامها بالقصدير يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع. وهو الموعد المقدس لحضور عم فاروق السمكري.
***
يحضر عم فاروق بعدته ووجهه الشاحب وطوله النحيل، يحمل في يمينه صندوقًا من الصفيح، وفي يسراه وابور الجاز «أبو كباس». ينادي بصوت واهن ويدخل يجلس في ركن المشاية. يسند ظهره للحائط، ويبدأ في تسليك وابوره وإشعاله، قبل أن يصدح صوت الوابور المميز والمزعج. أنتبه لسبابة عم فاروق اليمنى المبتورة بسبب خطأ طبي في طفولته (تسري شائعة أنه بتر سبابته عمدًا للتهرب من أداء الخدمة العسكرية وقت الحرب.)
يخرج الرجل مكواته الحديدية القديمة من الصندوق ويضعها فوق النار، وتباعًا يخرج علبه السحرية الصغيرة التي تحتوي على أشياء غريبة ومثيرة لفضولي. علبة بها ماء النار، وأخرى مادة لتنظيف خشم الصفيحة. يلمع سيخ القصدير في يده، يحك بسواك سلك صغير حافة الصفيحة الدائرية أمامه، وبسرعة ومهارة يضع مادته السحرية السائلة بفرشاة حول عنق الصفيحة، ثم يدك الغطاء بيده القوية، بعد أن يعدل الغطاء بشاكوشه ويدوّره بالمقص الكبير بمهارة، ويضع سيخ القصدير على الغطاء بيد، وبالأخرى يحمل المكواة التي تبدو مثل جمرة، وفي أقل من دقيقة تكون الصفيحة قد لُحمت تمامًا، يختبرها عم فاروق خوفًا من أن تكون «منفسة» فيفسد الجبن في التخزين ويظهر فيه الدود، وهو خطأ لا يمكن أن يرتكبه سمكري في مهارة وإخلاص هذا الرجل.
عقب إصابته بالجلطة للمرة الثانية، يعتزل أبي التجارة، ويكتفى بمراعاة أرضه وملاعبة أحفاده الصغار.
خلال عشر سنوات، تتحوّل تجارة الجبنة في قريتنا إلى صراع كبير بين التجار، وهو التاجر الذي أحب تجارته وأخلص لها دون صراعات على لقمة العيش. حتى اليوم لا أعرف متى تعلق الأسايطة بجبنتنا بالذات، فهي الأشهر والأكثر بيعًا في المدينة العريقة، وأبي دائمًا يفتخر بأنه أول مَن باع كيلو الجبنة في أسيوط وقتما كان الكيلو بربع جنيه، وذلك مطلع سبعينيات القرن الماضي.
***
تدخل المعامل المعدة خصيصًا والمعقمة في قريتنا، وتتراجع صناعة الأجبان منزلية الصنع على يد الفلاحين، لصالح جبنة المعامل التي تنتج نفس المُنتج بجودة أقل، كما يعتمد عدد كبير من الفلاحين على بيع اللبن لتجار الألبان الجائلين، الذين يجوبون القرية صباحًا ومساءً لتجميع اللبن وبيعه لمعامل الجبنة والزبادي. حتى مهنة السمكري يصيبها الوهن، بعدما عرف التجار طريق اللحام بالسليكون الأسرع والأكثر عملية ونظافة عن القصدير. رغم ذلك، ما زلت أشاهد عم فاروق يكافح بطريقته التقليدية ويجوب شوارع القرية بصندوقه العتيق وعلبه السحرية.
تختفي من جدران بيتنا وهوائه رائحة الجبن القديم العالقة بالمكان، وتمتلئ ثلاجة بيتنا الكبيرة بعلب الجبن نباتية الدهن، مختلفة الألوان والأشكال والمذاق. بل تفجعني مغادرة ابنة أخي المراهقة غرفة الطعام، فور رؤيتها صحن الجبن موضوعًا على الطبلية، لأنها تكره الجبنة الضاني بسبب رائحتها. فيما تحب الأجبان المطبوخة في العلب الزجاجية، عديمة الرائحة.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن